نظم اتحاد المحامين الشباب بالرباط بتعاون مع منظمة محامون بلا حدود، لقاءً علمياً، خُصص لمناقشة موضوع “عدالة الأحداث على ضوء مستجدات قانون المسطرة الجنائية”، وهو اللقاء الذي عرف بحضور قضاة ومحامين وأساتذة جامعيين وباحثين.
استهل اللقاء بكلمات افتتاحية أكدت على سياق تنظيمه والذي يتزامن مع دخول قانون المسطرة الجنائية حيز التنفيذ، وتزايد الاهتمام بقضايا الطفولة، وفي هذا السياق أوضحت سارة سوجار ممثلة مؤسسة “محامون بلا حدود”، أن عدالة الأحداث تشكل معياراً أساسياً لقياس قدرة المنظومة الجنائية على تحقيق التوازن بين حماية النظام العام وصون المصلحة الفضلى للطفل.
في نفس السياق أكد الكاتب العام لاتحاد المحامين الشباب سامي عنيبة على أن التعديلات التي همّت قانون المسطرة الجنائية أعادت صياغة الفلسفة المؤطرة للتعامل مع الحدث في نزاع مع القانون، عبر تعزيز الضمانات الإجرائية وتكريس طابع حمائي أوضح، دون المساس بسن المسؤولية الجنائية. مشددا على أن “نجاح هذا الإصلاح لا يرتبط فقط بجودة النصوص، بل يتوقف على توفير الإمكانات اللازمة لتنزيلها فعلياً، بما يضمن حماية حقيقية ويفتح أمام الطفل آفاق الإدماج وإعادة البناء”.
من جهته، توقف الأستاذ عمر بلمعطية ممثل اتحاد المحامين الشباب بهيئة الرباط، عند مفهوم“المصلحة الفضلى للطفل” كمبدأ يعد قاعدة ملزمة في منظومة عدالة الأحداث، مستنداً إلى اتفاقية حقوق الطفل ولاسيما مادتها الثالثة التي تجعل مصلحة الطفل الاعتبار الأول في جميع الإجراءات القضائية.
وأكد بلمعطية أن الإصلاح القانوني يجب أن يوجه العدالة من منطق الزجر إلى منطق الحماية وإعادة الإدماج، بحيث تصبح الغاية الأساسية هي تأهيل الطفل وتمكينه من العودة إلى المجتمع، وليس الاقتصار على العقاب.
كما لفت المتحدث إلى أن النصوص الجديدة كرست هذا التوجه عبر عدم مساءلة من لم يبلغ 12 سنة، واعتماد التدابير الإصلاحية كخيار أول، مع جعل العقوبة السالبة للحرية استثناءً.
من جانبه تناول الدكتور أنس سعدون، عضو نادي قضاة المغرب، عدالة الأحداث من زاوية التحديات البنيوية والعملية، مسلطاً الضوء على أبرز المستجدات التي تضمنها قانون المسطرة الجنائية الجديد والتي تتمثل في التأكيد على أن محاكمة الأحداث لا تكتسي طبيعة عقابية، وهو ما يعني تغليب الإصلاح والتهذيب عن منطق العقاب، فضلا عن التأكيد على الطابع السري لجميع الإجراءات، إلى جانب الحرص على احترام المحاكمات للأجل المعقول، مؤكدا على ضرورة الحرص أن يكون مجال الإجراءات القضائية هو الملاذ الأخير لمعالجة أوضاع الأطفال في تماس مع القانون.
من جهة أخرى تطرق المتدخل الى عدد من الإكراهات التي تواجه عدالة الأحداث، أبرزها عدم الفصل بين مسار الطفل الضحية والطفل الحدث والطفل في وضعية صعبة، و عدم توفر مراكز حماية الطفولة على جناح خاص بالفتيات، وعدم توفر وسائل نقل كافية لإحضار الأحداث من مراكز حماية الطفولة، ووجود عراقيل بخصوص الأبحات الاجتماعية والسلوكية والنفسية المنصبة على الأحداث، ناهيك عن مشكل الاكتظاظ الذي تعرفه بعض المؤسسات الإصلاحية، الى جانب معضلة خصاص الموارد البشرية والتي تحول دون وجود تخصص وتفرغ بالنسبة للعاملين في مجال حماية الطفولة، دون اغفال التحدي الثقافي من خلال استمرار الصور النمطية التي ما تزال تكرس النظرة السائدة للحدث الجانح باعتباره شخصا ارتكب فعلا مخالفا للقانون يجب عقابه، وليس "ضحية ظروف" يجب تقويمه، علاوة على غياب التنسيق العرضاني لدى القطاعات المعنية مما يجعل التدخل مشتتاً وغير فعال في احتواء ظاهرة جنوح الأحداث من جذورها.
وبخصوص التوصيات المقدمة أكد المتدخل على ضرورة توسيع نطاق المساعدة القضائية في قضايا الأحداث لتشمل أيضا نفقات التقاضي، واحداث صندوق للضحايا يحل محل المحكوم عليهم في أداء التعويضات المحكوم بها والتي يتعذر تنفيذها، واعداد بروتوكولات موحدة في التعامل مع قضايا الأطفال، وتوفير دلائل مبسطة لشرح الإجراءات القضائية تراعي مبدأ المشاركة التي تنص عليها اتفاقية حقوق الطفل.
أما الدكتور حليم شعيب عضو الودادية الحسنية للقضاة، فقد أكد أن “قانون المسطرة الجنائية جاء بمكتسبات جوهرية ترسخ الطبيعة اللاعقابية لعدالة الأحداث، بعدما أقر بعدم مسؤولية الحدث الذي يقل سنه عن 12 سنة، واستحدث الفصل 461.1 الذي يمنع متابعته”.وأوضح أن “إقامة الدعوى العمومية في قضايا الأحداث هي حق تستأثر به النيابة العامة حصراً، ولا يمكن للمتضرر أو للادعاء المباشر إقامتها نظراً لأن الهدف الأساسي من هذه الدعوى ليس الانتقام، بل المطالبة بتطبيق تدابير الحماية والتهذيب”، وتحدث أيضا عن “تكريس حق الدفاع ومراعاة البعد النفسي للأحداث، إذ يجوز لهيئة المحكمة والدفاع عدم ارتداء البذلة القضائية أثناء الجلسات، حتى لا يشعر الحدث برهبة المحاكمة أو الخوف من الأجواء المصاحبة لها؛ كما أن الحدث يُحاكَم في جلسة سرّيةٍ لا تحضرها العامة. كما أن المشرع المغربي نص صراحة على أن محاكمة الأحداث هي ذات طبيعة لا عقابية، إلى درجة أنه لم يسمح بإصدار أحكام بالحبس في حق هذه الفئة لما دون 14 سنة لأجل جناية، وبالنسبة للجنح إذا كان سن المعني بالأمر لا يتجاوز 16 سنة”، مردفا: “العقوبة الحبسية هي الاستثناء، ويمكن كذلك تغييرها إلى تدبيرٍ للتهذيب والحماية”.
فضلا عن ذلك أبرز عضو الودادية الحسنية للقضاة أن “العناية بفئة الأحداث تتم أيضا داخل ردهات المحاكم، حيث يجري تعيين قضاة أكفاء لثلاث سنوات لإدارة ملفات هذه الفئة، استحضارا لخصوصيتها ولضرورات التعامل معها كما ينبغي”.
وفي السياق ذاته أبرز الدكتور حسن الرحيية، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية بفاس ومدير مختبر “إقلاع: القانون والمجتمع”، أن قانون المسطرة الجنائية 03.23 يشكل محطة مفصلية في إعادة بناء فلسفة العدالة الجنائية الخاصة بالأطفال، من خلال الانتقال من منطق الزجر إلى منطق الحماية والإدماج، انسجاماً مع اتفاقية حقوق الطفل. و شدد على أن نجاح هذا التحول يقتضي تعميق النقاش حول قضايا جوهرية، في مقدمتها تدرج المسؤولية حسب السن، وأنسنة المصطلحات باعتماد تعبير “الطفل في نزاع مع القانون” بدل “الحدث الجانح”، إلى جانب جعل الإيداع المؤسساتي إجراءً استثنائياً والاعتماد أساساً على تدابير حمائية داخل الوسط الأسري والاجتماعي.
كما أبرز أهمية تصنيف الأطفال داخل المؤسسات وفق معايير دقيقة تراعي السن ونوع الفعل والخصوصية، خاصة بالنسبة للفتيات، مع تجويد البحث الاجتماعي وتقارير التتبع لضمان اختيار التدبير الأنسب.
ودعا المتحدث ذاته إلى تفرغ قضاة الأحداث وتكوين المساعدين الاجتماعيين تكويناً متخصصاً، واعتماد برنامج حياة مندمج يقوم على التأهيل التربوي والمهني والدعم النفسي، مع إرساء آليات فعالة للرعاية اللاحقة بعد انتهاء التدبير.



الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
ندوة علمية بالرباط “عدالة الأحداث” في ظل مستجدات قانون المسطرة الجنائية






