Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




نحو حل لنزاع الصحراء


     



ذ بلوط عبد الغني






ذ بلوط عبد الغني


 
 
 
استنفدت قضيتنا الوطنية جهوداَ وسياسات وهي ما زالت لم تحسم بعدُ بالاعتراف الدولي للمغرب بحقوقه المشروعة. لقد حضي الإعلان عن نية المغرب لاسترجاع الصحراء سنة 1975 بتأييد شعبي عارم.

كان الوطنيون المغاربة يطالبون بأكثر من ذلك، بمناطق في شرق المغرب وبمدينتي سبتة وامليلية والصحراء الغربية وموريطانيا جنوب الصحراء، منذ فجر الاستقلال. لكن المغرب كان حديث عهد بالاستقلال ولم يرد أن يفسد علاقته بالدولتين الصديقتين : فرنسا و إسبانيا ولا بالشقيقة الجزائر التي ناضل المغرب إلى جانبها إلى أن أحرزت استقلالها سنة 1962 . كانت تلك مطالب مؤجلة، كان المغرب يؤمل أن يجد لها حلا مع الأشقاء والأصدقاء.

لقد كانت الصحراء عامل توحّد و تطور للمغرب الذي عمل جاهداَ على تنمية الأقاليم المسترجعة وإقامة البنيات الأساسية والتجهيزات والبناء... لكن، على الصعيد الدبلوماسي، كانت جهوده يُتصدى لها من طرف الجزائر التي جعلت من التصدي للمغرب ركناَ ركينا في سياستها الداخلية والخارجية.

سياسات المغرب في الصحراء تطورت من التأمين واسترضاء الأهالي والقبائل إلى اقتراح استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة. ثم لمّا تبين بأن شروط استفتاء سليم غير قائمة اقترح المغرب الحكم الذاتي كحل وسط ونوع من أنواع تقرير المصير بالنسبة للصحراويين ويعترف في نفس الآن للمغرب بالسيادة في أقاليمه. تطورات هذا الملف معروفة، لن أطيل بذكرها، تابعها جيلي، جيل السبعينيات، باهتمام شديد. فمن المسيرة الخضراء إلى قرار محكمة لاهاي إلى انسحاب موريطانيا إلى مقترح الاستفتاء إلى مقترح الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية على عهد جلالة الملك محمد السادس.

حقوق المغرب في الصحراء ثابتة يؤكدها التاريخ والجغرافيا والتواصل الإنساني على مدى العصور والأزمنة ووحدة الدين واللغة ...زيادة على الجهود الجبارة في البنيات الأساسية والبناء والتنمية والاستثمار. ولقد كانت لقضية الصحراء آثار جانبية حميدة، منها توحد صفه الداخلي حول القضية وتطوير قواته المسلحة وانخراط المغرب في المسلسل الديمقراطي.

كان طموح المغرب دائما إلى مغرب ممتد وموحد وقوي، كما كان عبر التاريخ، في انتظار مغرب عربي كبير حلم به جيل الاستقلال. كان هذا التصور يعارضه الانفصاليون وداعموهم لأن الصحراء وسيلتهم للارتزاق والنفوذ في المنطقة.

لقد أكد جلالة الملك في أحد لقاءاته بالممثل الأممي في الصحراء بأن الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية هو مقترح مفتوح يمكن التفاوض بشأن محتواه.
 مشروع الجهوية الموسعة الذي كان المغرب يعتزم إطلاقه بعد أن تدارسته اللجنة المكلفة سنة كاملة كان يقسم المغرب إلى 12 جهة، ثلاث جهات تشمل المنطقة الصحراوية محل النزاع وتسع جهات لمغرب الداخل.

رُفض مقترح الحكم الذاتي وصيغة الجهوية الموسعة. ولعل الحكم الذاتي بصيغة الجهوية الموسعة لا يخدم مصالح المغرب على المديين المتوسط والبعيد، إذ يجعل من الصحراء ثلاث جهات وليس جهة واحدة بحكم ذاتي موحّد يسهل التعامل معه. بالإضافة إلى أنه قد ينقل نوازع الانفصال والمنازعات الجهوية إلى مغرب الداخل.

فكرة الجهوية، كما اقترحتها اللجنة المكلفة، فكرة جيدة لتنشيط التنمية وإعادة تنظيم المجال من أجل الحكامة الاقتصادية ومن أجل التناغم الفعّال مابين التنمية المحلية والتأطير المركزي. لكن اعتبارات كثيرة منها ما سبق ذكره ترى بأنه من الضروري الفصل بين الأمرين : الصحراء والجهوية. فلا نعلق مشروع الجهوية بالمسألة الصحراوية ولا نتوسل بالجهوية لحل نزاع الصحراء. سيكون الربط بين الإثنين تعويقا لهما معا. الواقع يفرض علينا أن لا نتعامل مع الجهات الصحراوية كما نتعامل مع جهات الداخل. يكون من الملائم إذن أن تكون هناك جهوية للداخل المغربي وجهوية للمناطق الصحراوية، مع الفصل البيّن بينهما والبدء بتطبيق الجهوية بالداخل وتأجيلها بالمناطق الصجراية إلى حين.

قضية الصحراء في حالة جمود لكن المغرب في موقع قوة بما أنجزه على الأرض وبالتزامه بالسلم وبحل تفاوضي متوافق عليه في إطار الأمم المتحدة. وبإمكان المغرب أن يقدم اقتراحات متعددة لإخراج القضية من النفق المسدود. اقتراحات ستكون محرجة للطرف الآخر ولمؤيدية أمام المنتظم الدولي بقدر ما تكون ضامنة لحقوق المغرب في الصحراء. أحد هذه المقترحات كنت عرضته في مقال سابق تحت عنوان ‘‘ رأي في قضية ’’.

في ما يلي سأعرض مقترحا آخر أضمنُ لحقوق المغرب وكفيلٌ أن يقبل به الانفصاليون لأنه يسعى في الأمد المتوسط والبعيد لحلّ مشاكل الساكنة الصحراوية والحالة الانفصامية التي تعيشها وكذا خدمة قضايا التنمية بما يتلاءم وطبيعة المنطقة ودون أن يرهق كاهل الإدارة المركزية.

لا يمكن للانفصاليين ومؤيديهم أن يتنكروا لجهود المغرب الأمنية والتنموية في الصحراء على مدى 38 سنة. والمغرب ولا شك يستشعر مسؤولية الاستمرار في هذه الجهود وتعميمها على كل الصحراء من أجل الأمن والاستقرار وتطور ملائم للمنطقة يصوغه أبناء الصحراء بمساعدة المغرب. هذا التزام سياسي وحقوقي بل عاطفي وأخلاقي اتجاه المنطقة رغم التكاليف الباهضة التي أداها مغاربة الداخل وما زالوا. البديل عن هذا الالتزام نحو الصحراء ليس سوى الفقر والفوضى والصراعات القبلية...وهو ما لايمكن أن يسمح به المغرب حرصاَ على أمن المناطق الصحراوية كما على أمن مغرب الداخل.

أذكر هنا ببعض المعطيات على الأرض. الجزء الغربي من الصحراء الذي يدبره المغرب يشكل 80 %  من مجموع الأراضي الصحراوية ويحتوي على ما يقرب من 85 % من إجمالي الساكنة، بينما الجزء المتاخم لتندوف في ما وراء الجدار الأمني لا يشكل سوى 20 % من المساحة الإجمالية و15 % من الساكنة على أكثر تقدير. هذه المنطقة التي خلف الجدار يتنفذ فيها الانفصاليون ويحاولون بشتى الوسائل تسريب أطروحاتهم إلى المناطق المدارة من طرف المغرب كما ابتزاز الإدارة المغربية وإثارة القلاقل في كل المناسبات.

لماذا لا يكون الإقرار بهذا الواقع المنقسم ويُعترف بكيان صحراوي منفصل على هذا الشريط الأرضي، بل يمنحهم منفذاَ على البحر محادياَ للحدود الموريطانية ؟ بعد ذلك يلتزم المغرب بفتح معابر في الجدار الأمني برقابة أمنية مغربية صارمة كما على جميع حدود المغرب. انفصاليو الداخل يطردوا إلى الجهة الأخرى ولا يُسمح لهم بالدخول مرة أخرى. وقد يأمل المغرب بعد فترة من الهدوء والثقة أن يساعد على تجهيز وتنمية المنطقة المنفصلة. باقي الصحراء بحواضرها الآهلة : العيون، بوجدور، السمارة، الداخلة...ستكون تحت إشراف الإدارة المغربية وبتدبير محلي ديمقراطي يعتمد التنمية الذاتية.
 

الاثنين 28 أكتوبر 2013
1359 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter