MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية
plateforme des décideurs juridiques - Platform of Legal Decision-Makers




نحو تجريم التماطل في أداء واجبات السنديك

     

الأستاذ هشام اوجامع محام بهيئة الدارالبيضاء



نحو تجريم التماطل في أداء واجبات السنديك
يعد نظام الملكية المشتركة في المغرب، كما نظمه القانون رقم 18.00، من الركائز الأساسية لحماية الثروة العقارية وضمان التعايش المنظم داخل الإقامات السكنية. غير أن التطبيق العملي كشف، مع مرور الزمن، عن اختلالات بنيوية عميقة، في مقدمتها تفشي ظاهرة الامتناع العمدي عن أداء واجبات التسيير والصيانة، بما جعل عددا متزايدا من العمارات والإقامات يعيش وضعية هشاشة دائمة تهدد استقرارها ووظيفتها الاجتماعية.

فالمالك المشترك ملزم قانونا بالمساهمة في التكاليف الضرورية لحفظ الأجزاء المشتركة وصيانتها وتسييرها، وقد أحاط المشرع تنفيذ هذا الالتزام بوسائل ذات طابع مدني، من قبيل مسطرة الأمر بالأداء المشمول بالنفاذ المعجل، وإمكانية تقييد رهن جبري على الجزء المفرز للمالك المتخلف عن الأداء. غير أن هذه الوسائل، رغم مشروعيتها، أثبتت محدوديتها العملية بسبب إكراهات التبليغ والتنفيذ، وطول أمد المساطر، وتعدد المنازعات العرضية، وارتفاع تكاليفها القضائية، وهو ما يجعلها غير منسجمة مع الطبيعة الاستعجالية لتسيير الإقامات، حيث يكفي امتناع فئة محدودة من الملاك عن الأداء لتعطيل مرافق أساسية وشل عمل السنديك.

ولا يمكن اختزال الامتناع عن أداء واجبات الملكية المشتركة في كونه إخلالا ماليا بسيطًا، بل هو سلوك ذو أثر جماعي مباشر، يخل بالتوازن المالي للإقامة، وينتج وضعية انتفاع غير مشروع من خدمات ممولة من الغير، ويضرب في العمق مبدأ المساواة والتضامن الذي يقوم عليه هذا النظام. كما أن آثاره لا تقتصر على الجانب المالي، بل تمتد إلى المساس بجودة العيش، وصيانة وتزيين الأجزاء المشتركة، وقد تبلغ أحيانا حد تهديد السلامة العامة، كما هو الشأن عند انقطاع الكهرباء بسبب عدم الأداء، أو تعطل المصاعد، أو غياب الحراسة، أو إهمال صيانة التجهيزات الأساسية، والحدائق والمسابح وغيرها.

وأمام هذا الواقع، يتضح أن الاقتصار على المقاربة المدنية لم يعد كافيا لضمان احترام الالتزامات الجماعية، ومن ثم تبرز الحاجة إلى أدوات ردعية أكثر فعالية ووقائية، لا تعالج النزاع بعد تفاقمه، بل تمنع وقوعه ابتداء. وفي هذا السياق، يشكل إقرار غرامات التأخير اليومية آلية ضرورية، من خلال التنصيص على نسبة معينة من مبلغ الدين تحتسب بعد استحقاق المبلغ الشهري مباشرة، أو بعد مرور أجل خمسة عشر يوما من تاريخ التوصل بالإنذار الموجه من طرف السنديك، بما يشكل رادعا ماليا حقيقيا، يجعل كلفة الامتناع أعلى من كلفة الالتزام، ويعيد الاعتبار لانتظام الأداء.

غير أن الردع المالي، مهما بلغت درجته، يظل غير كاف إذا لم يدعم بسند زجري صريح. فالتجربة التشريعية المغربية أكدت أن مجرد وجود نص جنائي كفيل بتعديل السلوكيات، حتى قبل تفعيل العقوبة. ويتجلى ذلك بوضوح في مقتضيات إهمال الأسرة، حيث جرم المشرع الامتناع العمدي عن أداء النفقة رغم وجود حكم قضائي قابل للتنفيذ، ليس لكونه إخلالا ماليا مجردا، بل بالنظر إلى آثاره الاجتماعية الخطيرة وكونه يهدد استقرار الأسرة ورعاية الأطفال. فقد نص الفصل 480 من القانون الجنائي على معاقبة الممتنع عن أداء النفقة المحكوم بها، مع تشديد العقوبة في حالة العود، كما اعتبرت المادة 202 من مدونة الأسرة أن التوقف عن أداء نفقة الأولاد دون عذر مقبول صورة من صور إهمال الأسرة.

وهذا المنطق التشريعي نفسه يصلح أساسا لتجريم الامتناع العمدي عن أداء واجبات الملكية المشتركة، فكما أن النفقة التزام جماعي داخل الأسرة، فإن واجبات السنديك تمثل التزاما جماعيا داخل الإقامة. وكما أن الامتناع عن النفقة يلقي بعبئه على باقي أفراد الأسرة، خاصة الأطفال، فإن الامتناع عن الأداء يثقل كاهل الملاك الملتزمين ويعرض المرافق المشتركة للتدهور. ومن ثم فإن تجريم هذا السلوك لا يشكل إفراطًا زجريا، بل امتدادا منطقيا لسياسة تشريعية تهدف إلى حماية التوازنات الجماعية كلما ثبت قصور الآليات المدنية عن تحقيق الردع.

وتجدر الإشارة إلى أن نجاعة هذه الآليات تبقى مرتبطة بوجود عمارات وإقامات منظمة، تتوفر على سنديك قانوني، وتعقد جموعها العامة بانتظام، وتمسك محاسبة شفافة يمكن اعتمادها لاستصدار الأوامر القضائية وتفعيل مساطر التنفيذ وتقديم الشكايات ضد الملاك الممتنعين عن الأداء. 

أما العمارات التي تفتقر إلى السنديك ولا تعرف انتظام الجموع العامة، فإنها تطرح إشكالا من طبيعة مختلفة، يستدعي تفكيرا تشريعيا خاصا يروم إلزام الساكنة بالتنظيم الجماعي باعتباره المدخل الأساسي لأي إصلاح فعال.

إن ضمان استدامة نظام الملكية المشتركة لم يعد رهينا بتنظيم الحقوق والالتزامات وحده، بل أصبح مشروطا بتشريع يمتلك سلطة الردع إلى جانب آليات التنظيم. فالرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في تشييد البنايات فقط، بل في صونها وحماية وظيفتها الاجتماعية، وضمان عدالة جماعية تحمي الأغلبية الملتزمة من كلفة تهاون أو مطل الأقلية، وتكرس فعليا مبدأ التعايش المسؤول داخل الملكية المشتركة.


 

نحو تجريم التماطل في أداء واجبات السنديك



الاربعاء 18 فبراير 2026
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"

تعليق جديد
Twitter