MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية
plateforme des décideurs juridiques - Platform of Legal Decision-Makers





مهنة المحاماة بين الواقع والرهانات

     

رشيد عبيد الرحمان
خريج ماستر المتخصص- المهن القانونية والقضائية
جامعة عبد المالك السعدي
محامي متمرن بهيئة طنجة



مهنة المحاماة بين الواقع والرهانات

 

مقدمة:

   ارتبطت مهنة المحاماة بفكرة القانون والعدالة في العصر الحديث، حيث كانت دائما رمزا للدفاع عن الحق والقانون ودرعا للضعفاء في مواجهة الأقوياء من الجبابرة وذوي السطلة.
  وقد كان كثير من المنتمين لهذه المهنة ممن أثروا في مسار الأحداث العالمية والوطنية، حيث كان أغلب القادة السياسيين منذ النصف الثاني للقرن 18 من المنتمين لهذه المهنة السامية، وطبعا كان جلالة الملك المغفور له مولانا الحسن الثاني طيب الله ثراه يقول وهو خريج كلية الحقوق: "كثيرا ما كنت أقول مازحا، كان في الإمكان أن أصبح محاميا"[1]، وطبعا تجاوز تأثير مهنة المحاماة السياسة والاقتصاد  بل حتى أن كلية الحقوق تسمى  في بعض البلدان بكلية المحاماة.
  والمحاماة مهنة حرة، مستقلة، تساعد القضاء، وتساهم في تحقيق العدالة، والمحامون بهذا الاعتبار جزء من أسرة القضاء، وذلك حسب المادة الاولى من القانون 28.08[2]، وعرفها الفقه الفرنسي الأستاذ أبلوتونAppleton  بقول (إن المحامي هو المقيد قانونا في جدول نقابة المحامين، وهو الذي يزجي النصح ويعطي الاستشارة القانونية أو القضائية، ويقوم بالدفاع أمام القضاء شفويا أو بالكتابة فيما يمس شرف المواطنين وحرياتهم ومصالحهم سواء بالمعاونة أو التمثيل إذا اقتضى الحال ذلك)[3].
  والمحاماة كما نعرفها اليوم هي مهنة حرة تشارك القضاء وباقي المهن المساعدة له في عملية إنتاج العدالة، لكن لابد من الإشارة أن هذه المهنة قطعت أشواطا طويلة حتى تطورت لما هي عليه الآن، ففي اليونان القديمة كان كل طرف من المتقاضـين يدافع بنفسه عن قضيته، وكان عليه أن يعرض بنفسه قضيته للمرة الأولى، فلما أخذت تتعقد الإجراءات القضائية بسبب تطورات الحضارة وتعقد القضايا، ومع مرور الوقت تبين للمتقاضين تأثر القضاة ببلاغة الألفاظ، حينها أخذ البعض يلجأ إلى استخدام خطيب أو رجل بليغ متضلع في القوانين وأعراف البلاد، يؤيد المدعي أو المدعى عليه ، أو يُحضّر باسم من يستخدمه وبالنيابة عنه خطابا يستطيع المتقاضي نفسه أن يقرأها أمام المحكمة، ومن هؤلاء المدافعين البلغاء نشأ المحامون في النظام القضائي[4].  
أما في روما القديمة كان المحامي Advocatus أيضا هو الفقيه الذي يدرس الدعوى ويقدم مشورته فيها، والخطيب Oratori وهو الذي يترافع أمام المحكمة، ورغم انهيار الإمبراطورية الرومانية فقد استمر تأثير القانون الروماني والتقاليد القانونية اللاتينية في التشريعات إلى يومنا هذا[5]، وهكذا انتقلت المحاماة للتقاليد القانونية الأنجلوسكسونية حيث تبلورت مهنة المحاماة التي تعتمد على طرق الجدل والإقناع والقدرات العقلية إلى جانب الخطابة[6].
  وأما في فرنسا وهي الوريثة للمنظومة القانونية اللاتينية لروما القديمة، فإن أول تنظيم لمهنة المحاماة جرى في عهد لويس التاسع، وعرفت أمور المهنة تطورات عديدة بعدها، حيث تم التنصيص لأول مرة على جدول للمهنة سنة 1790  بعد سنة من الثورة الفرنسية ل1789،  ويعتبر قانون 1971 في فرنسا محطة مهمة في تطور مهنة المحاماة، إذ أنه وضع حدا للتفرقة بين المحامين ووكلاء الدعاوى وممثلي الدفاع أمام المحاكم التجارية[7].
ويعود أول تنظيم لمهنة المحاماة في المغرب إلى قانون المسطرة المدنية القديم لسنة 1913، والذي خصص قسمه الثاني لمساعدي القضاء ومن بينهم المحامون، وبعد ذلك تم وضع أول تشريع مستقل لتنظيم المهنة في المغرب بمنطقة الحماية الفرنسية وذلك بمقتضى ظهير 10 أكتوبر 1924،  وظهير 10 يونيو 1935 في منطقة طنجة الدولية، بينما عرفت منطقة الحماية الإسبانية والتي كانت عاصمتها تطوان أول تنظيم لمهنة المحاماة  بمقتضى الظهير الخليفي ل13 دجنبر 1935.
وقد تم نسخ كل الظهائر القديمة بموجب ظهير 18 ماي 1959 والذي مهد لظهير توحيد وتعريب ومغربة القضاء ل26 يناير 1965، وطبعا عرفت المهنة محطات تشريعية منها المرسوم الملكي ل 19 دجنبر 1968 وظهير 08 نوفمبر1979 ثم ظهير 10 شتنبر 1993، ثم الظهير الشريف ل20 أكتوبر 2008 بتنفيذ القانون 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة.
وطبعا بعد صدور دستور فاتح يوليوز 2011 ستعرف المهنة منحى جديدا متساويا مع المرحلة الجديدة من الإصلاح القضائي والقانوني في عهد دستور الملكية الثانية، حيث طفحت على السطح مطالب بتعديل قانون المهنة، وبالفعل هناك مسودة مشروع قانون المحاماة يعيش في اطار نقاش حاد قيد الدراسة[8].
  ونظرا لوضع مهنة المحاماة الخاص والاستثنائي في الدفاع عن حقوق الأفراد وحرياتهم أمام القضاء، فإنه لا بد من دراستها على مستوى الواقع وكذا الرهانات.
وهكذا سيكون تقسيمنا للموضوع على الشكل الثالي:
  • المحور الأول: واقع مهنة المحاماة.
  • المحور الثاني: رهانات مهنة المحاماة.

المحور الأول: واقع مهنة المحاماة.

في كثير من الاحيان ما يطلق على مهنة المحاماة مهنة النبلاء وقد سماها البعض مهنة الجبابرة وهناك من عبر عنها بمهنة المتاعب، نظرا للمسؤوليات والصعوبات التي تواجه منتسيبيها.
وتعيش مهنة المحاماة تحديات كبيرة، فرغم ما حظيت به هذه المهنة النبيلة من تنظيم وما قدمته من تضحيات على مستوى جميع الاصعدة، الى أنها لا زالت تعاني من مجموعة من الارهاصات التي تعيق تطورها لا من حيت المجال البنيوي ولا من حيت المجال الوظيفي، وتساهم في ذلك عدة عوامل تتجلى اساسا في قصور التشريع وتفشي الازمة الاقتصادية والاخلاقية بالاضافة الى ضعف الحماية الاجتماعية  وسنحاول التطرق لكل هذه العوامل على الشكل الثالي:
أولا: على مستوى قصور التشريع:
لا يمكننا أن نحيط بكل المشاكل القانونية التي تواجه المهنة على مستوى التشريع، نظرا لكون هذه النقطة بالذات تحتاج الى بحث مستقل ومعمق يستهلك جملة من الصفحات، نهيك عن ضرورة تحليل النصوص القانونية بشكل من التمحيص والتعميق لذلك سنقتصر على بعض العيوب التي تشكل من وجهة نظرنا نقوص على مستوى التشريع.
  • من خلال قانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة:

تضمن هذا القانون 103 مادة موزعة على ست أقسام، وقد عرفت المادة الأولى مهنة المحاماة مهنة حرة، مستقلة، تساعد القضاء، وتساهم في تحقيق العدالة، والمحامون
بهذا الاعتبار جزء من أسرة القضاء. وقد جاء هذا القانون بمجموعة من المكتسبات المهمة، من قبيل تحديد من يجب لممارسة مهنة المحاماة والاستفادة من امتيازاتها، القيود التي يجب أن يتحلى بها المحامي أتناء ممارسته لمهامه، وتحديد شروط الواجب توفرها في المترشح وكذا حالات التنافي والتمرين ووجبات المحامي والحصانة ثم التأديب.. . ورغم هذا التنظيم المحكم التي تبناه المشرع في القانون المنظم لمهنة المحاماة الى أنه لم يرقى الى مستوى تطلعات المحامين والمحاميات ويتجلى ذلك فيما يلي:
  •  لم يكن المشرع منصفا في طبيعة مهنة المحاماة بمعنى هل هي مساعدة للقضاء أم مشاركة له؟ كما انه اعفى بعض المؤسسات من الزامية المحامي ؟ ولم يغير طريقة اجتياز امتحان الحصول على الاهلية لمزاولة المحاماة؟ وكذا واجبات الانخراط.. .
ومن خلال استقراء المادة الاولى نجد المشرع يعتبر المحاماة تساعد القضاء، وفي نفس الوقت يعتبرها تساهم في تحقيق العدالة وهي بهذا الاعتبار جزء من اسرة
القضاء. إن المادة المذكورة أعطت مفهوما جديدا لدور المحاماة في تحقيق العدالة، فبعد أن ظلت لعقود من الزمن تندرج في مصاف المهن المساعدة، فهي اليوم وبموجب نص القانون أصبحت مساهمة  في تحقيق العدالة إلى جانب القضاء. لكن المأمول هو أن ينص المشرع على أن المحاماة مهنة حرة مستقلة "تشارك القضاء" وتساهم في تحقيق العدالة عوض تساعد القضاء[9].
  • يلاحظ كذلك ان المشرع نص في المادة 31 على أنه لا يسوغ أن يمثل الأشخاص الذاتيون والمعنويون والمؤسسات العمومية وشبه العمومية والشركات، أو يؤازروا أمام القضاء إلا بواسطة محام، ما عدا إذا تعلق الأمر بالدولة والإدارات العمومية تكون نيابة المحامي أمرا اختياريا.
وبذلك فالدولة والادرات العمومية غير ملزمون بتنصيب المحامي، ورغم ما تشكله هذه المادة من تضييق لصلاحيات المحامي فإنها تضرب في عمق حقوق المواطنين، ذلك أن الدولة ملزمة بحماية ممتلكاتها والتي هي بالتبع ممتلكات المواطينين، وأنه في كثير من الاحيان التي تكون فيها الدول والادرارت العمومية غير مؤهلة لتناول المساطر أمام القضاء لما يتطلبه ذلك من اجراءات سريعة وطقوس مهنية خاصة بقصور العدالة التي ترمز للاستقلال والحياد وزيادة على السرعة الملطوبة التي غالبا لا تتوفر لدى موظفي الدولة، اضافة الى عدم توفرهم على الشروط الواجبة للمؤازرة والتمتيل أمام القضاء الا وهي الاستقلال والتجرد والنزاهة[10].
  • ومن المعلوم أن طريقة الولوج الى مهنة المحاماة والمعايير المعتمدة لذلك لا ترقى الى المستوى المطلوب، وذلك من خلال الامتحان الذي تعده وزارة العدل مع عدم تحديد العدد المطلوب الامر الذي يصطدم مع عدم عثور بعض المحامين المترشحين للتمرين على مكاتب يتدربون فيها، والبعض الاخر الذي يعثر عليها كثير منهم لا تصرف لهم منح، والجزء الاخر تصرف لهم مرتبات بسيطة غير قادرة على تغطية مختلف المصاريف الضرورية سواء منها المتعلقة بممارسة المهنة أو تلك المتعلقة بحاجيا الحياة الضرورية[11]، لذلك نعتقد من الضروري تحديد عدد المطلوبين وجعلها مبارة الترشيح لمهنة المحاماة بدل امتحان الترشيح لمهنة المحاماة، وكذا يجب على الدول أن تتحمل مسؤوليتها في التكوين المتمرنين والتكوين المستمر بالنسبة للرسميين، وكما أن الشهادة المطلوبة لم تعد مكنة للولوج الى المهنة الامر الذي يتطلب شهاد جامعية تكون مناسبة لهذه المهنة الشاقة والمليئة بالمسؤوليات التي من المفترض في المنتسب اليها أن يكون قادر على تحمل أعبائها.  
 
  • من خلال القوانين الاخرى:
 
يستحيل علينا التطرق للكل القوانين العامة والخاصة المتلقة بالمجالات المرتبطة بمهنة المحاماة، الى أنه سنقتصر في هذا الجزء من البحث على الدستور والقوانين المسطرية. من خلال الدستور:
لا أحد يجادل في أهمية دستور 29 يوليوز 2011، باعتباره من الدساتير المتقدمة في العالم العربي، وقد خصص باب السابع كامل للسلطة القضائية من الفصل 107 الى الفصل 128 وقد شمل هذا التنظيم كل من استقلال القضاء وتنظيم المجلس الاعلى للسلطة القضائية وحقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة.
لكن رغم ما تشكله مهنة المحاماة من دور في تحقيق العدالة الى أنه لم يتم دسترتها من طرف المشرع الدستوري، فإذا شبهنا العدالة بطائر فإن المحاماة إحدى جناحي العدالة إلى جانب القضاء وعليه فإنه كان على المشرع الدستوري اعتبار المحاماة مشاركة للقضاء في إنتاج العدالة وتخصيص نصوص تحمي حصانتها وتراعي طبيعتها الخاصة، مع العلم أن كلا من القضاء والمحاماة عنصران أساسيان في خدمة القانون.


من خلال قانون المسطرة المدنية وقانون المسطرة الجنائية:

يعتبر قانون المسطرة المدنية من القوانين الشكلية التي تحدد الاجراءات التي يجب اتباعها للوصول الى الحق المطالب به، ورغم الاهمية التي يحضى بها هذا القانون الى أنه جاء بمقتضيات تحد من صلاحيات المحامين واستقلاليتهم ونذكر من قبيل ذلك على سبيل المثال، مقتضيات الفصل 45 من قانون المسطرة المدنية المعدل بمقتضى القانون رقم 10.35 الذي جاء فيه أنه: تطبيق المحاكم الابتدائية و غرف الاستئنافات بها قواعد المسطرة الكتابية المطبقة أمام المحاكم الابتدائية و غرف الاستئناف وفقا لأحكام الفصول 331-332-334-335-336-342-344 الآتية بعده.
تمارس المحكمة الابتدائية ورئيسها أو القاضي المقرر، كل فيما يخصه الاختصاصات المخولة حسب الفصول المذكورة لمحكمة الاستئناف و لرئيسها الأول أو للمستشار المقرر.

غير أن المسطرة تكون الشفوية في القضايا التالية :
-         القضايا التي تختص فيها المحاكم الابتدائية ابتدائيا و انتهائيا.
-         قضايا النفقة والطلاق والتطليق.
-         قضايا استفاء ومراجعة وجيبة الكراء.
-         القضايا الاجتماعية.
-          قضايا الحالة المدنية.                 

فإذا كان المشرع قد استقر بشكل واضح على جعل المسطرة الكتابية كأصل وبذلك الزامية تنصيب المحامي فإنه بشكل ملفت للنظر وضع استثناءات على هذه القاعدة في
حالات معينة، وهو ما يتناقض ومقتضيات المادة 30 من القانون المنظم لمهنة المحاماة.
وما لاحظناه بخصوص المادة 45 نقوله بخصوص قواعد المسطرة الجانية التي يعتبر المحامي اختياري فيها بالاستثناء القضايا الجنايات، وبذلك تبقى القضايا المتعلق بالمخالفات والجنح سواء الضبطية أو التأديبية غير مشمولة بإلزامية المحامي.
وفي الوقت الذي كان على المشرع وضع قواعد لحماية المواطنين من قبيل التوسيع من دائرة الفئات التي من حقها الاستفادة من المساعدة القضائية بقوة القانون وبشكل يسير، نجده يحاول التضييق من صلاحيات المحامين ويحد من اختصاصاتهم، مع العلم أن لغة القانون لها أهلها ومختصيها وغالبا ما يكون هو المحامي الأقدر والاجدر على ذلك.

ثانيا: على مستوى تفشي الازمة الاقتصادية والاخلاقية:
  • الازمة الاقتصادية:
من ظواهر مهنة المحاماة أنها بالاضافة الى الدور المعنوي التي تقوم به فهي تقوم بدور مادي، كما انها مهنة مدرة للدخل في مواجهة مختلف الحاجيات والمتطلبات الاجتماعية. ويختلف حجم المكاسب المالية الناتجة عن مهنة المحاماة حسب نوع النظام الاقتصادي القائم ووضعيته الظرفية، والتلائم بين المداخيل والمصاريف، والكفاءة المهنية، وطبعا في النظام الرأسمالي الذي يقوم قانونا على حرية التملك وعلى المنافسة والمبادلات الحرة، فأنه ليس هناك حدود للكسب المهني ولا للثروة التي يمكن أن تنتج عنه، إلا حجم المصاريف اللازمة لتسيير أو ممارسة المهنة، والضرائب التصاعدية التي قد تقرر على المداخيل، والازمات الدورية التي تلحق النظام الرأسمالي وتنعكس على مختلف القطاعات بما فيها قطاع مهنة المحاماة، وفي هذا النظام فإن مهنة المحاماة تعتبر فن وصناعة يقدم من خلالها المحامي خبرته ومعلوماته القانونية في صورة استشارات ومذكرات وممرافعات وتدخلات أمام اجهزة العدالة وغيرها من أجل تحقيق مطالب معينة وذلك مقابل أتعاب معينة يدفها الزبون[12].
ويعتبر مصدر الازمة المادية ومظهرها الاساسي هي أنها أصبحت بالنسبة لأغلبية المحامين غير قادرة على تحقيق التوازن بين مداخيلها وبين مصاريفها ومصاريف مختلف متطلبات الحياة الضرورية التي تسمح بالعيش في اطمئنان وسعادة وكرامة بما ينتج عن هذا الاختلال في التوازن من مآسي ومصاعب ومخاطر، فبعض المحامين الشباب الرسميين في السنوات الاخيرة أصبحوا غير قادرين على فتح مكاتب خاصة بهم لممارسة مهنة المحاماة، والذين فتحوها لا يستطيعون مواجهة المصاريف الاخرى الضرورية بما نتج عن ذلك من ديون ازاء الخواص والدولة وصلت الى حد الحجز وتطبيق الاكراه البدني أو التهديد بتنفيذه، الامر الذي يعني من جهة أخرى أن بعض المكاتب الحديثة والقديمة أصبحت مهددة بالاقفال بل أن جزء من هذا البعض أقفل بصفة نهائية أو انتقل الى أقاليم وهيئات أخرى.
ومن الملاحظ أن من اسباب الازمة المالية قصور التشريع ونوع النظام الرأسمالي المغربي التي يتبع في شموليتها قانون الخوصصة تاركا للقطاع الخاص مجال الاستحواد بالاضافة الى انقطاع المساهمت الادارية المالية التي كانت للدولة في العديد من المؤسسات العمومية توقفت، وكذا رفض الدولة تحمل مسؤوليتها امام أزمة مهنة المحاماة ناهيك عن الازمة الاخلاقية التي ترتبت على إثر ذلك.
 
  • الازمة الاخلاقية:
تشكل القيم الاخلاقية العمود الفقري لمهنة المحاماة، فهي كأصل مهنة أخلاق ومبادئ واعراف وتقاليد. فالمحامي في سلوكه المهني يجب أن يتقيد بمبادئ الاستقلال والتجرد والنزاهة والكرامة والشرف، وما تقتضيه الأخلاق الحميدة وأعراف وتقاليد المهنة[13].
كما أن على المحامي ان يتصف بالوعي بالرسالة المحمل بها والشجاعة في مواجهة كل ما من شأنه المس بالمهنة ، وان يتحلى بالصدق في الخطاب والكفاءة والامانة، وعلى المجالس أن تلعب دور طلائعي وريادي في هذا الصدد.
ويمكن القول بشكل واضح أن القيم الاخلاقية في مهنة المحاماة والعدالة بشكل عام في تلاشي وتراجع مضطرد أصبح معه الامر يدعو للقلق.
وذلك بسبب تفشي ظاهرة الانحراف كاستعمال طرق غير مشروعة لجلب الزبناء الامر الذي يخل بمبدأ تكافئ الفرص بين المحامين، وكاستعمال مختلف الاغراءات المادية والمعنوية التي قد يستعملها بعض المحامين المنحرفين مع بعض أجهزة العدالة (قضاة خبراء كتاب الضبط شرطة قضائية...) أو اشخاص من خارج المهنة وذلك كله من أجل الحصول على خدمات أو أحكام او قرارات متميزة عن تلك التي كان سيحصل عليها لو لم يقدم تلك الاغراءات، ولا يهم بعد ذلك أن تكون تلك الخدمات والاجراءات والاحكام والقرارات تمت في اطار قانوني مشروع أم لا[14].
ويشكل هذا الانحراف جريمة مخالفة للقانون تأطر ضمن جريمة الارشاء والارتشاء وكذلك مخالفة مهنية  وتمس بالشرف والزمالة وخيانة للقسم المهني، ومثل هذا العمل يساهم في افساد المهنة وجهاز العدالة الامر الذي يترتب عليه زعزعة التقة فيهما من قبل المواطنين ويدفع العديد منهم الى العزوف عن اللجوء الى القضاء لفقده الامن القضائي بما ينتج عن ذلك من تعميق للأزمة المادية للمهنة.
 ونعتقد أنه على مجالس الهيئات المحامين تحمل مسؤوليتها حول هذه الخروقات التي تمس بمهنة المحاماة وبصمعة المحامين، وان تجند في مواجتها كل الوسائل الممكنة والضرب بيد من حديد على المخالفين، وعلى المحامين أن يساهموا بشكل ايجابي في مواجهة هذه الظاهرة، من خلال اعلام النقيب واعضاء مجلس الهيئة بكل المخالفات التي تصل الى علمهم.


ثالثا: على مستوى ضعف الحماية الاجتماعية.

أبانت أزمة جائحة كفيد 19 على ضعف الحماية الاجتماعية للمختلف المحامين، بشكل أظهر الوضع الحقيقي لمهنة المحاماة.

ومن المعلوم أن المحامون يكتسبون أجروهم لما يقدمونه من خدمات لزبنائهم، وبتوقفهم تقديم الخدامات سواء بسبب المرض أو لأي سبب آخر تتوقف مداخيلهم، ويستهلكون مما إدخروه أثناء فترة عملهم إن إدخرو.
وتشكل الحماية الاجتماعية موضوع نقاش حاد لدى مختلف الهيئات المحامين، باعتبارها تشكل محور اساسي في حماية العيش الكريم لمنتسيبي مهنة المحاماة.
فرغم الانظمة المعتمدة والمتبنات من طرف جمعية هيئات المحامين بالمغرب والمتمثلة في الصندوق الوطني للتقاعد والتأمين المحدث بفاتح يناير 1991 والهادف الى ضمان معاشات برسم الشيخوخة والزمانة والوفاة لفائدة المحامين الرسميين أو الرسميين أو دوي حقوقه، وهو مفتوح لجميع هيئات المحامين بالمغرب والذين وقعوا مع صندوق الايداع والتدبير اتفاقية تتعلق بفتح حساب اجمالي للايداع بإسم هيئتهم، والتعاضددية العامة لهيئات المحامين بالمغرب، وبعض المبادرات من بعض الهيئات المحامين بالمغرب مثل هيئة طنجة التي اصدرت نظام لصندوق التقاعد لهيئة المحامين بطنجة لسنة 2005/02/16 والظابط الاساسي لنظام التظامن الاجتماعي لهيئة المحامين بطنجة لسنة 05/05/2010 الذي صدر بشأنه قرار بتنظيم الاستفادة من التعويضات المذكورة في الباب الخامس من النظام السالف الذكر، الا أن هذه المبادرات تبقى غير كافية لتجاوز الازمات التي تعترض المحامين، اذ لابد من التفكير في حل جدري يضمن للمحامين العيش الكريم والكرامة والاستقرار المالي.
ورغم كل المحاولات المتكررة والتي تقوم بها بعض الهيئات من خلال خلق نظم للحماية الاجتماعية والتغطية الصحية ونظام تكافلي بين مختلف المنسبين للهيئة الى أنها تواجه بالرفض من طرف بعض المحامين الذين يحتكرون القضايا والملفات.
ولذلك يبقى دور مجالس الهيئات مهم في هذا الاطار، أذ يلقى على عاتقها حماية المحامين والمحاميات من مختلف الازمات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤتر على الوضعية الاجتماعية للمحامين، ودعمهم اقتصاديا وتغطية جزء من نفقاتهم اليومية ضمانا لإستقرارهم المادي.


المحور الثاني: رهانات مهنة المحاماة.

تعتبر مهنة المحاماة جزءا من أسرة القضاء وشريكا أساسيا في تحقيق العدالة، إذ لا عدل بدون قضاء، ولا قضاء بدون دفاع و لا تطور لأي منهما دون العناية بكليهما ولا إصلاح لاحدهما دون إصلاح الاخر،فالمحاماة مرادفة لحق الدفاع تساهم إلى جانب القضاء في ترسيخ مبادئ العدل والمساواة، و ما يزكي أهمية الكبيرة لمهنة المحاماة هو إفراد محور خاص بها في إطار برنامج الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة لمناقشة وضعية مهنة المحاماة بالمغرب وهو الأمر الذي نعتبره مبادرة حميدة وكان مناسبة لتدارس واقع مهنة المحاماة في إطار مقاربة تشاركية تسعى  إلى توحيد كافة الجهود والرؤى لبلورة آفاق مستقبلية، خاصة أن مهنة المحاماة اليوم توجد أمام محك جديد بحكم تحديات الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة و زحف العولمة، على إعتبار ان ما يشهده العالم اليوم من نسق سريع للتطور التكنولوجي من شأنه أن يوثر بصفة مباشرة على طرق وأساليب ممارسة مهنة المحاماة. [15].
والمحاماة اليوم مدعوة لأن تكون أقوى من أي وقت مضى، والرهانات محمولة على مؤسساتها ومنتسبيها، وذلك من أجل الدفاع عن مصالحها المكتسبة وتقوية عظمتها ومواجهة كل ما من شأنه أن يمس بإستقلالها وحصانتها.
وفي هذا الاطار إن أردنا التطرق لرهانات مهنة المحاماة لا بد لنا من دراسة المجالات التي يجب صيانتها وتقويتها، ولن تخرج هذه المجالات عن،  التشريع من خلال تقوية حصانتها ، وتقوية الحس التظامني بين المحامين وتخليق المهنة بالاضافة الى التكوين والتكوين المستمر.


 أولا: التشريع كمدخل لحماية مهنة المحاماة.

يعتبر التشريع من بين أهم القواعد التي تساهم في حماية مهنة المحاماة داخل أي نظام قضائي، وكل الرهانات اليوم متوقفة على القوانين المنتظرة والمؤطرة لمهنة
المحاماة، ونقصد مشروع قانون مهنة المحاماة المعد من طرف جمعية هيئات المحامين بالمغرب والذي جاء بمجموعة من المقتضايات الحمائية لمنتسبي هذه المهنة الشريفة[16]، كذا القانون التنظيمي المتعلق بإحادت معهد وطني للتكوين ومعاهد جهوية للتكوين.
ورغم ما جاءت به مسودة مشروع قانون مهنة المحاماة من مكاسب، إلى أنه يسجل تراجع على مستوى مشروع قانون المسطرة المدنية والذي لم يكن في مستوى تطلعات السادة المحاميات والمحامين.
ولذلك يجب العمل على تكريس المكتسبات التي حققتها المهنة، والتجند من كسب الرهان على مستوى المجالات التالية:
  • دسترة المهنة وخلق مؤسسة وطنية دستورية خاصة بمهنة المحاماة تمتع بالاستقلال المالي والاداري بالموازات مع المجلس الاعلى للسلطة القضائية.
  • تقوية دور المهنة داخل منظومة العدالة وتوسيع مجال عمل المحامين وجعل الزامية المحامي في جميع القضايا.
  • الزام الشركات بالاستعانة بمحامين في اطار تقديم الاستشارات القانونية وجعل كل شركة تشتغل برأس مال يفوق حدا معينا أو تشغل أجراء يتجاوزون عددا معينا بضرورة الاستعانة بمحامي أو أكثر على حسب حجم الرأسمال وعدد الاجراء.
  • تحمل الدولة مسؤوليتها بشكل فعلي في تكوين منتسبي مهنة المحاماة وتدريبهم بدل جعلها فضاء لتصريف أزمة البطالة، وإحدات مركز وطني للتكوين ومراكز جهوية للتكوين والتمرين المحامين المتمرينين والتكوين المستمر بالنسبة للمحامين الرسميين.
  • توسيع مفهوم حصانة المحامي لأنها ترتبط بشكل أساسي بحقوق الدفاع، وذلك لأدوار الخطيرة التي يقوم بها المحامين.
  • ترسيخ استقلال المهنة العضوي والوظيفي، ومنع التدخل في شؤونها من أي جهة كانت.
  • تقوية دور المجالس الهيئات المحامين في اطار التعاون والتضامن فيما بينها.
  • خص المحامين بشكل حصري في فض المنازعات في اطار الوساطة الاتفاقية أو التحكيم.
  • وضع معايير صارمة في الولوج الى المهنة، كالمراقبة القبلية لأخلاق المترشح، والمستوى التعليمي، والقدرة على ممارسة المهنة.
  •  وضع حد للتباين بين القواعد المسطرية والقانون المنظم للمهنة، وخصوصا في القضايا الشفوية والكتابية، مع الزامية المحامي في جميع القضايا، وتحمل الدولة مسؤوليتها بالنسبة للأشخاص المعوزين.
  • توعية الادارات العمومية والمؤسسات العمومية والشبه العمومية والشركات العامة والخاصة بإختصاصات المحامين.
  • اعادة النظر في النظام الضريبي لمهنة المحاماة بالشكل الذي يتناسب ودور هذه المهنة في حماية الحقوق والحريات، مع اخد بعين الاعتبار الوضعية التي يجب ان يكون عليها منتسيبي هذه المهنة.
  • مراجعة حالات التنافي.
هذه كانت من وجهة نظرنا أهم النقط الاساسية والمدخل الاساسي لتحقيق الرهانات المنتظرة من مهنة المحاماة في سبيل اصلاح منظومة العدالة. ثانيا: تقوية الحس
التظامني بين المحامين وتخليق المهنة.
  • تقوية الحس التظامني كمدخل للتخفيف من حدة الازمة الاقتصادية بين المحامين.
لا أحد ينكر اليوم الازمة التي يتخبط فيها المنتسبين لمهنة المحاماة، وفي افق الخروج من هذه المرحلة لا بد من العمل على ايقاف اتساع الازمة والتقليل من حدتها، وذلك
من خلال التوعية المستمرة بنظام المهنة وأعرافها وتقاليدها وأخلاقها والقواعد التي تشكل المبدأ الاساسي لحياتها، الا وهو التضامن المستمر. وأمام غل الدولة يدها على تقديم أي مساعدات لفائدة المحامين، من الواجب على المؤسسات المهنية تنظيم ورشات وأنشطة لتوعية بدور وأهمية التظامن والتآزر بين المحامين وذلك في مختلف الازمات التي تواجهها. واذا كان بعض المحامون لا يتأترون بالازمات بحكم حجم القضايا التي ينوبون أو يؤازرون فيها، بغض النظر عن الطرق التي يكتسبون من خلالها هذه القضايا، فإن البعض الاخر يعمل في جو متسم بالضعف والمحدودية ويتأتر بشكل كبير بالوضعية الاقتصادية العامة. 
وأمام مثل هذه الاوضاع لا بد من وضع أنظمة اجتماعية يساهم من خلالها كل المحامين كل بحسب استطاعتهم، وفي هذا الاطار يقول الاستاذ النقيب عبد الرحمان بنعمرو أن من اسباب الخروج من الازمة توزيع قضايا الدولة وادارتها والمؤسسات العمومية والجماعة العمومية التي تؤدي الاتعاب عنها الميزانية العامة والتي يمولها المواطنون، من طرف النقباء أو من يقوم مقامهم وفق مسطرة خاصة مع مرعات الاقدمية وبحسب تعقيدات القضايا، مع منح أكبر نسبة من الاتعاب الى المحامي الذي كلف بمتابعة القضية والباقي يوضع بالصندوق الاجتماعي للهيئة ليستفيد منه كل المحامين بتخصيص جزء منه ليوزع عليهم بكيفية دورية (كل شهر أو ثلاثة أشهر) الجزء الاخر يحال الى صندوق تقاعد المحامين[17].
وبالنسبة لقضايا حوادث السير، هذه القضايا كانت وما زالت، ميدان الانحراف سواء بالنسبة للوسائل غير المشروعة المستعملة في الحصول عليها أو بمناسبة الصلح أو اجراء الخبرات الطبية بشأنها، أو عند صدور الاحكام وتنفيذها أو في اقتطاع الاتعاب المتعلقة بها، ولاول وهلة يظهر أن الحل المقترح بالنسبة لقضايا الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات العمومية، ولكن من حق الزبناء اختيار محاميهم.
وان كان الامر كذلك فيجب التفكير في وسائل اخرى ولعل أبرزها ما اقترحه الاستاذ النقيب عبد الرحمان بنعمرو من خلال استخلاص نسبة من أتعاب المحامين في جميع القضايا توزع بشكل دوري على مجموع المحامين[18].
ومن الادوار الاساسية التي من الواجب أن تقوم بها مجالس الهيئات حماية المنتسبين للمهنة وصيانة حقوهم وكذا انشاء وإداة مشاريع اجتماعية.
وفي نفس السياق لا يمكن الاقتطاع من أتعاب المحامين دون التوعية بأهمية القيمة الفعلية للتظامن بين المحامين، فإذا كان بعض المحامون اليوم في غنى عن مثل هذا التضامن بحكم توفرهم على موارد كافية لتلبية حاجياتهم الضرورية والرفاهية، فإن الاوضاع قد تتغير في أي وقت من الاوقات.
وعلى مجالس الهيئات التفاعل بشكل جدي مع الجانب التوعوي وذلك من خلال الانفتاح على المحامين وتنظيم أنشطة وندوات حول المكانة التي يحتلها التآزر بين
المحامين والتظامن فيما بينهم، بإعتباره ركن من أركان مهنة المحاماة.
 
  • التخليق كمدخل لصيانة مهنة المحاماة.

سبق وأن تحدتنا عن مكانة الاخلاق داخل مهنة المحاماة، بإعتبارها مجموعة من القيم والاخلاق والمبادئ والمعايير السلوكية التي اتفق المحامون حولها، كقواعد ملزمة لهم يحرصون على احترامها لأنها تساعدهم على سلاسة تدبير شؤونهم عند ممارستهم المهنية[19].
ويشكل الانحراف والفساد أزمة اخلاقية تؤثر بشكل سلبي على صمعة ومكانة الجسم القضائي بصفة عامة وعلى المحاماة بوجه الخصوص.
والاكيد فإن التوعية بالاخلاق المهنية لها مكانتها الهامة داخل جسم المحاماة، وعلى مجالس الهيئات والزملاء القيادمة وخاصة منهم النقباء السابقون والاقدمون القيام بكل الوسائل الممكنة من قبيل وضع منشورات وتنظيم محاضرات وندواة حول الأخلاق التي يجب أن تسود في مهنة المحاماة.
وفي نفس الوقت محاربة الانحراف بجدية وموضوعية وبدون تردد أو مجاملة أو انتهازية، وأن هذه المحاربة يجب أن تقوم بها المجالس الهيئات التي من المفروض أن يكون أعضائها مثالا ونمودجا للاستقامة والنزاهة والشرف وروح الزمالة وتتم هذه المحاربة عن طريق الملاحظات والتوجيهات اللتي يقوم بها النقباء اذا كانت الاخطاء بسيطة وارتكبت بحسن نية من طرف محامين متمرنين أو مبتدئين وبواسطة المجالس التأديبية إذا كانت الاخطاء عمدية أو جسيمة، غير أن هذه المجالس ستظل قاصرة جدا عن القيام بمهامها في هذا المجال أذا لم يساندها المحامون المخلصون لقواعد المهنة وتقاليدها الشريفة وتتم هذه المساندة بواسطة تبليغات شفوية والكتابية المصحوبة على قدر الامكان بالحجج الى النقباء الذين يتعين عليهم عرضها على مجالس الهيئات قصد تقرير ما يجب بشأنها[20].
ومن الملاحظ أن الازمة الاخلاقية تمتد الى عمق جسم العدالة[21]، لذلك يجب توحيد العمل من أجل خلق مدونة أخلاقيات لمهنة المحاماة[22]، تحدد بشكل مضبوط ودقيق الالتزمات التي يجب على المحامين أن يتصفوا بها، سواء أثناء قيامهم بعملهم أو خارجه، لأنهم حماة القانون والعدالة وهم الاولى بإحترامه والامتثال لأحكامه.
وعلى العموم فإن الاخلاق مسألة داخلية وذاتية وهي في الغالب لا يترتب عليها أي جزاء، ورغم ذلك رتب المشرع جزاءات على منتسيبي مهنة المحاماة وعيا منه بالمسؤوليات التي تحمل على عاتقهم، لذلك فالتغيير المنتظر لا يمكن أن يأتي الا من المحامون والمحاميات أنفسهم، بأن يستشعرو ضميرهم المهني وحسهم الاخلاقي.


ثالثا: التكوين المستمر كمدخل للرقي بمهنة المحاماة

من أجل الرفع من جودة المحاماة داخل المنظومة القضائية لابد ان يكون هناك تكوين خاص بالمحامي وأن يكون تكوينا مستمرا موازيا مع مسيرته المهنية من أجل مواكبة التطورات التي يعرفها المجال القانوني والمستجدات المتعاقبة على هذا المجال مع احترام مبدأ التخصص، خاصة أن القواعد القانونية في تطور ونسخ مستمر وما يعاقب ذلك من هيمنة العولمة والتطور التكنلوجي المتسارع.
ويعد التكوين ركيزة أساسية لرقي بمهنة المحاماة داخل منظومة العدالة، فالتكوين المحامي هو بمتابة حماية لحقوق المواطنين، وخصوصا أمام التطور السريع الذي عرفته النظم المعلوماتية وما صاحب ذلك من بروز الرقمنة والمعاملات الالكترونية.
ويمكن القول في الوقت الراهن أن أغلب الشوائب الظاهرة على السطح، والتي تؤثر بشكل سلبي على مهنة المحاماة سببها ضعف التكوين، لذلك عل المجالس أن تضع ضمن اهتماماتها الاساسية ضمان التكوين المستمر والرفع من القدرات المهنية للمحامي، وذلك بخلق وتنويع مجالات التكوين من ندواة، وأيام دراسية، وحلقات عمل، والاهتمام بالقضايا الاساسية، وحقوق الانسان، ومواكبة التشريع، والعمل القضائي، وتوثيقها وأصدار نشرات والدوريات والمجلات[23].
وهنا ينبغي الانكباب على موضوع مأسسة التكوين الخاص بالمحاماة وفق نظرة واقعية تتجاوز الصعوبات القائمة و تستحضر الفعالية والقدرة على التنزيل، وتضمن نجاعة التكوين مع اشراك كل الفعاليات المعنية بالموضوع ، خاصة ان من بين  ما جاء به ميثاق اصلاح العدالة ضمان جودة التكوين الأساسي والإرتقاء بمستوى التكوين المستمر ودعم آليات تعزيز ثقة المواطن في مهنة المحاماة[24].
وتجدر الاشارة أن القانون بمختلف أنواعه متشعب وبعضه غامض وغير واضح ومهما بلغ المحامي من التكوين فذلك يبقى قاصر، ومن الملاحظ أن كليات الحقوق تخرج سنويا مجموعة من الطلبة بتكوين بسيط وسطحي، والحال أن التكوين القانوني يحتاج نوعا من التعمق والتمحيص، ولذلك نلاحظ أن معظم المحامين والاساتذة الجامعيين والقضاة.. بدأو يفضلون التخصص في المجالات التي يجدون البحث فيها.
واذا كان مبدأ التخصص مهم من ناحية التكوين، فإن المحامي في اطار ممارسته لمهامه يجب أن يحترم هذا التخصص وامتناعه عن الدفاع في القضايا التي تخرج من مجال تخصصه، حفاظا على حقوق المواطنين.
ومهما يكن فالتوفيق بين الجانب النظري والجانب العملي في التكوين مهم جدا، ويؤهل المحاماة نحو الافضل ويرفع من جودة القضاء والاحكام القضائية وكل ذلك يساهم
بدون أدنى شك في حماية الحقوق والحرايات.

خـــــــــاتــــــــــمـــــــــــــة:

من خلال كل ما سبق يمكن القول أن مهنة المحاماة لا زالت تحوم حولها مجموعة من المخاطر التي تهدد مكانتها واستقرارها، مما يستدعي المزيد من التضحيات ووحدة
الصف وتضافر الجهود من أجل الانكباب عن الدفاع عنها وعن حقوقها.
ولن يتأتى ذلك إلا من خلال إلتحاف المحامين والمحاميات أنفسهم وأجهزتها التي يجب أن تكون على تعاون وتنسيق دائم ومستمر ووعي بالمسؤولية الملقات على عاتقهم، في مواجهة كل الصعاب التي تحوم بها.
وأنه يجب المحافظة على صمعة المهنة ورقيها وإعادتها الى المكانة الاجتماعية التي كانت تحضى بها قبل وقت قصير، وتكافئ الفرص للمنتسبين اليها، ومحاربة الفساد والاحتكار الذي تتعرض له وتنهك قواها.
ويجب على المحامين والمحاميات أن يكونوا كالجسد الواحد في تعاونهم وتضامنهم وتآزرهم إذا اشتكى منه عضو واحد تداعت له كل الأعضاء بالسهر والحمى.
ومهما اختلفنا في طريق تسيرر الهيئات لشؤونها، يبقى الهدف واحد وهو الدفاع عن المحاماة بكل الطرق القانونية الممكنة، وصيانة كيانها وحصانتها واستقلالها بعيدا عن المزايدات والصراعات التي تنهك المهنة من الداخل.
وإذا كان المحامون لا يستطيعون الدفاع عن مصالحهم من المخاطر التي أصبحت تهدد مكانتهم، فإنهم ليس من الاجدر عليهم الدفاع عن مصالح موكليهم والاغيار.
 وأن التروة الحقوقية التي راكمها المغرب ساهم فيها بشكل كبير محامون أكفاء لم تغريهم مكاسب ولا مال ولا جاه.
كما أنه يجب الاعتزاز بما تحقق والعمل على الحفاظ عليه والنضال كل النضال من أجل حفظ كرامة المحامي والدفاع عن حقه في العيش الكريم.
إن الماحماة اليوم مدعوة أكثر من أي وقت مضى لتظافر كل مكوناتها وجهودها ومقوماتها من أجل خلق أنظمة تساعد على تقويم الهوة التي أصبحت تعيشها، ويجب أن تكون في مستوى تطلعات النخبة بإعتبارها حمات للعدل والعدالة.  


تم بحمد الله وتوفيقه. 
  
 
[1] - هشام عبده هاشم مقال منشور على الرابط التالي: https://www.arrajol.com/content/95331/%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA/%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%B1%D8%B4%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AC%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%A3%D9%87%D9%88%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A8%D8%AE-%D9%88%D8%AA%D9%85%D9%86%D9%8A%D8%AA-%D9%84%D9%88-%D9%83%D9%86%D8%AA-%D9%85%D8%A4%D8%B1%D8%AE%D8%A7%D9%8B تم الاطلاع عليه بتاريخ 22/02/2022 على الساعة 12:00.
[2] - ظهير شريف رقم 1.08.101 صادر في 20 من شوال 1429 (20 أكتوبر 2008) بتنفيذ القانون رقم 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، الجريدة الرسمية عدد 5680 بتاريخ 7 ذو القعدة 1429 (6 نوفمبر 2008)، ص 4044.
[3] - Jean Appleton, traité de la profession d’avocat, Paris Dalloz, 1932 p  193.
[4] - سهى منذر، مقال منشور على الموقع التالي: http://www.altaakhipress.com/viewart.php?art=97914 تم الاطلاع عليه بتاريخ 22/02/2020 على الساعة 12:30.
[5] - اولفيي بوشار، مقال منشور على الموقع التالي: https://www.swissinfo.ch/ara/culture/%D9%85-%D8%AF%D9%88-%D9%86%D8%A9-%D8%AA%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A3%D8%A8%D8%B9%D8%A7%D8%AF-%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A%D8%A9_-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A3%D8%AB%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1-%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A-%D9%84%D8%A7-%D8%B2%D8%A7%D9%84-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%85%D8%B1%D8%A7-/36541900 تم الاطلاع عليه بتاريخ 22/02/2022 على الساعة 15:00.
[6] - مسلم اليوسف، مقال منشور على الموقع التالي: https://www.bibliotdroit.com/2019/04/blog-post_10.html تم الاطلاع عليه بتاريخ 23/02/2022 على الساعة 12:00.
[7] - محمد بن الماحي، مشروع إصلاح ورش القضاء من أجل إشراك المحامي المغربي في ورش الإصلاح على ضوء معطيات العولمة، مقال منشور في  مجلة رحاب المحاكم ، العدد الثالث لدجنبر 2009 ، ص: 99.
[8] - هناك مسودة مشروع مهنة المحاماة معد من طرف جمعية هيئات المحامين بالمغرب، تضمن 110 مادة موزعة على ستة أقسام، لا زال موضوع نقاش عميق من طرف مختلف المؤسسات المعنية.
[9] - بن الماحي محمد ، مشروع إصلاح ورش القضاء من أجل إشراك المحامي المغربي في ورش الإصلاح على ضوء معطيات العولمة، مقال منشور في  مجلة رحاب المحاكم ، العدد الثالث لدجنبر 2009 ص 101.
[10] - عبد اللطيف أوعمو، المحاماة اشغار المناظرة الوطنية حول السياسة الجنائية بالمغرب، مجلة دورية تصدرها جمعية هيئات المحامين بالمغرب، العدد 37، دجنبر 1994، ص 302.
[11] - عبد الرحمان بنعمرو، المحاماة في المغرب نضال في خضم أزمة، دار تدغين للطباعة والنشر، 1993 ص 10.
[12] - عبد الرحمان بنعمرو، المحاماة في المغرب نضال في خضم أزمة، م س ، ص 7.
[13] - المادة 3 من القانون رقم 08-28 المنظم لمهنة المحاماة.
 
[14] - عبد الرحمان بنعمرو، مرجع سابق 18.
[15] - رشيد أمسكين، أي مستقبل لمهنة المحاماة بالمغرب، مقال منشور على الرابط التالي: https://alkanounia.info/?p=7389 تم الاطلاع عليه بتاريخ 16/02/2022 على اساعة 17:00.
[16] - من بين المستجدات التي جاء بها هذا المشروع التنصيص على مشاركة المحاماة للسلطة القضائية بدل المساعدة، الرفع من الشروط للولوج الى المهنة، تحديد أجل لإحداث المعهد الوطني للمحاماة، التوسيع من صلاحية المحامي على مستوى الشركات..، ولكن ما يلاحظ هو أن مشروع قانون المسطرة المدنية لم يكن في مستوى تطلعات السادة المحامين والمحاميات لعدة اعتبارات، بحيث قيد من صلاحيات المحامي وحقوق المتقاضين بشكل ملفت للنظر.
[17] - لكن يستضم هذا المقترح بحق الدولة في اختيار محاميها الذي تقتنع بكفاءته وتخصصه وقدرته على الدفاع بالشكل الافضل عنها.
[18] - وهو نفس التوجه الذي اقترحته هيئة المحامين بطنجة، من خلال مناقشة احداث صندوق للتكافل الاجتماعي بين المحامين المنتسبين للهيئة.
[19] - خالد خالص، تخليق مهنة المحاماة كمدخل لتكافئ الفرص، على ضوء الندوة المنظمة من طرف هيئة المحامين بطنجة، حول الممارسة المهنية وتكافئ الفرض بين الواقع والرهانات منشور على الرابط التالي: https://www.google.com/url?sa=t&source=web&rct=j&url=https://m.ahewar.org/s.asp%3Faid%3D722392%26r%3D0&ved=2ahUKEwjwoOS6sZP2AhUQgv0HHTMRAQUQFnoECAcQAQ&usg=AOvVaw3SzQ0wc_WjIOrStxUXn5tc تم الاطلاع عليه بتاريخ 22/02/2022 على الساعة 14:28.
[20] - عبد الرحمان بنعمرو، ازمة المحاماة هل هي ازمة مادية ام ازمة اخلاقية ام هما معا، مقال منشور بمجلة المحاماة، مجلة دورية تصدرها هيئة المحامين بالرباط، اكتوبر 1990 العدد 7 ص 19.
[21] - محمد الشيخ محند، أخلاق وسلوك المحامي قراءة على ضوء قانون المحاماة، مجلة الندوة، مجلة دورية تصدر عن هيئة المحامين بطنجة، العدد 25/2012 ص 89.
[22] - مثل دونة الاخلاقيات القضائية الصادرة من طرف المجلس الاعلى للسلطة القضائية  بتاريخ 08/03/2021 والتي ألزمت القضاة بالتقيد بمجموعة من المبادئ من بينها الاستقلال والحياد والتجرد والمساواة والنزاهة والكفاءة الاجتهاد والجرأة والشجاعة الادبية والتحفظ واللباقة وحسن المظهر والتضامن.
[23] - عبد اللطيف اوعمو، افاق مستقبل مهنة المحاماة، مقال منشور ضمن مجلة المحاماة مجلة دورية تصدرها جمعيات هيئات المحامين بالمغرب، العدد 37 دجنبر 1994، ص 309.
[24] - وتجدر الاشارة الى انه تم التنصيص من خلال ظهير 10 شتنبر 1993 المعتبر بمثابة قانون يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة بالمغرب في المادة السادسة منه والتي جاء فيها: ” تمنح شهادة الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة من طرف معاهد جهوية للتكوين تحدث و تسير وفق الشروط المحددة بمرسوم”، كما ان القانون  المطبق حاليا رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة جاء في المادة السادسة منه ما يلي: ”تمنح شهادة مزاولة مهنة المحاماة من طرف مؤسسة للتكوين تحدث و تسير وفق الشروط التي ستحدد بنص تنظيمي”، وغم مرور أزيد من 27 عاما على القانونين المذكورين لا زال لا وجود لهذه المؤسسات.



الاربعاء 26 أكتوبر 2022

تعليق جديد
Twitter