Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




من القضاء إلى سلطة القضاء بسلطات مغربية وتجديدية


     

ذ: وهابي رشيد المحامي بالجديدة
Rachid.ouahabi@gmail.com



من القضاء إلى سلطة القضاء بسلطات مغربية وتجديدية
أولا : نظرة خاطفة عن القضاء في فصول الدستور المقبل

لن نجد كلمة في العشرية الأولى من حكم جلالة الملك محمد السادس ذكرت بدون كلل وفي كل مناسبة وعلى كل لسان وعلى طاولة كل اجتماع أكثر من كلمة القضاء ، ذكرها الملك في أغلب خطبه ومر عليها مرور الكرام أو بالوقوف وقفة متأنية بفقرات وأحيانا في خطاب بكامله متحدثا عن القضاء، شرح فيها الملك أمراض العدالة واقترح الأدوية وسلم أمر السهر على التطبيب لوزارته في العدل والمسؤولين بها ، وقف أطباء العدالة حائرون و في أمرهم تائهون، هل يبدءون بالتشخيص والتشخيص شخصه القاضي الأول ، هل يبدؤون بالتحليلات ، بتحليل دم لاعبي العدالة ممثلين في المتقاضين ، أم أن عيون العدالة وشاهدها الشهود هم أجدر بالتحليلات ، أم أن حملة أمانة العدل التي يحمله ثقلها القضاة أولى بقياس دمهم ، أم أن مصابيح العدالة التي تركب على أجساد المحامين تحتاج كذلك للتحليل ، أم أن عدول العدالة مجسدة في كناب الضبط ، تحتاج كذلك لما احتاج له سابقوهم في الإدراج ، أم أن بعض محركات العدالة من شرطة ودرك هي أول ما يجب أن يبتدأ بها التحليل , أم نبدأ بإعطاء الدواء من أشعة وحبوب و مرهمات دون تحليلات ، أو نفعل كما كان فعل أجدادنا الأطباء القدامى حين كان يداوون بالكي والبتر، إذا لم ينفع ألأول ويرتاحون ويريحون .

منذ مدة طويلة وكلمة القضاء وإصلاح القضاء تتقاذفها أفواه المفكرين والمختصين، وتؤثث صالونات الندوات. أصبح يتكلم عن القضاء القاصي والعادي من علية القوم إلى عجلات العلية، أصبحنا لا نعرف هل الكلام عن القضاء مجرد كريم لتجميل المقالات والندوات, و دغدغة المشاعر وتبريد لهيبها، أم أنه مقدمة لتسونامي قضائي إصلاحي كبير. ألا تتفقون معي بأن كل واحد منا سواء كان وزيرا أو برلمانيا أو قاضيا أو محاميا أو موظفا أو رجل بسيط وكان له أبناء ،
فالوزير قد يصبح أبناءه موظفين عاديين أو بدون عمل ، والقاضي أو المحامي قد يرزقهم الله أبناء بدون عمل ، أو يعملون بأعمال أخرى بعيدة عن السلطة وميدان القانون ، هل يريد هؤلاء بعد أن يناموا في قبورهم أو يهرموا ويعجزوا وينعدم وزنهم في التأثير ، أن يعيش أبنائهم بعد عجزهم أو موتهم بالقضاء الذي عاشوا في ظله ، أم يريدون أن يعيشوا في ظل قضاء جديد للأبناء والأحفاد وللأزمنة القادمة. لا فرق فيه بين فاطمة بنت محمد وبين غيرها. قضاء لا تكفيه النزاهة والاستقامة فقط لأن الكثير من القضاة النزهاء والمستقيمين يظلمون عباد الله .، ويحتاجون إلى الشجاعة للقضاء ، والنزاهة ليست هي الشجاعة ، حتى أصبح البعض يفضل أن يحاكم أمام قاضي مرتشي شجاع ولا يظلم ، أفضل من أن يحاكم أمام قاضي نزيه جبان يخاف من نفسه ومن كل شيء ، وبخوفه هذا يمكن أن يظلم ويدين البريء ، ويتهرب من الحكم لصاحب الحق خوفا من اتهامه بالارتشاء .

لا زال بعض من أعتبرهم من مروضي الألفاظ يستأسدون في التكلم عن الألفاظ وعن ضرورة إقران القضاء بكلمة سلطة وبضرورة استقلال القضاء عن باقي السلط . يزأرون بذكر الألفاظ ، ويختبئون كالفئران كلما نضج الكلام وأزيلت ثياب الألفاظ ، يسكنون سكون الليل كلما عرت العدالة عن بعض جسدها وشاهدوا أمراضها وتشوهاتها ، حينئذ تنام عيونهم نومة المخادع وتصم أذانهم بصمم الأخرص ، وتعقد ألسنتهم بعقدة الساكت عن الحق الأصم .
نص الدستور الجديد على أن القضاء سلطة كذلك كباقي السلط وماذا بعد ، هل هذه الإضافة هي التي ستجعله فعلا قضاءا مستقلا ، أعرف قضاة كانوا ومازالوا مستقلين عن التعليمات والمال والتدخلات بدون هذه الكلمة ،كانوا مستقلين عن جميع الإغراءات والسلط في ظل كلمة القضاء في الدستور المحتضر بيتمها و فرادتها ودون إلباسها جلباب السلطة وقبل أن يوجدوا لها قرينا اسمه السلطة ، المشكلة ليس في القرين بل في من قرن – بضم القاف - له هذا القرين أي في القاضي وباقي مساعديه ومؤثثات العدالة بشكل واضح وبدون قرون ، كان القضاة في كل القرون السابقة لا يقرون ويقترنون بغير رياح العدالة ولا يسمعون غير صوتها . والآن على البعض منهم أن يراجعوا التاريخ ويسيرون على هدي سابقيهم .

الألفاظ والكلمات قد تكون مهمة في الدستور المقبل ولكن الأهم منها هي إعادة ترتيب البيت القضائي,
بتغيير البناء والفضاء والفلسفة ، وبناء شخصية وتقويم سلوك كل سكانها من جديد ، وأن يكون للبيت القضائي دستور خاص به يحكم سكانه وكل ضيوفه . وهو ما نجح الدستور الجديد بشكل مثير في تكريسه
فالدستور الجديد بكل صراحة ،وبدون حب لحروف المعارضة من أجل المعارضة الني يتقنها بعض عفاريت الإنس لتبقى الأضواء التي ألفوها مسلطة عليهم ، فان ساندوا ولم يعارضوا ، انفض عنهم بعض رجال الإعلام والصحافة الذين يبحثون فقط عن من يخالف ليعرفوا به ، لأنه بغير مخالفته للمعروف والمألوف ، لن يسأل عنه سائل ، ويقرأ اسمه قارئ ، فالدستور الجديد فيه من الجدة والجديد ، الكثير، مما كان لا يحلم به أجدادنا وآبائنا ، وقفز على الكثير من مطالب 20شباب فيراير ، قفزة المتحدي والكريم لا قفزة المتجاهل ، بحكم تخصصي لن أتكلم عن ميادين لها رجالاتها وعلمائها ، كالملكية والسلطة التنفيدية وغيرها ، رغم أن معلوماتي المتواضعة في القانون العام ومتابعاتي للشأن السياسي المغربي تجعلني أصل إلى خلاصة ، مفادها أن ما جاء به الدستور الحالي ، لم يكن يحلم به أغلب السياسيين المغاربة المعارضين والموالين ، أما من يعيش ويحيا بقلب من ماركة لا ويشتغل بالطاقة الملوثة كلما صفا الجو ، وخصبت التربة وانبلجت عيون المياه الصافية ، فهو خارج حساباتنا و انتظاراتنا .

أرجع إلى بيتي الذي أزعم أني أعرف وأغرق في بعض غرفه ودهاليزه ، فبعد سماعي لخطاب جلالة الملك وسماعي لقراءة المستشار الملكي محمد معتصم لمواد المسودة ، سارعت لطباعة المسودة من المواقع الالكترونية وكانت ليلتها هي الليلة الوحيدة في حياتي التي لم أتناول فيها وجبة العشاء ، فقد أصبت بالتخمة القضائية نتيجة الوجبة القضائية الدسمة والمنوعة جدا المقدمة في مسودة الدستور، كنت أعتقد أن الوجبة القضائية في الدستور المنتظر ستكون بتقديم أكلة القضاء في طبق السلطة عوض تقديمها على الطاولة دون طبق كسابق الأيام ، وسيتم تغيير طاولة العرس التي يلتف حولها العروسان وعائلاتهم وهي الممثلة في تركيبة المجلس الأعلى للقضاء ،و سيقصون فقط كبير العائلة وهو وزير العدل كما صدحت بذلك الألسنة بأصوات جهورية من قبل كل صغير وكبير ليحتفظ بباقي التركيبة ، لكن المفاجأة كانت كبيرة بإشراك ضيوف آخرين من خارج سلك القضاء ، خلاف ما نادى به بعض القضاة من خلال الودادية الحسنية للقضاة وخصوصا رئيسها ، لإبعاد كل أجنبي عن الجسم القضائي بعلة أن ذلك سيدخل السياسيين إلى مجلسهم وسيمس باستقلاليته ، لكن أقلام واقتراحات الرأي الأخر كانت أقوى من اقتراحات الودادية ، وتم إدخال حوالي سبعة شخصيات من خارج جسم القضاء للمجلس منهم ستة شخصيات سيعينها الملك .

وهذا التحول التركيبي للمجلس لا يمكن أن نحكم على صوابيته أو عدم نجاعته إلا بعد بضع سنوات من الممارسة ، فقد يكون هذا التنويع في صالح القضاة والعدالة بالمغرب ، والمجلس الأعلى بتركيبته السابقة كان تحت سطوة وزير العدل كما كان يشاع ، ولم تكن لأحد قضاته أو لهم بحكم أغلبيتهم الكبيرة للوقوف في وجه الوزير ، ولا أعرف سببا لذلك ، هل ذلك راجع للخوف أو للاحترام الزائد عن اللزوم ،أو لإيمانهم بعدم جدوى الدخول في حروب ساخنة مع الوزير ، وفي اعتقادي أن تركيبة المجلس الأعلى لو كانت تضم غير القضاة من شخصيات قانونية ، لما تجاوز وزير العدل حدوده وسيطر على أعمال المجلس لوحده ، لأنهم لن يسكتوا عليه كما سكت القضاة . إضافة الى التركيبة الجديدة نجد أن إشكالية انعقاد جلسات المجلس تمت معالجتها في الدستور المنتظر بالتنصيص على انعقاد المجلس مرتين في السنة على الأقل بعدما كانت في السابق تختفي لأشهر كثيرة ، وتم الاحتفاظ بالملك كرئيس أعلى
لمجلس السلطة القضائية ، وإن كان يظهر من الفقرة الثانية للمادة 114 التي نصت على تعيين الرئيس الأول لمحكمة النقض رئيسا منتدبا ، وتم إبعاد وزير العدل الذي كان ينوب عن الملك في الرئاسة ، وكان دائما يرأس المجلس ، على أن رئاسة الملك للمجلس هي شرفية أكثر منها فعلية لأن كل أعمال المجلس الأعلى سيترأسها رئيس محكمة النقض في غالب الأحيان كما جرت العدة على ذلك من قبل ، وتركيبة القضاة في المجلس بقيت هي نفسها ما عدا زيادة مقعدين لقضاة محاكم الاستئناف وكذلك للمحاكم الابتدائية لتصبح عشرة مع التنصيص على ضرورة تمثيلية النساء القاضيات ضمن العشرة المنتخبون ، وربما هذا راجع إلى تعزيز التركيبة المنتخبة ، التي أصبحت عشرة ، تقابلها عشرة أعضاء بما فيهم الرئيس المنتدب الذي هو رئيس محكمة النقض والوكيل العام بها والوسيط و رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان والأعضاء الذين هم أعضاء مكونين للمجلس بقوة النص الدستوري والأعضاء المعينين من قبل الملك وهم ستة منهم ممثل عن المجلس العلمي الأعلى ، وتوسعت اختصاصات المجلس الأعلى للقضاء لتزيد في اختصاصاتها بالإضافة لتأديب وترقية وتنقيل القضاة ، رسم السياسة القضائية وتقييم منظومتها وتفعيل آليات المراقبة ، حتى يتمكن المجلس من الارتقاء بالقضاء المغربي وإرجاع ثقة المواطن والأجانب فيه.

أول ما يثير الانتباه في الباب السابع هو التنصيص لأول مرة على كلمة السلطة القضائية وهو مطلب نادى به المحامون والجمعيات المدنية والحقوقية والقضاة على مدار كل السنوات السابقة ، وحتى لا تكون كلمة السلطة مجرد مملحات لتزيين وتمليح كلمة القضاء ، تم التنصيص بشكل واضح في الفصل 107 على أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية ، بل إن إيمان واضعي مسودة الدستور بدور القضاء واستقلاله جعلتهم ينصصون في عبارة متحدية وقوية على أن الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية وهذا أكبر دليل على أن الساهرين على شؤون البلاد يريدون أن يؤسسوا لقضاء آخر يختلف عن ما عشناه سابقا من قدر ، وهذا جعل المشرع الدستوري ، حماية لقضاة الأحكام واستقلاليتهم ينص على أنه لا يمكن عزلهم ولا نقلهم إلا بمقتضى القانون ، بل إن فلسفة الاستقلال القضائي الرائدة المنصوص عليها في الدستور المنتظر ، جعلها توسع مفهوم الاستقلال هذا ، لتمنع على كل أحد أو مؤسسة أن يتدخل في القضايا المعروضة على القضاء ، وفلسفة الإستقلالية هذه ، حينما منحت القضاة ما منحت وكانت كريمة ، كانت كذلك حازمة في استقلال القضاة ، حين طوقت عنقهم وبنت أسوار الاستقلال السميكة التي على القضاة أن لا يتجاوزوها ، وذلك حينما تمت نصت في الفصل 109 على ضرورة عدم تلقي القاضي أثناء مزاولة مهمته القضائيـة لأية أوامـر أو تعليمات ولا يجب أن يخضـع لأي ضغـط ، بل سمحت للقاضي الذي يتعـرض لأي ضغـط كيفما كان أن يعـرض أمـره على المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي يرأسه الملك ، وبذلك يصبح الملك هو ضامن استقلال كل قاضي . الجديد كذلك في المادة 109 هذه هي نصها لأول مرة على أن المتابعة التأديبية للقاضي في حالة الخطأ الجسيم يمكن أن يصـل الأمر فيها إلى المتابعة الجنائية إذ أخل القاضي بواجب الاستقلال والتجرد المطلوب فيه ، فالوقت الذي كان يعزل فيه القاضي بسبب خطأ جسيم أو بسبب ثبوت الارتشاء في حقه، ولا يحال على المحكمة لمحاكمته مثل باقي الموظفين والمواطنين بالجرائم المرتكبة بسبب وظيفته ، قد ولى مع هذه الإشارة الدستورية الصريحة .

ولضمان استقلالية القضاء والقاضي وإحكام كل حدوده وإغلاق الزوابع أو الرياح الهادئـة أو الهوجاء التي يمكنها أن تدخـل صرح بنايـة استقلال القضاء تم التنصيـص على أن القـانون يعاقـب على كل من حـاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة .

ولا شك أن الدستور في أموره المتعلقة بالسلطة القضائية لم يضمن فقط استقلال القضاة ، بل أرسل كذلك لهم إشارات مرموزة صارمة تفيد بأن القاضي ملزم بتطبيق القانون ، وإصدار أحكامه وفقـا للقانون ( الفصل 110 ) وفي أول سابقة من نوعهـا في المغـرب وربما في العالم العربي أصبح قضاة النيابة العامة كذلك ملزمون بتطبيق القانون ، بعد أن كانت سلطة الملائمة عجينة كان البعض منهم يعجنها كما يريد ( 110 ) وتزيد هذه المادة في إذهالنا حينما نصت على أنه في حالة حصول خرق للقانون في تطبيق قضاة النيابة له ، ووقوع لبس حول من أعطى التعليمـات للمسطرة التي اعتبرت خارقة للقانون فإن العماد حينذاك لتحديد المسؤول والمسؤوليات يكون بالرجوع إلى مصـدر التعليمات الكتابية فإذا كانت التعليمات كتابية وكانت غير قانونية ونفذها المرؤوس ، يتحمل المسؤولية الرئيس ، أما إذا كانت تعليمات شفوية غير قانونية من الرئيس للمرؤوس ونفـذها دون وجـود طلب كتابي يتحمل المرؤوس حينذاك المسؤولية ، فتطبيق القانون سيصبح هو الحامي لكل مسؤولي السلطة القضائية من كل مسؤولية قد تترتب عن قراراتهم ، وطلب التعليمات الكتابية من الرئيس من طرف المرؤوس في حالة اشتمام رائحة خرقها للقانون ، ستكون هي الضامنة لعدم مسؤولية المرؤوس حتى ولو نفدها ( الفصل 110 ) .

ومن بين المستجدات المهمة التي أتى بها الدستور المقبل لتحرير القضاة وتمكينهم من فضاءات أوسع لتفجير مواهبهم المهنية والعلمية ، نجده ينص على حقهم في التعبير وذلك في حدود واجبات التحفظ والأخلاقيات القضائية وكذلك تنصيصه على حقهم في الانتماء إلى جمعيات وإنشاء جمعيات مهنية وذلك كله ضمن حدود الاحترام وواجب التجرد والاستقلال ( الفصل 111 ) وهذا الفصل يعتبر من جهة في نظري خنجرا غرس في جسد الودادية الحسنية للقضاة التي كانت الممثل الوحيد للقضاة في المجال المهني ، ولا نعرف سببا لذلك ، هل هو حب الارتقاء بالمهنة القضائية عبر تنويع جمعياتها المهنية لخلق التنافسية فيما أم أن ردود فعل رئيس الودادية حول تركيبة المجلس الأعلى الأخيرة وخروجه الإعلامي القوي في وقت غير مناسب ، ومعارضته لتطعيمها بعناصر أخرى كانت وراء التنصيص على فسح المجال أمام جمعيات أخرى لتمثيل القضاة في شأنهم المهني ، وفي كل الأحوال وفي رأينا المتواضع فان السماح بإنشاء جمعيات مهنية للقضاة سيساهم بالارتقاء بالمهنة القضائية وسيخلق نوع من التنافس بين الجمعيات لتمثيل القضاة والدفاع عن مصالحهم أحسن تمثيل ، وبطبيعة الحال ، فالجمعية التي ستدافع أحسن عن مصالح القضاة هي التي ستنجح في استقطاب أكبر عدد من القضاة وتغريهم للالتحاق بها ، أما عهد الأحزاب الوحيدة فقد ولى في المغرب منذ زمن بعيد وها هو يولي عهد الجمعيات المهنية الوحيدة في الدستور المقبل الذي قد يجعل من الودادية الحسنية للقضاة ودادية كباقي الجمعيات ، وليست المتكلمة الوحيدة باسمهم والمحتكرة الوحيدة لقطاعهم كما كان يريد لها مجموعة من القضاة المحافظين وكما كان يريد لهم بعض كبار الفاعلين في الشأن القضائي المغربي .

من المجحف جدا أن نتكلم عن القضاء أو سلطة القضاء في الدستور المقبل دون أن نقف وقفة إجلال وتقدير للتنصيص الدستوري لأول مرة بشكل لا تربة تخفيه على حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة ، ولعمري إن من زينوا هذا الدستور بهذه الفصول لهم نظرة ثاقبة ومستقبلية تريد أن تسير بباخرة القضاء الضخمة إلى بر الأمان وإلى مرفأ امن لتجد في انتظارها ركابا متعطشين ومتفرجين معجبين برونق وكبر وصلابة هذه الباخرة الجديدة العجيبة ، فاستقلال القضاء والقضاء في روح وإيمان من ركبوا وركبوا جسد هذه الباخرة ليس كلمة ترقن أو تطبع هنا أو هناك أو كلمة يرمى بها إلى مسامع هذا وذاك ، بل هي أكبر وأطول وأوسع من مجرد ذلك ، فالقاضي وبعد أن طوق بقلادة الاستقلال أصبح ملزما بحماية الأشخاص و الجماعة وحماية حرياتهم وأمنهم القضائي وكل ذلك بتطبيقه السليم للقانـــــــــون ( الفصل 117 ) .

بل إن الدستور ولأول مرة نص على حق التقاضي وكفل لكل متقاضي الدفاع عن حقوق ومصالح أعطاها له القانون ، بل إن حق التقاضي كفل للشخص حتى في مواجهة الإدارة في قراراتها الفردية ضد الأفراد أو ضد الفرد في مجموعة معينة إذا كانت نظامية ، وذلك بحقه في رد وطلب إلغاء أي قرار مخالف للقانون وذلك باللجوء للهيئات الإدارية أو الدستورية المختصــــة ( الفصل 118 ) ولم ينسى الدستور المقبل حفظ كرامة المتهمين بالنص للأول مرة دستوريا باعتبار القضاء هو من له الحق فقط في اعتبار كل متهم مذنبا أو بريئا ، والخلاصة إلى ذلك مشروط بحكم نهائي لا طعن بعده ، حين نص في الفصل 119 على مبدأ بحت حناجر المحامين في مرافعاتهم وجفت أقلامهم في دراساتهم ومطالبهم للإيمان بأن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته وتم التنصيص عليه في قانون المسطرة الجنائية الأخير ، لكن المبدأ ظل خافتـا في قناعات الكثير من القضاة وفي صباغة أحكامهم به ، لكن التنصيص عليه كمبدأ دستوري ، سيجعل القضاة مستقلين وبوجوه بيضاء لا حمراء خجلا أو خوفا عن محاضر الضابطة القضائية ، يفعلون هذا المبدأ ، وسيجعلهم ينصتون بثقة دستورية لضميرهم وللقانون حين ينطقون بأحكامهم وسيخفف كذلك من ثقل محاضر الضابطة القضائية عليهم خصوصا في الميدان الزجري .

وما يجعل من دولتنا دولة تريد أن تلحق بركب الدول الديمقراطية في المحاكمات العادلة هو تنصيصها بكلمات لا لبس فيها على حق كل شخص في محاكمة عادلة ، وفي حكم يصدر في أجل معقول ، وضمن للمتقاضين حقوق الدفاع ، وجعل التقاضي مجانيا لفقراء المتقاضين ( الفصلين 120 و 121 من الدستور المقبل ) . وهذه التركيبة الرباعية المشار إليها في الفصلين 120 و 121 هي الخلطة القضائية التي ينادي بها كل حقوقي العالم ، ويعتبرون إقرارها ووجودها والعمل بها هي الضمان بكون المحاكمة ستكون عادلة .

ولعمري فقد وضع الدستور المنتظر الأصبع على أهم مبادئ المحاكمة العادلة في هذه الفصول السابقة المتعارف عليها عالميا ، ولم يشبع ويكتفي بل قدم لنا ضمانة كبيرة لكل من تضرر من خطأ قضائي حضرت عندنا ومازالت مطلوبة في قوانين الكثير من الدول العربية والغربية منها ، وما يجعلنا نثق بأن من سطروا المبدأ امنوا به إلى حدود وشواطئ غير معروفة ، هو عدم تحددهم لنوع هذا الخطأ ، فقد ترك المجال واسعا ولم يقيده بصدور قانون تنظيمي ، فلكل متضرر من خطأ قضائي كيفما كان أن يحصل على تعويض تتحمل الدولة أداءه ( الفصل 122 ) وهذا المبدأ هو في نفس الوقت منحة للمتضرر و إشارة إلى القضاة تحثهم على محاولة تجنب الأحكام القضائية الخاطئة في أحكامهم التي ستبدأ مستقبلا في تكليف الدولة الغالي والنفيس بتعويض المتضررين من أخطاء قضاتها ، فإطلاق سراح مائة مذنب خير من إدانة بريء ، كما يقال ، كما أن الجلبة التي قامت من قبل ، متسائلة هل يجب أن تصدر الأحكام باسم الشعب أم باسم الملك أم باسم القانون ، جاء الفصل 124 ليجيب أصحاب الجلبة وأصحاب الأصوات المرتفعة ويقبض بتنصيصاته الواضحة على حناجرهم حتى تجحض عيونهم لترى أن الأحكام بعد التصويت على الدستور المقبل ستصدر باسم الملك لأنه هو الضامن لاستقلال القضاة وطبقا للقانون ، فالقاضي حين ينطق بحكمه باسم الملك وطبقا للقانون ، تضمن استقلاليته وبعده عن كل مساءلة ،شرط أن يكون الحكم طبقا للقانون .

فالسلطة القضائية ومحركها المحوري في شخص القاضي حينما منحت له الاستقلالية وتم الرفع به إلى أعلى عليين في الدستور المرتقب ، كذلك كبلته تكبيلا ، فالقضاة أصبحوا ملزمين بمبدأ دستوري خطير على القضاة الكسالى، تم التنصيص عليه في الفصل 125 بالقول على أن الأحكام يجب أن تكون معللة ، والتعليل يعني أن يبرر كل حكم بالقانون أو بالاجتهاد القضائي إذا غاب النص أو الاجتهاد الشخصي التي جعلت القاضي كقاضي يصل إلى الحكم الذي حكم به ، وستدفن إلى الأبد بعض الأحكام التي كانت تحكم بدون تعليل وسينتهي زمنها .

والدستور القريب من المغاربة في فصله 126 يلزم الجميع باحترام الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ويلزم السلطات العمومية بتقديم المساعدة اللازمة أثناء المحاكمة وأثناء تنفيذها .

وزاد الدستور في سرعته القضائية في فصله 127 حينما أدخل المحاكم الإستثنائية إلى أرشيف التاريخ في المغرب الجديد ، وجعل رجال الشرطة القضائية بمقتضى فصـل دستوري ( الفصل 128 ) يعملون تحت سلطة النيابة العامة وقضاة التحقيق بخصوص صلاحيات التحري والأبحاث في الجرائم وضبط مرتكبيها للوصول إلى الحقيقة فيها .

ثانيا : فصلي خارج الدستور المقبل


المرحلة التي تمر بها المملكة المغربية هي من الأهمية بما كان ، هي جسر سنقطعه بإذن الله ، سيجعلنا بالا رادات الصافية والصادقة لجلالة الملك والمسؤولين وللشعب المغربي نلحق بركب الدول المتقدمة ونحن نركب سفينة الدستور الجديد . حينما خاطب الملك شعبه ، أول عمل قمت به كان هو طباعة مسودة الدستور ، من المواقع الالكترونية ، وفي نفس الليلة قرأت الدستور المطروح من ألفـه إلى آخر حرف فيـه ، كان غنيا بسلطاته المنوعة - سلطات مغربية بفتح حروف السين والآم والطاء ، كما تعارفنا عليها خلال قرون من ملكية وإمارة للمؤمنين وغيرهـا وسلطات غريبة قدمتها دساتير غربية لشعوبنا وسلطات تجديدية أخرى لا أعرف لها وجود في دساتير عربية كثيرة وغربية ، و حب الاستطلاع والمقارنة بين دستورنا المقبل ودساتيرهم جعلني أفتح كتابها ، فوجدت أن كتابنا به من الحسنات المتنوعة والكبيرة التي ستدخلنا جنة الدنيا من أبهى أبوابها ، وثقوا بي على أن الدستور الوحيد من خلال مطالعتي الذي وجدت به معطى لم ينص عليه دستورنا هو دستور فلسطين الذي يتفرد ويجعل جريمة التأثير على القضاء والقضاة جريمة لا تتقادم ، أما ما عدا ذلك من محتويات في الدساتير التي اطلعت عليها ، وجدت أن دستورنا في تنظيمه للقضاء وسلطة القضاء وحقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة أفضل هذه الدساتير و أعتاها ، حتى دستور فرنسا العظيمة في نظر الكثيرين ، وجدته فقيرا في هذا المجال بالمقارنة مع دستورنا المقبل ، وربما إذا فكرت فرنسا يوما في تغيير دستور 1958 ستحتاج إلى مقويات وفيتامينات من دستورنا لإغناء فقرها في هذا المجال ، ولا غرو أن دستورنا المنتظر حبل بالكثير من المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية التي اعتمدت في مؤتمر الأمم المتحدة لسنة 1985 ، و من السهل جدا أن يقول البعض لا للدستور ، فحرفهم هذا لم يكلفهم بحثا أو تنقيبـا أو اقتراحا أو جهدا أو اجتهادا ، أعتقد أنهم لو قرؤوا الدستور المقبل بدون خلفيات سيجدون أنهم ينافقون الحق والحقيقة والجد والجدية ويوافقون النفس الأمارة بالسوء التي تبخس حق المواطن والوطن في أن يعيش بخير وبأمان دون فتنة يلعن الله موقظها ويوفي الأجر لمن يعمل على إطفائها ومدوات علل المجتمع بالتي هي أحسن ، فكلمة لا التي أخرجتهم من الظلمات إلى النور وجعلت الأضواء تسلط عليهم وأصبحوا عبيدا لها ، لا يمكنهم الاستغناء عنها ، لأنهم ألفوا الأضواء و لا يمكن أن يعيشوا بعيدا عنها ، فكلمة لا هي مصباحهم لإثارة الانتباه نحوهم وزر إنذار كاذب للآخرين يعلمهم بأنهم ما زالوا موجودين ، ألم يقولوا خالف تعرف فكلمة لا للدستور ومن في حكمهم من الرافضين حملوا سلاح الضعفاء فهم لم يحاججوا في وقت المحاججة ولم يناقشوا ويطرحوا البديل حين دعوا لذلك ، واعتماد هؤلاء لكلمات فضفاضة و عامة غامضة دون تبرير منطقي للا اللاهية ومثلها الرافضة هو هروب من المسؤولية وطرح ورقة المخالفة لتحقيق مآرب أخرى أصحابها أعلم بها .

أما من قدموا لنا هذا الطبق الدستوري الغني والجديد فأضع القبعة على رأسي الذي بدأ الصلع يأكل مقدمته لأرفعها عاليا شاكرا في تحية وتقدير واحترام للمجهود الرائع الذي بدلوه في صياغة الدستور المقبل وتطعيمه في العديد من غرفه بالجديد والمستجد المعروف منه وغير المعروف ، أشكركم كمحامي لأن ما جاء في الدستور في كل أبوابه وخصوصا في باب السلطة القضائية وحقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة الذي هو بابي الذي اعرف الدخول منه ، والعيش في كنفه كان خلاقا وبديعا تجاوزتهم فيه ما نادى به المحامون في مؤتمراتهم وأجبتهم فيه بالملموس عن تساؤلات و انتظارات المحامين والحقوقيين ، لذلك سأصوت على هذا الدستور بنعم وأدعو المحامين وهيئاتهم إلى التصويت بنعم على هذه المسودة من الدستور ، لأنها سترفع مهنة المحاماة والقضاء منزلة رفيعة ، لم نتمتع حتى بالنظر إليها من وراء حجاب من قبل ، فما بالنا لو وجدناها بين عشية وضحاها بين أيدينا ،ماسحة كل التعب والانتظار الذي الذي لاقيناه للقبض على خيوطها بين أيدينا ، تنصيصات هي المفتاح الذهبي لفتح أبواب عدالة وقضاء جديد ببلادنا الآمنة الكريمة ، ولمن شكك في رسالتنا أو أصابه نزغ من شياطين الجن أو الإنس ، والخطر كل الخطر من شياطين الإنس ، نطلب منه أن لا يتسرع ويقف وقفة الحكماء ويرجع الخطى والنظر إلى فصول الدستور المنتظر ويقرأه بكل تجرد وبدون خلفيات وبروية ، فالأكيد أن خطاه ستتبع خطانا وسيرجع نظره خافتا من الخجل من نظرته السابقة إلى صحاح الأمور دون تمعن وتمحيص وقراءة ومقارنة، وسينضم إلى أصحاب اليمين وسيصوت بنعم للنعيم الذي نريد ويريد أن يعيشه كل المغاربة ، وسيبتعد عن أصحاب الشمال وما أدراك ما أصحاب الشمال ، فلا منجي لهم بعد ذلك من اكتساح محبي النعيم ، ومن يريد أن يشقى بلائه وليله ، فبعد أن نكون له ناصحين ، إن كان ممن يؤمنون بالنصح ويستمعون إليه فأهلا به بيننا في جنتنا ، وان كان ممن لا ينفع فيهم نصح وممن طبع الله على قلوبهم فلا يمكن أن نمنع عنهم الشقاء والشقاق في إطار حرية الرفاق والصحاب في حرية التعبير التي يكفلها لهم الدستور الذي سيصوتون عليه بلا أو يرفضون التصويت له ، أما صاحبكم هذا أو عدوكم ولكل قراءته لا يستطيع أن يستغني عن سلطات الدستور المقبل المغربية الأصيلة ، و لا عن سلطاته الجديدة العجيبة المستجدة التي لم يذقها لسانه من قبل ولم تفرح بهضمها معدته أو تسري في عروقه تركيبتها مغذية احتياجاته وحاجياته لذلك سأقول بسم الله مرساها ومجراها لأطرد لا وأبعدا عن مائدتي ،وأنادي نعم لأتمتع بسلطات وأطباق شهية في دستور المغرب الجديد.


تاريخ التوصل21-7-2011
تاريخ النشر22-7-2011

الجمعة 22 يوليوز 2011
901 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter