Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




مقابلة النصوص الدستورية مدخل لتعزيز السلطات المالية للبرلمان


     


يونس وحالو
باحث جامعي ـ سلك الدكتوراه ـ







لايخفى على أي باحث في الميدان القانوني والسياسي أن الدستور هو الناظم الأعلى للممارسات الدولتية كيفما كانت طبيعتها ( اقتصادية، ادارية ، سياسية، تجارية ...) ، فهو يمنهج التصرفات القانونية للقائمين على تدبير المرفق العام ، ويوزع ويوازن بين صلاحيتهم ، ويفصل في وعائهم التنظيمي أي يفصل بين السلط الحاضنة للتصرف ( التنفيذية والتشريعية والقضائية).

ويعتبر دستور 2011 كذلك بحيث جاء بقواعد منظمة لممارسة الصلاحيات وأطر العمل الدولتي مبينا للأدوات الأساسية التي تمكن من ترجمة مختلف الاختيارات الكبرى للدولة ، والتي يكون مناطها حصر مختلف الاختصاصات لكل سلطة على حدة ، وفي هذا السياق تم الاقرار بدور البرلمان التاريخي باعتباره حصن تشريعي بحيث يعهد إليه بصياغة القواعد القانونية المحترمة للفصل الوظيفي للسلط ،والمنظمة للتصرفات والمراكز القانونية المتباينة (إضافة إلى دوره الرقابي والتقييمي للسياسات العمومية وأيضا الدبلوماسية الموازية ) ، وذلك قصد جعل القانون معبرا عن إرادة الكتلة الناخبة التي يستمد منه البرلماني شرعيته ، وأداة لترجمة التطلعات والمتطلبات المجتمعية مهما كانت زاوية البرلماني معارضا أو أغلبيا، وبالتالي فإن النصوص التي يقوم بإنتاجها تتخذ في مظهرها وجوهرها الأساس المستجيب لانتظارات المواطن ، فأي مجال يمس الأخير ويهمه يجب أن يكون حاضرا في بنود القانون المنتج وخاصة قانون المالية الذي يعتبر المحدد الرئيسي لقياس مدى التطابق الحاصل بين التقديرات الانتخابية والانجازات التدبيرية .

ولا يخفى على الكل الدور الذي يلعبه الممثل البرلماني (نائب او مستشار) في رسم معالم القانون المالي الموجه للأنشطة الاقتصادية والاجتماعية ويتجلى ذلك من خلال مشاركته في إعداده ومناقشته بعد عرضه وجوبا وبالأسبقية لدى مجلسى النواب (الفصل 75 من الدستور) وها ما يتأتى من خلال مناقشته داخل اللجنة المتخصصة غالبا ما تكون اللجنة المالية، ومن ثم عرضه على المناقشة في جلسة عامة والتصويت عليه ، ومن جانب أخر فإن البرلمان يلعب دور مراقب سياسي على تنفيذ الحكومة للقانون المالي بمقتضى مجموعة من الوسائل الدستورية من أسئلة شفوية وكتابية (الفصل 100)، وإعداد قانون التصفية (الفصل 75)، مسائلة رئيس الحكومة (الفصل 101)، ملتمس الرقابة (الفصل 105) سحب الثقة (الفصل 103) ، ولجن تقصي الحقائق (الفصل 67).
رغم كل هذه الاختصاصات الممنوحة إلا أن معظم الكتابات تؤكد وجود حدود متنوعة تقيد من الاختصاص البرلماني في الميدان المالي ، يكمن أهمها في تقييد المناقشة بأجل محدد مقرون بجزاء عند عدم احترامه وهو وفق الفصل 75 من الدستور اتخاذ مرسوم فتح الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية، واستخلاص المداخيل طبقا للأنظمة الجاري بها العمل، و تكمن أيضا في طبيعة المعلومات التي تنفرد بها الحكومة كما هو الحال في تنفيذ القانون المالي الذي يكون حكرا على الادارة المختصة ،إلا أن أهم حد يقيد من سلطات البرلمان في هذا الصدد هو ما نص عليه الفصل 77 من الدستور(الفصل 51 من الدستور السابق) والذي يعطي للحكومة الحق في رفض بعد تبيان الأسباب المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، إذا كان قبولها يؤدي إلى تخفيض الموارد العمومية ، او إلى إحداث تكليف عمومي، أو الزيادة في تكليف موجود, وهذا ما فسره جل المتخصصين بانه اضعاف للدور البرلماني وتقييد لحرية تقديم المقترحات والتعديلات وما يعزز ذلك ما كان عليه الحال ولا زال مع الدفع بالفصل أعلاه أثناء مناقشة قوانين المالية المتعاقبة ، بل تعدى ذلك إلى الافراط في استعماله في العديد من المناسبات كما قلنا .

إلا أن الدستور الحالي يكاد يلغي هذه القوة او الهالة التي أعطيت للفصل 77 منه وذلك عبر جعل الممارسة البرلمانية  أو تنظيم السلط يخضع لوحدة منطوق الوثيقة ولا ينص على الاقتطاع من فصوله وتفسيرها بشكل لا يخدم الاختيار الديمقراطي ، ويأتي هذا المقال في هذا السياق للتاكيد على كون البرلمان بغرفتيه صاحب الاختصاص الولائي في الميدان المالي عبر مقابلة النصوص الدستورية المنظمة والمؤطرة لعمل السلطة التشريعية متجاوزين التقطيع غير المبرر لنصوص الدستور، والاستسلام للتفسير المقيد لاختصاص البرلمان في الميدان المالي وفتح المجال امام تكرار الدفع بالفصل 77 دونما اعتداد بالنصوص الاخرى ، وهي محاولة لتكريس صلاحيات أقوى للسلطة التشريعية في هذا الصدد عبر الاقرار بأن النص الدستوري يوضع ويدرس في سياق الوثيقة الواحدة لأن وحدة الهدف تستوجب وحدة الموضوع ، وعليه فإذا قمنا بوضعه بشكل متقابل ومتوازي أي بمنطق حسابي ورياضي (فصل مقابل فصل) سنصل إلى النتائج التالية :

1ـ تعديل القانون المالي من قبل البرلمان تعبير عن إرادة الأمة :

ينص الفصل 2 من الدستور على أن السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالإستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها، سواء كانوا هؤلاء المثلين نوابا (اختيار مباشر من قبل الناخبين) أم مستشارين (اختيار غير مباشر من قبل الناخبين) والذين ستمدون تمثليتهم من الأمة حسب الفصل 60 من الدستور ، كما ينص الفصل في الفصل 6 على أن القانون أسمى تعبير عن إرادة الأمة، وفي الفصل 75 جعل من القانون المالي اختصاص تشريعي للبرلمان عبر نصه على صدوره بالتصويت من قبله .
إذن فمقابلة هذه النصوص وتمحيصها نؤكد على ان تجسيد السيادة والتعبير عن الارادة يتم إسنادها إلى ممثلين اكفاء قادرين على تكريسها في مضمون ما اعتبره الدستور قانونا ومنها مشروع قانون المالية ،وبالتالي فالتأويل الديمقراطي إذا صح التعبير يقتضي فهم اختصاص البرلمان في تقديم اقتراحات وتعديلات على مقتضيات القانون المالي على انه عمل من صميم التعبير عن إرادة الامة وتجسيد سيادتها غير المباشرة ، فتعقد أرقام القانون المذكور وتحكم الادارة في معطياته على أساس انها الساهرة على تنفيذه واحتكاكها بمشاكله لا ينبغي أن تقيد من الوظيفة التمثيلية المعبرة عن تطلعات وإرادة الأمة فالبرلماني يمارس وظيفة وليس حقا   ، على أساسها انتخب من طرف الكتلة الناخبة، هذا دون أن ننسى أن بروز النظام النيابي في بريطانيا كان أساسه مراقبة مدى شرعية الضرائب التي يقوم ملوك بريطانيا المتعاقبين بإقرارها.

2 ـ التوازن المالي مبدأ دستوري ومساهمة برلمانية:

نص الفصل 77 من الدستور في فقرته الأولى على ان البرلمان إلى جانب الحكومة  يسهر على الحفاظ على التوازن المالي الذي أصبح بذلك مبدأ دستوريا وبالتالي يكون الدستور قد حمل النواب والمستشارين مسؤولية تحقيق ذلك بشكل متساو مع أعضاء الحكومة ، والعمل على بلوغه أثناء مناقشته للقانون المالي أو عند تقييمه للسياسات العمومية ، وهو مبدأ يتجاوز النظرة التقليدية له القائمة على المنطق الحسابي أي تساوي معدل الايرادات مع الدخول بل يربط نفسه بالتوازن الاقتصادي والاجتماعي .
لذا فإن تقديم تعديل او مقترح ما بخصوص القانون المالي أثناء مناقشته داخل اللجنة  المختصة أو في جلسة عامة والذي يعزز من التوازن المالي ويحققه لا يجوز يرفضه وإن احدث تغييرا في الموارد أو التكاليف العمومية  ، على اعتبار ان السهر على اتيان ما يبق مهمة دستورية تسمو على مجرد الحفاظ الشكلي على منطوق الفصل 77 خصوصا الفقرة الثانية منها . ولا يجوز للحكومة بالتالي انتقتفي أثر الفصل الخير وتدفع بالإمكانية التي أتاحها الدستور له على اعتبار أنها مقيدة بالسهر على الحفاظ على التوازن المالي .

3 ـ مقدار التكليف العمومي اختصاص حصري للبرلمان:

استعمل في الفصل 77 من الدستور المذكور اعلاه عبارة التكاليف العمومية والموارد العمومية مما يجعله يستغرق إلى جانب الميزانية العامة كل ما يتعلق بإيرادات ودخول كل المرافق العمومية وكذا الجماعات الترابيةبنصه على ان للحكومة الحق في رفض بعد تبيان الأسباب المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، إذا كان قبولها يؤدي إلى تخفيض الموارد العمومية ، او إلى إحداث تكليف عمومي، أو الزيادة في تكليف موجود
التوقف عند مصطلح التكليف العمومي يحيلنا مباشرة الحديث عن الضريبة باعتبارها كذلك وهي بأنها بأنها تكليف إلزامي وليس عقابي يلزم المكلفين الطبيعيين أو المعنويين على أساسها يتم استخلاص الموارد الخاصة للدولة بصفة جبرية ونهائية وبدون مقابل لتحقيق الأهداف التي تسعى إليها الدولة من طبقاً لقواعد وإجراءات مضبوطة.
ونص الفصل 71 من الدستور على كون البرلمان مختص أيضا في مجال القانون بانظام الضريبي ، ووعاء الضرائب  ، ومقدارها، وطرق تحصيلها ، إلى جانب نظام الجمارك (المختص بالضرائب غير المباشرة) وبالتالي فمقدار التكليف العمومي ونظامه ووعائه ومقداره وطرق تحصيله مجال لاختصاص البرلمان بمقتضى هذا الفصل ،وهو مضمون مقيد للاستعمال المفرط للفصل 77 ،وإن كان للحكومة الحق في الدفع به فإن ممارسة ذلك يجب ان تتغيى احترام توزيع الاختصاص والصلاحية بينها باعتبارها سلطة تنفيذية وبين البرلمان بصفته سلطة التشريعية .
وفي الأخير هذا مجرد رأي تقريبي سنعمل على التعمق فيه مستقبلا  مفاده مقابلة النصوص الدستورية مع بعضها كي نساهم في إغناء النقاش والتأويل الديمقراطي له بشكل يجعل من الطابع البرلماني للنظام السياسي المغربي حقيقة دستورية وواقعية ، وهو رأي ينتصر للبرلمان بأغلبيته ومعارضته يناقش اختصاص سلطة تشريعية بغض النظر عن مكوناتها .


الجمعة 31 يناير 2014
1256 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter