Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



مغرب الهجرة بين نضج الحوار والتزامات الجوار


     



هشام هدي
دكتور في الحقوق (القانون العام)



مغرب الهجرة بين نضج الحوار والتزامات الجوار

إن الحاجة إلى معالجة ظاهرة الهجرة من منطلق شمولي، ألهم مجموعة من الباحثين إلى توليف رؤية أكثر استيعابا لهذه الظاهرة من خلال تركيب مفهوم عبر قومي للهجرة، وهو الذي ينظر إليها كوحدة متعددة الأبعاد سياسية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، سكانية، أمنية...إلخ، وليس كظاهرة منفصلة، من هنا تأتى الأخذ بالمفهومين الكلي والجزئي للهجرة.

نظام ما بعد أحداث 11 شتنبر 2001 استطاع أن يغير الكثير في صناعة الأمن الموجه للهجرة والمهاجرين لاسيما فيما يتعلق بحمولاتها الأمنية بما في ذلك التصاقها في كثير من الجوانب بالإرهاب العابر للحدود.

فيما يتعلق بالمغرب، فقد جعل منه قدره الجغرافي وتموقعه الاستراتيجي بين حافتي قارتين فضاءا ترابيا تعصف به رياح الهجرة في كل حين ومن كل جانب. حيث لم يعد بلدا منتجا للهجرة، بل وقبلة ترتضيها جموع من القوميات من أصول إفريقية وآسيوية وعربية، منها من ينشد الاستقرار فرارا من ضنك العيش و فتنة اللأمن، ومنها من ضاقت أحلامها في بقاع منشأها فهي تبحث عنها بين يدي الزعران في عوالم الشمال.

المغرب بحكم مسؤولياته الإقليمية والدولية، والتزامات الجوار التي تربطه بالشركاء الأوروبيين والأفارقة على وجه خاص، وصيته الحقوقي الذي عقد العزم على التأسيس له في المؤسسات والمحافل الدولية، وإطلاقه لأوراش الإصلاح السياسي والديمقراطي التي جعلت منه نموذجا إقليميا للاحتداء والاقتباس، كل ذلك أوجب عليه مراجعة سياسته التقليدية المخصصة للهجرة والتي ما لبثت أن أبانت عن مظاهر متفرقة للقصور والخلل في مواطن شتى سياسية وقانونية واجتماعية وحقوقية، لاسيما تجاوز مقاربة الحل الأمني الوحيد المدعمة بآليات الإبعاد والترحيل، إلى مقاربة شمولية ومندمجة تولي أهمية متزايدة للمعطى الإنساني والرصيد الحقوقي.

أنسنة سياسة الهجرة انتصار للشرعية الحقوقية للمغرب

تكمن المرجعية الناظمة لأنسنة سياسة الهجرة بالمغرب في  تحصين وشرعنة المكاسب الحقوقية للمغرب، تتويجه بولاية لمدة 3 سنوات في المجلس الأممي لحقوق الإنسان، حصول المجلس الوطني لحقوق الإنسان على درجة (أ) في تقييم التنسيقية الدولية لمجالس حقوق الإنسان، فيما حصل المجلس الحقوقي الجزائري على درجة (ب)، الاعتراف الأممي عن طريق مجلس الأمن بمصداقية المجلس الوطني لحقوق الانسان بمناسبة القرار الصادر في موضوع توسيع صلاحيات المينورسو في الأقاليم الصحراوية لتشمل حقوق الإنسان، وتسييج السمعة الحقوقية المتنامية للمغرب التي شكلت في مناسبات عديدة موضوعا للإشادة وحسن الثناء  من طرف حلفائه الغربيين.

مثل هذه الشرعية من شأنها أن تكسب المغرب مصداقية إقليمية ودولية على مستوى جدوى الخطاب الحقوقي الذي يمرره في أكثر من مناسبة في الذود عن مصالحه السياسية وتدخلاته الإنسانية، كما يقدم من خلالها رسائل سياسية نافذة لمن يلطخون تراثه الحقوقي والإنساني من المناصبين للعداء ومتربصي الجوار.


 بالإضافة إلى ما سبق، يسجل المغرب سبقا حقوقيا باعتباره أول بلد من الجنوب ينتج مبادرة من هذا الحجم في مقاربة الهجرة الزاحفة من الجنوب.

المبادرة الملكية لتسوية أوضاع الأجانب درس إنساني من الجنوب

يعود ميلاد هذه المبادرة إلى ورشة العمل التي ترأسها صاحب الجلالة في شتنبر 2013 بحضور رئيس الحكومة وعدد من الوزراء وكبار المسؤولين، حيث تقرر إنشاء خمس لجان أسندت إليها اختصاصات متفرقة في مقاربة الهجرة، من بين هذه الاختصاصات، معالجة 835 حالة معترف بهم كلاجئين من طرف المفوضية السامية للاجئين في الرباط، تحديد معايير معالجة هذه الملفات، مراجعة الوضع القانوني لبعض الفئات التي لا تملك سندات الإقامة والمتواجدة في المغرب ردحا من الزمن، مراجعة الإطار القانوني والمؤسساتي للجوء ومحاربة الاتجار بالبشر، وتكتيف وتقوية العمل الدبلوماسي في الموضوع.

في أول تعليق حول المبادرة الملكية، نقول بأنها أصابت حظا عظيما من الجرأة، وأبانت عن احترافية قوية في التكييف السياسي للهجرة بالمغرب، وهي نتاج للبصيرة النافذة لمبدعها في تحويل الهجرة من ورقة ضغط وقضية للاتهام يشهرها الأوربيون في وجه المغرب بأسلوب أحادي، إلى رهان قوي يحتمي به المغرب ويناصر به قضاياه الحقوقية العادلة.

هكذا أصبح المغرب هو من يصح له بمعيار الشرعية الحقوقية أن يعطي دروسا حقة في مادة حقوق الانسان، ويأبى أن يتلقاها ممن ينتهكون هذه الحقوق، والخطاب موجه بالطبع كما جاء في احد الخطب الملكية للجارة الجزائر ويدها المشبوهة في معتقل تندوف، هذا الأخير الذي يظل الشاهد الجغرافي البارز على الانتهاكات الفاضحة للحقوق الأساسية التي بدونها يجرد الانسان من إنسانيته ويعرى من بشريته.

وليس من الغلو في شيء إذا ما قلنا بان المغرب أصبح يجاهر بمرجعية سياسية جلية الملامح في مجال حقوق الانسان، تتأسس على صيانة قدسية حقوق الانسان والدفاع عنها في إطار الشرعية وسلطة القانون بعيدا عن المزايدات السياسية الضيقة، لاسيما الفئات الأقلية التي تواجه تحديات خاصة، وهو الموقف الذي عاينه الرأي العام الدولي في الموازنة بين استقبال ممثلين عن حركة أزواد من طرف صاحب الجلالة ودعم الاستقرار السياسي لدولة مالي من اختراق النعرات الانفصالية.

على صعيد آخر، وعقب انطلاق العملية الاستثنائية لتسوية إقامة الأجانب بالمغرب في وضعية غير قانونية، والممتدة من 2 يناير إلى 31 دجنبر 2014 ب 83 مكتب للأجانب من اجل استقبال ومعالجة ملفات التسوية، توجه روبرت جوى سفير الاتحاد الأوروبي لدى المغرب بتخصيص سياسة المغرب حول الهجرة بأبلغ عبارات الثناء، بوصفها تندرج ضمن مقاربة شمولية، ولم يفوت المناسبة في غضون يوم دراسي نظم في مجلس النواب عن الإعلان عن الدعم الكامل للاتحاد الأوروبي لهذه المبادرة غير المسبوقة في إدارة ملف الهجرة والأجانب فوق التراب المغربي.

في نفس السياق، عبرت العديد من المنابر الرسمية والحقوقية الأوروبية عن ارتياحها للبعد الإنساني الذي يوليه المغرب لسياسته الجديدة حول الهجرة، وإحقاقه التدرج من النظر إليها كمصدر تهديد إلى فرصة مجتمعية تضفي قيمة مضافة إلى المجتمع المغربي، وقد وصفت بالتاريخية، فهي لأول مرة تأسس لمخطط عمل يؤخذ بعين الاعتبار قضية الاندماج الاجتماعي والاقتصادي والإنساني والتربوي للمهاجرين المعنيين بالتسوية.

الانتقال من المقاربة الأحادية إلى المقاربة الشمولية المندمجة  

إن أول ما يتم تسجيله في هذا الباب هو أن الهجرة لم تعد مجالا محفوظا للأمن ولا مادة حكرا عليه، يستأثر وحده بتأطيرها وينفرد بمعالجة إفرازاتها ومنتجاتها بمقاس حفظ الأمن والنظام العام وعدم الإخلال بهما.

قد آن لصانع القرار المغربي أن ينصف قضية الهجرة، ويعتمد مقاربة تصالحية معها من خلال كسر الاعتقاد الذي يجعل الهجرة والتهديد على صعيد واحد، إذ من غير المقبول الحكم عليها في كليتها بالاضطراب وتسريب المخاطر الأمنية والتشويش على هدوء الحدود وتحميل مواد اللأمن.

إن من حسنات سياسة المغرب الجديدة للهجرة أنها تتوافق مع تيار التفرقة بين الهجرة والإرهاب، وإن كانت بعض الأحداث الدولية قد أظهرت الظاهرتين وكأنهما يتواطئان ويتآمران على إحراز بعض المصالح السياسية من قبيل تغيير أوضاع سياسية معينة أو قلب موازين القوى لصالح طرف دون آخر أو القيام بأعمال انتقامية.

بهذا تتحول الهجرة إلى مادة متعددة التدخلات وقضية فوق قطاعية تنجدب إليها السياسة والأمن ويتدافع حولها الاقتصادي والاجتماعي، وتخاطبها الهوية والثقافة، هكذا لا يستقيم أمر الهجرة إلا بتنظير شمولي يجانب المقاربة الكلية التي لا ينفرط لها عقد بالتجزيء أو مناصرة متدخل وإقصاء من دونه.     
سياسة جديدة تستلزم قانونا بروح جديدة.

يرى الأستاذ بلكندوز أن من سلبيات قانون 02.03 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب بالمملكة المغربية وبالهجرة غير المشروعة بموجب ظهير شريف الصادر في 2003، هو غلبة الفكر الأمني على المساطر الإجرائية التي جاء بها وذلك على حساب إنصاف المكاسب الاقتصادية والاجتماعية للأجانب، بل ويرى أنه خرج للوجود القانوني إرضاءا لإسبانيا  خاصة ودول الاتحاد الأوروبي عامة، نتذكر جيدا أن إسبانيا في عهد خوسي ماريا أثنار كانت تحشد وتنادي في حظيرة القوى الأوروبية من أجل معاقبة ما تسميه دول الجنوب العاجزة أو المتخاذلة في تطويق ومحاربة الهجرة غير الشرعية، بل وتمادت إلى الدعوة لجلد دول الجنوب التي تمتنع عن التوقيع على اتفاقية الإرجاع بسوط العقوبات الاقتصادية والمالية، بما في ذلك مراجعة المعايير المعتمدة في توزيع الإعانات المالية للاتحاد على الضفة الأخرى من المتوسط.

ويتصور نفس الباحث أن السياق الزمني الذي أخرج هذا القانون هو نفسه الذي أنتج مشروع قانون 03.03 المتعلق بمكافحة الإرهاب، ونرى أن هذا التزامن بين الميلاد القانوني لهذين المشروعين ليس اعتباطيا، وإنما يحمل بين يديه دلالات أمنية دقيقة مفادها إنزال الهجرة بمنزلة شبيهة بمنزلة الإرهاب بمقياس الميزان الأمني، ووضع الظاهرتين تحت رحمة ترسانة من الآليات السياسية والقانونية المتشبعة بالعقائد الأمنية الراهنة.

شيء إيجابي أن يتضمن القانون سلسلة من المساطر القانونية التي تضبط دخول وخروج الأجانب من وإلى التراب المغربي، كما أنه من المحمود أن يسطر سلسلة من العقوبات والإجراءات الردعية بما في ذلك الاقتياد إلى الحدود والطرد ورفض وسحب سندات الإقامة، بالإضافة إلى جملة من الغرامات والعقوبات السالبة للحرية شأنه شأن نظرائه من قوانين الهجرة، وهي من المحاور الايجابية المعترف بها لهذا القانون، لكن لم يكن من المقسط تضييق مشروع القانون على الضمانات الحقوقية كما هي متعارف عليها في الاتفاقيات الدولية في مجال حقوق المهاجرين، ما من شأنه حفظ كرامة وإنسانية الأجنبي المغترب عن أرضه.

من بين الانتقادات الأخرى الموجهة إلى قانون الهجرة 02.03 أنه لا يعدو أن يكون صورة مستنسخة من القانون الفرنسي للهجرة مع غض الطرف عن بعض المحاسن والضمانات الحقوقية التي سطرها القانون الفرنسي للأجانب الذين يلقى عليهم القبض في إقامة غير شرعية، وهو نفس الانتقاد الذي يوجهه الأستاذ بلكندوز لهذا القانون، مع تسجيل غلو في استعمال مفردة الإخلال بالأمن العام التي أكثر من سبع مرة.

على سبيل المثال تقول المادة 4 أنه يمكن رفض دخول أي أجنبي إلى التراب المغربي إذا كان وجوده به قد يشكل تهديدا للنظام العام، وتضيف المادة 14 أنه يمكن رفض تسليم بطاقة التسجيل إلى كل أجنبي يشكل وجوده بالتراب المغربي تهديدا للنظام العام، وتجوز المادة 16 رفض منح بطاقة الإقامة إلى كل أجنبي يشكل وجوده بالتراب المغربي تهديدا للنظام العام، ولا تتردد المادة 17 في ربط أهلية فئات الأجانب المرخصين بموجب هذا القانون للحصول على بطاقة الإقامة بشرط عدم تهديد النظام العام.

في نفس السياق، يعتبر تهديد الأجنبي للنظام العام من الأسباب الرئيسية للطرد خارج التراب الوطني حسب منطوق المادة 25، أما المادة 27 فترفع عن الفئات غير المشمولة بقرار الطرد هذا المكسب الحقوقي إذا كان الطرد يشكل ضرورة ملحة لحفظ أمن الدولة أو النظام العام.

كما أن الإخلال بالنظام العام هو من موجبات إلغاء تأشيرة الدخول إلى التراب المغربي حسب ما تدعو إليه المادة 40، وقد يحل الطرد محل الغرامات والعقوبات الحبسية، إذا اقتضت دواعي الأمن والنظام العام ذلك حسب المادة 42.

إن أول ملاحظة نبديها بعد عرض هذه المواد، هي أن قانون الهجرة 02.03 جعل من الأمن والنظام العام القبلة القانونية التي تطوف حولها جميع البنود التي تضمنها، حيث يظهر بمثابة الخزان الرئيسي الذي يمد سائر المواد بدماء التشريع في مجال الهجرة، وهو المحور التي تدور في فلكه مجموع المساطر التي جاء بها، وكأنها تستمد مادة حياتها منه، فإن توافقت صحت وإلا علقت وأسقطت، كما يظهر الأمن والنظام العام وكأنه صمام أمان هذا القانون الذي يواجه به جموع المهاجرين التي تحج إلى التراب المغربي.

من جهة أخرى، جاء هذا القانون بأسلوب بوليسي إجرائي مشبع بالتقنية، في حين تعتبر الهجرة ظاهرة اجتماعية وثقافية بالدرجة الأولى قبل تكون ظاهرة أمنية.

لهذا كان من أهم المآخذ على هذا القانون الاختراق النافذ للمرجعية الأمنية لمجموع مضامينه، وهو الأمر الذي يحيل على الاعتقاد بأن محتواه كان مرتبطا بالسياق الذي أخرجه أكثر من ارتباطه بمعالجة الهجرة في حد ذاتها، ونعلم جميعا أن القانون هو عبارة عن مجموعة من القواعد العامة التي تتصف بالتجريد والموضوعية. 

يبقى أن نذكر بأن الضمانات الإنسانية هي الحاضر الغائب في مواد هذا القانون، كان عليه أن يخصها بنصيب أوفر وحظ أكبر، لهذا لم يجد قانون الهجرة 02.03 بدا بعد تبني المغرب لسياسته الجديدة حول الهجرة من الاعتراف بقصوره وتخلفه عن اللحاق بركبان قوانين الهجرة الضامنة للحقوق السياسية والاجتماعية للمهاجرين.

في ضوء ما سبق ذكره، كان أمر محتما أن تتم مراجعة القانون موضوع هذا المقال، بما يتماشى والتوجهات الجديدة لسياسة الهجرة ومقتضيات دستور 2011، وقد أعطيت بالفعل انطلاقة الإصلاح المؤسساتي والقانوني التي تشرف عليه المفوضية بين الوزارية لحقوق الانسان (DIDH)، والدي يرمي إلى إعادة المؤسسة القانونية للهجرة واللجوء وتجريم الاتجار بالبشر، بالإضافة إلى وضع أسس جديدة لسياسة جديدة حول إنجاح اندماج الأجانب في النسيج المجتمعي المغربي.
 
 


الاثنين 10 فبراير 2014