MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية
plateforme des décideurs juridiques - Platform of Legal Decision-Makers



مصير الدولة بين تآكل مفهوم السيادة وصعود فاعلين لادولاتيين في نظام العلاقات الدولية

     

محمد لكموش
دكتور في العلوم السياسية



مصير الدولة بين تآكل مفهوم السيادة  وصعود فاعلين لادولاتيين في نظام العلاقات الدولية
أمام التحولات العميقة التي تشهدها العلاقات الدولية على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، انعكست على التصور التقليدي القائم على مركزية مفهوم الدولة الوطنية كإطار تحليلي للنظام الدولي؛ وأصبحت مقولة الدولة كحقيقة مطلقة تنفي كل أشكال التفكير في غيابها محل إشكال حقيقي؛

فمع بروز موضوعات جديدة على المستوى الدولي كقضايا الأمن والصحة والتنمية الإنسانية، ومع التنامي المطرد لأدوار فاعلين لادولاتيين جدد من غير الدول والمرتبطة فيما بينهم بنظم معقدة من التفاعلات (المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، الشركات متعددة الجنسيات، ومختلف تكوينات المجتمع المدني العالمي..) ساهمت في ضبط تفاعلات المستويات المختلفة للسياسة العالمية، ضمن ما أصبح يصطلح عليه بالحوكمة العالمية لقضايا الاقتصاد العالمي؛

فأمام "وحش العولمة" الذي بدأ يشكل عالما جديدا تكون فيه الدولة مجرد فاعل من الفواعل، قد لا يرقى تأثيرها لمستويات قد تنافس تأثيرات فواعل لادولاتية أخرى والتي ساهمت في الانتقال من مقاربة الدولة المركزية إلى مقاربة الحوكمة المتعددة المستويات (المستوى ما فوق الوطني والبين الوطني والتحت وطني) كفواعل مشاركة في تسيير وإدارة الشأن العام؛

فمع ضغط العولمة والخوصصة أصبحت النظرية القانونية للدولة أو ما يصطلح عليه بالدولاتية المؤسسة على النظام الاجتماعي التقليدي القائم على الضبط، يتراجع ويخفت أمام مختلف التطورات المتلاحقة والمتسارعة على الصعيد الدولي، حيث لم تعد الدولة الإطار التحليلي الوحيد في العلاقات الدولية والتي كانت سائدة إلى حدود النصف الأول من القرن العشرين؛

إن الإشكال المطروح على مستوى الدولي هل الدولة القومية أضحت تعيش أزمة وجود لدرجة تأكيد بديل الحكومة العالمية مع العولمة، بالنظر لما يتميز به النظام الدولي من تفاعلات في هيكل علاقات القوة البين دولية؟؛ وكيف يمكن إطالة عمر حقيقة الدولة وكل كيان يدعي المركزية واليقين؟؛ وإلى أي مدى أضحت الدولة القومية تحتكر عملية التشريع أو التقنين وتنظيم السلوك البشري بين الفرد والفرد وبين الفرد والمجتمع؟؛ وهل التشريع ما قبل دولة الضبط الاجتماعي هو التشريع ما بعد الدولة المركزية؟؛ وما علاقة كل هذا بمفهوم سيادة الدولة؟؛

وفي ظل مختلف هذه الإشكاليات، يستلزم الأمر التفكير في إعادة مستقبل الترتيبات القانونية لما بعد ضمور الدولة، أمام بروز العولمة ودورها في إعادة بناء منظومة تشريعية تنفي قيمة استقلالية الدولة، لصالح فواعل جديدة غير دولاتية تعتمد على العولمة القانونية؛

أولا: تمظهرات الفواعل الجديدة على الساحة الدولية

أمام التشظي الذي لحق بالنظام الدولي بعد نهاية الحرب الباردة، سواء على مستوى طبيعة الكيانات المشكلة للنسق الدولي، أو على مستوى قضايا الأجندة العالمية، عبرت عنه اجتهادات نظرية للكثير من الباحثين، منها إسهام James Rosneau  الذي أشار إلى أن العالم دخل مرحلة جديدة مع بداية العقد الأخير من القرن العشرين سماه بمرحلة " الاضطراب العالمي" TURBULENCE MONDIALES والذي ترافق مع تنامي العولمة الاقتصادية والعبر قومية، إذ وضح فيه فكرة العوالم المتعايشة المتمثلة في عالمي الدول والعالم المتعدد المراكز الممثل للفواعل غير الدولاتية .
هذا التصور للدولة تشاطره الباحثة Suzan Strange التي اهتمت بتعاظم مكانة واحد من أهم الفواعل غير الدولانية، ألا وهي الشركات المتعددة الجنسيات، فحسبها إذا كانت الدول سابقا أسيادا للأسواق، فان هذه الأخيرة –الشركات المتعددة الجنسيات- أصبحت أسيادا للدول والحكومات، إضافة إلى أن الفواعل التقليدية "الدبلوماسيون والعسكريون" أصبحوا حسب Strange اقل تأثيرا وتقريرا من البنكيين ورجال الأعمال وكذا الإعلام .
ففي دراستها بعنوان The Retreat Of The State خلصت Strange إلى أن الدولة فقدت دورها المركزي في مواجهة حركية العولمة، إذ إن المؤسسات الحكومية الرسمية باتت عاجزة عن الوفاء بالقيم الأربع الضرورية لحياة المجتمعات والمتعلقة بـ: الأمن، العدالة، الحرية، والثروة، والتي كانت توفرها الدولة إلى جانب قوى السوق الحرة التي تجاوزت سلطاتها سلطة الفواعل الرسمية في عالم ما بعد الحرب الباردة، وقد حددت Strange تسعة طفرات هيكلية قوضت مكانة الدولة وساهمت في تراجعها أمام تصاعد قوة الفواعل الجديدة التي أصبحت تنافس الدولة في مهام التوزيع السلطوي للقيم.
إسهام آخر يندرج ضمن ذات الإطار، للباحث Bertrand Badie الذي تحدث عن مفهوم "انتقام"  " Revenge" بني موازية كجمعيات المجتمع المدني من الدولة، فالدولة حسبه أصبحت أكثر عرضة للتهديدات من قبل البني والتشكيلات التحت وطنية المتمثلة في المجموعات عبر الوطنية، سواء أكانت مجموعات اثنية أو حركات دينية، والتي تعمل بأشكال عدة على إضعاف المؤسسات الرسمية في مواجهة ما تشكله أعمال تلك البني من تهديدات .
نفس الفكرة تقدمها Josepha Laroche، فالدول حسبها كتنظيم تقليدي تجاوزته الأحداث وهي آلية للفشل، إذ أنها أصبحت مهددة بفعل انتشار التهديدات التحت دولاتية، كالإرهاب والمنظمات الإجرامية، في أهم ميزة تنفرد بها الدولة ألا وهي احتكارها للعنف المادي المشروع، وكذا في قدرتها على حفظ الأمن وتسيير الثروات الوطنية .[1]

ثانيا: القانون في عهد الدولة القومية الكلاسيكية

في مقابل التأثيرات الخارجية التي فرضتها العولمة والنظام الاقتصادي الجديد وقيم الخصخصة المكرسة لمفهوم قيم السوق وما جاء به بمجموعة من مفاهيم تنظم السلوك الاقتصادي وبالتالي العلاقات الاجتماعية المنبثقة عنها، طرح سؤال العلاقة بين القانون والمجتمع كترجمة للروابط الاجتماعية المنظمة بمجموعة من القواعد الناظمة للسلوك الاجتماعي؛
إن العولمة وباعتبارها مفهوما اقتصاديا بحثا بعيدا عن كل الأبعاد السياسية ومتقدما عن كل الأشكال الاجتماعية والثقافية، ستساعد في تحويل مسار الهيمنة مما هو اجتماعي محلي إلى ما هو اقتصادي وكذا اللجوء إلى آلية التحكيم الدولي في النزاعات بين المستثمرين.
وأبرز مثال على ذلك الخطاب السياسي والاقتصادي الجديد، فمفهوم القانون الإداري العالمي، والذي يمثل تطورا لمساهمات علماء القانون في جامعـة New York وقـانونيين
إيطاليين، والعديد من الإداريين والمشتغلين في الساحة الدولية، هذا المفهوم الذي يهتم أساسا بتحليل التشـكيلة القانونيـة للوحدات الإدارية العالمية، وتحديد كيفيات وضع هذه الوحدات في إطار القانون، وتفحص مستوى المساءلة داخل هـذه الوحدات.
وبهذا، فإن نظرية القانون الإداري العالمي والشفافية ومقاييس الحوكمة الجيدة تعتبر مـدخلا لتحليـل ودراسـة العولمة القانونية، وإجابة مباشرة لظهور مفهوم الحوكمة العالمية ونهاية الدولة القومية، إن إعطـاء هـذا المفهـوم الأخير بعدا سياسيا عموميا (الحوكمة العالمية) يتطلب البحث عن قانون يساهم في الإبقاء على هذا الطـابع العمـومي،
رغم أنه جاء بعد سقوط مفهوم الدولة القومية، واعتبار هذا القانون قانونا ما بعد الدستور الدولاتي واسـتجابة لانتشـار الأنظمة الضبطية العالمية.[2]
كما يعتبر ميثاق الأمم المتحدة ومؤسساتها أحد نماذج الحوكمة العالمية التي لا يجب الاستهانة بها، أما الدولاتية فهي تدخل في إطار المفهوم الشبكي للوحدات الحكومية غير الممركزة.
إن نظام الحوكمة الحالي يعطي مفهوما جديدا للديمقراطية وللمصلحة العامة بعيدا عن أنطولوجيا الدولاتية التقليدية، فالحوكمة الشاملة والعالمية تعبر عن مفهوم جديد لا يستند إلى الموروث الدولاتي، كما هو مؤكد في فقه القانون الإداري العالمي، ولهذا ذهب منظروه إلى تبيين المهمة الأساسية لهـذا القـانون وهي إثبات الديمقراطية والمساءلة على المستوى العالمي، رغم أن الدولة ليست مسؤولة عن مثل هذه القيم، ولا تتحقـق بإرادتها، وإنما بإرادة كل الفواعل على كل المستويات، الحوكمة العالمية المجتمعية، الصحية، الأمنية والبيئية؛
كذلك تظهر مساعي هيمنة الخطاب الاقتصادي خاصة بعد مرحلة الخصخصة التي عرفها القطـاع العـام فـي مختلف دول العالم، وموجة العولمة خاصة الاتجاه الذي أكد عليه إجماع واشنطن للعولمة الاقتصادية النيوليبرالية فـوق القومية الخاصة.[3]

ثالثا: العولمة القانونية وتأثيرها على قوانين الدولة

يعتبر الباحثين العولمة القانونية بأنها اصطلاح مركب ومستشكل، ومن ثم وجب توخي الحذر المعرفي والمنهجي في تعريفها، فقد تطلق، ويراد بها: "مقدار ما يجمع بين بلدان العالم من القواعد القانونية التي تفرضها المنظمات العالمية، طوعا أو كرها، " وقد تنصرف، في إطار آخر، إلى القانون الكلي العالمي الذي تكون قواعده ومؤسساته ومجالاته عالمية" وأشمل من هذا وذاك، ما عرفت به العولمة القانونية من أنها جعل البلدان المتعددة في قوانينها بحيث يطبق عليها قانون عالمي واحد، من غير اعتبار للمكان والإنسان والسلطان والزمان.

ويفهم من هذا أن العولمة القانونية:
 
  • بسعيها إلى تطبيق قانون عالمي واحد، ففي ذلك تقويض للأنظمة القانونية الوطنية والعالمية وللتعددية القانونية.
  • وبعدم اعتبارها للمكان، ففي ذلك إخلال بمبدأ إقليمية القوانين واختراق للحدود الوطنية.
  • وبعدم اعتبارها للسلطان، ففي ذلك تأثير في السيادة الوطنية.
  •  وبعدم اعتبارها للزمان، ففي ذلك فصل للقانون عن موروثه القانوني والعرفي.
 

وبالتالي يمكن القول أن العولمة القانونية تقتضي وجود قوانين عالمية، ولكن ذلك يحتاج إلى من يسنها، وليس لها هنا لا حكومة "عالمية"، ولا "برلمان عالمي"، ولا هي معبرة
عن إرادة "مواطنين عالميين"، فيلزم منه الاستعانة بمفاهيم جديدة لاستيعاب أبعادها، وهي على كثرتها راجعة إلى مفهوم أساس، وهو الحكامة العالمية، من حيث هي الإطار التنظيمي والمؤسسي للعولمة، إذ مدلولها يشير إلى التدبير الجماعي للمشكلات العالمية التي لا سبيل للدولة إلى فهمها أو حلها على الانفراد، وخصوصا المشكلات الأمنية والبيئية والصحية، وغيرها مما يتجاوز الحدود الوطنية، ويدعو إلى شبكة من المؤسسات والآليات والعلاقات الناسقة بين الدول والأسواق والأفراد والجماعات والمنظمات الحكومية و غير الحكومية والشركات، فيحصل منها سياسات وقرارات وقوانين موضوعة على مقتضى الحكامة العالمية . ويستفاد من ذلك، أن الحكامة العالمية بالنسبة إلى العولمة القانونية كالحكومة بالنسبة إلى القوانين الوطنية، إلا أن الحكامة العالمية غير محكومة بمقتضيات السيادة الوطنية كما هو الشأن فيما يتعلق بمفهوم الحكومة[4] .
وبالتالي يمكن القول أنه مع التقارب الحاصل بين الدول في مختلف القضايا التي تهم المجتمع الدولي، سواء الأمن أو تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وحماية حقوق الانسان والأقليات، أصبح هناك شبه توافق عالمي إلى ضرورة التقريب بين القواعد القانونية العالمية سواء في مجال القواعد القانونية التجارية في مجال الاستثمار والمنافسة أو الحقوقية أو العسكرية الأمنية..؛
وتعتبر هذه القوانين تعبيرا عن قوانين الأقوى من الدول والمؤسسات، وهو ترجمة لنظرية الليبرالية الجديدة، التي تهدف إلى إشاعة القيم الغربية.
وأمام تأثير القانون الدولي في القانون الوطني، ولمواجهة هذه التأثيرات، انعقد مؤتمر رؤساء التشريع في الدول العربية عام 2004، حيث انكبوا على مناقشة سياساتهم التشريعية، وكيف يمكن التنسيق بينهم عربيا وعالميا، وما مدى قدرتهم على صيانة
خصوصيتهم القانونية، مع إمكان الاستفادة من الخبرات التشريعية للدول الأخرى، والقواعد المعتبرة في القانون المقارن.
وكذلك ما قامت به جامعة الدول العربية، بناء على ميثاقها الداعي إلى تحقيق تقارب أوثق، وروابط أقوى في مجالات شتى، ومن جملتها السياسة التشريعية، حيث أنشىء مجلس وزراء العدل العرب، بقرار مجلس جامعة الدول العربية رقم 4218 لسنة 1983، من أجل توطيد التعاون العربي في المجالات القانونية والقضائية، وتأهيل الموارد البشرية لصياغة قوانين ملائمة للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية العربية.
كما سعت الدول العربية إلى تنسيق مواقفها بشأن المؤتمرات والاتفاقيات الدولية، وكان من بينها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، واتفاقية الأمم المتحدة للجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ومؤتمرات الأمم المتحدة لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين.
كما يتجلى تأثير العولمة في التشريعات العربية، في الدور الذي تلعبه المعاهد الدولية في
هذا الإطار كالمعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص ومقره إيطاليا، والذي يستهدف حسب المادة الأولى من قانونيه الأساسي إلى دراسة وسائل تحقيق التوافق والتنسيق فيما بين القانون الخاص للدولة وتجمعات الدول، وإعداد تدريجي لتتبنى مختلف الدول قواعد موحدة للقانون الخاص.[5]

رابعا: نموذج المغرب في مجال العولمة القانونية

اعتبارا للقرب الجغرافي والروابط التاريخية والسياسية التي تجمع المغرب بدول الاتحاد الأوربي، والتي أهلته لمنحه صفة الوضع المتقدم لدى الاتحاد الأوروبي منذ شهر أكتوبر من سنة 2008، ومكنته من إرساء قواعد قوية لشراكات اقتصادية وسياسية مع دول الاتحاد الأوروبي، ودفعته إلى مواكبة هذا الوضع بإصلاحات هيكلية على مستوى قوانينه الوطنية لتسيار هذا الانفتاح الاقتصادي والسياسي.
     وفي هذا الإطار اعتمد المغرب العديد من الاتفاقيات الإقليمية والدولية، التي كان ملزما بملاءمة تشريعاته معها، تماشيا مع أحكام الوثيقة الدستورية وكذلك تفعيلا لتلك الشراكة التي جعلت من التقارب التشريعي (المادة 52 من اتفاق الشراكة) أحد مقوماتها، سواء من خلال اعتماد قواعد ونصوص تشريعية تكرس لمبادئ الحكامة والاحترام لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، والتي يمكن إبراز بعض محاورها من خلال ما يلي:
 
 
في مجال حماية حقوق الإنسان وتكريس سيادة القانون والديمقراطية: تم وضع مشروع قانون رقم 27-14 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر.

في الجانب المتعلق بحماية الأطفال: باشر المغرب إجراءات الانضمام لاتفاقية مجلس أوروبا بشأن حماية الأطفال من الاستغلال والاعتداء الجنسي الموقعة بلانزاروت Lanzarote في 25 أكتوبر 2007.

في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي: اعتبارا لما واكب عالم التكنولوجيا والرقمنة من تطور وما صاحبه من توفير لوسائل التواصل جعل من تبادل المعطيات الشخصية للأفراد ومعالجتها من طرف العديد من المتدخلين في إطار الانفتاح الاقتصادي والتجاري الذي تعرفه بلادنا مع العديد من الشركاء الاقتصاديين، خاصة الأوربيين منهم، كان المغرب مدعوا إلى مراجعة قوانينه الداخلية ذات صلة، لملاءمتها مع التزاماته الدولية المترتبة عن انضمامه إلى الاتفاقية الأوروبية رقم 108 المتعلقة بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه المعالجة الآلية للمعطيات ذات الطابع الشخصي، الموقعة بستراسبورغ في 28 يناير 1981 وكذا البروتوكول الإضافي للاتفاقية، المتعلق بسلطات المراقبة والتبادل الدولي للمعطيات، الموقع بستراسبورغ في 8 نوفمبر 2001.

في مجال مكافحة الفساد وغسل الأموال وتمويل الإرهاب: من خلال اعتماد القانون رقم 12.18 القاضي بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي والقانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال.


وفي إطار التزاماته مع دول الاتحاد الأوروبي، صادق المغرب، بتاريخ 19 أبريل 2022، على اتفاقية مجلس أوربا بشأن غسل الأموال وتجميد وحجز ومصادرة الأموال
المتحصلة من الجريمة وبشأن تمويل الإرهاب، الموقعة بفارسوفيا في 16 مايو 2005.
وموازاة مع ورش التقارب التشريعي الذي اعتمده المغرب، عمل أيضا على ورش آخر لبناء روابط مؤسساتية مع مجلس أوروبا، والذي من بين تمظهراته حصوله على وضع شريك من أجل الديمقراطية لدى الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا وشريك من أجل الديمقراطية المحلية مع كونغريس مجلس أوروبا، وفي مجال العدالة استفاد المغرب من وضع كملاحظ لدى المجلس الاستشاري للمدعين الأوروبيين (CCPE) وأيضا لدى اللجنة الأوروبية لفعالية العدالة (CEPEJ) التابعة لمجلس أوروبا.[6]
يمكن القول أن هذه الملاءمة التشريعية للقوانين الوطنية مع الاتحاد الأوربي تعتبر شكلا من أشكال العولمة القانونية مع بلدان الاتحاد الأوربي، هذا فضلا على حرصه على تحقيقها في بعدها الشمولي العالمي من خلال ما نص عليه دستور سنة 2011 من خلال جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه هذه المصادقة.
إلا أنه لا بد من طرح سؤال ما هو مصير سيادة الدولة أمام مختلف هذه التحولات على مستوى صعود فاعلين دوليين جدد ينافسون الدولة في مفهومها التقليدي والذي قامت عليه والمتمثل في مفهوم السيادة سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.

خامسا: مصير الدولة ما بعد الدولة

يرتبط مفهوم السيادة ارتباطا وثيقا بنشأة الدولة الحديثة على أنقاض نظام الإقطاع في أوربا في القرن الخامس عشر، وبرز هذا المفهوم في بادئ الأمر كمفهوم سياسي يجعل رئيس الدولة صاحب كل السلطات في الدولة وكان الهدف من ذلك تأكيد السلطة المركزية للدولة؛
وتنقسم السيادة إلى سيادة على المستوى الداخلي والتي تتجلي في حرية الدولة في تصريف شؤونها الداخلية وتنظيم حكومتها ومرافقها العامة فضلا عن حقها في فرض سلطانها على كل ما يوجد على إقليمها من أفراد أو أشياء. ولا تخضع الدولة في ممارسة تلك الاختصاصات لأية سلطة أخرى ولا تشاركها في ممارستها أي جهات أخرى.
أما السيادة الخارجية فتعنى حق الدولة في التعامل مع الدول الأخرى دونما خضوع في ذلك لأية سلطة دولية وقيام العلاقات بين تلك السلطات على أساس من المساواة في السيادة.
إلا أنه وبعد الحربان العالميتان الأولى والثانية حدث تغير جذري في الفكر الدولي فلم يعد العالم مستعدا للإبقاء على مبدأ السيادة بمعناه التقليدي الذي يعترف للدول بحق شن الحروب على الدول الأخرى، خاصة مع ميثاق الأمم المتحدة الذي نص على حل النزاعات بالطرق السلمية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والمحافظة على السلم والامن الدوليين واحترام حقوق الإنسان وهو الامر الذي تم التنصيص عليه في اغلب دساتير دول العالم، هذا بالإضافة إلى التعاون الدولي في مجالات الاقتصاد والثقافة والاجتماع؛
إلا أن أبرز مجال تتم فيه انتهاك سيادة الدول هو المتعلق بمجال عدم احترام حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا؛
كما ساهمت العولمة أيضا في الضغط على اختيارات الدول سواء على مستوى النظام السياسي الذي يرتكز على الديمقراطية التعددية السياسية، والاقتصادي القائم على الرأسمالية وحرية السوق، والنظام الثقافي والاجتماعي القائم على ثقافة عولمة القيم الليبرالية.[7]
 وأمام مختلف هذه التحولات الضاغطة على الدولة الوطنية، سيطرح سؤال ما بعد الدولة؟، حيث هناك نظريتان لدولة ما بعد الدولة يتم تداولهما في مراكز الأبحاث في العالم اليوم، وهما علي النقيض من بعضهما البعض:

النظرية الأولي تعرف بالدولة الرخوة  The Soft Stateوقد ظهر هذا المصطلح أول مرة في نهاية الستينيات مع عالم الاقتصاد السويدي الشهير جونار ميردال ، الذي أكد في مؤلفه "الدراما الآسيوية" أن الدولة الرخوة هي سر البلاء الأعظم، والسبب الرئيسي في استمرار الفقر والتخلف. فهي دولة تصدر القوانين ولا تطبقها، ليس فقط لما فيها من ثغرات، ولكن لأنه لا يوجد في الدولة الرخوة من يحترم القانون، الكبار لا يبالون به لأن لديهم من المال والسلطة ما يحميهم منه، والصغار يتلقون الرشاوي لغض الطرف عن القانون واللوائح والروتين، وفي هذه الدولة يباع كل شئ: البشر والشجر والحجر، بدءا من الأعضاء البشرية كقطع غيار آدمية إلي الرخص والتصاريح وأحكام القضاء، فرخاوة الدولة تشجع على الفساد، وانتشار الفساد يزيد من رخاوة الدولة.

النظرية الثانية، تقف على النقيض من مفهوم الدولة الرخوة وتري أن العولمة الاقتصادية لن تؤدي إلى رخاوة الدولة أو انحلالها واضمحلالها، وإن كانت تعيش حالة عامة من التراجع والانحسار، وإنما ستبرز الدولة وأهميتها من جديد، باعتبارها ضرورة للطبقات المسيطرة (لقمع) أولئك الذين يسوء وضعهم باستمرار فيتمردون على النظام الدولي الجديد في الداخل أو الخارج. وقد كان تزايد أهمية الدور القمعي الداخلي والخارجي للدولة واضحا في ضرب الاحتجاجات المناهضة للعولمة في واشنطن وسياتل وغيرهما، وهو ما سيتكرر وبأشكال أكثر فجاجة في المستقبل.
وحسب فيلب مورو ديفارج في كتابه العولمة فإذا لم يعد بالإمكان، سياسيا، وضع حد للضغط الفوضوي الناجم عن الأسواق المتكاملة، فإنه لابد من مكافحة النتائج بأساليب قمعية، الأمر الذي يعني أن الدولة المتسلطة ستغدو الرد المناسب على عجز السيادة عن التحكم في الاقتصاد. من هنا فإن الدولة ستلجأ إلي أساليب قمعية لتقييد الحريات، مؤكدة صفتها السلطوية كدولة، من خلال ممارسة دورها الجديد.
ما يعني، أن الدولة في ظل العولمة لن تنحل أو تضمحل، وإنما ستتحول من كونها دولة ديموقراطية إلي دولة تسلطية (دكتاتورية)، خاصة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية وتزايد الاحتجاجات والاضطرابات، و ارتفاع نسب البطالة وتزايد معدلات الفقر والركود الاقتصادي.
يؤيد هذه النظرية إلي حد ما، أن الأزمة المالية العالمية منذ العام 2008، تطرح العديد من التساؤلات حول مستقبل النظام الاقتصادي العالمي، سواء فيما يتعلق بمستقبل الرأسمالية واقتصاد السوق وضرورة تدخل الدولة، وهو ما أدى إلى تصاعد الأصوات الداعية لعودة الدولة الحارسة مرة أخرى لضبط السوق، وظهور مصطلح جديد هو الرأسمالية المراقبة، وهذا المصطلح الجديد يطرح بدوره تصورين لدولة ما بعد الدولة، الأول منهما هو:  الدولة الشمولية التي تلغي القطاع الخاص تماما، والثاني هو : دولة الحد الأدنى التي تلغي تدخل الدولة تماما.
إن هذه السيولة والجيشان واللاحسم (حسب دريدا) هي التي جعلت مصطلح استحالة التحديد الذي صكه ايهاب حسن عام 1987 يتصدر المشهد (ما بعد) الحداثي، وما بعده أيضا.[8]
إن هذا التفاعل ما بين المحلي والعالمي هو الذي يفسر وحشية القوة للآخر مقابل الأنا، خاصة في مجال الهوية الثقافية والحضارية للدول؛

وفي الأخير سنعيد طرح السؤال بشكل مغاير ما الذي يجعل الدولة ضرورة؟.

الهوامش
[1] - طلال لموشي، أطروحة لنيل دكتوراه في العلوم السياسية، دور الفواعل غير الدولاتية في العلاقات الدولية "المنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان نموذجا"، جامعة الحاج لخضر-باتنة-السنة الجامعية: 2014-2015، ص.20-21، أنظر البحث على الموقع الالكتروني: http://dspace.univ-batna.dz/handle/123456789/301.
[2] - بن بعطوش فؤاد طارق، الحوكمة العالمية والقانون : دراسة في ثلاثية القانون ، الحوكمة والعولمة، مجلة دفاتر السياسة والقانون، العدد 17، جوان 2017، ص. 98.
[3] - بن بعطوش فؤاد طارق، الحوكمة العالمية والقانون، نفس المرجع السابق، ص. 99.
[4]-  مصطفى الفضالي أستاذ التعليم العالي مساعد، العولمة القانونية، ص. 24-25، أنظر المقال على الموقع الالكتروني، file:///C:/Users/admin/Downloads/sara,+18059-46351-1-CE.pdf
[5] - مصطفى الفضالي أستاذ التعليم العالي مساعد، العولمة القانونية، نفس المرجع السابق، ص. 36-37 بتصرف.
[6] - راجع كلمة وزير العدل بمناسبة انطلاق مؤتمر برنامج الجنوب الخامس "Programme Sud V " حول محور: "حماية حقوق الإنسان وسيادة القانون والديمقراطية من خلال المعايير المشتركة في جنوب البحر الأبيض المتوسط"،  البرتغال- لشبونة 13-14 مارس 2023، أنظر الموقع الالكتروني: justice.gov.ma
[7] - راجع دراسة: عمر بن أبو بكر أحمد باخشب، سيادة الدولة في ظل التطورات الدولية "دراسة تحليلية"، أنظر الرابط الالكتروني: https://www.lloc.gov.bh/QTopics/Q03T08.pdf.
[8] - عصام عبد الله، دولة ما بعد الدولة، إيلاف، انظر المقال على الموقع الالكتروني: https://elaph.com/Web/opinion/2010/4/549650.htm



الجمعة 15 مارس 2024

تعليق جديد
Twitter