Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




مشروع هيئة المناصفة .. التبخّر التدريجي لدستور 2011


     



  منـذ أن صادق المجلس الحكومي المنعقد بتاريخ 19 مارس 2015، على مشروع القانون رقـم 79.14 المتعلق بهيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، مع إدخال بعض التعديلات عليه، ظل هذا المشروع يـرقـد داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، الأمـر الذي يفسـر الحذر الشديد الذي تتعاطى به المؤسسة التشريعية مع قضية المناصفة، التي رسـم عنها التقرير الأخير للمجلس الوطني لحقوق الإنسان حول "وضعية المساواة والمناصفة بالمغرب" صورة قاتمة. فرغم تلك الجرأة والنزعـة الحقوقية التي تناولت بها وثيقة فاتح يوليوز 2011، مبـدأي المساواة والمناصفة، إلا أن المنظومة التشريعية ظلـت خجولـة، ولـم تعكس إرادة المشرع الدستوري. هكذا جاء مشروع القانون المتعلق بهيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، لينضـاف إلى مسلسل " التبخّـر التدريجي" لدستـور 2011 بعد أربع سنوات من تبنّيـه، على حـد تعبير تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان المشار إليه.

وتقعيـدا عليه، سنحاول من خلال هذه المقـالة رصـد بعض الاختلالات التشريعية، التي حملها مشروع القانون رقم 79.14، المتعلق بهيئـة المناصفـة ومكافحة كل أشكال التمييز، وذلك كالتالي:
        

أولا: إذا كانت الهيئة المحدثة بموجب القانون رقم 79.14، هيئة دستورية من منظور الفصل 19 من دستور فاتح يوليوز 2011، فإنها من جانب آخر تعـدّ هيئة لا دستورية من منظور الفصل 164 من دستور 2011، على اعتبار أن هذا الأخيـر يتحدث عن " الهيأة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز"، وليس عن " هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز" التي يتحدث عنها الفصل 19 من دستـور 2011، وشتّـان بيـن لفــظ " المحاربة" ولفظ " المكافحة"، الأمـر الذي يجعلنا كأننا أمام هيئتين دستوريتين.

ثانيـا: أن مشروع القانون رقم 79.14 المتعلق بهيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، لم يتصدّى لتعريف التمييز، الذي عرفته المادة الأولى من اتفاقية القضـاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لسنة 1979، التي صادق عليها المغرب ونشر مقتضياتها بالجريدة الرسمية ورفع بشأنها جميع تحفظاته، على أنـه: " أي تفرقة أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس، ويكون من آثاره أو أغراضه النّيـل من الاعتراف للمرأة، على أساس تساوي الرجل والمرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية، أو في أي ميدان آخر، أو إبطال الاعتراف للمرأة بهذه الحقوق أو تمتعها بها وممارستها لها بغضّ النظر عن حالتها الزوجية". وبالتالي كان على المشروع تحديد مفهوم التمييز، تفاديا لأي تأويلات سلبية لطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة.

ثالثـا: إن المتأمل في تركيبة هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، يلاحـظ أنها لم تلتزم بمبدأ المناصفة، حيث لم يتم إفراد مقتضيات تحترم تمثيلية المرأة داخل هذه الهيئة التي تضمّ ستة عشر عضوا، يراعى في تعيينهم المروءة والتجربة والكفاءة (المادة الرابعة من المشروع)، دون أية إشارة إلى ضرورة احترام مبدأ المناصفة. فكيف إذن بهيئة دستورية عهـد إليها المشرع " التشجيع على إعمال مبادئ المساواة والمناصفة وعدم التمييز في مختلف مناحي الحياة العـامة" حسب المادة الثانية من المشروع، أن تخـرق هذه المبادئ على مستوى تركيبتها؟ بالإضافة إلى ذلك نسجّل غيـاب فعاليات المجتمع المدني المهتمة بقضايا المساواة والمناصفة في تأليف الهيئة، باستثناء ثلاثة أعضاء يمثلون جمعيات المجتمع المدني، يعين كل واحد منهم رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين. هكذا فإن تمثيلية هؤلاء " الفاعلين المدنيين" بالهيئة، لا جدوائية منها، طالما أن الفاعل السياسي هو دوما من سيعيّن الفاعل المدني.

رابعـا: باستقراء مقتضيات المادة الثامنة من مشروع القانون رقم 79.14 المتعلق بهيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، نستنتج أن اختصاصات مجلس الهيئة تنحصـر في إبداء الرأي للحكومة أو البرلمان بشأن مشاريع القوانين، وتقديم الاقتراحات والتوصيات لهما، وإصدار تقارير موضوعاتية... كأننا أمام مكتـب دراسات تابع للحكومة والبرلمان، وليس أمام هيئة دستورية جاءت لتنزيل الفصل 19 من دستور 2011.

وبالتالي، فإن عدم تمتيع الهيئة بصفة التقاضي، سيجعلها مؤسسة باهتـة، شأنها شأن تجربة المجالس الاستشارية البـائدة، مع العلم أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان في مذكرة له، تقدّم بتوصية تتعلق بـ " تمتيـع الهيئة بصلاحيات التصدي التلقائي لحالات التمييز، وعرض القضايا أمام المحاكم"، وبناء عليه، كان على واضعي مشروع القانون رقـم 79.14 اعتمـاد انتداب ذو طبيعة شبه قضائية، ذلك أن مصطلح "هيئة: Autorité"، يحيل على مؤسسة باختصاصات شبه قضائية، تتجاوز مجرد دراسة الشكايات وإحالتها.

خامسـا: إن عدم تنصيص مشروع القانون رقـم 79.14، على ضرورة خلـق لجـن جهوية لهيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، يعتبر تكريسا لمنطق الدولة المركزية والبيروقراطية الإدارية، وخرق لمبادئ الجهوية المتقدمة. وبالتالي فإن تبني المشروع لهذه المقاربة، سيظهر محدوديتها في ما يتعلق بالقرب واستهداف السكان الأكثر تعرضا للتمييز وهـدر حقوقهم، خاصة النساء والفتيات الأكثر فقرا.


الاحد 6 ديسمبر 2015
715 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter