Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




مسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي التعسفي بين تعزيز آليات المراقبة القضائية وغياب النص القانوني


     



سعيد صحصاح
باحث في قانون المنازعات العمومية بفاس



مسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي التعسفي بين تعزيز آليات المراقبة القضائية وغياب النص القانوني
من المبادئ المستقرة لإرساء دولة الحق والقانون في الدولة القانونية أن الأصل في الإنسان البراءة وبالتالي لا يجوز سلب حريته أو التعرض لها إلا إذا أثبت مخالفة هذا الأصل بموجب حكم قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به.

فتقرير الاعتقال الاحتياطي يصطدم بهذا المبدأ العام والأساسي الذي يقضي بكون الأصل هو البراءة، باعتباره ضمانات سامية للحريات الفردية، ذلك أن حرية الإنسان لا يمكن النيل منها بأي شكل من الأشكال إلا في إطار من القانون والشرعية.

لذلك كان اعتقال المتهم أو الظنين قبل ثبوت إدانته إجراء خطير على الحرية الفردية، غير أن هناك اعتبارات عملية لها أهميتها الكبيرة جعلت التشريعات تجيز لسلطات التحقيق اعتقال المتهم أو الظنين احتياطيا بالمخالفة لهذا المبدأ الأساس فلا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون طبقا للفصل 23 من الدستور المغربي.

واضح إذن أن توقيع الاعتقال الاحتياطي بمفهوم المادة 175 من قانون المسطرة الجنائية المغربي عبارة عن تدبير خطير على حرية الأشخاص المتخذة في حقهم واستثناء يعمل به في الجنايات والجنح المعاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية، بذلك جعله المشرع المغربي تدبيرا استثنائيا بمقتضى المادة 159 من قانون المسطرة الجنائية، إلا أنه لم يحطه بالضمانات الكافية لصيانة الحقوق والحريات وحفظ كرامة المشتبه فيه حيث بوسع قاضي التحقيق اللجوء إليه كما يلاحظ عدم توخي النيابة العامة التحري والتقصي قبل إصدار أمر الاعتقال، وعدم استنادها لحجج قوية تؤدي حتما إلى الإدانة مما يتطلب توفر ضمانات قانونية أكثر وإمكانية اللجوء إليه إلا في حالات محددة على سبيل الحصر وفي جرائم محددة وخطيرة من شأن عدم اعتقال مقترفيها تعريض المجتمع للخطر. وإن كان المشرع المغربي حدد فترته بحيث لا يمكن أن تتجاوز شهرا واحدا في القضايا الجنحية بحسب منطوق المادة 177 من ق م ج قابلة للتجديد مرتين وقد تصل إلى شهرين في الجنايات تكون قابلة للتجديد خمس مرات، واعتبر تمديد مدته ليس سلطة مطلقة في يد قاضي التحقيق ولا تتم بشكل تلقائي واستلزم من قاضي التحقيق أن يكون بقرار معلل بأسباب بناء على ملتمسات معللة من النيابة العامة الذي يخضع لمراقبة الغرفة الجنحية لمحكمة الاستئناف كمرجع استئنافي لقرارات قاضي التحقيق لدى الغرفة الجنحية. ويبقى بذلك المعتقل رهن الاعتقال إلى حين البث في الاستئناف خاصة الصادر ضد الأمر بالإفراج المؤقت عن قاضي التحقيق.

والسؤال المطروح بعد الإجراءات المسطرية الطويلة وتقرير سلطة التحقيق عدم المتابعة وأنه لا وجه لإقامة الدعوى أو صدور حكم أو قرار بالبراءة. هل هناك مجال لأن يطالب المتهم بالتعويض لسبب الاعتقال الاحتياطي؟ من جراء الضرر المادي والمعنوي الذي لحقه وهل يعد الاعتقال الاحتياطي التعسفي من صور الخطأ القضائي المنصوص عليه في الفصل 122 من الدستور المغربي؟

المطلب الاول :التعويض في إطار المواثيق الدولية

بالرجوع للاتفاقيات والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان نجد أن معظمها تنص على وجوب تعويض ضحايات العدالة حيث نصت المادة 9 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان «أنه لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفا».
والمادة 5 من الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية الصادرة لعام 1950 على وجوب تعويض الأشخاص الذين يكونون ضحية توقيف أو قبض مخالف للقانون وعلى هذا الأساس تكون المادة 9 في فقرتها الرابعة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على أن لكل شخص حرم في حياته بالتوفيق أو الاعتقال حق الرجوع إلى المحكمة لكي تفصل هذه المحكمة دون إبطاء في قانونية اعتقاله، وتأمر بالإفراج عنه إذا كان الاعتقال غير قانوني.
وبالحاصل أن هذه الفقرة خولت لكل شخص تم توقيفه أو اعتقاله من طرف السلطة الإدارية أو الأمنية أن يلجأ للقضاء باعتباره الساهر على تطبيق القانون وحماية حقوق وحريات الأفراد لكي يبث إذا كان الاعتقال والتوقيف قانونيا مع محاكمة المعني بالأمر سواء بالإدانة ويكون اعتقاله قانونيا أو بالإفراج عنه وتبرئته.
ولقد أضافت الفقرة الخامسة من نفس المادة أنه من حق المتضرر الحصول على تعويض بسبب التوقيف أو الاعتقال غير القانوني.
ويستشف كذلك أن هذه الفقرة تركت للدولة التي صادقت على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية مطلق الحرية في كيفية تنفيذ هذا المبدأ سواء بإصدار قوانين خاصة أو بتضمينها في القوانين الخاصة كقانون المسطرة الجنائية أو القانون الجنائي.

المطلب الثاني :التعويض في ظل القانون الفرنسي

قد ينتهي التحقيق الذي أجرى مع المتهم أو الظنين الذي قضى مدة الاعتقال الاحتياطي التعسفي إلى إصدار أمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى أو إصدار حكم من المحكمة بالبراءة أو بالحكم عليه بالحبس مع وقف التنفيذ.
وليس من شك في أنه يكون قد ترتب عن اعتقاله أضرار بالغة له، فليس أعز على الإنسان من حريته التي سلبها منه إجراء الحبس، فوق الإساءة البالغة لسمعة المحبوس فضلا عن الأضرار المادية التي تترتب على تعطيل أعماله فترة اعتقاله فثار البحث حول إمكانية تعويض المعتقل عن هذه الأضرار وقد أصدرت بعض الدول تشريعات فعلا تجيز الحكم بتعويض المتهم والضنين الذي تعرض للاعتقال الاحتياطي التعسفي من ذلك القانون الفرنسي الصادر في 17 يوليوز 1970 أكد من خلال المادتان 149 و150 من قانون الإجراءات الجنائية على حق التعويض لمن كان محلا للحبس الاحتياطي إذ انتهى التحقيق إلى قرار بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية أو قضى بالبراءة بحكم بات ولكنه لا يسرع في حالة الحكم بالإدانة مع وقف التنفيذ لأنه حكم إيقاف التنفيذ لا يسري إلا على المدة المستقبلية من الحبس ولا يحكم بما سبق تنفيذه من حبس احتياطي فضلا عن ضرورة إصابة المحبوس بضرر ظاهر أنه غير عادي وعلى درجة كبيرة من الخطورة وبهذا لم يشترط المشرع الفرنسي إثبات الخطأ في جانب القاضي الآمر بالحبس الموقت وبموجب المادة 19 من قانون 96/1235 الصادر في 30 دجنبر 1996تخلى المشرع على خصوصية الضرر وطابعة غير العادي كشرط للحصول على التعويض وما يمكن قوله بهذا الشأن أن المشرع الفرنسي أقر مسؤولية الدولة التعويض عن الضرر الجسيم الناجم عن الاعتقال الاحتياطي التعسفي على أساس الإخلال بمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة وبالنتيجة فإن للمتضرر إمكانية الحصول على التعويض بمجرد إثبات الضرر عكس المشرع الجزائري الذي أسس التعويض على أساس الخطأ وليس على أساس الإخلال بمبدأ مساواة المواطنين أمام الأعباء العامة ويتضح هذا من نص المادة 137 «... محل حبس مؤقت غير مبرر» أي نفترض أن قاضي التحقيق قد أخطأ وأساء التقدير عندما أمر بالاعتقال الاحتياطي التعسفي.
 وبهذا يكون خطأ قضائيا يوجب التعويض بتحقق الضرر الذي أكد المشرع على ضرورة جسامته وخطورته مما دفع اللجنة الوزارية على الصعيد الأوربي بإصدار توصية رقم 13/2006 المتعلقة بالاعتقال الاحتياطي وشروط تنفيذه والضمانات ضد التعسف فيه واعتبار الاعتقال الاحتياطي التعسفي يجب أن لا يكون هو القاعدة وإنما استثناء وطبق ضد مرتكب جريمة يعاقب عليها بالعقوبة الحبسية أو السجنية، وقد أكدت التوصية المذكورة في فقراتها 33 على ضرورة استفادة المتضرر من تعويض يجبر الضرر الناجم عن ضياع دخل مالي وفقدان حظ perte d'une chance أو ضرر معنوي الذي يمنح حسب المشرع الفرنسي بواسطة قرار صادر عن لجنة تتخذه بكل حرية وتتكون من ثلاث مستشارين يعملون بمجلس النقض لهم رتبة رئيس غرفة أو مستشار حيث تباشر أعمالها بناء على شكوى موقعه من طرف الطالب وتودع أو توجه إلى كتابة اللجنة مقابل وصل التي تتضمن وجوبا عرض للوقائع وكل البيانات، وينبغي على كتابة اللجنة توجيه نسخة من الشكاية داخل أجل 15 يوما من تاريخ منح وصل الإيداع إلى النيابة العامة لدى محكمة النقض وكذا للعون القضائي.
والخبر بواسطة رسالة مضمونة الوصول حيث تكون قرارات اللجنة نهائية لا تقبل الطعن وغير ملتزمة بتعليل قراراتها مقابل حرمان ضحية الاعتقال الاحتياطي أو من وضع تحت الحراسة النظرية إذا تصرف تصرفا مشينا ضد السلطة العمومية أو باقي المعتقلين.
 
المطلب الثالث :موقف التشريع المغربي من تعويض ضحية الاعتقال الاحتياطي التعسفي

إن حماية الحرية والسلامة الجسدية والمعنوية لأي شخص وفي أي ظرف ومن قبل أي جهة كانت خاصة أو عامة حق دستوري أساسي يمنع المس به حتى أن الاعتقال الاحتياطي التعسفي يعد دستوريا من أخطر الجرائم طبقا للفصل 23 منه. فهل يعتبر الاعتقال الاحتياطي التعسفي والإيداع في السجن لشخص تمت تبرئته فيما بعد خطأ قضائيا موجبا لمسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي بناء على الفصل 122 من الدستور المغربي أم يجب تصنيفه ضمن الجرائم الخطيرة حسب الفصل 23 من الدستور.
وبالتالي ينبغي وضع الفعل أو الامتناع في إطار قانون تنظيمي أو تعديل القانون الجنائي تتكفل السلطة التشريعية بوضعه إلى غاية سن تشريع تنظيمي يجرم الاعتقال الاحتياطي التعسفي أو الإيداع بالسجن بشكل تعسفي بعدما تثبت براءة الشخص المعني بالأمر أو على الأقل إدراجه ضمن لائحة صور الأخطاء القضائية الموجبة لمسؤولية الدولة بالتعويض عنها. وإن كان المشرع المغربي في قانون المسطرة الجنائية قد أحدث آليات المراقبة الفضائية المنصوص عليها في المادة 161 ق م ج والمحددة في 18 تدبيرا أو التزاما، يبقى على القضاء فقط تفعيلها للحفاظ على حرية الأشخاص في جرائم معينة يظهر أن الاعتقال فيها غير ضروري ثم للتخفيف على المؤسسات السجنية من الاكتظاظ، خاصة وكما تمت الإشارة إليه أنه تصدر أحكام وقرارات إما بعدم المتابعة أو البراءة في العديد من الملفات المعروضة على قضاء الموضوع أو التحقيق، مقابل كون القانون الجنائي لا يسمح بتعويض المعتقل احتياطياوتعسفا.
كل ما في الأمر أن المشرع رتب جزاءات عند انتهاك وتجاوز بعض المقتضيات القانونية الخاصة بالاعتقال منها المادتان 147 و148 من قانون المسطرة الجنائية والمادة الأخيرة بالخصوص تعتبر أن كل متهم ألقي عليه القبض بناءا على أمر بالإحضار واحتفظ به في المؤسسة السجنية أكثر من 24 ساعة دون أن يستنطق يعتبر معتقلا اعتقالا تعسفيا وكل قاض أو موظف أمر بإبقاء المتهم في السجن أو سمح بإبقائه فيه عن قصد يتعرض للعقوبات المقررة قانون للزجر عن الاعتقال التعسفي، حيث يفضل القضاة في غالب الحالات الحكم بالمدة التي قضاها المتهم أو الظنين بالسجن أو ما يصطلح عليه "بما قضى" لأنها جسر الأمان الذي يتم الاعتماد عليه لتبرير الخطأ الذي تكون النيابة العامة أو قضاة التحقيق سقطوا فيه من خلال اعتقال الشخص المتابع، دون النظر إلى مدى توفره على الضمانات القانونية التي تتيح محاكمته في حالة سراح خاصة إذا كان الفعل المرتكب لا يحتمل أي خطر من بقاء الظنين خارج المؤسسة السجنية وتوفرت فيه الضمانات القانونية للحضور، وتكون المحكمة سايرت ذلك برفض المتابعة عبر السراح المؤقت وتبرير ذلك بانعدام الضمانات القانونية وبعد المناقشة يتبين أنه لا جدوى من بقاء الظنين داخل المؤسسة السجنية. فيعمد القضاة للحكم بما قضاه داخل المؤسسة السجنية، وقد تساير محكمة الدرجة الثانية نفس الأمر أو تقر ببراءته.
كما أن سلطة الملاءمة التي منحها المشرع للنيابة العامة وقضاة التحقيق في إمكانية متابعة الشخص في حالة اعتقال أو حالة سراح مؤقت, لم تأت اعتباطيا وترك صلاحية المتابعة لهذين الجهازين لا يعني التعسف في استعمالها خصوصا وأن المغرب دخل منعطفا جديدا بعد دستور فاتح يوليوز 2011 من حقوق الإنسان والحريات التي تكرس من خلال مبادئ المحاكمة العادلة واستقلال السلطة القضائية مع التطبيق السليم لروح النصوص القانونية والتعامل مع جميع القضايا على أساس المساواة بين جميع الأشخاص سواء ذاتيين أو اعتباربين بما فيهم السلطات العمومية أمام القانون وملزمون بالامتثال له طبقا للفصل السادس من الدستور، إلى جانب الأصل في الإنسان البراءة لكن نرى العكس في الواقع حتى أصبح الأصل في المتابعة هو الإدانة إلى أن تثبت البراءة هذه الأخيرة لا يعتد بها من طرف المجتمع التي تزعزع ثقته في القضاء خصوصا وأن قضاة النيابة العامة أو التحقيق يعمدون في الغالب لممارسة هذا الإجراء في الملفات الحساسية ذات الشأن العام لامتصاص غضب المجتمع، مما يؤدي إلى التعسف في ممارسة هذا الحق وبالتالي إلحاق الضرر بالمشتبه فيه.

المطلب
 الرابع :المقاربة القضائية للتعويض عن الاعتقال الاحتياطي التعسفي.


لابد من التأكيد على أن القضاء المغربي لم يستقر على اجتهاد قار بخصوص طبيعة القرارات التي تصدر في إطار تنفيذ الأحكام القضائية القاضية بتدابير احتياطية أو عقوبات سجنية؟ وحدود مسؤولية القاضي عن الاعتقال التعسفي؟
ولقد ظلت القاعدة الأساس التي كانت مقررة، هي عدم مسؤولية الدولة عن أعمال السلطة القضائية وذلك استنادا لمجموعة من الحجج. إدراكا من المشرع بصعوبة الوظيفة القضائية حيث أحاطها بحصن من الضمانات كسيادة القضاء واستقلال القضاء المستمدة من خصوصية طبيعة المرفق القضائي إضافة إلى قوة الشيء المقضي به وعدم عرقلة سير العدالة.
لكن مع تطور الحقوق والحريات بظهور حالات متعددة تتحقق فيها مسؤولية الدولة عن أعمال السلطة القضائية التي أدت إلى إعادة النظر في تلك القاعدة وإن كانت بعض التشريعات أدخلت عليها استثناءات كالتشريع المغربي من خلال مسطرة المراجعة المحددة في قانون المسطرة الجنائية والمخاصمة طبقا لقواعد المسطرة المدنية والفصل 81 من قانون الالتزامات والعقود.
إلى أن أحدث الدستور المغربي لفاتح يوليوز 2011 منعطفا جديدا من الحقوق والحريات من خلال التنصيص على مبادئ المحاكمة العادلة والتطبيق السليم لروح القوانين واستقلالية القضاء مقابل تحمل المسؤولية من خلال الفصل 122 من الدستور ليكرس مبدأ مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي بتعويض ضحيته بعد الحكم ببراءته.
أما بخصوص مسؤولية الدولة عن أضرار الاعتقال الاحتياطي التعسفي ولما لهذا الأخير من أثر بالغ في تقييد حرية الشخص بالإضافة لمعانات عائلته من المشاكل والمتاعب التي سببها اعتقال فرد منها ومن تم وجب التدخل التشريعي للتقرير في مسألة التعويض عن الاعتقال التعسفي، فكيف تقرر ملكية الدولة لمبلغ الكفالة المقدم لضمان حضور المفرج عنه. عند تخلفه عن الحضور لإجراءات المسطرة، مقابل حرمان المفرج عنه بثبوت البراءة من حقه في التعويض.
وللإجابة عن هذا السؤال يعتقد أنه على المشرع المغربي أن يقلد نظيره الفرنسي على الأقل في مسألة تقرير الحق في التعويض عن الضرر الذي أصاب الشخص الذي صدر لصالحه قرار بالإفراج بعد الاعتقال. في الحالة التي لا يمكن فيها نسبة الخطأ إلى القاضي تكون نفقته على الدولة.
وفي حكم أخير للمحكمة الإدارية بالرباط رقم 188 بتاريخ 23/01/2013 على أن من شروط التعويض عن الاعتقال الإحتياطي كصورة من صور الخطأ القضائي أن يكون خاطئا أو تعسفيا ونتج عنه ضرر مادي أو معنوي، ولكي يكتسب صبغة الخطأ أو التعسف المرتب للمساءلة القانونية، يتطلب إثبات براءة المعتقل احتياطيا بموجب حكم قضائي بات ونهائي.
ومن خلال حيثيات الوقائع اعتبرت المحكمة أن سقوط الدعوى العمومية لتقادمها لا ينفي الصبغة الجرمية عن الفعل المرتكب سبب الاعتقال ولا يفيد البراءة منه و لا يعني بالضرورة أن قرار الاعتقال الاحتياطي كان خاطئا، لكون قضاة الموضوع هم الجهة المختصة أساسا للبحث في مدى صحة الدفع بالتقادم المثار من طرف الشخص المتابع وليس قضاة النيابة العامة الذي يتمتعون بسلطة الملاءمة وبتقدير خطورة الفعل الجرمي وردود الفعل المحتملة بشأنه سواء من طرف الضحايا أو ذويهم أو المجتمع وبالتالي اعتبرت المحكمة قرار الاعتقال على ضوء ما ذكر مشروعا وقانونيا، لعدم ثبوت أي تقصير من جانب النيابة العامة لانعدام الخطأ مما دفعها لرفض الطلب.
ولقد أثار هذا الحكم إشكالية التعويض عن الاعتقال الاحتياطي في ظل تعزيز آليات المراقبة القضائية وغياب نص قانوني يحدد التعويض والجهة المسؤولة عن تحديده. بالرغم من خطورته وأثره البالغ في تقييد الحرية مقابل تميز الأحكام القضائية بالتردد فيما يتعلق بالشروط الضرورية لتقرير مسؤولية الدولة عن هذه الأضرار الذي أثار عدة إشكالات بخصوص إثبات الخطأ للحكم بالتعويض؟ هل يعود للمضرور أو لا يتطلب الأمر ذلك ؟ وهل تقوم هذه المسؤولية على أساس الخطأ أم على أساس المخاطر؟
وجوابا على ذلك قررت أحكام القضائية أن مسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي يمكن أن تؤسس على الخطأ الجسيم أو على أساس  المخاطر أي المساواة أمام الأعباء العامة وتحمل التبعة وليس على أساس الخطأ الذي بدوره كان محل نقاش فقهي.
وإن كانت بعض التشريعات المقارنة التي أسستها على أساس الخطأ الجسيم في مباشر الوظيفة القضائية، هذا الأخير طرح إشكالا بخصوص شروط التعويض كأساس مسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي التعسفي، لكون أن جميع الأحكام التي تصدر بالبراءة بعد الاعتقال الاحتياطي إلا يتوفر الشروط التالية:
أولا: أن يكون هذا الاعتقال الاحتياطي التعسفي تم وفق قواعد المسطرة الجنائية باعتبار أن الدولة لا تكون مسؤولة عن تعويض المضرور من هذا الاعتقال الاحتياطي ومثال ذلك حالة الاعتقال الإداري الذي لا يعد حبسا احتياطيا.
ثانيا: أن يثبت المدعي أن الضرر الذي لحقه تجاوز الحد الذي يسمح به مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة أي ينتج عنه ضرر مادي ومعنوي ويكون الضرر استثنائيا شديد الجسامة والخطورة.
بالتالي يتطلب لانعقاد مسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي التعسفي أن يكون الخطأ جسيما والضرر استثنائيا.
ثالثا: لا ننس تأكيد براءة المدعي باكتساب قرار الاعتقال الاحتياطي صبغة الخطأ أو التعسف المرتب للمساءلة القانونية بمقتضى حكم قضائي بات يثبت براءة الشخص المتابع.
 
أخيرا آن الأوان لتدخل المشرع المغربي بوضع نص قانوني تنظيمي في ظل الدستور الجديد من خلال فصله 122 الذي يقضي بمسؤولية الدولة عن الأخطاء القضائية والتعويض عنه مقابل تبسيط الإجراءات المسطرية مع وضع ضوابط أكثر واقعية للاعتقال الاحتياطي حتى يتسنى للقضاء سواء الذي ينظر في الدعوى العمومية أو الذي يقضي بالتعويض لفائدة المتضرر والشاهد عندنا المبدأ الدستوري الذي تمت الاشارة إليه والذي ينطبق على جميع الأخطاء القضائية  دون تمييز بين المواد المدنية والجنائية والإدارية بمعنى آخر أن الخطأ في أعمال النيابة العامة أو أعمال قضاة التحقيق يمكن أن تدخل ضمن مفهوم الفصل 122 من الدستور المغربي، وكذا فيما يتعلق بأسباب الطعن بالنقض ألا يمكن اعتبار الوسائل المتخذة من خرق القانون الداخلي أو الشطط في استعمال السلطة أو خرق الإجراءات الجوهرية للمسطرة أخطاء قضائية تسأل عنها الدولة مع رجوع هذه الأخيرة على مرتكبها بعد إعساره.

الاحد 16 يونيو 2013
2007 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter