Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



مراقبة عمليات التركيز الاقتصادي وفق مقتضيات قانون حرية الأسعار و المنافسة


     


ذ أربعي رشيد
ذ كوثار شوقي

قانون الأعمال
كلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية
جامعة ابن زهر بأكادير



الـمـقـدمــة

تقوم التجارة في ظل الاقتصاديات الليبرالية على مبدأ حرية المنافسة، أي حق الدخول إلى السوق و ممارسة حرية العرض دون ما قيود، و هو ما يستوجب ضمان الحق لكل مبادر اقتصادي في مزاولة العمل التجاري و الصناعي، وغيره من الأنشطة الاقتصادية بكل حرية، ومزاحمة غيره على اجتذاب الزبائن و لو أدى ذلك إلى الإضرار بمنافسيه. غير أنه يشترط لذلك أن تكون الوسائل المتبعة مشروعة، و لا تتنافى مع النزاهة و الشرف و العرف التجاري، مما يعني أنه ليست المنافسة في حد ذاتها ولا ما قد ينتج عنها من أضرار هي ما يعنينا، ولكن الوسائل المستعملة فيها .

و بالفعل فإن السلطات العمومية المغربية، اقتناعا منها بفعالية النموذج الاقتصادي الحر في تحقيق النمو الاقتصادي و الاجتماعي قد عملت خلال عقد التسعينات ولازالت تعمل على بلورة سياسة اقتصادية تستهدف ضمان قيام منافسة حقيقية داخل الاقتصاد، وذلك بقصد دفع المقاولة المغربية إلى تطوير نفسها لتكون قادرة على الاضطلاع بدورها الأساسي في تحقيق التنمية. و من هذا المنطلق و لما كان من شأن إقرار حرية المنافسة بدون ضوابط أن يؤدي إلى نتائج عكسية خاصة أن الممارسات تثبت أنه كثيرا ما يلجأ التجار إلى استعمال وسائل غير مشروعة لمنافسة مزاحميهم في السوق أو إلى نهج أساليب تستهدف تقديم المنافسة أو منعها، فقد كان من الضروري أن يتدخل المشرع لتنظيم المنافسة بتحديد ضوابطها .

و هذا الوضع كانت له انعكاسات واضحة في المغرب على الفكر القانوني الذي ترجم و بتجني جملة من الأفكار و المبادئ التي تستجيب لما تشهده الساحة الوطنية من تحولات في البنية الاقتصادية و الاجتماعية و التي صيغت فيما بعد في شكل قواعد قانونية، وفي هذا الإطار يأتي قانون حرية الأسعار و المنافسة كواحد من القوانين التي يعكس تدخل السلطات في الميدان الاقتصادي و هو ما يبرز على وجه الخصوص في تنظيم و مراقبة عمليات التركيز الاقتصادي .
لقد أصبحت المقاولات اليوم في ظل موجة التحرير التي اكتسحت العديد من الميادين ملزمة و مجبرة على التكتل فيما بينها و إنشاء اتفاقات و تحالفات في إطار يعرف بعمليات التركيز الاقتصادي، و ذلك بهدف مواجهة تحديات المنافسة الأجنبية، و تحقيق التنمية و الحفاظ على مكانتها داخل النسيج الاقتصادي خصوصا بعد اتساع الأسواق و ازدياد حاجيات المستهلكين و ثقل المنافسة زيادة على مشاكل التأهيل .

إلا أن الممارسة أبانت في كثير من الأحيان أنه بدلا من أن تنصرف المقاولات إلى التنافس حقيقة فيما بينها، فإنها تلجأ إلى إبرام اتفاقات تتوافق بواسطتها على وضع آليات للحد من المنافسة أو إزالتها كأن تتفق على الاندماج فيما بينها لخلق حالة احتكار أو التواجد في وضع مهيمن يمكنها من التحكم في السوق .

و نظرا للخطورة التي تشكلها عمليات التركيز الاقتصادي على المنافسة فإن القانون 06.99 المتعلق بحرية الأسعار و المنافسة عمل على إحداث آلية لمراقبتها .
وتبعا لذلك فإن إشكاليات الموضوع تتمحور حول مفهوم وطبيعة عمليات التركيز الاقتصادي، ثم ما هي شروطه و آثاره؟ و كيف تتم مسطرة المراقبة؟ و ما هي الأجهزة المتدخلة فيها؟ ثم ما هي الجزاءات و التدابير المقررة لردع مخالفات عمليات التركيز الاقتصادي كما نص عليها القانون؟


المبحث الأول: الإطار المفاهيمي و القانوني لعمليات التركيز الاقتصادي



المطلب الأول: ماهية التركيز الاقتصادي


- الفقرة الأولى: تعريف التركيز الاقتصادي.

باستقرائنا للمقتضيات المنظمة لعمليات التركيز الاقتصادي من خلال المواد 10.11.12 من القانون 06.69 المتعلق بحرية الأسعار و المنافسة نجد أن المشرع المغربي لم يفهم بإعطاء تعريف معين لعمليات التركيز الاقتصادي و اكتفى في المادتين 10 و 11 من القانون المذكور بالإشارة فقط إلى الشروط التي يتعين توفرها حتى نكون أمام عملية التركيز الاقتصادي و هذا هو نفس ما ذهب إليه المشرع الفرنسي من خلال المادة 38 من قانون حرية الأسعار و المنافسة الفرنسي .
وقد ذهب بعض الفقه إلى تعريف التركيز الاقتصادي بأنه ظاهرة اقتصادية تتسم بنهجهم المشروعات من جهة و بانخفاض عدد المشروعات التي تعمل في السوق من جهة أخرى .

و يذهب آخرون إلى أن التركيز الاقتصادي هو عملية قانونية تنتج عن اتفاق بين مقاولتين أو أكثر أو بين مجموعة من المقاولات عن طريق عمليات الاتحاد أو عن طريق المراقبة و المشاركة في رأس المال. حيث أن المقاولات أطراف العملية تتمكن من السيطرة على جميع هذه المقاولات و بالتالي النشاط الاقتصادي الذي تمارسه. مع الإشارة إلى أن هذه العمليات لا تكون موضع مراقبة و لا تدخل ضمن ما هو محظور إلا عندما تمس بحرية المنافسة، أو عندما تتحقق المنشآت المعنية حدا معينا من البيوع داخل السوق .

و بذلك فإننا نستنتج أن عمليات التركيز الاقتصادي تشمل نوعين من التصرفات يتمثل الأول في كل الآليات القانونية التي تؤدي إلى تكوين مجموعة الشركات أو المشروعات كعمليات الاندماج و عمليات شراء نسب عالية من أسهم شركة معينة و كذلك عمليات تكوين المشروعات المشتركة. أما الثاني فيتمثل في التصرفات التي يكون محلها أو ينتج عنها حدوث تأثير محسوس لمشروع على مشروع آخر و هذا هو المنطق الذي جاء به المشرع من خلال المدة 11 من القانون 06.99 التي تنص على ما يلي:

« ينتج التركيز حسب مدلول هذا الباب عن كل عقد كيفما كان شكله إذا كان يقتضي بتحويل الملكية أو الانتفاع فيما يتعلق بمجموع أو بعض ممتلكات منشأة و حقوقها و التزامها أو عندما يكون الغرض منه أو يترتب عليه تمكين منشأة أو مجموعة منشآت من ممارسة نفوذ حاسم على واحدة أو أكثر من المنشآت الأخرى بصفة مباشرة أو غير مباشرة»

- الفقرة الثانية: الطبيعة القانونية للتركيز الاقتصادي.


يعد التركيز الاقتصادي من الآليات الاقتصادية التي تمخضت عن الفكر الإنساني القانوني و الاقتصادي في العصر الحديث لمواجهة الصعوبات و المنافسة و التعاون و حشد الطاقات لخلق المشروع أو المقاولة الكبرى بغية الدخول في السوق الاقتصادية .

و لعل هذه المعطيات هي أبرز مثال على تعقد بنية التركيز الاقتصادي و صعوبة الوصول إلى طبيعته، و تقتضي هذه الدراسة المتعلقة بطبيعة عمليات التركيز الاقتصادي ضرورة تميز هذه العملية عن غيرها من العمليات (المشابهة) التي تدخل في دائرة الممارسات المخلة لقواعد المنافسة .

إذا كان مناط تحقق عمليات التركيز الاقتصادي كعملية ماسة بقواعد المنافسة متى أخلت بهذه الأخيرة – رهين بتحقق الشرطين الأساسيين اللذان نهت عليهما المادة 11 المذكورة آنفا فإن ذلك يبقى من خصوصيات هذه الممارسة حيث أنه إذا رجعنا إلى الممارسات الأخرى فإننا نجد أن كل عملية من تلك العمليات تنفرد بشروطها الخاصة و من ثم فإن عملية التركيز الاقتصادي رغم ما يبدو من تشابه بينها و بين الاتفاقات المنافية لقواعد المنافسة ما دام أنهما تعتبرا ممنوعة في الأصل مع وجود إمكانية السماح بممارستها استثناءا إلا أنه مع ذلك يبقى الفرق واضحا بين العمليتين، فما يميز عمليات التركيز الاقتصادي هو اندماج المقاولات فيما بينها. أما بالنسبة للاتفاقات فكل مقاولة تبقى محتفظة باستقلاليتها، و انعزالها على الأخرى، و أن ما يربطها بغيرها من المقاولات فلا ينصب إلا على تقسيم الأسواق.

أما بالنسبة للاستغلال التعسفي للوضع المهيمن المنظم بمقتضى المادة 7 من قانون حرية الأسعار و المنافسة فلكي يتحقق يتطلب ذبك وجود وضع مهيمن لمنشأة أو مجموعة منشآت في سوق ما إضافة إلى ذلك يجب استغلال هذه الهيمنة بشكل تعسفي .

و من ثم فإن كل ما يستفاد من مقتضيات المادة 11 من ق.ج.أ.م أن عمليات التركيز الاقتصادي تنتج عن كل عقد يربط بين مقاولة أو أكثر. أما ما ينتج من توسع داخل المقاولة الواحدة فلا يندرج ضمن عملية التركيز مهما بلغ مستوى تطور المقاولة، كما يشترط لتحقيق عملية التركيز أن تمارس منشأة أو مجموعة من المنشآت نفوذا حاسما على واحدة أو أكثر من المنشآت الأخرى بصفة مباشرة أو غير مباشرة .

وقد توحي عبارة النفوذ الحاسم التي جاء بها المشرع في إطار المادة 11 بأن عملية التركيز الاقتصادي حتى تكون قائمة بالشكل المطلوب، لابد أن تكون مساهمة المقاولات في رأس مال بعضها البعض مساهمة ثقيلة بأن تتجاوز نسبة 50% أو 60% من مجموع رأسمال المقاولة الأخرى، على عكس ما أثبته الممارسات في فرنسا إذ اعتبر مجلس المنافسة الفرنسي أن مسك مساهمة نسبة 35% من مجموع أسهم الشركة يعطي إمكانية كافية للمقاولة المالكة لهذه الأسهم للتأثير بشكل حاسم على الشركة الممسوكة فيها المساهمة .

و انطلاقا من ذلك يمكن القول أن عمليات التركيز الاقتصادي تتميز بخصوصيات تتمتع بها لوحدها مما يجعلها ذات طبيعة مختلفة عن باقي الأوضاع المشابهة.

المطلب الثاني: شروط التركيز الاقتصادي و آثاره


يقصد بحجم التركيز الاقتصادي المطلوب، الحجم الذي تخضع عنده العملية للمراقبة المنصوص عليها قانونا و يقتضي البحث في هذه النقطة التطرق أولا لشروط تحقيق عمليات التركيز الاقتصادي الخاضعة للمراقبة (الفقرة الأولى) ثم التطرق للآثار التي تنتج عن عمليات التركيز الاقتصادي (الفقرة الثانية).


- الفقرة الأول: شروط عمليات التركيز الاقتصادي


لا يسمح التشريع المغربي بتدخل الهيئات الرقابية إلا عند تعدي عملية التركيز الاقتصادي سقفا محددا، يقدر المشرع أن تعديه يمثل خطرا على المنافسة في السوق.
فبعض عمليات التركيز تكون غير ذات أهمية، ولا تتمتع بثقل اقتصادي يعول عليه، بحيث لا يخشى أن تتسبب في المس بضوابط المنافسة في السوق، بينما تبلغ بعض عمليات التركيز من الحجم ما يخشى معه أن تصبح ذات توجهات احتكارية تضر بالمنافسة في السوق .

وتبعا لذلك استوجب القانون رقم 06.99 شرطين أساسيين حتى تصبح عملية التركيز الاقتصادي موضوع مراقبة:

أ‌- أن تكون المنشآت الأطراف في العقد و التي تشكل موضوعا له أو مرتبطة به اقتصاديا قد أنجزت جميعها خلال السنة المدنية السابقة أكثر من %40 من البيوع أو الشراءات أو المعاملات الأخرى في سوق وطنية للسلع أو الخدمات من نفس النوع أو القابلة للاستبدال أو في جزء مهم من السوق المذكورة و تعتبر هذه النسبة مرتفعة إذا ما قارناها بالتشريع الفرنسي الذي حددها في 25% فقط وهذا تفرضه طبيعة النسيج الاقتصادي المغربي الذي تهيمن عليه المقاولات الصغرى و المتوسطة، وهذه الأخيرة تحتاج إلى التركيز و الاتحاد فيما بينها تفاديا لمخاطر التوسع الداخلي للمجموعات القوية التي قد تقيد المنافسة ، وكذلك من أجل مواجهة المنافسة الأجنبية، هذا و تجب الإشارة إلى الحسنة التي أتى بها المشرع الفرنسي بهذا الصدد، إذ أنه أضاف حالة أخرى تخضع فيها التركيزات للمراقبة وهي إذا ما حققت المقاولات المعنية 150 مليون أورو كرقم أعمال بشرط أن تحققه معادلتين على الأقل أو مجموعتين من الأشخاص الذاتيين أو المعنويين أطراف عملية التركيز على المستوى الدولي دون احتساب الرسوم أو عندما تحقق مقاولتين على الأقل أو مجموعة من الأشخاص الذاتيين أو المعنويين أطراف عملية التركيز داخل فرنسا رقم أعمال يتجاوز 50 مليون أورو .

ب-لا يكفي لتطبيق المراقبة على عمليات التركيز الاقتصادي أن تحقق المقاولات أطراف العملية أكثر من 40% من البيوع أو الشراءات أو المعاملات الأخرى في سوق وطنية للسلع أو المنتجات أو الخدمات من نفس النوع أو القابلة للاستبدال أو في جزء مهم من السوق المذكورة، بل ينبغي أن يشكل التركيز تهديدا لحرية التنافس داخل القطاع، وهذا ما سنأتي على تفصيله أكثر من الحديث حول آثار عمليات التركيز الاقتصادي في النقطة الموالية.

- الفقرة الثانية: آثار عمليات التركيز الاقتصادي


لا تخضع لمراقبة التركيزات الاقتصادية سوى عملية التركيز التي تمثل اعتداء على المنافسة و التي تؤدي إلى إعاقة المنافسة في السوق. وهذا ما ذهب إليه المشرع المغربي كغيره من التشريعات الأخرى. حيث يلاحظ أن تحويل الملكية أو الانتفاع بممتلكات المنشأة و حقوقها و التزاماتها من جهة و تمكين المنشأة أو مجموع المنشآت من ممارسة نفوذ حاسم على بقية المنشآت ليس جازما في إخضاع هذه العمليات للمراقبة مالم يترتب عنها آثار تتمثل في إحداث تغييرات ملموسة من البنية المالية للمقاولة مما يؤدي إلى المس بالمنافسة في السوق وهذا قد يسفر عن تقلص حجم القرارات الممكن اتخاذها من طرف كل المنشآت بشأن السوق، وهو ما قد يكون له أيضا آثار واضحة على العملية التنافسية .

ولكن الآثار المترتبة عن عملية التركيز الاقتصادي لا تكون دائما سلبية بل على العكس من ذلك فقد تكون لها آثار ايجابية كما لو ساهمت في تحقيق التقدم الاقتصادي مساهمة من شأنها أن تقوم بتعويض الأضرار اللاحقة بالمنافسة عن طريق تنمية القدرة التنافسية على المستوى الدولي وهو أمر إيجابي و يتماشى مع الغرض الذي أنشأ من أجله القانون بأكمله، وهو ترويض المقاولات المغربية وتدريبها على تحمل أعباء المنافسة الدولية في إطار ما يعرف بعولمة الاقتصاد و التجارة .

المبحث الثاني: نظام مراقبة عمليات التركيز الاقتصادي.


حفظا على المسار التنافسي الطبيعي للسوق الوطنية أتاح القانون للسلطات العمومية حق مراقبة أو مراجعة مشاريع و عمليات التركيز الاقتصادي و تحقيقا لهذه الغاية ألزم المشرع المنشآة بالتبليغ المسبق إلى السلطة العامة ممثلة في شخص الوزير الأول عن كل مشروع يتعلق بالتركيز الاقتصادي . و متى تمت مخالفة هذه المسألة فإن المشرع المغربي رتب على ذلك جزاءات توقع على المخالفين، و تقتضي طبيعة هذا المبحث تقسيمه إلى نقطتين على الشكل التالي:

المطلب الأول: الأجهزة المتدخلة في عمليات المراقبة
المطلب الثاني: الآليات المقررة لردع التركيزات المخلة بقواعد المنافسة

المطلب الأول: الأجهزة المتدخلة في عملية التركيز الاقتصادي


تقتضي من الدراسة تقسيم هذا المطلب إلى فقرتين نتناول في الأولى موقع الوزير الأول في مسطرة المراقبة (الفقرة الأولى) ثم الانتقال إلى دراسة دور مجلس المنافسة في هذا الشأن (فقرة ثانية

- الفقرة الأولى: الوزير الأول


تتميز مسطرة متابعة عمليات التركيز الاقتصادي بمركزية دور الوزير الأول بحيث لا يجوز للمنشآت تنفيذ مشاريع تركيز طائلة الجزاءات المدنية و الجنائية ما لم يتم قبوله بشكل صريح أو ضمني و يتمثل القبول الضمني لمشروع التركيز في عدم الجواب خلال شهرين و يرفع الأجل إلى 6 أشهر إذا أحال الوزير الأول الأمر إلى مجلس المنافسة، لذلك نجد أن المشرع ألزم المنشآت المعني ة بعملية التركيز بالتبليغ المسبق عن كل مشروع يتعلق بالتركيز الاقتصادي إلى السلطة العامة في شخص الوزير الأول، و يتعين أن يون مرفوقا بالوثائق المنصوص عليها في المادة 7 من المرسوم التطبيقي رقم 854 00.2 و تتم مراقبة عمليات التركيز الاقتصادي عبر تقنية البيان الاقتصادي التي تتيح المجال لمعرفة مدى خطورة مشروع التركيز الاقتصادي و مدى إمكانية مساسه بالمنافسة أم لا و من ثم إتباع الإجراءات اللازمة من مراقبة. مع الأخذ بعين الاعتبار معايير و خصوصيات السوق. وإذا كان المشرع المغربي قد ألزم المقاولات المعنية بضرورة تبليغ الوزير الأول فإنه لم يحدد أجلا لذلك و بالتالي فإن هذا لا يعطي الحرية للمقاولة في عدم التبليغ و طلب الموافقة للإذن ذلك سيعرضها لعقوبات جسيمة حيث أن المادة 46 من القانون 06.99 يعطي للوزير الأول إمكانية إحالة عدم القيام بالتبليغ إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية المختصة من أجل اتخاذ التدابير التحفظية اللازمة.

كما تجدر الإشارة إلى أن مجلس المنافسة هو الذي يوجد وراء اقتراح الأوامر و التدابير التحفظية وكذا العقوبات التي يقررها الوزير الأول و يجوز له على إثر الرأي الصادر من مجلس المنافسة أن يتخذ قرارا معللا يأمر فيه المنشآت إما بعدم إنجاز المشروع و إما بتغيير أو تتميم العملية أو باتخاذ كل تدبير كفيل بضمان أو إقرار منافسة كافية. و تكون كل قرارات الوزير الأول معللة، و تنشر في الجريدة الرسمية، و تبقى هذه القرارات قابلة للطعن لدى الجهة القضائية المختصة .

ونلاحظ إذن أن دور الوزير الأول بصدد عملية التركيز الاقتصادي هو دور حيوي حيث أن القانون خول له سلطة حقيقية للتدخل في إعادة توازن السوق كلما اختل هذا الأخير.

- الفقرة الثانية: مجلس المنافسة


إن السلطة التقديرية المطلقة الممنوحة للوزير الأول في إحالة مشاريع التركيز الاقتصادي إلى مجلس المنافسة تجعل اللجوء إلى مجلس المنافسة جد ضعيفة، و يبقى حق المقاولات المتنافسة في منافسة حرة، مهددا بعمليات التركيز الاقتصادي، لذلك كان حريا بالمشرع المغربي أن يجعل استشارة مجلس المنافسة بشأن عمليات التركيز الاقتصادي من بين حالات الاستشارة الإلزامية.

ومن باب آخر إذا احترم الوزير الأول المسطرة المتبعة بأن توفرت الشروط المتطلبة للاعتبار العملية تركيزا اقتصاديا و تمت الإحالة على مجلس المنافسة داخل الأجل المقرر قانونا فإن مجلس المنافسة يبسط يده على النازلة المعروضة عليه و يكون مدعوا للتأكد مما إذا كانت العملية تساهم في التقدم الاقتصادي مساهمة كافية لتعويض الأضرار اللاحقة ويراعي المجلس بهذا الخصوص القدرة التنافسية للمنشآت المعنية بالنظر إلى مستوى المنافسة الدولية ليعبر في الأخير عن رأيه في شكل توصيات يوجهها إلى الوزير الأول الذي له وحده الحق إلى ترجمة هذه التوصيات نمو قرارات قابلة للتنفيذ، وقد علق بعض الفقه على الدور الاستشاري لمجلس المنافسة المغربي قائلا: هذا في اعتقادنا موقف محتشم لم يسر بمنطق تحرير الاقتصاد إلى نهايته لأن إعطاء الإدارة سلطة الهيمنة على مسطرة تتبع تلك الممارسات و اتخاذ القرار بشأنها يترك الاقتصاد ضمن هيمنة الدولة ( نظام الاقتصاد الموجه) في حين أن المفروض هو إرساء اقتصاد ليبرالي حر تشكل ضمنه حرية المنافسة آلية متحركة للجميع بما فيها الدولة التي يجب أن تضمن حيادها حتى على هذا المستوى من هنا قد كان من الأولى جعل مجلس المنافسة هيئة تقريرية تعمل تحت مرافقة القضاء فتكون بمثابة قيم على المنافسة في مواجهة الجميع بما فيها الدولة التي تثبت الممارسة أنها في كثير من الأحيان تكون السبب في الخلال بقواعد المنافسة.

كان سيكون مفيدا للنسيج الاقتصادي الوطني لو أن المشرع المغربي حدا حذو نظيره في فرنسا الذي أعطى لهذا المجلس صلاحيات وسلطات واسعة و حقيقية تمكن من خلالها إصدار قرارات مصيرية بشأن عمليات التركيز الاقتصادي على إبداء الرأي و المشورة.

المطلب الثاني: الآليات المقررة لمنع التركيزات المخلة لقواعد المنافسة


سنتعرض من خلال هذا المطلب إلى التدابير و الجزاءات المقررة لحماية المنافسة (فقرة أولى) ثم سننتقل بعد ذلك لتقييم التدابير و الجزاءات المقررة لحماية المنافسة (فقرة ثانية

- الفقرة الأولى: التدابير و الجزاءات المقررة لحماية المنافسة

إن المقتضيات المنصوص عليها في قانون حرية الأسعار و المنافسة ترتب مجموعة من الجزاءات و التدابير نتيجة مخالفة قواعد التركيز الاقتصادي ففي حالة تمام عملية التركيز و ترتب عليها استغلال تعسفي لوضع مهيمن فإنه يجوز كما ذكرنا سلفا لمجلس المنافسة أن يقترح على الوزير الأول اتخاذ قرار معلل يأمر فيه الشركة أو مجموعة الشركات المعنية بالقيام داخل أجل معين بتغيير أو تتميم أو نسخ جميع الاتفاقات أو جميع العقود التي تم بموجبها تركيز القوة الاقتصادية التي مكنت من التعسف. أما إذا لم تتقيد الشركات موضوع عملية التركيز بالتدابير المحددة، فإن الوزير الأول يحيل القضية بعد استشارة مجلس المنافسة على وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية المختصة من أجل إجراء المتابعات اللازمة، ولا يكون قرار الإحالة هذا قابلا لأي طعن و تتمثل العقوبة في هذه الحالة في غرامة تبلغ بالنسبة إلى المقاولة المعنية 2% إلى 5% من رقم الأعمال دون اعتبار الضرائب المنجزة في المغرب خلال آخر السنة محاسبية. وفي حالة العود داخل أجل 5 سنوات يرفع مبلغ الغرامة الأقصى إلى الخلف هذا إذا كان الأشخاص المتابعين أشخاصا معنويين، و إذا لم يكن المخالف منشأة نحدد الغرامة بمبلغ يتراوح بين 200.000 و 2 مليون درهم.

ومن جانب آخر إذا كانت المنشأة تستغل أنشطتها في قطاعات مختلفة وجب أن يعتمد رقم أعمال القطاع أو القطاعات المرتكبة المخالفة فيها لتحدي الغرامة. يجب أن يتحدد مبلغ الغرامة بصفة فردية فيما يخص كل منشأة أو هيئة معاقبة باعتبار خطورة الأفعال المؤاخذة عليها و أهمية الأضرار اللاحقة بالاقتصاد و كذا الوضعية المالية و حجم المنشأة أو الهيئة المعاقبة، و تحدد الغرامة المذكورة باعتبار الدور الذي قامت به كل منشأة أو هيئة معينة.

- الفقرة الثانية: تقييم التدابير و الجزاءات المقررة لحماية المنافسة

نلاحظ من خلال مجموعة من النصوص المنظمة للحياة التجارية و الاقتصادية أن كتلة الزجر الجنائي مازالت تحتفظ بحيز مهم داخل هذه النصوص، ولا يخرج قانون حرية الأسعار و المنافسة عن هذه الشاكلة، فبالاطلاع على أحكامه فيما يخص عمليات التركيز الاقتصادي يتضح أن الزجر حاضر بقوة حتى في هذا القانون من منطلق أن الزجر الجنائي قد يتخذ شكل عقوبة حبسية في حالة اقتراح الاندماج باستغلال تعسفي لوضع مهيمن، و لا يمكن التأكيد على أن استمرار هذا الحكم من الزجر داخل نظمنا القانونية المتعلقة بالتجارة و الاقتصاد و يتناسب و يتلاءم مع خطاب تشجيع الاستمرار و ما يوازي ذلك من تدابير و جهود جبارة للرفع من فرض الاستثمار فالمستثمر اليوم يمكن القول عنه حسب بعض الفقه أنه طفل مدلل لا يجب ترهيبه و تعجيزه بل على العكس من ذلك يجب إغراءه و تشجيعه. و إذا كان المستثمر يبحث عن جنات ضريبية فإنه يبحث أيضا عن نظم قانونية تحميه في حريته و أمواله لذلك ذهب بعض الفقه الفرنسي إلى أن اعتماد الجزاءات التقليدية المتمثلة في الغرامات و العقوبات الحبسية في مادة تقنين المنافسة لا يعتبر خيارا عقلانيا، و كان حريا أن يقتصر التشريع على إقرار جزاءات مدنية كبطلان العملية المخلة بقواعد المنافسة (التركيز الغير العقلاني) أو تعويض الضرر الناجم عن الإخلال بالمنافسة أو وضع إجراءات كفيلة بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه قبل انجاز العملية المخلة بقواعد المنافسة (التركيز

و من هذا المنطلق يمكن القول أن العقوبات الجنائية لا يجب أن تكون غاية في حد ذاتها وهي غير كافية لتحقيق الهدف المتوخى من تنظيم المنافسة إذا لم تكن قادرة على منع الاندماجات المخلة بقواعد المنافسة، كذلك كان حريا بالمشرع أن يستعيض عن هذه العقوبات بإقرار نظام البطلان و جعله يلحق كل عملية تركيز مخالفة للقواعد المنصوص عليها في قواعد المنافسة، مع تأييد جزاء البطلان بتعويض جزافي يمنح المقاولات المتضررة من عملية الاندماج التي أثبتت فعلا تضرر قدرتها التنافسية.

مراقبة عمليات التركيز الاقتصادي وفق مقتضيات قانون حرية الأسعار و المنافسة

للإطلاع على هوامش المقال أو نسخه يرجى التحميل أسفله


الاربعاء 28 ديسمبر 2011


تعليق جديد
Twitter