Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



كلمة الأستاذ محمد بوزبع وزير العدل السابق بمناسبة ندوة قضايا الاستثمار والتحكيم


     



كلمة الأستاذ محمد بوزبع وزير العدل السابق بمناسبة ندوة قضايا الاستثمار والتحكيم
كلمة المرحوم محمد بوزبع وزير العدل بمناسبة الندوة المنظمة في إطار إحياء الذكرى الخمسينية لتأسيس المجلس الأعلى حول قضايا الاستثمار والتحكيم

محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء، 18 أبريل 2007

بسم الله الرحمان الرحيم

السيد الرئيس الأول للمجلس الأعلى؛

السيد الوكيل العام للمجلس الأعلى،

السيد الوالي،

السيد رئيس مجلس مدينة الدار البيضاء؛

السادة المسئولون القضائيون؛

السيد رئيس الودادية الحسنية للقضاة؛

السادة النقباء والمحامون؛

السادة الأساتذة الجامعيون؛



حضرات السيدات والسادة،



هاهي ندوة أخرى تنظم في إطار سلسلة الندوات المنظمة في إطار الاحتفال بالذكرى الخمسينية لتأسيس المجلس الأعلى، والتي يتم إحياؤها تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.



وليس غريبا أن تنعقد ندوة اليوم حول موضوع الاستثمار، مادامت تعقد في العاصمة الاقتصادية للمملكة، والقطب الاقتصادي الفعال في استقطاب الاستثمار.

وإني لأهنئ المنظمين على اختيار موضوع الاستثمار كمحور لهذه الندوة وذلك في ارتباط مع آلية من آليات فض منازعات الاستثمار وهي التحكيم، وهما موضوعان يحظيان براهنيتهما وأهميتهما سواء على الصعيد الاقتصادي أو القانوني.



حضرات السيدات والسادة،



يعتبر الاستثمار دعامة أساسية للتنمية، وذلك لأنه يشكل إضافة إلى الطاقة الإنتاجية، وزيادة في الثروات، بما لذلك من أثر في إشباع الحاجات وتوفير الخدمات.



ففي وضع عالمي يعرف تحولات سريعة، تحكمها قوانين العولمة الاقتصادية، وضوابط التنافسية الحادة، يعتبر الاستثمار الوطني والأجنبي الرافعة الأساسية للإقلاع الاقتصادي والاجتماعي، والدعامة الفعالة للتنمية البشرية.



وإن الأنشطة الاستثمارية تبقى رهينة معادلة السعي إلى الربح والتقليل من التعرض للمخاطر. وإن من أهم المخاطر التي تواجه الاستثمار في الوقت الحاضر وعلى الصعيد العالمي ليست المخاطر الاقتصادية وحدها بل كذلك المخاطر المتعلقة بالأمن القانوني.



إن الأمن القانوني يعني توفير المناخ القانوني السليم للاستثمار، وإيجاد الآليات القانونية المحفزة على الاستثمار، وسيادة دولة القانون في ميدان الأعمال.

وإن المغرب، وتنفيذا للتوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، ما فتئ يوفر متطلبات المناخ الملائم للاستثمار وتطوير مستواه.



وقد تم في هذا الإطار اتخاذ عدة تدابير تهدف إلى إصلاح الإطار القانوني والمؤسساتي للاستثمار وتشجيع المبادرة الحرة للمستثمرين المغاربة والأجانب. حيث تم العمل على تحسين فرص جاذبية الاستثمار من خلال اتخاذ إجراءات اقتصادية وقانونية ومؤسساتية:



فعلى الصعيد الاقتصادي: اتخذت مجموعة من الإصلاحات الهيكلية بهدف تعزيز الاستقرار الماكرو-اقتصادي، وتقوية انفتاح الاقتصاد المغربي، من خلال التوقيع على العديد من اتفاقيات التبادل الحر والشراكة، وكذا تعزيز إجراءات التدبير اللامتمركز للاستثمار.



وعلى الصعيد القانوني: تم اعتماد مدونة للاستثمار بغية تجميع مختلف القوانين القطاعية المعمول بها ، وكذا قانون- إطار بمثابة ميثاق للاستثمارات، وتم سن مدونة جديدة للتجارة، وإحداث المحاكم التجارية، وصدرت قوانين جديدة للشركات، وقانون المجموعات ذات النفع الاقتصادي، وقانون حرية الأسعار والمنافسة، وقوانين لحماية الملكية الفكرية الأدبية والصناعية، ومدونة الشغل، وقانون المحاكم المالية، وكذا إعداد ميثاق للمقاولات الصغرى والمتوسطة، كماصدرت عدة قوانين ونصوص تهم الاستثمار في عدة ميادين كالجوانب الجبائية والجمركية، هذا فضلا عن الاهتمام الكبير الذي حظيت به بعض قطاعات الاستثمار الحيوية كالمواد الطاقية والسياحة والنقل والفلاحة.



أما على الصعيد المؤسساتي: فقد تم إحداث لجنة وزارية لدى السيد الوزير الأول مكلفة بمشاريع الاستثمار، وتحول صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية إلى أداة قوية لدعم الاستثمار في المغرب، كما أحدثت عدة مراكز جهوية للاستثمار، وكذا الوكالة الوطنية للتحفيظ العقاري، وغير ذلك من المؤسسات التي تهدف إلى تشجيع الاستثمار وتحفيزه.



إن هذه المجهودات تأتي في سياق توفير المناخ الملائم للاستثمار، وترسيخ دعائم الأمن القانوني في ميدان الأعمال، باعتبار ذلك من أبرز الخيارات الاستراتيجية المرتبطة بالتنمية، وتشجيع المبادرة الحرة، وتحديث المقاولة وتأهيلها، حتى تنخرط بقوة وفعالية في مخطط التنمية الشاملة والمستديمة.



كما أن هذه المبادرات الرائدة، استلزمها اتساع العلاقات التجارية الدولية، وعولمة الاقتصاد، وسرعة تحرك أموال الاستثمار، وتنامي حدة التنافسية وطلب الجودة. هذا بالإضافة إلى ما أصبح يتطلبه الأمر الآن بخصوص متطلبات اتفاق التبادل الحر بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية، واتفاقية التبادل الحر مع بعض الدول العربية، ومقتضيات سياسة الجوار الجديدة التي ينهجها الاتحاد الأوروبي مع جيرانه، والتي يحتل فيها الجانب الاقتصادي حيزا هاما.


حضرات السيدات والسادة



يقوم القضاء بدور هام في الميدان التجاري والاقتصادي، سواء تعلق الأمر بالمحاكم المتخصصة أو بمحاكم القانون العام، وعلى رأس ذلك المجلس الأعلى باعتباره أعلى هيئة قضائية في المملكة.



فالمحاكم الابتدائية تختص كجهة قضاء مدني بالبت في القضايا التي ليست من اختصاص المحاكم التجارية، كما أنها تختص كمحاكم زجر فيما يتعلق بجرائم الأعمال. والمحاكم الإدارية تختص بجانب من القضايا الاقتصادية، كما هو الشأن بالنسبة للصفقات العمومية وعقود الامتياز أو التدبير المفوض فضلا عن المنازعات الجبائية.



وتبقى المحاكم التجارية مختصة للبت في المنازعات ذات الطبيعة التجارية، بحيث أصبحت هي المحاكم الطبيعية في المادة التجارية بل حتى في القضايا ذات الطابع الاقتصادي.



لقد كان إحداث المحاكم التجارية من أهم الإجراءات المتخذة في ميدان دعم الاستثمار وتشجيعه، وذلك بهدف إيجاد هيآت قضائية متخصصة رفيعة المستوى للبت في المنازعات المرتبطة بالأعمال.



وتتمتع المحاكم التجارية باختصاصات هامة في مجال العقود التجارية، ومنازعات التجار المتعلقة بأعمالهم التجارية، وبقضايا الأوراق التجارية، ومنازعات الشركات، والأصول التجارية، وصعوبات المقاولة، والسجل التجاري، هذا فضلا عن الاختصاص بقضايا حماية الملكية الصناعية، وغير ذلك من النزاعات التجارية.



ومنذ إحداث المحاكم التجارية، فإنها قامت بدور هام في مجال البت في المنازعات التجارية بكفاءة ملحوظة، سواء من حيث سرعة البت في القضايا أو من حيث مستوى الأحكام الصادرة بشأنها.



ويدل على أهمية هذه المحاكم نشاطها المتزايد وارتفاع نسبة عدد القضايا المسجلة والمحكومة من قبلها.



فقد سجلت المحاكم التجارية في سنة 2006 ما مجموعه 115612 قضية جديدة وتم الحكم في 116253 قضية من بين القضايا الرائجة أمامها.



وقد سجلت المحكمة التجارية بالدار البيضاء لوحدها سنة 2006 ما مجموعه 70411 قضية أي ما نسبته 60،90 % من مجموع القضايا المسجلة على صعيد المحاكم التجارية بالمغرب.



ومن القضايا التي تنظرها المحاكم التجارية، وترتبط ارتباطا مباشرا بالميدان الاقتصادي قضايا الأمر بالأداء، المتميزة بسرعة البت فيها، والتي تبنى عموما على أوراق تجارية تساهم في حركية الدورة الاقتصادية. وقد سجلت المحاكم التجارية 13314 طلب أمر بالأداء أي ما نسبته 11،52 % في من مجموع القضايا التجارية المسجلة أمام المحاكم التجارية سنة 2006.



كما تم تسجيل 788 قضية تتعلق بصعوبة المقاولات أي 0،68 % من مجموع القضايا المسجلة أمام المحاكم التجارية عن نفس السنة.



وتجدر الإشارة إلى أن المحاكم التجارية أصبحت لها بمقتضى مساطر معالجة صعوبات المقاولة، صلاحيات اقتصادية هامة، تتعدى صلاحيتها التقليدية المتمثلة في مجرد الحكم بالأداء. وتعمل الوزارة حاليا على مراجعة مقتضيات هذه المساطر بما يحقق فعاليتها.

وبالنظر للدور المحوري الذي تقوم به المحاكم التجارية، فإن وزارة العدل ما فتئت تعمل على تطوير أداء هذه المحاكم وتحديثها وتوفير فرص التكوين لقضاتها ومختلف أطرها، وذلك موازاة مع عملية التحديث التي تشمل باقي محاكم المملكة.



حضرات السيدات والسادة،



إن هناك نظامين يتدخلان في فض المنازعات المتعلقة بميدان الأعمال:

- النظام القضائي؛

- نظام الوسائل البديلة لحل المنازعات كالتحكيم؛

ويعتبر التحكيم من أهم آليات فض المنازعات المتعلقة بالأعمال والاستثمار عموما، وذلك بالنظر لما يتميز به التحكيم من فعالية وسرعة وسرية واقتصاد في التكاليف.



وبالنظر لأهمية التحكيم، فقد حث صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في مناسبات عديدة على ضرورة " مراجعة مساطر التسوية التوافقية لما قد ينشأ من منازعات بين التجار، وذلك لتمكينهم من اللجوء أكثر ما يمكن إلى التحكيم" و " تنويع مساطر التسوية التوافقية، لما قد ينشأ من منازعات بين التجار, وذلك من خلال الإعداد السريع لمشروع قانون التحكيم التجاري، الوطني والدولي، ليستجيب نظامنا القضائي لمتطلبات عولمة الاقتصاد وتنافسيته، ويسهم في جلب الاستثمار الأجنبي".



وتنفيذا للتعليمات الملكية السامية، فإن وزارة العدل، عملت على وضع مشروع جديد للتحكيم والوساطة، وذلك بعد دراسة مستفيضة لواقع التحكيم في بلادنا، وكذا المعوقات القانونية والعملية التي لا تشجع على الأخذ بالتحكيم.



ويتميز هذا المشروع، الذي تتم مناقشته حاليا في البرلمان، بعدة مميزات تساير المستجدات العالمية بهذا الخصوص. مثل جواز التحكيم في النزاعات المالية الناتجة عن التصرفات الأحادية للشخص العام، وفي النزاعات المتعلقة بالعقود التي يبرمها الشخص العام، واختصاص المحاكم الإدارية بالبت في قضايا التحكيم التي تهم هذا النوع من التحكيم، وجواز التحكيم في النزاعات التي تهم المقاولات العامة والمؤسسات العامة، ومعالجة مشكل اللجوء إلى القضاء مع وجود اتفاق التحكيم، والتخفيف في شرط الكتابة، وتوسيع اختصاصات الهيئة التحكيمية كصلاحيتها للنظر في اختصاصها (اختصاص الاختصاص) والقيام بكل إجراءات التحقيق والأمر بالإجراءات التحفظية. كما نظم المشروع التحكيم المؤسساتي ولأول مرة التحكيم الدولي. هذا فضلا عن توفير ضمانات احترام حقوق الدفاع في مساطر التحكيم.



ومن جهة أخرى، فقد حرصت وزارة العدل على مواكبة إحداث المركز الأطلسي للتحكيم التجاري الدولي، بين غرفة التجارة والصناعة والخدمات لأكادير ونظيرتيها بكل من لاس بالماس وتنيريفي، والغرفة الدولية للتحكيم المغربية الإسبانية. وقد حرصت على الحضور شخصيا أثناء توقيع الوثائق المتعلقة بإحداث هاتين المؤسستين سواء في أكادير أو لاس بالماس أو في الدار البيضاء ومدريد.



كما واكبت وزارة العدل إحداث عدة مراكز للتوفيق والتحكيم والتي أنشئت على صعيد العديد من المدن المغربية، ونظمت الوزارة عدة ندوات تهم التحكيم بتعاون مع فاعلين حقوقيين واقتصاديين مغاربة وأجانب.



وعلاوة على ذلك فإن وزارة العدل وفي إطار التعاون مع بريطانيا تنفذ برنامجا طموحا لإدخال الوسائل البديلة – لاسيما الوساطة - إلى النظام القانوني والقضائي المغربي، وتم تكوين عدة وسطاء بهذا الخصوص، كما أن وزارة العدل تنفذ برنامجا مع منظمات تابعة للأمم المتحدة لدعم أقسام قضاء الأسرة من أهم مكوناته الوساطة الأسرية.



حضرات السيدات والسادة



إن كل هذه المجهودات سواء على صعيد القضاء أو على صعيد التحكيم، تهدف إلى توفير الإطار القانوني السليم لممارسة الأعمال، وضمان المناخ الملائم للاستثمار، وسيادة الأمن القانوني في الحياة التجارية.

وإن المجلس الأعلى، باعتباره أعلى مؤسسة قضائية في المملكة، ليقوم بدور هام بهذا الخصوص، ويكفي التذكير بقراراته واجتهاداته المتميزة في ميدان الأعمال، والتي تعكس المستوى الرفيع لقضائنا التجاري ومسايرته لمستجدات قانون الأعمال. وكمثال على ذلك اجتهادات المجلس المتعلقة بتطبيق اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الاعتراف بالمقررات التحكيمية وتنفيذها، وتطبيق اتفاقية هامبورغ المتعلقة بالنقل البحري، واتفاقية فارسوفيا المتعلقة بالنقل الجوي، وكذا قرارات المجلس الأعلى المتعلقة بالاعتماد المستندي، ومساطر معالجة صعوبات المقاولة، لاسيما اعتباره هذه المساطر مرتبطة بالنظام العام الاقتصادي، إلى غير ذلك من القرارات التي كرسها المجلس في ميدان الأعمال.

كما أن المجلس الأعلى، ومن خلال دوره في توحيد الاجتهاد القضائي والحلول القانونية، يساهم في إشاعة الثقة واستقرار المعاملات والتحفيز على الاستثمار، بما لكل ذلك من أثر محمود على مسيرة التنمية التي يعرفها المغرب تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته



الخميس 16 ديسمبر 2010


تعليق جديد
Twitter