Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



قياس الأثر التوقعي للتشريع بالمغرب


     

حاتم إيوزي
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري



قياس الأثر التوقعي للتشريع بالمغرب
 
       في ظل تعدد مظاهر تعاظم وتزايد دور السلطة التنفيذية في مجال التشريع، واختلال التوازن المطلوب بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، بفعل أخد معظم الأنظمة بفلسفة العقلنة البرلمانية، وانتقال الدولة من مرحلة إدارة المرافق التقليدية إلى إدارة المرافق الاقتصادية والاجتماعية، لجأت العديد من الدول إلى آليات جديدة للتخفيف من قيود العقلنة البرلمانية، وتمكين السلطة التشريعية "على الأقل" من المساهمة بشكل فعال في صنع النصوص القانونية التي يكون مصدرها الحكومة، وذلك عن طريق تمكين أعضاء البرلمان من الإحاطة بالغايات والظروف التي أملت وضع تشريع جديد أوتعديل تشريع قائم، ومن امتلاك معطيات دقيقة واضحة وشاملة حول النص التشريعي المعروض عليهم للمناقشة والمصادقة، بالإضافة إلى تسليط الضوء على الكيفية التي تم اعتمادها لتحويل الأسباب الموجبة للتشريع إلى قواعد قانونية عامة ومجردة وملزمة.    

    وفي هذا الإطار، فقد تعددت ممارسات وتجارب الدول التي أخذت بضرورة إرفاق مشاريع القوانين بدراسة الأثر، بالنظر للأهمية التي تكتسيها هذه الأخيرة في السياسات التشريعية على وجه الخصوص،  بعد أن  ﺘﺤﻭﻟﺕ ﺍﻟﻨﻅﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﺸﺭﻴﻌﺎﺕ ﻤﻥ ﻜﻭﻨﻬﺎ ﻤﺠﺭﺩ ﺤﻠﻭل  ﺴﻬﻠﺔ  من أجل  إقرار قانون معين أوتعديله إذا كان نافذا، ﺇﻟﻰ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭﻫﺎ آليات وﺃﺩﻭﺍﺕ ﻴﻤﻜﻥ ﺘﻭﻅﻴﻔﻬﺎ ﻟﻠﻭﺼﻭل ﺇﻟﻰ ﺍﻷﻫﺩﺍﻑ المرجوة والمحددة سلفا بالدراسة.

   ومن أهم التعريفات الصادرة ﻋﻥ ﻤﻨﻅﻤﺔ ﺍﻟﺘﻌﺎﻭﻥ والتنمية ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺔ[1]، ﺘﻌﺭﻴف ﺃﻜﺜﺭ دقة وﺘﻔﺼﻴﻼ، حيث اعتبر أن دراسة أثر التشريعات هي تلك الدراسة التي تعمل على:

 "فحص و قياس ﺍﻟﻔﻭﺍﺌﺩ المرتقبة وﺍﻟﺘﻜﺎﻟﻴﻑ و الآثار المتوقعة ﻟﻠﺘﺸﺭﻴﻌﺎﺕ ﺍﻟﺠﺩﻴﺩﺓ ﺃﻭالمعدلة، ﻜﻤﺎ أنها ﺃﺩﺍﺓ ﺘﺸﺭﻴﻌﻴﺔ ﻤﻔﻴﺩﺓ ﺘﺩﻋﻡ ﺼﺎﻨﻌﻲ ﺍﻟﻘﺭﺍﺭ ببيانات ﻭﺍﻗﻌﻴﺔ ﻫﺎﻤﺔ ﺘﺴﺎﻋﺩﻫﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻤل ﻓﻲ ﺇﻁﺎﺭ ﺸﺎﻤل ﻴﻤﻜﻥ ﻤﻥ ﺨﻼﻟﻪ ﺘﻘﻴﻴﻡ ﺨﻴﺎﺭﺍﺘﻬﻡ ﻭﻋﻭﺍﻗﺏ ﻗﺭﺍﺭﺍﺘﻬﻡ"

   لذا فقد عمدت العديد من الدول عند قيامها بوضع التشريعات إلى الالتزام بإنجاز دراسات معمقة، تساعد على التعرف على تأثير التطبيق المتوقع للتشريع بعد دخوله حيز النفاذ، والإحاطة بأبعاده و كل جوانبه إحاطة شاملة، من أجل تصنيف المزايا والتكاليف المحتملة لتطبيقه، والصعوبات المتوقعة عند تنفيذه.

  وقد استندت دراسة الأثر في التجارب و الممارسات الفضلى عموما، إلى المبادئ التشريعية الخمسة التي سطرها " ﻓﺭﻴﻕ ﻋﻤل ﺍﻷﻓﻀل " ﻫﻴﺌﺔ ﺍﺴﺘﺸﺎﺭﻴﺔ ﺒﺭﻴﻁﺎﻨﻴﺔ ﻤﺴﺘﻘﻠﺔ"  الذي اعتبر أن التشريع الأفضل يقوم على خمسة مبادئ وهي:
 
التناسب: بمعنى ﻻ ﻴﺘﺩﺨل ﺍﻟﻤﺸﺭﻉ ﺇﻻ ﻋﻨﺩ ﺍﻟﻀﺭﻭﺭﺓ، ﻭﺃﻥ ﺘﺘﻨﺎﺴﺏ ﺍﻹﺼﻼﺤﺎﺕ ﻤﻊ ﺤﺠﻡ ﺍﻷﺨﻁﺎﺭ ﻭﺍﻟﺘﻜﺎﻟﻴﻑ، ﺒل ﻭﺘﻌﻤل على خفضها.

القابلية للمحاسبة:  بحيث ﻴﺠﺏ ﺃﻥ ﻴﻜﻭﻥ ﺍﻟﻤﺸﺭﻉ ﻗﺎﺩﺭﺍ ﻋﻠﻰ ﺘﺒﺭﻴﺭ ﺍﻟﻘﺭﺍﺭﺍﺕ ﻭﻴﺠﺏ ﺃﻥ ﺘﻜﻭﻥ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻘﺭﺍﺭﺍﺕ ﻗﺎﺒﻠﺔ ﻟﻠﻔﺤﺹ ﻭﺍﻟﺘﺤﻠﻴل.

التناسق:    الغاية منه، ﺃﻥ ﺘﺘﻭﺍﻓﻕ ﺍﻟﻘﻭﺍﻋﺩ والمعايير الحكومية و تتسق مع بعضها البعض.

 الشفافية:  ﻴﺠﺏ ﺃﻥ ﻴﺤﺎﻓﻅ ﺍﻟﻤﺸﺭﻉ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺸﺭﻴﻌﺎﺕ ﻓﻲ ﺼﻭﺭﺓ ﻭﺍﻀﺤﺔ ﻭﺒﺴﻴﻁﺔ ﻭﻗﺎﺒﻠﺔ ﻟﻠﺘﻁﺒﻴﻕ والإستخدام.

وضوح الهدف:  ﻴﺠﺏ ﺃﻥ ﺘﺭﻜﺯ ﺍﻟﺘﺸﺭﻴﻌﺎﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺸﻜﻼﺕ، ﻭﺘﻌﻤل ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺩ ﻤﻥ ﺍﻵﺜﺎﺭالسلبية.

     وفي هذا الإطار أخدت معظم التشريعات الحديثة بدراسة أثر التشريعات، حيث قامت العديد من الدول بتقنين عملية قياس أثر التشريع ومأسسته، ليؤدي دوراً رئيسياً في كشف الحقائق لصانعي القرار بمصداقية ووضوح. 

وتمكيين السلطة التشريعية من فهم النص المقدم لها للمصادقة فهما دقيقا، وبالتالي المساهمة بشكل فعال في التقليل من المخاطر التي قد تتجاوز تكاليف التشريع وفوائده، وإزالة الآثار السلبية المحتملة التي قد يسببها تطبيق التشريع بعد دخوله حيز النفاذ.

  وقد لجأت العديد من البرلمانات المتقدمة خلال السنوات الاخيرة إلى رفض أي مشروع قانون يأتي من الوزارات أو القطاعات المعنية،  ما لم يتم مصاحبة النص التشريعي  بدراسة معمقة تسمح بوضع تقويم مرتقب لنتائجه.
   ومن الدول التي ﻟﻬﺎ ﺨﺒﺭﺓ ﻁﻭﻴﻠﺔ ﻓﻲ ﻤﺠﺎل ﺍﻹﺼﻼﺡ التشريعي، ﻭﺘﻁﺒﻴﻕ ﻨﻤﺎﺫﺝ ﻨﺎﺠﺤﺔ لتقييم ﺃﺜﺭﺍﻟﺘﺸﺭﻴﻌﺎﺕ، والتي اعتبرت أن تقييم الأثر التشريعي يشكل جزء قانونياً ملزماً لا ينفصل عن عملية اقتراح التشريعات، نجد كل من الولايات المتحدة الأمريكية التي نهجت سياسة الإصلاح التشريعي، وكندا التي تبنت التشريعات الذكية منذ سنة 2003، والمملكة المتحدة التي عملت بالتشريعات الأفضل سنة 1998 ثم بعد ذلك نهجت سياسة خفض التشريعات سنة 2010، كما كانت أستراليا واحدة من أوائل الدول التي طلبت استخدام تحليل الأثر التشريعي منذ سنة 1985.

   وفي نفس السياق، فقد ألزم المشرع الدستوري الفرنسي إرفاق مشاريع القوانين المقدمة من قِبَل الحكومة إلى مكتب مجلس النواب أو الشيوخ بدراسة حول خلفياتها وآثارها، وتتضمن هذه الدراسة، الأهداف التي يسعى مشروع القانون إلى تحديدها، والخيارات الممكنة بصرف النظر عن التدخل في قواعد قانونية جديدة، دراسة تشرح أسباب استخدام التشريعات الجديدة (حسب ما تنص عليه المادة 39 من الدستور الفرنسي والقانون التنظيمي "رقم 403-2009 الصادر ب16 أبريل سنة 2009" والذي أكده قرار المجلس الدستوري الفرنسي "رقم 2009-579 DC المؤرخ ب 9 أبريل  2009"[2].، كما يمكن الاسترشاد أيضا بدورية الوزير الأول الفرنسي بتاريخ 23 شتنبر 2012، والمتعلقة بالدراسة المسبقة والممنهجة لأثر مشاريع القوانين من منظور المساواة بين الجنسين[3]
    و لا بد أن نذكر على أنه لا يوجد معيار واحد لدراسة الأثر، ولا تسمية موحدة، فقد اختلفت المعايير والتسميات باختلاف التجارب، ومدى قوة وإلزامية هذه الدراسة وقيمتها القانونية، وكذا السند القانوني أوالدستوري الذي ترتكزعليه، لذا فإننا نجد أن معظم الدول العربية أطلقت على الوثيقة التي يتم إرفاقها بالنصوص التشريعية تسميات مختلفة من قبيل:
 
  •  المذكرة التفسيرية، بالنسبة لبعض الدول كالإمارات وقطر والكويت واليمن وتونس.
  • المذكرة الإيضاحية، في البحرين ومصر.
  • لائحة الأسباب الموجبة أوعرض الأسباب، بالنسبة للجزائر والأردن وسوريا ولبنان.
  
وقد استندت هذه الدول إلى اللوائح والأنظمة الداخلية لمؤسساتها التشريعية دون اللجوء إلى إقرارهذا الاختيار بنص قانوني، ومن الإنتقادات الموجهة لهذه المذكرات أنها تأتي مختصرة وسطحية وغير مفصلة، ولا ترقى عموما إلى دراسة الأثر أو قياس الأثر التشريعي، كونها لا تجيب عن كل الإشكالات والتساؤلات المتعلقة بالأسباب الموجبة للتشريع كما هي متعارف عليها في الدول والتجارب والممارسات الفضلى، ولا تتضمن كذلك الخيارات الممكنة والخيارات المتخذة عند صياغة مشاريع القوانين، وآثارها على مختلف الميادين والمجالات، ولا التكاليف الإقتصادية والمالية والإجتماعية والمهنية والإدارية والبيئية المترتبة عن هذا التشريع.
 
دراسة أثر التشريعات بالمغرب:

 
    بعد أن ظل المغرب لعقود يكتفي بإرفاق مشاريع القوانين بمذكرات التقديم، وبعد أن ارتفعت المطالب من أجل إصلاح السياسات التشريعية وإخضاع مجال التشريع لمسطرة دقيقة وواضحة، من أجل ضمان مراقبة أكثر ملاءمة للنشاط الحكومي، ونجاعة أكثر في الوظيفة التشريعية،  شهد هذا الأخير إصلاحات مهمة في مجال السياسات التشريعية، خاصة عند المصادقة على القانون التنظيمي رقم 13.065 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، حيث نصت المادة 19 على أنه "يتعين، كلما اقتضت الضرورة ذلك، بموجب قرار لرئيس الحكومة، أن ترفق مشاريع القوانين الرامية إلى سن أي تشريع جديد أو مراجعة تشريع قائم بدراسة حول آثارها.

تحدد كيفيات إعداد هذه الدراسة والمعطيات التي يجب أن تتضمنها بنص تنظيمي".

   وفي إطار تطبيق الفقرة الثانية من المادة السالفة الذكر، صدر المرسوم رقم 2.17.585 ، بشأن دراسة الأثر الواجب إرفاقها ببعض مشاريع القوانين التي تدخل ضمن مجال تطبيق هذه الدراسة، وقد حدد هذا المرسوم شكليات وكيفيات إعدادها، والمعطيات التي يجب أن تتضمنها الدراسة المذكورة.

   وقبل إبراز الحاجة إلى إرفاق مشاريع القوانين بدراسة الأثر، لا بد من بسط مجموعة من الملاحظات، التي تثير التساؤل، حول مدى توفر الجدية والإرادة الحقيقية من أجل تنزيل وتفعيل ما ورد في المادة 19من القانون التنظيمي رقم 13.065، واللحاق بركب الدول التي نهجت إصلاحات تشريعية حقيقية، واقعية وقابلة للتطبيق، خاصة أنه وإلى حدود اليوم لم يتم إرفاق أي مشروع قانون بدارسة الأثر عند إحالته على مكتب أحد مجلسي البرلمان.
ومن أهم هذه الملاحظات ما يلي:

 
أولا: على مستوى الشكل

    
استنادا إلى الوثيقة الدستورية ، التي أقرت بمسؤولية الحكومة تحت سلطة رئيسها على ضمان تنفيذ القوانين[4]، والتي أحالت كذلك على قانون تنظيمي من أجل تحديد القواعد المتعلقة بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها[5].
 وبالرغم من المصادقة على القانون التنظيمي رقم 13.065 ، وصدوره بالجريدة الرسمية عدد 6348 بتاريخ 2 أبريل 2015، لا زالت أحكام المادتين 19 و 21 المتعلقتين بدراسة الأثر ( بالرغم من ملاحظنا حولها) لم تدخلا بعد حيز التنفيذ وذلك راجع لعدة أسباب أهمها:
 
  1.  انتظار سنتين من أجل إصدار المرسوم[6] الذي تتطلبه عملية تطبيق هذا القانون التنظيمي حسب ما نصت علية الفقرة الثانية من المادة 19.
  
   "مع تجديد التأكيد على ضرورة تعديل المادة 22 من القانون التنظيمي أعلاه، بما يضمن إلزام السلطة التنفيذية بإصدار النصوص التنظيمية داخل آجال محددة، حيث يظل هذا الموضوع من الإشكالات الكبيرة التي تطيل مقام النصوص التشريعية في قاعة الانتظار وتجعلها غير قابلة للنفاذ".
 
  1. بعد مرور أزيد من سنة ونصف على إصدار المرسوم السالف الذكر، لازالت السلطة التنفيذية "غير قادرة" إلى اليوم على إصدار القرار القاضي بإحداث لجنة دراسة أثر القوانين، التي يعهد إليها التحقق من استيفاء دراسة الأثر المنجزة للشروط المنصوص عليها في المادة 4 من المرسوم وكذا تقييم مضمونها، وإبداء الرأي في شأن اعتمادها.
كما يلاحظ التناقض البين بين المرسوم السالف الذكر، ودليل دراسة الأثر "المستلهم من التجربة الفرنسية" الصادر
عن الأمانة العامة للحكومة[7] الذي يحدد القواعد المنهجية وكيفيات إعداد هذه الدراسة، حيث على سبيل المثال وليس الحصر فقد تضمن الدليل المرجعي إمكانية إعداد دفتر التحملات[8] اعتمادا على وثيقة تركيبية مقدمة من لدن الحكومة تعرض القطاعات الاقتصادية المتأثرة بمشروع القانون، والفئات الاجتماعية والمهنية المعنية أوالإدارات المعنية بشكل مباشر بمجال الإصلاح، وواقع الحال أن إعداد دفتر التحملات لم يضمن ضمن مقتضيات المرسوم السالف الذكر، بالإضافة إلى أن اعتماده يجب أن يكون بقرار حكومي.
 
 
ثانيا: على مستوى المضمون

بالنسبة للقانون التنظيمي:

     إن ما ورد بالمادتين 19 و 21 من القانون التنظيمي يؤكد بما لا يدع مجالا للشك، عدم توفر الجدية والإرادة الحقيقية لدى السلطة التنفيذية من أجل مسايرة التشريعات الحديثة التي اعتمدت قياس الأثر التشريعي، كآلية يمكن من خلالها التعرف على تأثير التطبيق المتوقع للتشريع قبل وضعه موضع التنفيذ، والإحاطة بأبعاده وجوانبه إحاطة شاملة، لتصنيف المزايا والتكاليف المحتملة لتطبيقه.
     ويبدو ذلك واضحا في صياغة المادتين، حيث جاءت المادة 19 على الشكل التالي: "يتعين، كلما اقتضت الضرورة ذلك، بموجب قرار لرئيس الحكومة، أن ترفق مشاريع القوانين الرامية إلى سن أي تشريع جديد أو مراجعة تشريع قائم بدراسة حول آثارها"
في حين تم صياغة المادة 21 على النحو التالي: "لتطبيق أحكام الفصل 78 من الدستور، تودع مشاريع القوانين التي تم التداول في شأنها في مجلس الحكومة أو المجلس الوزاري أو هما معا، حسب كل حالة على حدة، لدى مكتب أحد مجلسي البرلمان، مرفقة بتقرير عن دراسة الأثر المنصوص عليها في المادة 19 أعلاه في حال توفرها ، وذلك بواسطة رسالة إيداع يوقعها رئيس الحكومة، توجه إلى رئيس المجلس المعني".
    وتفيد عبارتا، "كلما اقتضت الضرورة ذلك" و "في حال توفرها"، أن لرئيس الحكومة السلطة التقديرية في إرفاق دراسة الأثر بمشاريع القوانين، الأمر الذي يجعل من المخاطبين والمستهدفين بهذه الدراسة أشخاصا كانوا أم مؤسسات، رهينة بقرار ورغبة رئيس الحكومة والذي قد تتحكم فيها اعتبارات سياسية أوحزبية، أو خلفيات تتعلق بمنطق الأغلبية والأقلية، ما دام العنصر السياسي له تأثير كبير في عملية الإعداد والمناقشة والمصادقة على مشاريع القوانين.

فيما يتعلق للمرسوم الصادر بشأن هذه الدراسة:

   تثير المادة الثالثة من المرسوم الصادر بشأن هذه الدراسة نفس الملاحظات التي أبديناها سابقا، والمتعلقة بمدى جدية الحكومة في التعاطي الإيجايب مع مطلب إعداد دراسة معمقة للآثار المتوقعة للنصوص التشريعية المعروضة للمصادقة.

    فإذا ما استحضرنا التجارب المقارنة نجد أن استثناء مشاريع القوانين التنظيمية، ومشاريع القوانين المتعلقة بالمجال العسكري، ومشاريع قوانين المالية له ما يبرره، إلا أن إدراج مشاريع القوانين التي تحيلها الحكومة قصد إبداء الرأي، إلى المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية أوالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أوالمؤسسات والهيئات المنصوص عليها في الفصول من 161 إلى 170 من الدستور أوهيئات الضبط والحكامة، ضمن الاسثناءات الواردة في هذا المرسوم، تشكل تراجعا كبيرا عن أحد أهم آليات إصلاح السياسات التشريعية بالمغرب، والتي من شأنها أن تقلل من مظاهر تراجع الدور التشريعي للبرلمان، باعتبار هذا الأخير هو صاحب الاختصاص الأصيل بالوظيفة التشريعية، وذلك راجع للاعتبارات التالية:

  أولا:  إن ثنائية "الاستثناء والقاعدة" باتت تشكل مصدر قلق متزايد لدى الأكاديميين والمهتمين، والفاعلين في الحقل البرلماني على اختلاف مواقعهم على وجه الخصوص، بسبب التخوف من اللجوء للاستثناءات الغير المقبولة والغير المبررة.

     وبعيدا عن منطق حسن النية من عدمه، فحسب منطوق الفقرة الرابعة من المادة الثالثة من المرسوم السالف الذكر، فسيكون بمجرد إحالة الحكومة لمشروع القانون إلى أحد المؤسسات أوالهيئات الدستورية قصد إبداء الرأي، كافيا لعدم إنجاز دراسة الأثر وإرفاقها بالنص التشريعي موضوع المصادقة.

    وبالتالي فإن هذا الاستثناء غير مبرر و ليس له أي دلالة، غير إفراغ هذا القانون -على أهميته-من محتواه.
  ثانيا:  لا بد من التذكير أن مهام ووظائف هذه الهئآت والمؤسسات الدستورية، انطلاقا من القوانين التنظيمية المحدثة لها وأنظمتها الداخلية، - فيما يتعلق بعلاقتها مع الحكومة و مجلسي البرلمان في مجال إبداء الرأي -  فبالاضافة إلى كون رأي هذه المؤسسات غير مُلْزِم، فإنه ينحصر فقط في حدود اختصاصاتها وصلاحياتها ولا يشمل كل المجالات، وبالتالي فإنه لا يجيب عن كل الإشكالات والصعوبات التي يمكن أن يطحرها تطبيق مشروع القانون على المستوى العملي أوالإداري أوالمهني أوالقضائي، كما أنه غير قادرة على الإحاطة بمختلف الآثار والنتائج التي يمكن أن تترتب عن تطبيق النص المقترح، بالإضافة إلى أن رأي العديد من هذه الهيئآت والمؤسسات لا يتضمن في كل الأحوال، التكلفة المادية والاقتصادية والاجتماعية المطلوب تضمينها في دراسة الأثر.

ثالثا: في اعتقادنا أنه كان من المفروض الاستعانة بكل من المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية أوالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أوالمؤسسات والهيئات المنصوص عليها في الفصول من 161 إلى 170 من الدستور أوهيئات الضبط والحكامة للمساهمة في إعداد دراسة الأثر، وذلك في حدود صلاحياتهم واختصاصاتهم، وبالتالي إعادة صياغة الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة الثامنة من المرسوم السالف الذكر على الشكل التالي:  " يمكن للجنة أن تدعو للمشاركة في أشغالها، بصفة استشارية، كل هيئة أو مؤسسة دستورية، أوشخص مشهود له بالكفاءة و الخبرة في مجال الدراسة أو الدراسات المعروضة عليها"

  أوعلى الأقل التنصيص على أنه، بعد إحالة أي مشروع قانون على هذه الهيئات والمؤسسات الدستورية لإبداء الرأي، يتم إلحاق هذا الرأي بدراسة الأثر قصد إغنائها.
 
 
الحاجة إلى إلزام الحكومة بدراسة الأثر

   إن مطلب التعجيل بإعداد دراسة الأثر وإرفاقها بكل مشاريع القوانين المحالة على مجلسي البرلمان للمصادقة، باستثناء تلك المنصوص عليها في المادة الثالثة، أخدا بعين الاعتبار ملاحظاتنا السالفة الذكر، تمليه العديد من الحاجات والضرورات أهمها:

 
  • دراسة الأثر.. والمراقبة البعدية لإنفاذ القوانين:
 
   
  في إطار تطوير أداء المؤسسة النيابية وتقوية اختصاصاتها التشريعية والرقابية ، شهد النظام الداخلي لمجلس النواب [9] ثاني إصلاح شمولي بعد دستور 2011 ، وذلك بإضافة 112 مادة جديدة، كان أهمها ما نصت عليه المادة 94  من النظام الداخلي، التي أعطت وظيفة جديدة للسلطة التشريعية واختصاصات نوعية للجان الفرعية المنبثقة عن اللجان الدائمة، وذلك عن طريق تتبع مآل تنفيذ القوانين وتقييم آثارها على المجتمع، وتتبع إصدار المراسيم التطبيقية، وتعميق دراسة جانب من الجوانب المتعلقة بمشاريع  أومقترحات القوانين التي أحيلت إليها أو التعديلات المقدمة بخصوصها، بالإضافة إلى تتبع شروط وظروف تطبيق النصوص التشريعية عامة والقوانين التي تهم الرأي العام، أو التي تحدث بعض المشاكل أو الصعوبات عند تنزيلها.
    و بالرغم من أن مجلس النواب قد جعل رهن إشارة اللجنة الفرعية الوسائل الموضوعة للقيام بعملها، من قبيل إمكانية الاستعانة بخدمات مركز الدراسات البرلمانية[10] ومكاتب الخبرة، وإمكانية التواصل مع مصادر المعلومات في مختلف الجهات المعنية، إلا أننا نرى أن التقييم اللاحق للتشريعات، ورصد عملية تنفيذها والحرص على تحقيق أهدافها، يقتضي أساسا ضرورة التوفر على دراسة الأثر المرفقة بمشاريع القوانين عند إحالتها إلى مكتب أحد المجلسين، لأن هذه الدراسة التي تسعى إلى فهم وتفسير الاشكاليات في الواقع وفي القانون، هي التي ستساعد على تقييم جدوى الإصلاحات المتخذة ومدى تحقيق هذا القانون للفوائد المقدرة، والنتائج المتوخاة منه، انطلاقا من الأهداف والمؤشرات المحددة سلفا بالدراسة، وانطلاقا كذلك من مدى تطابق التكاليف الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على هذا النص التشريعي بعد دخوله حيز التنفيذ مع تلك  التي كانت مضمنة في الدراسة.
 
    كما تساعد دراسة الأثر عند تقييم أداء النصوص القانونية في الواقع العملي، على إمكانية الوقوف والتعرف على المشاكل والصعوبات والإشكاليات التي يثيرها هذا النص التشريعي عند تنزيله على أرض الواقع، وكذا الإجابة عن مدى تأثر الفئات الاجتماعية والمهنية، و كذا الإدارات والقطاعات الاقتصادية… المعنية بشكل مباشر بمجال هذا القانون.
    وقد أوردت لجنة القوانين بالأمم المتحدة أربعة أسباب رئيسية تستدعي إيلاء اهتمام منهجي أكثر لاعتماد المراقبة البعدية لإنفاذ القوانين، أو التقييم اللاحق للتشريعات، ويتعلق الأمر ب:
 1 -   التحقق من أن القوانين تجدي نفعا على النحو المنشود في أرض الواقع.
 2 -  المساهمة في تحسين الأحكام المعمول بها (التشريعات الثانوية).
 3 -   التركيز على تنفيذ وتحقيق الأهداف السياسية.
4 -  تحديد الممارسات السليمة وتعميمها حتى يتسنى استخلاص الدروس المستفادة من جوانب النجاح والفشل التي كشف عنها هذا العمل الرقابي.
     وعلاوة على ذلك، تشكل مراقبة إنفاذ القوانين آلية هامة يمكن من خلالها تحديد الأثار السلبية المحتملة للتشريعات الجديدة على الحقوق الأساسية والحيلولة دون وقوعها[11].
 
 
  • دراسة الأثر.. وتقييم السياسات العمومية:
 
     لا تتعلق السياسة العمومية بالدولة في حد ذاتها، بل بما تنتجه وتقوم به عبر مؤسساتها الدستورية ،التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومن هذا المنطلق، لا يمكن الحديث عن أي سياسة عامة دون وجود فاعلين يعطون تصورا معينا للمشكل، ويتفاعلون حوله لإيجاد الحلول المناسبة من أجل تحقيق النجاعة والفعالية على مستوى الفعل والتدخل العمومية.
    فعندما تقــرر الحكومــة أن تتصــرف، فإنهــا عــادة مــا تتوفــر علــى أربعـة عناصـر رئيسـية للتدخـل، تسـتعمل لتغيـر سـلوك شـخص طبيعـي أواعتبــاري[12]، فإلى جانب العنصــر الإخبــاري والعنصـر المالي والعنصــر التنظيـمـي يعتبر العنصر التشريعي أحد أهم هذه العناصر.
     لذا فإن السياسات التشريعية عامة تحتل موقعا مهما واستراتيجيا داخل النسق السياسي عموما، والوسط القراري على وجه التحديد، اعتبارا لكون مناسبة مناقشة النصوص التشريعية الهادفة إلى صنع سياسة عمومية معينة تكون فرصة لبسط تمثلات وتصورات وقناعات أعضاء البرلمان - كفاعلين مركزيين في صنع السياسات العمومية وتقييمها - حول المشكل والحلول الناجعة والكفيلة بمواجهته.
    ولهذه الغاية فإننا نعتبر أن دراسة الأثر المفروض إرفاقها بمشاريع القوانين لا يقتصر دورها فقط على تجويد النصوص القانونية وتحسينها، بل تكتسي أهمية بالغة في مرحلتي مساهمة البرلمان في صنع سياسة عمومية معينة وتقييمها. 
    وانطلاقا من كون القوانـيـن تعبــر عــن مجــال مــن مجــالات السياســة العامــة، فإن كل مراحل صناعتها وتقييمها تتطلب الاسترشاد والاستناد إلى دراسة معمقة تجيب عن الإشكالات المرتبطة بتأثيرات السياسات العامة على مختلف فئات المجتمع.
    دراسة تتضمن المؤشرات التي اعتمدتها الجهة صاحبة النص، لقياس التأثيرات المفترضة لهذه السياسة العمومية على الحقل الاجتماعي والاقتصادي الذي تتم داخله، بما يحقق التنسيق والتجانس بين مختلف السياسات العامة للدولة.
    إن تقييم سياسة عمومية معينة يتطلب إلى جانب ما سبق ذكره سالفا، الإطلاع على جميع الفرضيات والتوقعات، ومصادر التمويل والتوثيق، والإحصاء، والتقارير، والمعطيات المستند إليها في دراسة الأثر لتبرير التدخل العمومي، وكذا الدوافع والمبررات الواقعية والقانونية التي أوجبت هذا التدخل.
  ولعل من أبرز ما تحققه دراسة الأثر من فوائد بالنسبة لمجال تقييم السياسات العمومية، كونها تساعد على تحليل الأسئلة التقييمية، وما إن كانت الدراسة قد أخذت بعين الاعتبار مدى تلاؤم النص مع الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية والسياسة للفضاء التي تمت داخله، والبحث فيما إن كان هناك توازن بين الفوائد والتكاليف، وخيط ناظم بين الخيارات الممكنة والخيارات المتخذة خلال مرحلتي بلورة وصياغة وتنفيذ السياسة العمومية.
 
  • دراسة الأثر.. وتقييم مخاطر الأمن القانوني:
 
    
لم تعد فكرة الأمن القانوني - في مفهومها الضيق-  كفكرة دستورية نشأت من حاجة المجتمع إلى توفير الأمن وحماية أصحاب المراكز القانونية، من خلال إصدار تشريعات متطابقة مع الدستور ومتوافقة مع مبدأ القانون والعدالة فقط، بل تطورت فكرة الأمن القانوني لتصبح مرتبطة بشكل أكبر بثبات واستقرار القوانين وعدم تضخمها، وإشعاع الثقة والطمأنينة بين أطراف العلاقات القانونية، غاياتها سن نصوص تتسم بالوضوخ في قواعدها ويسهل فهمها.
  وفي هذا السياق فإن الإجابة عن الأسئلة المحورية التي تثار عند إعداد دراسة أثر التشريعات، والمتعلقة أساسا بجودة النص التشريعي موضوع الدراسة وصلاحيته للتطبيق، ومدى قابليته للتوقع ووضوح قواعده القانونية، وما إن كان هذا الأخير سيحقق نتائج واضحة تكون أكثر قبولا من قبل كافة الأطراف المعنية به، تعتبر أحد أهم أسس ودعامات تقييم مخاطر الأمن القانوني، والحد منها قدرالإمكان، حتى لا تكون القوانين موضوع تعديلات متكررة وبالتالي تصبح مصدر قلق وخطرمتزايد على المجتمع عامة والمخاطبين بأحكامها بشكل خاص، سواء كانوا أشخاصا طبيعيين أواعتباريين.
    ولا شك أن إعداد دراسة معمقة تتضمن كيفيات تطبيق المقتضيات المزمع سنها، والنصوص التشريعية والتنظيمية التي يجب إلغاؤها أو تغييرها أو تتميمها، وكذا الأحكام الانتقالية المقترحة، وتحديد آجال إصدار النصوص التنظيمية، بالاضافة إلى ملاءمة مشروع القانون مع التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، سيساهم في تحقيق نوع من الثبات والاستقرار النسبي للقوانين، مما يتيح إمكانية تحقيق الاسقرار القانوني واستقرار الاجتهادات القضائية كمرتكزات لمبدإ الأمن القانوني، وبالتالي ضمان السلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

دراسة الأثر.. و النموذج التنموي الجديد:

إن اختيار الملك " في مناسبتين" للبرلمان، بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، الأولى، للإعلان والدعوة لصياغة وبلورة نموذج تنموي جديد[13] ، والثانية، لتجديد التأكيد على أهمية هذا النموذج[14] يحمل العديد من الدلالات، ولعل أهمها، أهمية الأدوار الملقاة على عاتق المؤسسة التشريعية في هذا الورش التنموي، إلى جانب الحكومة والمؤسسات الدستورية والأحزاب السياسية والمجتمع المدني والمؤسسات والمقاولات المومية

  إن التأكيد على دور البرلمان في هذا الورش الكبير، نلامسه أيضا في الرسالة التي وجهها العاهل المغربي إلى المنتدى البرلماني الثالث للعدالة الإجتماعية[15]، حيث قال:

"إننا نتوخى من الدعوة إلى مراجعة هذا النموذج أكثر من مجرد إصلاحات قطاعية معزولة، أو إعادة ترتيب بعض الأوراش الاقتصادية والبرامج الاجتماعية؛ وإنما نتطلع إلى بلورة رؤية مندمجة للنموذج السياسي والاقتصادي والاجتماعي ببلادنا، ولمنظومة الحكامة المركزية والترابية، في كل أبعادها، بما في ذلك المنظومة القانونية التي تؤطره؛ رؤية كفيلة بإعطائه دفعة قوية، وتجاوز العراقيل التي تعيق تطوره، ومعالجة نقط الضعف والاختلالات، التي أبانت عنها التجربة".

 ومن هذا المنطق فلا يمكن الحديث عن صياغة وبلورة، أو تنزيل نموذج تنموي متكامل ومستدام، دون الوقوف عند أعطاب النموذج التنموي الحالي، ودون تقييم أثر الفعل العمومي والسياسات العمومية، ودون التقييم المرحلي لنتائج هذا النموذج، من أجل تقويم الإخفاقات وتثمين المكتسبات وترصيدها، وهي اختصاصات ووظائف خصها الدستور للبرلمان بغرفتيه[16].

    كما لا يمكن تنزيل مرتكزات النمودج التنموي كما عبر عنها الملك، إلا انطلاقا من مراجعة المنظومة القانونية الحالية - بما يضمن نصوص قانونية محينة، واقعية، وقابلة للتنفيذ - من جهة، ومن جهة أخرى اعتماد آلية إعداد دراسة الأثر بالنسبة للنصوص التشريعية المستقبلية، بما يضمن احترام قواعد الصياغة الجيدة من حيث المضمون والمسطرة، وإعداد النصوص التطبيقية بالموازاة مع إعداد النصوص التي تحال للمصادقة، على اعتبار أن التأخر أو عدم إصدار المراسيم التطيقية يؤخر ويعطل المفعول الحقيقي للقانون، وبالتالي عدم بلوغ أهذاف النموذج التنموي الجديد ، كما هو الحال بالنسبة للتأخر الذي شهدته عملية إصدار المراسيم التطبيقية المتعلقة بالجهات، مما أثر على اختصاصاتها الذاتية والمنقولة، وإشكالية توفير الظروف الملائمة لعملية الأمر بالصرف، ومشكل ميزانية الاستثمار وكذا مرسوم التنمية الجهوية.

    إن إعداد دراسة معمقة لللآثار المتوقعة من التشريعات وفق مقاربة تشاركية تشمل جميع الأطراف، وانطلاقا من رؤية وتصور واضح يستوعب مضامين التوجيهات الملكية، ويتضمن مخرجات اللجنة الخاصة بإعداد بالنموذج التنموي الجديد، ثم إرفاقها بالنصوص التشريعية قصد الاستعانة بها أثناء المناقشة واتخاذ القرار، سيمكن دون شك من عقلنة تدبير الزمن التشريعي، وإنتاج قواعد قانونية قادرة على تنزيل الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والادارية والمجالية….تنزيلا سليما، وبناء علاقات اقتصادية واجتماعية جديد في إطار تعاقد جديد.

    إن أهم التحديات الملقاة على عاتق صانعي التشريع بالمغرب، باعتباره وسيلة من وسائل تنظيم السلوك الإنساني، هو جعل مجال تعديل وتطور القوانين عامة، وتلك التي لها ارتباط بالأنشطة الممتدة في الزمن على وجه الخصوص، بعيدة عن الاضطراب والصدمات والمفاجآت التي تؤدي إلى عدم الثقة في الدولة والمؤسسات وقوانينها، وعدم الالتزام الطوعي بالقيود والضوابط  التي يفرضها القانون.

     وعلى ضوء كل هذه الاعتبارات، فإن مطلب توسيع مجال مشاريع القوانين التي تستلزم إعداد دراسة الأثر بشأنها، وإخضاع هذه الدراسة لقوة الإلزام – في انتظار دسترتها،  نجده حاضرا في البلاغات التي تلي اجتماعات مكتب مجلس النواب واجتماعات رئيس مجلس النواب مع رؤساء الفرق النيابية وروساء اللجان النيابية الدائمة، التي ظلت تطالب الحكومة بإعطاء هذا الموضوع الأهمية التي يستحقها.

   كما نجد أن مطلب، تمكين البرلمان من جميع الآليات المسطرية والموضوعية التي تهدف إلى الرفع من أدائه - كما هو الشأن بالنسبة لدراسة الأثر - سيشكل مدخلا لفتح نقاش دستوري ومؤسساتي، ليس فقط حول حدود العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، فيما يتعلق بممارسة السلطة التشريعية كما نص على ذلك دستور2011، بل أيضا حول الاستقلال المالي للبرلمان، والتحررمن بعض قيود العقلنة البرلمانية، وإعادة قراءة الفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور في إطار بناء إطار جديد للعلاقة بين المؤسسات، بما يضمن تقوية مكانة البرلمان في النظام السياسي المغربي، ويتلاءم مع الحيز الهام الذي يشغله البرلمان في هندسة الوثيقة الدستورية.      
 
 
 
 
 
الهوامش
[1]  منظمة دولية تهدف إلى التنمية الإقتصادية وإلى إنعاش التبادلات التجارية. تتكون المنظمة من مجموعة من البلدان المتقدمة التي تقبل مبادئ 
الديمقراطية التمثيلية واقتصاد 
السوق الحر، وتستخدم جميع دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تقريبًا تحليل الأثر التشريعي. .
[2] علال فالي،صناعة النصوص القانونية،إشكالات الاختصاص والصياغة، الطبعة الأولى، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط،سنة2018 ،ص.341
[3]   قبل دسترة دراسة أثر التثريعات، أصدر alain juppe منشور رقم 293.4 يلزم كل القطاعات الوزارية بإعداد دراسة حول التأثير المترتب عن مشروع قانون أو مرسوم، وعرضها على مجلس الدولة بهدف الحد من تدفق النصوص التشريعية والتنظيمية، حيث جاء في المنشور المذكور  " أصبحت اليوم تجعل القانون غامضا وغير مستقل، بل وغير عادل "
[4]  الفصل 89 من دستور 2011.
[5]  الفصل 87 من دستور 2011  .
 [6]  مرسوم رقم 2.17.585  ،صادربالجريدة الرسمية عدد 6815، في ربيع الأول 1439 (بتاريخ 23 نونبر2017).
[7]  الدليل العام حول دراسة الأثر للنصوص التشريعية، الطبعة الأولى،2015.
[8] المرجع السابق،ص 21.
[9]  النظام الداخلي لمجلس النواب، بعد صدور قرار المحكمة الدستورية رقم 17- 65 بتلريخ 30 أكتوبر 2017.
 [10] النطام الداخلي لمجلس النواب،المادة 351 ، "يحدث مركز برلماني للأبحاث والدراسات بقرار من مكتب مجلس النواب، ويقوم هذا المركز بتدعيم الأداء البرلماني من خلال المساهمة في تعزيز دور مجلس النواب بالقيام بمهامه التشريعية والرقابية الدستورية".
 
[11]  ورشة عمل إقليمية حول: المراقبة البعدية لإنفاذ القوانين المراعية للنوع، مجلس النواب 6-7 فبرلير 2019
[12]  منشورات مجلس النواب، الإطار المرجعي لتقييم السياسات العمومية ، ص 52
[13]  الخطاب الملكي أمام أعضاء مجلسي البرلمان، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية العاشرة ، الجمعة 13 أكتوبر 2017.
[14]  الخطاب الملكي أمام أعضاء مجلسي البرلمان، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية العاشرة ، الجمعة 12 أكتوبر 2018.
[15]  رسالة ملكية موجهة للمشاركين في أشغال المنتدى البرلماني الدولي الثالث للعدالة الاجتماعية، الذي ينظمه مجلس المستشارين تحت شعار "رهانات العدالة الاجتماعية والمجالية ومقومات النموذج التنموي الجديد"، 19 فبراير 2018.
[16]  الفصل 7
 

الاثنين 2 سبتمبر 2019


تعليق جديد
Twitter