Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



قراءة نقدية في قانون الأحزاب السياسية بالمغرب


     


إنجاز الباحث سعيد شكاك



قراءة نقدية في قانون الأحزاب السياسية بالمغرب
إن من أهم المسلمات التي لا تقبل الجدال هو كون الديمقراطية أحدث المبادئ الاجتماعية و السياسية التي تسعى النظم إلى تحقيقها و ترسيخها عبر تكريس تجلياتها, ومن بين هذه التجليات وجود أحزاب سياسية، هذه الأخيرة التي اقتربت نشأتها و تطورها بتطور واقع الديمقراطية كفلسفة للحكم داخل المنظومات الحديثة التي و بتبنيها النمط الديمقراطي حرصت على بلورة أسسه و تجسيدها على أرض الواقع و بالتالي بلورة العمل الحزبي كأحد مقومات الدينامية السياسية و الديمقراطية.

تلعب الأحزاب السياسية في المجتمعات التي تسير وفق نهج ديمقراطي أهمية بالغة في العمل السياسي والاجتماعي، حيث يكفلها الدستور والقوانين المنظمة المرجعية الصلبة لممارسة الديمقراطية ويؤمن لها حرية الرأي والتعبير عن أفكارها، والعمل عن تنفيذ برامجها على الوجه الأحسن، من خلال منافسة قوية بينها في أفق تدبير وتسيير وصنع القرارات التي تتفق وبرامجها المدروسة بدقة تبعا لتوجهاتها وبعد انتخابات نزيهة.

وهكذا لا يمكن تصور الأحزاب السياسية إلا تنظيمات لها أهداف وطموحات سياسية وفكرية معينة، فهي تعبير عن طبقة أو مجموعة طبقات معينة، تجمعها محددات وقواسم مشتركة تشكل البرنامج السياسي المعبر عن مشروعها المجتمعي .

وفكرة الأحزاب السياسية يعود صدورها إلى القرن التاسع عشر، ويذهب موريس دوفيرجيه إلى القول بأن نشأة الأحزاب السياسية معروفة قبل ذلك، لكن مهما يكن، فإن فكرة الأحزاب السياسية حديثة نسبيا.

أما المغرب فلم يكن يعرف الأحزاب السياسية، حيث كان المجتمع المغربي يستمد شرعيته التاريخية من التنظيم الداخلي للقبيلة وفي علاقتها مع السلطة المركزية.
وفي فترة الحماية أحدثت النخبة الوطنية تنظيما سريا في 23 غشت 1930 هو بمثابة النواة الأولى لميلاد الحزبية في المغرب،ثم أحدث الحزب الوطني الذي خرج من رحم الحركة الوطنية سنة 1937 الذي سيتحول فيما بعد إلى حزب الاستقلال (1943)، حينها تأسست مجموعة من الأحزاب السياسية، وكرست الدولة المغربية المستقلة هذا الاتجاه ليؤكده دستور 1962، حيث عرف المغرب تعددية حزبية ينظمها ظهير 15 نونبر 1958 بشأن تنظيم الجمعيات والمعدل في 10 أبريل 1973، ثم في 2002، وهو قانون يعطي هامشا من الحرية في تأسيس الأحزاب السياسية وفقا لنظام الإخطار وليس الترخيص،لكن رغم هذا وذاك فإن السلطة كانت تعرقل هذه التأسيسات، وكانت تعمل على تأسيس أحزاب هدفها المنافسة في الانتخابات وفق خرائط مسبقة.

ويعتبر قانون الأحزاب السياسية لسنة 2006 من أبرز القوانين التي أثارت جدلا سياسيا قويا تترجمه بلورة صياغة ثلاث مسودات، وهو جدل لم يأت من فراغ بل جاء نتيجة لتحولات دولية قوية تأثر بها المغرب ومتغيرات أخرى متعددة قادت إلى ضرورة إعادة النظر في المشهد الحزبي.ولقد جاء قانون الأحزاب السياسية كنتاج للإكراهات الداخلية المتمثلة أساسا في بروز اختلالات تعتري المشهد الحزبي بالمغرب الراهن يتمحور أولها حول سيادة منطق الاستنقاع الحزبي، وثانيهما في تفشي معالم الضبابية في التسيير والتدبير وثالثهما في استفحال آفة التماثل الإيديولوجي الأمر الذي انعكس سلبا على مستوى تأطير المواطنين نتج عنه تسجيل ضعف ملحوظ في حجم المشاركة السياسية بشكل أمسي يهدد المجتمع برمته بإمكانية الانتقال من المشاركة السياسية غير الاعتيادية تتجلى في بروز إرهاصات للعنف الاجتماعي وسيادة منطق الإرهاب.إلى جانب العوامل السالفة الذكر فقد جاء قانون الأحزاب في إطار الإصلاحات السياسية الكبرى التي انخرط فيها المغرب في مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والرامية إلى الاستجابة لانتظارات المشهد السياسي المغربي بكل أطيافه في سياق إعادة الهيكلة للحقل الحزبي .إلا أن قانون الأحزاب برزت فيه عدة اختلالات وتناقضات سنقف على أهمها، ما جعل المشرع المغربي يضع مشروع قانون جديد للأحزاب، وقد تسلمت مسودته الأحزاب السياسية المعد من طرف وزارة الداخلية لتقول كلمتها.

فما هي أهم ايجابيات وسلبيات قانون الأحزاب السياسية؟ وماهي المبادئ الديمقراطية التي جاء القانون لترسيخها داخل الأوساط الحزبية ؟
وماذا عن قانون الأحزاب الجديد ؟هل يمكن اعتباره قانون إصلاح يستجيب لمختلف الفئات؟

وللإجابة عن هذه التساؤلات نقترح التصميم التالي:
المبحث الأول: تأسيس الأحزاب السياسية المغربية
المطلب الأول: الأسباب المبطلة لتأسيس الأحزاب
المطلب الثاني: مسطرة التأسيس وشروط الانضمام
المبحث الثاني: تمويل الأحزاب السياسية وإشكالية الرقابة
المطلب الأول: تمويل الأحزاب السياسية
المطلب الثاني: آليات مراقبة تمويل الأحزاب
المبحث الثالث: قراءة في مشروع قانون الأحزاب السياسية

المبحث الأول: تأسيس الأحزاب السياسية


تنص المادة 3 من قانون 04-36 "تؤسس الأحزاب السياسية وتمارس أنشطتها بكل حرية وفقا لدستور المملكة وطبقا لأحكام هذا القانون" .
إن الأصل في تأسيس الأحزاب السياسية وحسب هذه المادة هو الحرية التي لا يحدها إلا الدستور والقانون المنظم لهذه الحرية ألا وهو قانون الأحزاب الذي ينظم شروط التأسيس وكذا الانضمام لأي حزب سياسي كما يحدد التزامات هذا الحزب و الحقوق التي يتمتع بها في إطار من الرقابة الشفافة من قبل السلطات المختصة وتحث إشراف القضاء وذلك كله من أجل وضع تنظيم سياسي يتجه نحو التنافس في طرح برامج حكومية واقعية ويفرز نخبة مؤهلة وبرامج ملموسة ومحددة الأهداف والوسائل، وأن يتكامل مع المنظمات والمجتمع المدني وأن يقوم بأدوار منها تعزيز سلطة الدولة وتوفير مناخ الثقة في المؤسسات وكذا أحزاب تنبثق عنها أقطاب قوية متمايزة في رؤاها الواضحة وترسم خارطة سياسية واضحة... تتيح وفق نتائج الاقتراع إناطة المسؤولية الحكومية بأغلبية برلمانية منسجمة في برامجها وقطبيها على أن تقوم الأقلية بدور المعارضة البرلمانية البناءة . إن قانون الأحزاب بهذا المعنى جاء ليكرس مبدأ الديمقراطية الحقة التي لن تكون ممكنة إلا بوجود أحزاب سياسية قوية قائمة على أسس ديمقراطية مستمدة شرعيتها القانونية من مشروعيتها الديمقراطية محترمة الدستور باعتباره أعلى وثيقة قانونية في الدولة، والقانون باعتباره أسمى تعبير عن إرادة الأمة والإطار الشرعي والقانوني للقيام بأي نشاط سياسي هادف إلى تنشيط الحقل السياسي العام.

المطلب الأول: الأسباب المبطلة لتأسيس الأحزاب


لما كان تأهيل البلاد ودمقرطتها يحتاج إلى تأهيل الأحزاب ودمقرطتها فإن قانون الأحزاب السياسية جاء ليكرس هذه الدمقرطة على مستوى التأسيس من جهة حيث وضع مقتضيات متعلقة بمسطرة تأسيس الأحزاب السياسية وأخرى مرتبطة بشروط الانضمام إلى حزب سياسي، كما جاء القانون بمقتضيات تحدد التزامات الحزب وواجباته، وفي المقابل، الحقوق التي يتمتع بها هذا الأخير، ذلك أن هذه المقتضيات تضع المبادئ الأولية لقيام الأحزاب السياسية على أسس ديمقراطية محترمة بذلك الدستور والقانون وكذا مقدسات المملكة المغربية حيث أثارت المادة الرابعة من القانون نقاشا واسعا نظرا لطبيعتها "إبطال التأسيس" ولتناقضها مع مقتضيات الدستور . علما أن الفقرة الأولى لا تثير أي إشكال جوهري على اعتبار أن الأمر يتعلق باحترام ثوابت الأمة، وقد نصت المادة الرابعة على مايلي: "يعتبر باطلا وعديم المفعول كل تأسيس لحزب سياسي يرتكز على دافع أو غاية مخالفة لأحكام الدستور أو القوانين أو يهدف إلى المس بالدين الإسلامي أو بالنظام الملكي أو بالوحدة الترابية للمملكة".
رغم ذلك، فإن هذه المادة تثير بعض الملاحظات منها مايلي:
1- "إبطال التأسيس" بمعنى إبطال الحزب واعتباره عديم المفعول بعد التأسيس لأنه لا وجود أساسا لحزب قبل ذلك يمكن إبطاله، إذ لا يمكن إبطال العدم وهي مسألة بالغة الأهمية لأنه ليس من السهل وضع حد لنشاط حزب ربما يكون قد عرف انتشارا واسعا.
2- ينص هذا القانون في المادة(8) على وضع ملف يتضمن وثائق كثيرة من بينها ثلاثة نسخ من مشروع النظام الأساسي، ولا يمكن لوزارة الداخلية أن تسلم للحزب التصريح بالتأسيس إلا بعد الإطلاع، والتأكد من مطابقة محتويات الملف لشروط وإجراءات التأسيس تبعا لأحكام هذا القانون، ومن بينها مدى احترام مقتضيات المادة الرابعة، فإذا تبين أن النظام الأساسي للحزب لا يحترم هذه المقتضيات، كأن ينص على عدم احترام أسس البلاد أو دستورها، فطبيعي أن وزارة الداخلية لن تسلم التصريح بالتأسيس وليس الإبطال.
3- ويلاحظ أن فيها نوع من الحشو، فالقول بإبطال تأسيس الحزب السياسي إذا كان يرتكز على دافع أو غاية مخالفة للدستور والقوانين تكفي، أما التأكيد على احترام المقدسات الثلاث فهو من باب تحصيل الحاصل مادام دستور المملكة يقرها، بل إن الأصل هو احترام مقتضيات الدستور حتى ولو لم يشر القانون إلى ذلك.
لكن الإشكال الذي يطرح هو سوء التأويل الذي قد يطال بعض المفاهيم عند مطالبة بعض الأحزاب ببعض التغييرات أو تعديل الدستور مثلا، كالمطالبة بنظام الملكية البرلمانية كما هو الشأن بالنسبة للنظام البريطاني .
هنا لا جدال في الملكية لكن المطالبة تنصب على التغيير إلى نظام الملكية البرلمانية، وفيما يخص الوحدة الترابية مثلا، هل تعتبر المطالبة بالحكم الذاتي الموسع للأقاليم الصحراوية مسا بالوحدة الترابية أو المطالبة بفصل الشأن الديني عن الشأن السياسي وغيرها من الأمثلة التي قد تثير سوء التأويل.
أما الفقرة الثانية من المادة الرابعة التي تقول:
"يعتبر باطلا وعديم المفعول كل تأسيس لحزب سياسي يرتكز على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي أو يقوم بكيفية عامة على أساس تمييزي أو مخالف لحقوق الإنسان" هذه الفقرة حمالة أوجه وتفصح عن تناقض بين، يتمثل في الآتي:
التركيز على أساس ديني: هل يريد القانون فرض الاتجاه العلماني على الأحزاب؟ والحال أن دستور المملكة يقر بأن الإسلام هو دين المملكة وأن المملكة المغربية دولة إسلامية وتضمن لكل فرد حرية ممارسة شؤونه الدينية، هل المطالبة بنظام الزكاة عوض الضرائب و المكوس يؤول إلى التأسيس على أساس ديني؟ أو مطالبة حزب سياسي بمنع بيع الخمر والقمار وهي من المحرمات تؤول كذلك؟ والإسلام كدين الدولة يحرم الخمر والقمار، فالنص جاء عاما وغامضا وصياغته تفتح باب التأويلات، وحتى إن لم تنص أنظمة الأحزاب السياسية على هذا الأساس، فإن أشغالها ومطالبها قد تنطلق منه، لكون الدين أهم رافد ثقافي يرتكز عليه الفرد، بل ما المانع إذا نصت في أنظمتها على ذلك تماشيا مع مقتضيات الدستور، كما جاء ببعض القوانين العربية.
أما في ما يخص الارتكاز على أساس جهوي، يلاحظ أن هذا يتناقض مع التقسيم الذي عرفته البلاد إلى جهات وإلى الإرادة الملكية في إقامة حكم ذاتي بالمناطق الجنوبية للمملكة اعترافا لها بخصوصيتها .

المطلب الثاني: مسطرة التأسيس وشروط الانضمام

إذا كان الحزب من الوسائل أو الأدوات الأساسية التي تضمن ممارسة الديمقراطية وكذا ممارسة الحرية السياسية فإن تقنينه ووضعه في إطاره القانوني يمكن أن يضمن فعالية هذه الممارسة، ولاعتبار تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية وضع عدة مقتضيات تؤطر تأسيس الأحزاب السياسية وكذا تحدد الطريقة الواجب إتباعها لممارسة هذا الحق الدستوري، حيث نجد أنه قد خصص بابا بكامله لمقتضيات التأسيس والمسطرة المتبعة في ذلك إضافة إلى شروط الانضمام إلى الحزب السياسي من قبل الراغبين.
ويشتمل هذا الباب على المواد من 7 إلى 20: وتتضمن هذه المواد الحديث عن الشروط التي يجب توفرها في الأعضاء المؤسسين والمسيرين (م7) وعن محتويات ملف طلب التأسيس (م 8) وعن المطالبة الصادرة عن السلطة بتسوية ملف التأسيس المقدم لها وعن رفضها للتأسيس (م 9)، وعن نشر مستخرج لطلب التأسيس في الجريدة الرسمية في حالة توفر ملف طلب التأسيس على كافة الشروط القانونية (م10) وعن ما يترتب على عدم انعقاد المؤتمر التأسيسي داخل سنة من تاريخ نشر المستخرج (م11) وعن التصريح بعقد المؤتمر التأسيسي وأجل هذا التصريح (م12)، وعن عدد المؤتمرين المؤسسين ومهام المؤتمر(م13) وعن اختتام المؤتمر ومحتويات ملف المؤتمر الذي يجب إيداعه لدى وزارة الداخلية (م14)، وعن متى يعتبر الحزب مؤسسا بصفة قانونية (م15)، وعن حقوق الحزب المؤسس بكيفية قانونية (م16) وعن التصريح بالتغيير الذي قد يلحق رمز الحزب ونظامه الداخلي وبرنامجه (م17) وعن التغيير الذي قد يلحق المسيرين والأجهزة والعنوان (م18)،وعن التصريح بإحداث تنظيمات حزبية على المستوى الجهوي والإقليمي والمحلي(م19)، وعن تشكيل الاتحادات والفيدراليات بين الأحزاب (م20)، ويلاحظ بالنسبة لهذا الباب مايلي:
إن من بين الشروط التي يجب توفرها في المؤسسين والمسيرين للحزب أن يكونوا مسجلين في اللوائح الانتخابية العامة (م7) الأمر يعتبر مسا بحرية الرأي المرتبطة بحق التسجيل أو عدم التسجيل في اللوائح الانتخابية العامة
لقد وضع القانون العديد من التقييدات القانونية، لتأسيس الأحزاب الجديدة حدت بشكل كبير بحرية التنظيم، ويستحيل معها تأسيس حزب حقيقي وفق الشروط القانونية التي تضمنها المشروع، كاشتراط تقديم تصريح مكتوب يحمل توقيعات مصادق عليها ل 300 عضو مؤسس على الأقل، وأن يلتزم الموقعون بمقتضى هذا التصريح بعقد مؤتمر التأسيس للحزب داخل أجل سنة على أبعد تقدير ابتداء من تاريخ نشر مستخرج طلب تأسيس الحزب بالجريدة الرسمية، وأن يكون هؤلاء موزعين على نصف جهات المملكة على الأقل شرط ألا يقل عدد الأعضاء المؤسسين في كل جهة عن 5 في المائة من مجموع عدد الأعضاء المؤسسين المطلوب قانونا (م8) ولا يعتبر اجتماع المؤتمر صحيحا إلا إذا حضره 500 مؤتمر على الأقل (م13).
ومن خلال قراءة متأنية لهذه الأرقام يتبين بأنها شروط تعجيزية، لأنه يصعب توفير هذا الكم الهائل من المؤسسين وجمع تصريحاتهم من نصف جهات المملكة، وأن لا يقل عدد الأعضاء المؤسسين في كل جهة عن 5 في المائة، هذا إضافة إلى بقية الشروط الشبه مستحيلة كاشتراط تسجيلهم في اللوائح الانتخابية .
هذا إضافة إلى كثرة الشكليات والإجراءات المعقدة ووفرة الآجال والمدد ،سواء تعلق الأمر بتأسيس حزب سياسي أو اتحاد الأحزاب السياسية أو اندماجها، ناهيك عن حضور السلطة التنفيذية بقوة في شخص وزارة الداخلية إضافة وإلى إمكانية حل الحزب بموجب مرسوم (م57)، بل إن هذا القانون يضع هندسة لتسيير الأحزاب السياسية من خلال المواد من 20 إلى 27 التي تنص بصفة الوجوب على ما يجب أن تتضمنه الأنظمة الأساسية لهذه الأحزاب، وهو نوع من المس باستقلاليتها في تسيير شؤونها الداخلية، كوجوب النص على نسبة النساء والشباب في الأجهزة المسيرة للحزب مثلا، ومن هذا المنطلق فإن تأسيس حزب سياسي وفق هذا القانون أصبح مسألة عسيرة وتعرف ترخيصين:
الترخيص الأول: وتنص عليه المادتان التاسعة والعاشرة، ففيما يخص المادة التاسعة تعطي فيه السلطة التقديرية لوزير الداخلية لاستنتاج مدى مطابقة شروط وإجراءات تأسيس الحزب لأحكام هذا القانون. وهذا قرار أولي، فإذا لم يكن كذلك فإنه يطلب من المحكمة الإدارية بالرباط برفض تصريح التأسيس، وهذا قرار قضائي ثاني.
أما المادة العاشرة، فتعطي الحق لوزير الداخلية في توجيه إشعار لم تبين المادة محتواه، لكنه ربما يتعلق بتصريح التأسيس.
من خلال المادتين يتبين حضور وزير الداخلية في أخد قرار التصريح بالتأسيس أو الالتجاء للقضاء الإداري برفض هذا التصريح.
بمعنى أن هناك مرحلة أولى للترخيص، وتأتي المرحلة الثانية، أو الترخيص الثاني
الترخيص الثاني: وتنص عليه المواد 11،12،13،14،15.
والملاحظ أن هذا التصريح هو نوع من الترخيص بالتأسيس، لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، لأن ذلك مرتبط بانعقاد المؤتمر التأسيسي للحزب داخل أجل سنة على أبعد تقدير (م11). بعد عقد المؤتمر الذي يخضع لإجراءات تنتهي بوضع ملف لدى وزارة الداخلية مقابل وصل، إلى غيرها من الإجراءات، حينها يمكن القول بأن الحزب أصبح مؤسسا بصفة قانونية بعد انصرام أجل 30 يوما تبتدئ من تاريخ إيداع الملف، إذا لم يقدم وزير الداخلية إلى المحكمة الإدارية بالرباط طلب بإبطال التأسيس، وهي سلطة تقديرية خولها المشرع لوزير الداخلية الذي بيده الحل والعقد في تأسيس الأحزاب السياسية، إما بتأسيسها أو إحالتها على القضاء الإداري بالرباط بطلب رفض تصريح التأسيس أو إبطاله وهذان الطلبان يوقفان التنفيذ.
فهل هذا التعقيد وضع للحد من تناسل الأحزاب السياسية للأحزاب؟ أم لتأهيلها للقيام بواجبها؟
وتجدر الإشارة إلى أن بعض الأشخاص يحضر عليهم الانخراط في الأحزاب السياسية وهذا ما رفضته جمعية حقوق الإنسان في مذكرتها حول قانون الأحزاب، حيث أنها عارضت حرمان قانون04-36 عددا من الفئات من الانخراط في الأحزاب السياسية واعتبرته بذلك قانونا غير ديمقراطي ولا يخدم تطوير الحياة السياسية لكونه نص وفي مادته السادسة على أنه " لا يمكن أن ينخرط في الحزب السياسي:
- العسكريون العاملون في جميع الرتب ومأمورو القوة العمومية
- القضاة وقضاة المجلس الأعلى للحسابات وقضاة المجالس الجهوية للحسابات وحكام الجماعات والمقاطعات ونوابهم.
- رجال السلطة وأعوان السلطة
- الأشخاص الآخرون المشار إليهم أعلاه الذين لا يستفيدون من الحق النقابي عملا بالمرسوم رقم 1465-57-2 الصادر في 15 رجب 1377 (5 أكتوبر 1958) في شأن ممارسة الموظفين الحق النقابي، كما وقع تغييره بالمرسوم الملكي رقم 66-010 بتاريخ 27 جمادى الثانية 139-86 (12 أكتوبر 1966)

المبحث الثاني: تمويل الأحزاب السياسية وإشكالية الرقابة


تعتبر مراقبة المال العام في المؤسسات العمومية إحدى أهم ركائز ترشيد مصاريف التسيير والشفافية، غير أن المشرع المغربي لم يضع قوانين صارمة ومتعددة لضبط تمويل الأحزاب، مما يطرح العديد من التساؤلات.

المطلب الأول: تمويل الأحزاب السياسية


أقر قانون الأحزاب السياسية مبدأ تمويل الأحزاب السياسية في بابه الرابع (المواد من 28 إلى 40)،حيث حددت المادة(28) مصادر تمويل الحزب التي يمكن تقسيمها إلى موارد عمومية وعائدات مرتبطة بأنشطة الحزب بالإضافة إلى دعم الدولة، وتتمثل الموارد الذاتية للحزب في واردات الأعضاء المنخرطين، إضافة للموارد المرتبطة بأنشطة الحزب في أبعادها الثقافية والرياضية والتعبوية، والموارد العمومية، وتشمل الهبات والوصايا والتبرعات النقدية أو العينية التي حددت سقفا ماليا يجب أن لا يتجاوز1000,00 درهما بالنسبة لكل متبرع، وهناك دعم الدولة ومساهمتها في تمويل الحملات الانتخابية للأحزاب السياسية وفقا لأحكام مدونة الانتخابات (م 285).
وقد حدد القانون الجديد دعما سنويا للحزب السياسي ضمن قانون المالية في كل سنة (م29). ولضمان استقلالية الأحزاب وتفادي أي تأثير على المسار والخط السياسي للحزب، نص قانون الأحزاب منع تلقي الحزب أي دعم كيفما كانت طبيعته سواء من طرف الجماعات المحلية أو المؤسسات (م30)، أو تأسيسه أو تسييره بناء على مصادر تمويل أجنبية. وقد أثار موضوع تمويل الأحزاب السياسية عدة إشكالية سياسية، وعرف نقاشات حادة وقوية بين الأحزاب السياسية الممثلة بالبرلمان أو غيره الممثلة به
ومن أهم الأسئلة التي طرحت بشدة هو سبب تأخر الدولة في إصدار قانون خاص بتمويل الأحزاب السياسية بدل إدراجه في قانون منظم للأحزاب؟ خصوصا إذا عرفنا أن عددا من الدول الديمقراطية لا يوجد بها قانون للأحزاب السياسية، بل قانون خاص بتمويلها كما هو معمول به اليوم في فرنسا مع تشديد آليات عملية تمويل الأحزاب وغيرها من الدول الغربية. كما نصت قوانينها على تخصيص نسبة مئوية من ميزانية تمويل الأحزاب لتعزيز مؤسسات البحث التابعة للحزب، ولتوفير فضاءات التكوين السياسي ولتقوية التكوين المستمر للموارد البشرية الحزبية، وبهذا زاوجت الأنظمة السالفة الذكر في تمويلها للأحزاب السياسية بين دعم العمل الحزبي الانتخابي ودعم التكوين السياسي وتقوية الفكر المؤسساتي الديمقراطي، مع ربط إصدار قوانين خاصة للأحزاب السياسية أو قوانين خاصة بتمويلها بإصلاحات سياسية ودستورية عميقة مست البعد الاجتماعي والاقتصادي والإعلامي و التدبيري والسلوكي والثقافي، مكنت الأحزاب السياسية من ممارسة العمل السياسي في بيئة سليمة أعطتها المشاركة الشعبية دلالاتها الحقيقية لتفرز بذلك مؤسسات تشريعية وتنفيذية مسئولة أمام الشعب ، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل، أي موقع اتخذه موضوع الأحزاب السياسية في القانون المغربي المتعلق بالأحزاب السياسية؟ (المراقبة الشعبية) لوسائط الاتصال؟ لمجالس المحاسبات؟ وهل زعماء الأحزاب السياسية متوفرين على النزاهة الفكرية والأخلاقية للالتزام بالشفافية في التصريح بالنفقات ؟ وهل الدولة قادرة أن تفرق بين قانونية تمويل الأحزاب السياسية والتدخل في شؤونها ؟ و هل وضع آليات قانونية لتمويل الأحزاب السياسية كاف لترسيخ شفافية التمويل داخل الأحزاب السياسية؟

المطلب الثاني: آليات مراقبة تمويل الأحزاب:


الفرع الأول: إشكالية المراقبة المالية:

إن المشرع من خلال وضعه للقوانين يسعى لضمان وتنظيم الحقوق والحريات الفردية منها والجماعية، لتكون أداة تساعد الأشخاص والهيئات والتنظيمات على المساهمة في تطوير المجتمع والنهوض به، كما أنه وعبر هذه القوانين يضع عدة ضوابط تلزم أولئك الذين وضعت من أجلهم باحترام تطبيق مضامينها .
هذه الضوابط و الآليات غالبا ما تعبر عنها الرقابة التي يفرضها المشرع لضمان مدى تنفيذ القانون الذي أصدره ومدى احترام الملزمين به لمقتضياته، كما أنه ومن ناحية أخرى يحاول ومن خلال المراقبة جس نبض الشارع والرأي العام والتأكد من مدى مسايرة القوانين والتشريعات الصادرة عنه أي المشرع لمواقف هذا الرأي ولتطلعاته وآماله،هل هو موافق على ما يصدر عن المشرع من قوانين وراض عنها أم ناقم معارض لها، كما أنه ومن خلال المراقبة يمكن للمشرع أن يراقب تحركاته وما مدى مسايرته للتغيرات والتمظهرات المجتمعية لكون السلطة وما يرتبط بها خصوصا التشريع أحد التجليات المجتمعية .
ومقارنة مع آليات مراقبة تمويل الأحزاب في عدة دول نجد أن المشرع المغربي لم يضع قوانين صارمة ومتعددة لضبط هذا التمويل، فبغض النظر عن (م33) التي نصت على وضع أموال الحزب باسم الحزب في مؤسسة بنكية وليس باسم الزعيم أو الرئيس، والمادة(34) التي نصت على حصر الأحزاب حساباتها سنويا بشهادة خبير محاسب مقيد في جدول هيئة الخبراء المحاسبين، والمادة(37) التي نصت على تولي المجلس الأعلى للحسابات مراقبة نفقات الأحزاب، نجد أن هذا القانون لم ينص على ضرورة تصريح المرشحين بممتلكاتهم، وفرض عقوبات زجرية صارمة على كل مرشح لم يلتزم بهذا التصريح، وهو الأسلوب المعمول به في عدد من الدول ولم يلزم القانون أيضا الأحزاب تقديم تقارير شهرية وسنوية عن النفقات، لم يحدد أيضا سقف نفقات الانتخابات على الصعيد الوطني، ولا آليات المراقبة الداخلية للأحزاب .
والهدف الأساسي من تقنين الآليات فيما يتعلق بتمويل الأحزاب هو تقوية ضبط تصريف المال العام وترسيخ منهج الشفافية والمحاسبة، وإخضاع نفقات الانتخابات للمراقبة القبلية والبعدية. والأكيد أن تطبيق المراقبة الصارمة على أموال وممتلكات الأحزاب السياسية خصوصا في هذا الوقت بالذات من شأنه إعادة الثقة إلى العمل السياسي، وتدعيم مسار الديمقراطية والاستثمار الجيد للمال العمومي، وترسيخ ثقافة الشفافية والمراقبة والمحاسبة. ومن النقط الايجابية التي جاء بها هذا القانون هو ما تضمنته المادة (40) التي نصت على منع الأحزاب الاستفادة من التمويل العمومي إذا لم تعقد مؤتمراتها خلال خمس سنوات، وهو ما يشكل إطارا قانونيا لإلزام الأحزاب السياسية عقد مؤتمراتها الوطنية في آجالها القانونية لما تمثله المؤتمرات الوطنية من فرص لتجديد النخب السياسية والقيادات وتحيين الأجهزة ومؤسسات الحزب. وفي نفس السياق نؤكد أن المشكل الحقيقي بالمغرب ليس هو إخراج قانون لمراقبة تمويل الأحزاب بل ضرورة توفر الإرادة السياسية عند صناع القرار بتطبيق هذه القوانين وتوفير نزاهة القضاء. وتوفير الموارد البشرية والمادية والتقنية للمجلس الأعلى للحسابات للقيام بهذا الدور بكل استقلالية، واقتناع السياسيين بثقافة الشفافية ووضع حد للانتهازية السياسية والاغتناء السريع وغير الشرعي، ووضع حد لتسيب زعماء الأحزاب في الاستهتار بأموال الشعب. ودون ذلك ستبقى علاقة السياسة بالمال علاقة غامضة ومعقدة وخاضعة لإرادة الفرد وليس لسلطة القانون، وهو ما من شأنه تهديد المسار الديمقراطي بالمغرب.

الفرع الثاني: الجزاءات


العقوبات المشددة قد تصل إلى عشر سنوات في بعض الأحيان تجعل تأسيس حزب سياسي فيه نوع من المجازفة، خصوصا فيما يتعلق بالتأويلات لبعض المصطلحات العامة "كالمس بالنظام العام"، أو "المساهمة بكيفية مباشرة أو غير مباشرة" بل إن نص المادة (54) نفسها فيها خلل وتنص على مايلي:
"كل من ساهم بكيفية مباشرة أو غير مباشرة في الإبقاء على حزب وقع حله طبقا لأحكام هذا القانون، أو ساهم في إعادة تأسيسه يعاقب بالحبس من سنة واحدة إلى خمس سنوات وبغرامة من 20000 إلى 100000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.
تطبق نفس العقوبات على الأشخاص الذين يساعدون على اجتماع أعضاء الحزب الذي وقع حله".
فالتأسيس لا يكون إلا قانونيا وإن لم يكن كذلك، فإن التنظيم الغير مؤسس بصفة غير قانونية يعتبر غير مشروع وغير مؤسس أصلا.

المبحث الثالث: قراءة في مشروع قانون الأحزاب السياسية


قدمت الحكومة إلى البرلمان في دورته الاستثنائية مشروع قانون لتنظيم الأحزاب السياسية من أجل تدارسه وتقديم تعديلات الكتل النيابية قبل المرور إلى المصادقة عليه أو رفضه بحسب مواقف ألوان الطيف السياسي من الأغلبية، ومن المعارضة والممثلة داخل المؤسسة التشريعية.يتضمن مشروع القانون 72 مادة، يأتي في سياق الإصلاحات السياسية التي دخلها المغرب عقب انتهاء الإصلاح الدستوري خلال الصيف الماضي، من أجل معالجة الأورام التي يعانيها المشهد الحزبي من التعددية بإفراط، والترحال السياسي والفساد، وما تسميه الصحافة المغربية بتمييع الفعل الحزبي داخل البلاد ، فالمادة 20 من مشروع القانون التنظيمي، تنص على" من رغب في التخلي عن الانتماء للحزب السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات، يتم تجريده من عضويته في المجالس المنتخبة"، ليس هذا فحسب فخرق هذه المقتضيات يعرض صاحبها سواء كان مرشحا أو حزبا إلى غرامة تتراوح ما بين 20 ألف درهم و 100 ألف درهم.
كما استجاب المشروع لمطالب الحركة النسائية والحقوقية، بخصوص تمكين النساء من ثلث المواقع القيادية في أفق المناصفة ،لهذا سيكون على الأحزاب السياسية أن تتخذ الإجراءات في المستقبل لتمكين النساء على الأقل من ثلث المواقع القيادية ، حيث تنص المادة 26 "يتخد كل حزب سياسي التدابير اللازمة لضمان تمثيلية وازنة للنساء في أجهزته المسيرة وطنيا وجهويا لا تقل عن الثلث، في أفق التحقيق التدريجي لمبدأ المناصفة، ويترك القانون التنظيمي الباب مفتوحا أمام الأحزاب لتحدد النسبة الخاصة بالشباب."وينص مشروع القانون على أن لكل مواطن مغربي ذكر أو أنثى الحق في الانخراط في الأحزاب السياسية عند بلوغ سن 18 سنة.
و فيما يخص تأسيس الأحزاب، فقد حافظ القانون على الحرية في تأسيسها، لكن وضع شروطا على ذلك. وبخلاف قانون الأحزاب الحالي الذي ينص على أن يكون المؤسسون للحزب ينتمون على الأقل لنصف جهات المملكة، فالقانون الجديد وسع من الامتداد الجغرافي للمؤسسين للحزب ليشمل ثلثي جهات المملكة. بلغة الحساب يتحدث أحد الأمناء العامين عن أن عدد الجهات في المغرب سيتقلص، لهذا مثل النصف في القانون السابق مثل الثلثين في القانون الجديد.
وفي ما يخص إشكالية تمويل الأحزاب، فالقانون الجديد خصص حصة جزافية تستفيد منها كل الأحزاب المعترف بها قانونيا، ثم في مستوى ثان ضعف هذه الحصة لمن يحصل على نسبة 3 في المائة وتقل عن 5 في المائة من الأصوات، وحصة أكبر لمن يتجاوز هذا السقف. وللحد من ظاهرة الفساد المالي، جعل القانون الجديد المجلس الأعلى للحسابات الجهة المختصة بافتحاص مالية الأحزاب وتصريحاتها المقدمة، بل ويرتب الجزاء على الأحزاب التي لم تقدم جرد مصاريفها ومداخيلها إلى المجلس على أبعد تقدير في نهاية شهر مارس كل سنة، فهو في البداية يوجه لها إنذارا ثم إذا لم تستجب تفقد حقها في التمويل بمناسبة السنة الموالية، وهذا بخلاف قانون الأحزاب لسنة 2006 الذي لم يكن يرتب الجزاء.كما أنه في حالة استخدام تمويل الدولة للأحزاب السياسية في أغراض أخرى،تعتبر جريمة اختلاس للمال العام ويعاقب عليها القانون بأقصى العقوبات.ويلزم مشروع قانون الأحزاب الجديد الأحزاب السياسية الاحتفاظ بوثائق المحاسبة المالية لمدة 10 سنوات، وأن يقوم بعمليات محاسبتها السنوية خبير في المحاسبة ومع تبرير بالوثائق للنفقات، ويفقد الحزب دعم الحكومة المالية في حالة عدم عقد مؤتمره العام في ظرف 4 سنوات على أن يسترجع هذا الحق فور انعقاد المؤتمر .


الثلاثاء 18 ديسمبر 2012


تعليق جديد
Twitter