Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



قراءة في كتاب أحاديث في ما جرى مذكرات عبد الرحمان اليوسفي


     

أمين حجري
طالب باحث بكلية الحقوق عين الشق الدار البيضاء

تحت إشراف الأستاذة الدكتورة كجي حسناء




نسخة للتحميل

قراءة في كتاب أحاديث في ما جرى مذكرات عبد الرحمان اليوسفي
 
 
  • الفصل الاول : دراسة ظاهرية من حيث شكل الكتاب .
  • الفصل الثاني : الغوص في دراسة مضمون الكتاب .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الفهرس
تقديم : ..........................................................................................................6  
الفصل الأول : دراسة ظاهرية من حيث شكل الكتاب
المطلب الأول : الشكل الفني للكتاب و التصميم المعتمد فيه.....................................7
الفرع الأول : الجانب الفني للكتاب ...............................................................8
الفرع الثاني : خطة الكتاب "التصميم" ...........................................................10
المطلب الثاني : الأساليب و المراجع المعتمدة في الكتاب .......................................12
الفرع الاول : الأساليب المعتمدة في الكتاب ......................................................14
 
الفصل الثاني : الغوص في دراسة مضمون الكتاب.................16
المطلب الاول : التعريف بالمؤلف و ملخص عام حوله .........................................17
الفرع الاول : التعريف بالمؤلف ..................................................................
الفرع الثاني : ملخص عام حول محتوى الكتاب .................................................18
المطلب الثاني : مزايا الكتاب و سلبياته ..........................................................23
الفرع الاول :  أهمية و قيمة الكتاب ..............................................................24
الفرع الثاني : الحدود و العيوب للكتاب ..........................................................
 
خاتمة :...........................................................................................26
 
 
 
 
تقديم
 
 
ينصب موضوع بحثنا هذا على كتاب أحاديث في ما جرى حول سيرة الزعيم السياسي الكبير عبد الرحمان اليوسفي ، أحاديث في ما جرى – شذرات من سيرتي كما رويتها لبودرقة ، بهذا العنوان اختار عبد الرحمان اليوسفي تسمية "مذكراته" الصادرة حديثا في الدار البيضاء ( فبراير 2018 ) ، و قد توزعت فصول المذكرات بين طفولة اليوسفي بمدينة طنجة ، و مراهقته و انخراطه في المقاومة المغربية في أربعينيات القرن الماضي ، بالإضافة إلى فصول يحكيها الزعيم السياسي عن المهدي بن بركة و عن معارضته السياسية و الانقلاب على الحكم ، و كذا علاقته بالجزائر و مايعرفه عن اغتيال عمر بن جلون ، ناهيك عن كواليس تقلده السلطة في ما عرف بحكومة التناوب التي سيختم بها اليوسفي مساره السياسي .
و من دوافع اختياري لهذا الكتاب في بحث تخرجي هناك دوافع ذاتية و الأخرى موضوعية،  تتمثل الدوافع الذاتية في اهتمامي بالمجال السياسي بشكل عام ، ثم إعجابي بالمسار السياسي و الحزبي للسيد عبد الرحمان اليوسفي بشكل خاص ، و ما قدمه للمغرب من تضحيات التي كان لها الشأن الكبير في التحول الثقافي و الاجتماعي و السياسي التي تعيشها بلادنا اليوم ، أما فيما يتعلق بالدوافع الموضوعية فتتجسد في راهنية الكتاب بحيث يعتبر حديثا في الساحة السياسية ، ولقي اهتمام العديد من الدارسين و المهتمين  السياسيين و الحقوقيين .
 تتجلى أهمية الكتاب من الناحية العملية في كونه جاء في سياق من شأنه تحريك الحس الوطني لدى الشباب و معالجة عزوف الشباب عن السياسة ، فإن عبد الرحمان اليوسفي يشهد له الكل بفضيلته و غيرته على الوطن ، الذي ضحى رفقة العديد من المناضلين من أجله، فهو يعتبر قدوة لكل الأجيال ، و البلد في حاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى لأمثال هذه الشخصية الفذة ، فهذا من الناحية العملية ، فأما من الناحية العلمية فهذا "الكتاب أحاديث في ما جرى" يعد مرجعا تاريخيا بتطرقه إلى أحداث عرفها المغرب قبل و بعد الحصول على الاستقلال ، وجعلها في كتاب يحكي عن زمن مضى من تاريخ هذا البلد و رجالاته الذين ناضلوا من أجل هذا الوطن ، فهذا الكتاب يعد في حد ذاته تكريما لمسارهم النضالي .                                                                                                        
 
 
 
 
الفصل الاول :
دراسة ظاهرية من حيث شكل الكتاب
 
 
 
 
 
 
 
 
  من خلال هذا الفصل سوف نحاول دراسة الكتاب من ناحية الشكل الفني بما في ذلك  (اسم المؤلف ، عنوان الكتاب ، عدد الصفحات ، حجم الكتاب ، دار و مكان النشر و الطبعة  ثم الوصف الخارجي للكتاب )، و بعد ذلك سنذهب للحديث عن محتوى الكتاب أي الفصول الكونة للكتاب و العناصر الجرئية في كل فصل ، بالإضافة إلى المصادر والمراجع          المعتمدة التي اعتمد عليها المؤلف كثيرا .
 
المطلب الأول :  الشكل الفني للكتاب و التصميم المعتمد فيه
 
في هذا المطلب سوف نعرض الشكل الخارجي للكتاب ، بحيث في ( الفرع الأول ) سنتطرق فيه للشكل الفني للكتاب ، أما في ( الفرع الثاني ) سنقوم بعرض تصميم الكتاب بالإشارة إلى فصوله و محتوى كل فصل من الكتاب .
 
الفرع لأول :  الشكل الفني للكتاب
يتكون الشكل الفني للكتاب من :
  • الفقرة الأولى : الإسم الكامل للمؤلف
مؤلف ''أحاديث في ما جرى'' هو لعبد الرحمن اليوسفي ، امتهن المحاماة ، انخرط في السياسة في شبابه ، من مؤسسي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، تعرض للاعتقال والسجن والنفي وقد أصبح وجها أساسيا من وجوه السياسة في المغرب .
ولد عبد الرحمان اليوسفي في 8 مارس  1924  في طنجة ، حصل على ليسانس في القانون وعلى دبلوم الدراسات العليا في العلوم السياسية ودبلوم المعهد الدولي لحقوق الإنسان.
محام لدى محاكم طنجة  من 1952 إلى 1960 ، وعميد سلك المحاماة في طنجة 1959 ، عضو في حزب الاستقلال  1943، و عضو الأمانة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية من 1959 إلى 1967، و رئيس تحرير جريدة "التحرير" الصادرة عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، المندوب الدائم للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الخارج منذ تأسيس الحزب سنة 1975 ، وعضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ مؤتمره الثالث عام 1978، و الكاتب العام المساعد لاتحاد المحامين العرب من 1969 إلى 1990، و الكاتب العام للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ وفاة كاتبه العام السابق عبد الرحيم بوعبيد في 8 يناير/ كانون الثاني 1992، وزير أول من 4 فبراير  1998  إلى 9 أكتوبر 2002 .
اعتقل في ديسمبر/ كانون الأول 1959 مع محمد الفقيه البصري مدير "التحرير" بتهمة التحريض على العنف والنيل من الأمن الوطني للدولة والأمن العام ثم أفرج عنه ، و اعتقل في يوليو/ تموز 1963 مع جميع أعضاء اللجنة الإدارية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية بتهمة التآمر وصدر عليه حكم بالسجن مدة سنتين مع وقف التنفيذ ، وقد عفي عنه عام 1965. توجه عبد الرحمن اليوسفي في نوفمبر/ تشرين الثاني 1965 إلى باريس للإدلاء بشهادته كطرف مدني في محاكمة مختطفي المهدي بن بركه وبقي منذ ذلك الوقت في فرنسا لمدة 15 سنة مختارا النفي ، حكم عليه غيابيا في جلسات محاكمة مراكش (1969 – 1975) وطالب المدعي العام بإصدار حكم بالإعدام على اليوسفي. صدر حكم بالعفو عنه في 20 أغسطس/ آب 1980 وعاد إلى المغرب  في أكتوبر/ تشرين الأول 1980.
استقال عبد الرحمن اليوسفي من وظائفه السياسية بعد صدور نتائج الانتخابات التشريعية عام 1993 احتجاجا على ما وقع فيها من تلاعب ، وذهب إلى فرنسا في سبتمبر/ أيلول 1993 ، ثم عاد بضغط من زملائه ، وفي سياق الإصلاحات الجديدة عاد أمينا عاما للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في أغسطس/ آب 1995 ، ليدخل في مصالحة مع الحكم في المغرب حيث عين وزيرا أولا في فبراير 1998، و استمر في مهامه إلى حدود نونبر 2002 .
 الكتاب من إعداد : مبارك بودرقة ( عباس ) هو كاتب مؤلف أحاديث في ما جرى ، و هذا يتضح لنا من خلال الجزء الثاني لعنوان الكتاب " شذرات من سيرتي كما رويتها لبودرقة"، وقد إزداد هذا الاخير بمنطقة – إيداوكنيضيف – أيت باها عام 1948 ، درس السيد مبارك بودرقة الملقب بعباس بمكناس و سلا و الجزائر العاصمة ثم الرباط ، و قد مارس المحاماة بمكتب بوعبيد المعتمد لدى هيئة المحامين العاصمة ، و كان لاجئا سياسيا بالخارج من 1973 إلى 2011 .
  • الفقرة الثانية : عنوان الكتاب
يتكون عنوان الكتاب من كلمتين " أحاديث " ثم " في ما جرى " . 
معنى أحاديث :
-لغة : جمع أحدوثة أي كل ما يتحدث به من كلام و خبر .
-اصطلاحا : هي مجموعة من الوقائع و الأحداث التاريخية .
معنى في ما جرى : أي ما وقع في الماضي .
وبهذا فالعنوان يدل على أن الكتاب يتناول مجموعة من الأحداث مرت في الماضي ، و هي أحداث يرويها مؤلف الكتاب وقد عاشها بكل تفاصيلها .
 
  • الفقرة الثالتة : عدد الصفحات الكتاب
240 صفحة تم تقسيمها على خمسة فصول .
  • الفقرة الرابعة : دار و مكان النشر و الطبعة
  • مطبعة دار النشر المغربية – عين السبع الدار البيضاء .
الطبعة : الطبعة الأولى فبراير 2018
  • الفقرة الخامسة : الوصف الخارجي للكتاب
 
جاء في غلاف الواجهة الأمامية للكتاب صورة كبيرة للزعيم السياسي عبد الرحمان اليوسفي كأنها مرسومة باليد و ليس فطوغرافية ، و إسم "عبد الرحمان اليوسفي" و عنوان الكتاب " أحاديث فيما جرى" مكتوبتان بالخط العثماني ، بالإضافة إلى إسم مبارك بوردقة (عباس) هو من قام بإعداد الكتاب .
الفرع الثاني : خطة الكتاب " التصميم "
 يحتوي الكتاب على مذاكرات اليوسفي التي جمعها رفيق دربه المحامي والسياسي والحقوقي مبارك بودرقة تحت عنوان " أحاديث في ما جرى " ، مسلطة الضوء على جوانب من حياة الوزير الأول السابق من طفولته إلى إعتزاله السياسة ، مرورا بمعارضته للنظام و قيادته لحكومة التناوب التوافقي سنة 1998 ، و قد قدم هذا المسار كله في خمسة فصول ، بحيث في كل فصل يروي مجموعة من الأحداث التاريخية التي مرت في حياته السياسية وهي على الشكل التالي :
  • الفصل الاول : النشأة الاولى
8 مارس 1924 - الطفولة - الملك الحسن الثاني و استقبال والدتي - أخي عبد السلام ضحية الاخفاء القسري - هوس الصحافة – الامتحان الاول – طنجة الدولية – من البوغاز إلى مراكي و معابر المراقبة – تنوع اللهجات – تنظيم أول إضراب – مسؤول طاولة الطعام بن بركة و الاستقطاب السياسي – ضريبة النضال الطرد و التشرد – الرحلة القسرية من الرباط إلى أسفي – الخيار الصعب : الزواج بالدكالية أو البكالوريا – من أهل أبي الجعد إلى البيضاء و آفاقها – الطربوش ضحية للإنزال الأمني .
 
 
  • الفصل الثاني : هيئات الحركة الوطنية
الخلايا الأولى للحركة النقابية – البذور الأولى للمقاومة في الحي المحمدي – تأسيس أول دوري لكأس العرش لكرة القدم – سيارة نقل أموات المسلمين – التمهيد لزيارة محمد الخامس لطنجة سنة 1947 – السفر إلى باريس – اللقاء الأول مع عبد الرحيم بوعبيد – قرار الطرد من فرنسا – احتجاج محمد الخامس على اعتقالي – قصة جواز السفر المصري – العودة إلى طنجة – نفي السلطان و الانخراط في المقاومة – المقاومة في الشمال و ما جرى بباخرة "دينا" – إنقاذ أحمد زياد – أي دور للدكتور عبد الكريم الخطيب – مكونات جيش التحرير التنسيق مع قادة الجزائر – الأمير ملاي حسن و تكريم الربان "ميلان " – الدكتور عبد اللطيف بن جلون و مقترح إسم ثورة الملك و الشعب – انتفاضة 25 يناير 1959 – الاعتقال الأول بعد الاستقلال – المواجهة مع قاضي التحقيق – تصفية جيش التحرير – محاولة تهريب القادة الخمسة من السجن – اللقاء الأخير مع محمد الخامس في جنيف .
  • الفصل الثالت : المعارضة
الاستفتاء على دستور 1962 – تأسيس النقابة الوطنية للصحافة – الانتخابات التشريعية – إسقاطي في الانتخابات – الانتخابات المحلية و المؤامرة – انتهاكات واسعة النطاق –التحضير للمحاكمة – المطالبة بإصدار أحكام الإعدام – ملتمس الرقابة 1964 و النقل المباشر بأمر من الملك – "الوطنية الصادقة" أي معنى؟ - الرأي العام و أول مساءلة للحكومة – مرافعة الدكتور عبد اللطيف بن جلون – المحاولة الأولى للتناوب – مبعوث الملك للمهدي بن بركة – الجنرال أوفقير و عصابة الإجرام – جريمة بدون جثة – أحبال مؤامرة الإختطاف المهدي و إبداع طريق الوحدة – تفاصيل أخرى حول الجريمة – وصول أوفقير و الدليمي غذاة الإختطاف إلى باريس – المحاكمة – الجنرال دوغول يتهم أوفقير – إختطاف و مشاركة أطراف دولية – إختطاف الحسين المانوزي – المنفى – الإشارات التي شجعت على وضع حد للمنفى – الزواج - عمر بن جلون : كاتب أول للإتحاد الاشتراكي – رسالة عمر بن جلون للمحجوب بن الصديق .
  • الفصل الرابع : قيادة الحزب الإشتراكي للقوات الشعبية
تأبين عبد الرحيم بوعبيد قسما إنا لجهادك لمواصلون – اللجنة الوطنية للسهر على الانتخابات – اللجنة الوطنية لتعديل الدستور – قضية التسجيل الجماعي – مبارزة شرسة – 1992 و اتخاد قرارين صعبين و جريئين – التلاميذ السحرة – شعار الحقيقة أولا – كنا نتمنى أن تنتصر الديمقراطية – خسارة الاتحاد في الانتخابات و تشخيص الأعراض – إصرار على عدم إحترام قواعد اللعب – صعوبات الإصلاح – مبعوث الملك – إستقالة الاحتجاج – بيان المكتب السياسي – لقاءات الكثلة في باريس – العدول عن الاستقالة ... و الطريق إلى التناوب – المفتاح الذهبي – مسلسل المعارك السبعة – لماذا فشلنا في الترشيح المشترك – الانضباط الديمقراطي – نقد ذاتي لأداء حزبنا – حزب المواقع ، الحسابات الضيقة و بروز الخلفية – امتحانات الكثلة الديمقراطية – الاصرار على التناوب الديمقراطي – مؤاخذتنا على توقيع التصريح المشترك و تزوير بطاقات الناخبين – استمرار التزوير رغم التوقيع المشترك – حين استقبل الملك الثلاث الكبار – الفشل في فرض المرشح المشترك .  
 
  • الفصل الخامس : رئاسة الحكومة
إدريس جطو مبعوث الملك – التعيين الملكي و تمرين تشكيل الحكومة – رسالة إلى أعضاء الحكومة : التصريح بممتلكات الوزراء و القضاء على أشكال التبذير – بناء اعراف جديدة للعمل الحكومي – جيوب المقاومة – التجسس على الاستشارات و قضايا أخرى – عرقلة مؤتمر منظمة العفو – التشويش على عودة السرفاتي – الاصرار على الاجتماع مع الولاة و العمال – الإتفاق مع الملك في المشفى على صندوق الحسن الثاني – وفاة الحسن الثاني – تنظيم الجنازة – مراسيم البيعة – ذكرى اللقاء الأول – الحوار مع كلينتون – إقالة إدريس البصري – تقديم الإستقالة – المنهجية الديمقراطية – وحين اثرت مواصلة المشوار – استقالة الاعتزال – رسالة محمد السادس – التغطية الصحية الأساسية – فضيحة قضية النجاة – تشغيل الشباب حاملي الشهادات العليا – أسئلة الانتقال الديمقراطي بالمغرب و السياق السياسي – نداء لمن يهمه الأمر – هوس تعويض من طرف العدالة الانتقالية – تافراوت بعد 80 سنة .
 
 
المطلب الثاني : المناهج و المراجع المعتمدة في الكتاب
في هذا المطلب سوف نتناول المناهج التي إعتمدها بودرقة في بناء كتاب أحاديث في ما جرى ( الفرع الأول ) ، و بعد ذلك سنقوم بعرض المراجع التي شكلت أساسا من مواقف  وأحداث و ذكريات عبد الرحمان اليوسفي ( الفرع الثاني ) .
الفرع الأول : المناهج المعتمدة في الكتاب
 لقد اعتمد الكاتب في مؤلف أحاديث في ما جرى على مجموعة من المناهج ، و لعل أبرزها :
المنهج السردي :
لقد نهج الكاتب في خضم تناوله للمذكرات لأسلوب سردي ينسجم مع طبيعة الكتاب         وترجمة حية للأحداث و الوقائع التي يزخر بها. إلا أن هذا الأسلوب لطالما يتلاشى من حين إلى أخر بانقطاع الترابط و الانسجام  المكاني و الزماني بين الأحداث.   


المنهج لاستقرائي :
يبدأ هذا المنهج بالتدرج من الجزء إلى الكل، ويعتمد على التحقق بالملاحظة الدقيقة والمنظمة التي تخضع للتجريب، والتحكّم في متغيّراتها المتعدّدة ، و قد اعتمدها الكاتب في كتاب أحاديث في ما جرى ، بحيث انطلق من النشأة الأولى للزعيم السياسي عبد الرحمان اليوسفي وإلتحاقه بالمقاومة و من ثم إلى المعارضة  ، ثم إلى ترأسه الحزب إلى حين وصوله لرئاسة الحكومة .
المنهج الوصفي :
- وصف المسار السياسي غداة الاستقلال .
- و صف مدينة تافراوت بعد العودة إليها .
- وصف كيفية استقباله من طرف الملك الحسن الثاني .
المنهج التاريخي :
بما أن الكتاب عبارة عن أحداث و قعت في الماضي كان من البديهي أن يستعمل المنهج التاريخي بشكل لافت .
- 8 مارس 1924 تاريخ إزدياد اليوسفي بطنجة .
- من خلال عودة اليوسفي إلى طفولته في مدينة طنجة واستقبال والدته الراحل الحسن الثاني .
- الاستفثاء على دستور 1962 .
- الامتحان الأول في حياة عبد الرحمان اليوسفي .
- التمهيد لزيارة محمد الخامس لطنجة سنة 1947 .
- انتفاضة 25 يناير 1959,
- ملتمس الرقابة لسنة 1962 .
المنهج الفلسفي :
من خلالها قام عبد الرحمان اليوسفي بالتحليل التأملي والعقلي للأحداث التي عاشها ، وهو في نفس الوقت يروي أحاديثه .

المنهج المقارن :
تخلل هذا العمل جملة من المقارنات، و كمثال نجد مقارنة اليوسفي للممارسة السياسية بين المغرب و فرنسا .
 
الفرع الثاني : المراجع المعتمدة في الكتاب
بما أن الكتاب هو عبارة عن مذكرات من سيرة عبد الرحمان اليوسفي كان من المنطقي أن تكون المراجع المعتمدة في الكتاب هي عبارة عن ذكريات خالدة في مسار الزعيم السياسي ومن بين أهم هذه المراجع :
 
  • الفقرة الأولى : مواقف و أحداث خاصة
 
  • المهرجان الوطني لتخليد الذكرى "20غشت" المجيدة بخريبكة .
  • بمناسبة "ذكرى الشهيد المهدي بنبركة" بمراكش .
 
  • الفقرة الثانية : مرثيات : تأبين العديد من الشخصيات الوطنية
 
  • في جنازة عبد الرحيم بوعبيد .
  • في الكلمة التأبينية للراحل محمد باهي بمقبرة الشهداء الدار البيضاء .
  • في المهرجان التأبيني للأستاذ علي يعتة .
  • في الذكرى الأربعينية لرحيل المناضل محمد السملالي .
  • في مهرجان ذكرى مرور ربع قرن على وفاة الزعيم علال الفاسي بالدار البيضاء .
  • في الذكرى الأربعينية للمناضل الحبيب سي ناصر .
  • في حفل تكريم أرواح شهداء سجن العاذر بمناسبة ذكرى 20 غشت .
  • في أربعينية المرحوم المقاوم محمد المكناسي .
  • عبد الرحمان اليوسفي في تأبين الفقيد محمد الفقيه البصري .
  • في الذكرى الأربعينية لوفاة المفكر محمد عابد الجابري .
  • في تأبين رفيقه أحمد بنبلة بمسرح محمد الخامس بالرباط .
  • الذكرى العشرون لرحيل محمد باهي .
  • في كلمة المجاهد عبد الرحمان اليوسفي في أربعينية المقاوم سعيد بونعيلات .
 
 
 
  • الفقرة الثالتة : اللقاءات مع المهنيين و القطاعات
 
  • في المؤتمر الوطني للنقابة الوطنية للتجار الصغار والمتوسطين .
  • اتحاد المحامين العرب يكرم عبد الرحمان اليوسفي و يصدر عدة قرارات .
  • في ندوة الشهيد المهدي بنبركة حول قضايا التعليم .
  • في افتتاح اليوم الدراسي للمهندسين الاتحاديين حول قطاع السكن .
  • أمام المحامين و النقباء الاتحاديين .
  • في اليوم الدراسي للقطاع النسائي الاتحادي .
  • أمام الملتقى الوطني للمهنيين .
  • أمام الندوة الوطنية لقطاع المحاميين الاتحاديين ( العدالة في الدولة الديمقراطية ) بمراكش .
  • في أشغال اليوم الدراسي حول العمل الجمعوي .
 
  • الفقرة الرابعة : الأممية الإشتراكية و الفضاء الأورو مغاربي
 
  • أمام مجلس الأممية الاشتراكية بروما .
  • في مجلس الأممية الاشتراكية بأوسلوا .
  • في إفتتاح أشعال الأممية الاشتراكية للنساء : انعقد المؤتمر الأول بالمغرب دعم لقضايا المرأة السياسية و المدنية .
  •  الفضاء الأورو مغاربي : عبد الرحمان اليوسفي يعتبر تنظيم الملتقى بالمغرب إشارة قوية لوقف القوى التقدمية في العالم بجانب المغرب .
  • اجتماع لجنة البحر الأبيض المتوسط للأممية الاشتراكية .
 
  • الفقرة الخامسة : حقوق الانسان
 
  • الأمم المتحدة الصكوك و الاليات : بحيث قدم الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي عرض في المؤتمر الأول للمنظمة العربية لحقوق الإنسان بتونس سنة 1987.
  • الاستاذ عبد الرحمان اليوسفي يوجه رسالة حول الاختفاء القسري المنعقد في مدينة "أميان" الفرنسية ملتقى الجالية المغربية بأروبا الغربية حول مناهضة الإختفاء القسري بالغرب .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الفصل الثاني :
الغوص في دراسة مضمون الكتاب
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
في هذا الفصل سنقوم بدراسة الكتاب من خلال وضع تعريف له وملخص خاص بكل فصل من فصول الكتاب (المطلب الأول) ، و بعد ذلك مزايا الكتاب و عيوبه ( المطلب الثاني) .
المطلب الأول : التعريف بالمؤلف و ملخص عام حوله
من خلال هذا المطلب سوف نعطي لمحة تعريفية للكتاب في (الفرع الأول)، و سنتناول أيضا ملخصا عاما لكل فصل من الكتاب (الفرع الثاني) .
الفرع الأول: التعريف بالمؤلف

يعد كتاب أحاديث في ما جرى عبارة على مسيرة طويلة من الحياة السياسية للزعيم السياسي عبد الرحمان اليوسفي  ، و كشاهد على فترات متقلبة من تاريخ المغرب وبين ترحاله من معارض للسلطة إلى وزير بين كنفها ، و يبوح عبد الرحمان اليوسفي (94 عاما) في مذكراته التي صدرت في مارس 2018 ، بفصول حياته ، منذ بداياته الأولى في بيته بطنجة ، وصولا إلى اعتزاله السياسة وتواريه عن الأنظار .

وتجدر الإشارة إلى أن الجزء الأول من «أحاديث فيما جرى» الذي جاء في 240 صفحة هو عبارة عن شذرات من سيرة اليوسفي كما رواها لكاتبها الحقوقي مبارك بودرقة الذي تكلف بتجميع أحاديث اليوسفي في هذا الكتاب.
ويضم الكتاب خمسة فصول تتطرق  للنشأة الأولى، وهيئات الحركة الوطنية، والمعارضة، وقيادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ورئاسة الحكومة .
أما في ما يخص الجزء الثاني والثالث فيضم خمسة ملاحق تناولت  مواقف وأحداث خاصة وكذلك الخطابات  التي ألقاها اليوسفي في تلك الحقبة ، إلا أنه يبقى الجزء الأول هو مجال اهتمامنا في هذا البحث الذي سنعرض فيما بعد ملخصا حوله .
 
الفرع الثاني : ملخص عام حول الكتاب
  • الملخص الأول : النشأة الأولى :
رأى عبد الرحمان اليوسفي النور ضواحي طنجة بحي اسمه الدرادب، في الـ8 من مارس 1924، لأب اسمه أحمد وأم تدعى فاطمة،  كان أصغر إخوته الأشقاء، وكانت طنجة حينذاك تخضع لنظام دولي، فيما تعيش المنطقة بأسرها على إيقاع الحرب الريفية .
تلقى اليوسفي تعليمه الأولي بمدينته الأم، وتربى في كنف والده ومعلميه على احترام الغير والدفاع عن حقوقه، كما يقول في مذكراته، ثم في العام الذي توفي فيه والده سنة 1937 نال فيه الشهادة الابتدائية.
كان اليوسفي يرغب في إتمام دراسته في ثانوية مولاي يوسف بالرباط. نجح في مباراة المنحة الدراسية، لكنه رُفض بعد ذلك لأن أباه كان من الملاك. قرار أثار حفيظة مندوب التعليم بطنجة فراسل مدير التعليم الثانوي المسؤول عن المنح، فأخبره باستحالة متابعة اليوسفي تعليمه بالرباط، بيد أنه يمكنه ذلك في مراكش .
هكذا وجد نفسه منذ باكر عمره في مراكش قصد إتمام دراسته الثانوية، بعد عام من الدراسة هناك، نجح اليوسفي واقترح عليه مدير الثانوية أن يبعث بملفه إلى ثانوية مولاي يوسف، لكن المدينة الحمراء أسرته بسحرها ففضل إتمام دراسته فيها . 
لاحقا التحق فعلا بثانوية مولاي يوسف لتحضير شهادة الباكالوريا ،هناك  التقى لأول مرة بالمهدي بنبركة الذي أثر فيه بنشاطه وحركيته الدائمة.
ثم حدث ذات يوم من عام 1943 أن استدعى بنبركة  مجموعة شباب إلى بيت والدته بالرباط ليعرض عليهم أفكاره وخططه السياسية كان اليوسفي واحدا من بينهم، فانتهى به المطاف إلى أدائه لليمين على المصحف في دجنبر من ذات العام كإعلان عن الانخراط في حزب الاستقلال .
بعد شهر من ذلك قدمت وثيقة المطالبة بالاستقلال. اعتقلت سلطات الاستعمار عددا من قيادات الحزب، فاندلعت مظاهرات بالرباط، وقرر اليوسفي إسوة بزملائه في داخلية الثانوية الانضمام إلى هذه المظاهرات .
بعد انتهائها، وجدوا أبواب داخلية الثانوية موصدة، ومنذ تلك اللحظة صاروا متشردين بيد أن عائلات رباطية استقبلتهم بتوجيه من بنبركة .
أما اليوسفي فقد استقبله الفقيه محمد بلعربي العلوي قبل أن تقدم السلطات الاستعمارية على نفيه إلى تافيلالت بعد ذلك سافر إلى آسفي مضطرا، ثم إلى الدار البيضاء حيث التقى بعبد القادر بنبركة في يونيو 1944، والذي أخبره بأن الحزب يبحث عنه.
التقى يومها اليوسفي ببوشتة الجامعي أحد قيادات الحركة الوطنية وحزب الاستقلال، فأسندت له لاحقا مهمة الإشراف على خلايا حزبية تتكون من عمال معمل السكر (كوزيمار) تحت غطاء تعليمهم وتعليم أبنائهم .
امتد هذا النشاط ليشمل معامل عدة بعد ذلك، فكانت تلك البذور الأولى لتأطير “البروليتاريا المغربية”، هكذا بعدما كان الحزب يقتصر على التجار والحرفيين والعلماء، صار يشمل العمال أيضا. لاحقا صار اليوسفي مسؤولا للحزب في الحي المحمدي (بالدار البيضاء)
عاد اليوسفي إلى طنجة يزورها، عام 1946، فبادر إلى تأسيس أول فرع للحزب بالمدينة. فرع سيكون له الفضل في تنظيم زيارة محمد الخامس الشهيرة للمدينة عام  1947.
دام نشاط اليوسفي الحزبي، بالدار البيضاء من 1944 وحتى 1949. كان بالموازاة يمارس التعليم كمهنة في مدارس حرة، مثابرا على متابعة دراسته إلى أن نال شهادة الباكالوريا، و بعد عامين من دراسة القانون جامعيا، ألح عليه بعض الاستقلاليين بالتوجه إلى فرنسا لإتمام دراسته .
ذلك ما كان وهناك التقى لأول مرة بعبد الرحيم بوعبيد ، لكن بعد وصوله إلى فرنسا اتخذت الأخيرة في حقه قرارا بالطرد إذ انخرط في التعريف بالقضية الوطنية هناك قبل أن يتم تخفيفه بالنفي إلى مدينة بواتيي، حيث نال شهادة الإجازة في القانون .
بعد عودته من فرنسا، عام 1952، ظل اليوسفي بطنجة في حين كان ينتظر منه الاستقلاليون أن يلتحق بهم في الدار البيضاء. بيد أنه كان له رأي آخر
لم يكن اليوسفي راضيا على السياسة التي ينهجها الحزب في تلك الفترة، فقرر النأي عنه وأخذ مسافة منه، بالرغم من إلحاح مناضلي الحزب على عودته .
 
 
  • الملخص الثاني :عبد الرحمان اليوسفي من المعارضة و المنفى الإختياري إلى قيادة الاتحاد الإشتراكي :
 
الحقيقة أن حزب الاستقلال بالرغم من أنه منذ بداية أربعينيات القرن الماضي أخذ يضم في صفوفه العمال وصغار التجار والفلاحين على غير عهده، إلا أن قيادته فضلت الانكفاء على نفسها، وجلها لم ينظر بعين الرضا إلى هذا التوسع في قاعدة الحزب وطبيعة المنتمين الجدد إليه.
حاولت العناصر الشابة مثل المهدي بنبركة تصحيح هذا الخطأ بعد الاستقلال، لكن القيادة أغلقت أمامهم أبواب اللجنة التنفيذية. من هنا جاءت مبادرة بنبركة  بتكوين ما سمي بـ”اللجنة السياسية”.
لجنة ضمت أغلبية العناصر الشابة، التي بادرت إلى عقد مؤتمرات جهوية لإعادة تنظيم الحزب. هذه العملية أطلق عليها حينذاك اسم “الجامعات المستقلة لحزب الاستقلال”.
بعد شنآن مع القيادة ورفع دعوى قضائية ضد هذا التيار لاستغلاله اسم الحزب، لن ينتظر التنظيم الجديد بت القضاء، إنما سارع إلى عقد اجتماع بطنجة، أعلن فيه عن تأسيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي عقد مؤتمر تأسيسه لاحقا بالدار البيضاء في الـ6 من شتنبر 1959.
اليوسفي كان إذن أحد مؤسسي هذا الحزب. وقد ترأس بعد ذلك تحرير جريدة “التحرير”. في الـ14 من دجنبر 1959، حجزت الجريدة ومنعت من التوزيع بدعوى أن افتتاحية العدد تتضمن جملة تقول: “إذا كانت الحكومة مسؤولة أمام جلالة الملك، فإنها أيضا مسؤولة أمام الرأي العام ”.
السلطات لم تكتف بذلك، إنما اعتقلت اليوسفي من مكتبه، ومعه مدير الجريدة الفقيه محمد البصري، وتم نقلهما معا إلى سجن لعلو بالرباط. اليوسفي ظل هناك  لـ15 يوما ثم أطلق سراحه نظرا لتردي وضعه الصحي .
حين تربع الملك الحسن الثاني على العرش، كان أول عهد الحزب بالمعارضة الفعلية معارضته لدستور 1962، بالرغم من أن أمانته العامة قررت المشاركة في أول انتخابات تشريعية سيشهدها المغرب، عام 1963.
الحزب رشح اليوسفي بمدينة طنجة، وقد نال أغلبية مريحة من الأصوات، قبل أن تعلن السلطات على الصعيد المركزي غير ذلك، كما يؤكد في مذكراته "أحاديث في ما جرى".
و في اجتماع حول المشاركة في الانتخابات البلدية في نفس العام، اعتقل عدد من مناضلي  الحزب بحجة التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي، وقد كان اليوسفي واحدا منهم .
صدرت في حق هؤلاء بعد ذلك أحكام عدة، أبرزها الإعدام في حق 11 شخصا من بينهم عمر بنجلون فيما كان نصيب اليوسفي سنتين مع وقف التنفيذ. وبعد إطلاق سراحه عاد ليستأنف نشاطه السياسي .
خلال هذه الفترة كان عبد الرحيم بوعبيد  في الخارج، لذا أصبح اليوسفي الوحيد في القيادة الذي يجتمع مع الفريق النيابي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية في البرلمان، وقد تولى وبصفة تلقائية مهمة التنسيق معهم .
تنسيق أسفر عن تقديم ملتمس رقابة ضد السياسة الاقتصادية والاجتماعية التي نهجتها الحكومة آنذاك، وكانت نهايته تعديل حكومي أعلن عنه في غشت 1964.
لعب اليوسفي دورا بارزا في التنسيق بين أطراف الدفاع المدني، والتنسيق مع وسائل الإعلام الدولية التي غطت محاكمة قضية اختطاف المهدي بنبركة  التي جرت أطوارها في باريس يونيو 1967.
هكذا بعد نهايته، نصحته قيادة الحزب بألا يعود للمغرب نظرا للدور الذي لعبه في هذه المحاكمة، وذاك ما كان إذ اختار الاغتراب الاضطراري بفرنسا.
عاد هناك إلى متابعة دراسته، وأولى اهتماما بحقوق الإنسان كما تولى الدفاع عن المناضلين الفلسطينيين أمام المحاكم الأوروبية، وكان أيضا عضوا في المحكمة الدولية ضد الجرائم التي ترتكب في الفيتنام في تلك الفترة .
دام ذلك لـ15 عاما، و في الأخير التقط بعض الإشارات فالمغرب أصدر عام 1980 عفوا على مجموعة من المعارضين المنفيين في الخارج، بل واستقبل الملك الراحل والدته  وقال لها: “لابنك أن يعود متى شاء، والوطن سيرحب به”، ناهيك عن إلحاح عبد الرحيم بوعبيد  على عودته .
عاد اليوسفي إلى المغرب عام 1980، وبعد سنة توفيت والدته، ثم عايش مجموعة من الأحداث التي عرفها الحزب في صيغته الجديدة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أبرزها اغتيال القيادي في الحزب عمر بنجلون .
 بعد وفاة الكاتب الأول للحزب عبد الرحيم بوعبيد عام 1992 اتفقت قيادة الحزب على أن يلقي عبد الرحمان اليوسفي الكلمة التأبينية أمام جثمانه بمقبرة الشهداء بالرباط، فكانت تلك رسالة مفادها منحه مشعل قيادة الحزب .
 
  • الملخص الثالت : عبد الرحمان اليوسفي من الوزارة الأولى إلى إعتزال              العمل السياسي
 
انصب الاختيار على عبد الرحمان اليوسفي لإلقاء كلمة تأبينية أمام قبر الراحل عبد الرحيم بوعبيد ، الذي كان كاتبا أولا لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية و هذا الاختيار فيه رسالة واضحة على منحه مشعل قيادة الحزب في ما بعد ، ذلك ما حصل بالفعل ، فعلى الرغم من معارضة ومناورة الجناح المحسوب على محمد اليازغي للأمر. واحتجاجا على التلاعب الذي عرفته الانتخابات التشريعية لعام 1993، قدم اليوسفي استقالته من الكتابة الأولى ، وتم العدول عما سمي بـ”التناوب التوافقي” آنذاك هذه الاستقالة لم يتم قبولها من الحزب إذ ألح على استمرار اليوسفي في منصبه، ثم في سياق إصلاحات جديدة عرفها المغرب أبرزها دستور 1996 الذي نظر إليه بعين الرضا بدأ مسلسل المصالحة مع النظام السياسي .
يحكي اليوسفي في مذكراته “أحاديث في ما جرى”، أن إدريس جطو اتصل به بداية 1998، وقد كان الأخير وزيرا للمالية وقتذاك فأخبره أن الملك الحسن الثاني كلفه بلقائه ليعرض عليه ملخصا حول الأوضاع الاقتصادية للمغرب، ثم في الأخير أخبره أن الملك اضطر لإلغاء مسلسل التناوب الذي أطلق عام 1994 لإيمانه بأن أسلوب التناوب الحقيقي لا يمكن أن يكون إلا مع من كانوا في المعارضة طيلة العقود الماضية، والمقصود هنا بالضبط هو عبد الرحمان اليوسفي .
هكذا في الـ4 من فبراير 1998، استقبل الملك الحسن الثاني عبد الرحمان اليوسفي بالقصر الملكي بالرباط ليعينه وزيرا أولا ثم قال له :
إنني أقدر فيك كفاءتك وإخلاصك، وأعرف جيدا أنك منذ الاستقلال، لا تركض وراء المناصب بل تنفر منها باستمرار، ولكننا مقبلون جميعا على مرحلة تتطلب الكثير من الجهد والعطاء من أجل الدفع ببلادنا إلى الأمام حتى نكون مستعدين لولوج القرن الواحد والعشرين قبل توديعه، يضيف اليوسفي في مذكراته حيث عرض عليه الملك أن يلتزما معا أمام القرآن الموجود على مكتبه، على أن يعملا سويا لمصلحة البلاد وأن يقدما الدعم لبعضهما البعض.
يتذكر اليوسفي في عهده بالوزارة الأولى ما أطلق عليه “جيوب المقاومة”، ويقصد بهم أولئك الذي يرون في التغيير والتجديد تهديدا لمركزهم السياسي أو الاقتصادي.
لعل أحد أبرز هؤلاء إدريس البصري وزير الداخلية الذي اقترحه الملك للاستمرار في منصبه لخبرته في ملف الصحراء، إذ كان المغرب مقبلا على استفتاء في الصحراء قرره مجلس الأمن عام 1998.
اليوسفي بفطنته فضل أن “يكون البصري ضمن الطاقم الحكومي عوض الديوان الملكي، إذ سيصبح حينذاك في موقع لن يتردد في استغلاله من أجل وضع عراقيل من شأنها تعقيد طرق الاتصال بالملك، ومن ثم عرقلة النشاط الحكومي”.
تمكن اليوسفي من بسط سيطرته على العمل الحكومي في نهاية المطاف، وذلك في ملفات عدة كالمناقصة المتعلقة بالرخصة الثانية للهاتف مثلا إذ اختار الشفافية ومشاركة الجميع فيها على غير ما ابتغاه البصري، وهو ما ترتب عنه بعد ذلك إنشاء صندوق الحسن الثاني.
عهد اليوسفي بالوزارة الأولى عرف أحداثا فارقة، أبرزها وفاة الحسن الثاني وجلوس الملك محمد السادس على العرش. اليوسفي يتذكر اليوم بكثير من الفخر بأنه كان على رأس من وقعوا على البيعة، بعد الأسرة العلوية.
معروف أن اليوسفي عانى من أمراض عدة، إذ تم استئصال رئته اليمنى من خلال عمليتين جراحيتين عام 1955 بمدريد كما أنه في نهاية الثمانينيات اكتشف مرضه بالسرطان وأزيلت له 25 سنتمترا من القولون .
في انتخابات 2002 أحرز الاتحاد الاشتراكي المرتبة الأولى، لكن عكس نتائج الانتخابات وعكس “المنهجية الديمقراطية” كما أكد اليوسفي وحزبه حينها عين الملك إدريس جطو وزيرا أولا، اليوسفي يومها لم يفوت الفرصة بعد شكر الملك ليذكره أن المنهجية الديمقراطية تقتضي تعيين الوزير الأول من الحزب الذي احتل المرتبة الأولى في الانتخابات، والذي كان في هذه الحالة الاتحاد الاشتراكي، و مع ذلك لم ينقطع حبل التواصل فكان الملك يستدعي اليوسفي للمشاركة في أفراح العائلة أو بعض اللقاءات الرسمية، بل وعرض عليه بعض المهام مثل تحمل رئاسة هيأة الإنصاف والمصالحة نهاية عام 2003 والتي رفضها اليوسفي .
اعتزل عبد الرحمان اليوسفي العمل السياسي في أكتوبر 2003، ونظرا لإرثه السياسي الكبير سمي شارع في طنجة باسمه بحضور الملك في عيد عرش 2016، كما أن الملك زاره شخصيا مرتين في المستشفى إذ ألمت به وعكة صحية في أكتوبر من ذات العام .
 
 
المطلب الثاني : مزايا الكتاب و سلبياته
لهذا الكتاب أهمية و قيمة علمية (الفرع الأول) ، غير أنه تشوبه بعد العيوب و الحدود (الفرع الثاني) .
الفرع الأول : أهمية و قيمة الكتاب
ولعل أبرز ما يمكن أن يبين لنا أهمية و مكانة الكتاب من خلال ما جاء على لسان عبد الرحمان اليوسفي في يوم عرضه لهذا لكتاب أحاديث في ما جرى بحيث تحدث قائلا : إن مناسبة لقائنا للتقديم الرسمي للأجزاء الثلاثة من الكتاب التي تجشم الأخ مبارك بودرقة عناء الإشراف عليها بدعم من الإخوة الأوفياء التي تتضمن في جزئها شذرات من مذكراتي وسيرتي، " هي فرصة لنجدد العهد بيننا جميعا، وأيضا لنذكر بعضنا بالقيم الوطنية التي شكلت الأساس الصلب لكل الدروس النضالية التي أبدعتها أجيال من المغاربة في الدولة والمجتمع منذ تأسيس الحركة الوطنية في الثلاثين من القرن الماضي وهي القيم التي لاتزال تشكل السند الخصب لإتمام مشروع بناء مغرب الغد، مغرب الحريات والديمقراطية وبناء المؤسسات وحماية الوحدة الترابية بقيادة الملك محمد السادس" .
وأضاف " إن ما تضمنته الأجزاء الثلاثة للكتاب هو بعض من خلاصات تجربة سياسية شاء قدري أن أكون طرفا فيها من مواقع متعددة سواء في زمن مقاومة الاستعمار، أو مرحلة البناء بعد الاستقلال، أو من موقع المعارضة، أو من موقع المشاركة في الحكومة"، مبرزا  أن مادتها تشكل جزءا من إرث مغربي نعتز أننا جميعا نمتلكه عنوانا لثورة حضارية صنعها أجيال مغربية متلاحقة، وأنها ستكون بلا شك مجالا لأهل الاختصاص من علماء التاريخ، وعلماء السياسة، وعلماء القانون مثلما ستشكل مادة لتأويلات وتفسيرات إعلامية متعددة ".
من جهة أخرى، دعا اليوسفي الى التصالح مع الماضي والحاضر واستلهام الدروس لبناء المستقبل، وقال  "إن رسالتي أوجهها للأجيال الجديدة التي نعرف مقدار شغفها بتاريخ وطنها ومقدار شغفها بمستقبل بلادنا، وأنا موقن أنها تعلم جيدا أن قوة الأمم قد ظلت كامنة في تصالحها مع ماضيها وحاضرها، وفي حسن قراءاتها لذلك الماضي، وذلك الحاضر حتى يسهل عليها بناء المستقبل بأكبر قدر من النجاح والتقدم".
وتابع "لا أبالغ إذا قلت إنها ستحسن صنع ذلك المستقبل مادامت مستوعبة لكل دروس وقيم ماضينا وحاضرنا، قيم الوطنية والوفاء والبدل والعطاء، القيم المنتصرة  للحوار بدل العنف والتوافق بدل الاستبداد بالرأي".
 
الفرع الثاني : الحدود و العيوب الموجودة في الكتاب
بما أن عبد الرحمان اليوسفي لم يكتب مذاكرته بنفسه ، بحيث كان راويا لأحداثها فقط ،     والرواية الشفهية ليست كالكتابة ، لأن الراوي يتمتع بالحرية في الرواية ، من حيث الانتقال من حدث إلى آخر ومن موضوع إلى آخر، متولّهاً متعة الحكي وانسيابه، أما الكاتب فغالباً ما يكون محكوماً بطابع النصوصية والحبكة الأدبية والانتظام الكرونولوجي ومتطلبات السرد، حتى لا يتيه القارئ ويفقد بوصلة المتابعة.
من كتب مذكرات اليوسفي هو امبارك بودرقة (عباس) وهو أحد صانعي تجربة الإنصاف والمصالحة رفقة الراحل إدريس بنزكري والأستاذ أحمد شوقي بنيوب، وهو من كتب بمعيته كتابه الممتع (كذلك كان) الذي يحكي تجربة الإنصاف والمصالحة بصيغة الذاكرة الجمعية للتجربة والذاكرة الشخصية لكليهما معاً باعتبارهما شاهدين وفاعلين في إنتاجها.
كان اليوسفي غائباً عن هذه التجربة أو فلنقل إنه كان مغيباً بسبب عزله المفاجئ من الوزارة الأولى، على الرغم من أن حزبه نال المرتبة الأولى في انتخابات سنة 2002، بينما انطلقت تجربة الإنصاف والمصالحة سنة 2004.
غاب اليوسفي ولم نسمع ولم نقرأ روايته للأحداث، بسبب صمته المطبق، ثم عاد بعد مرور 15 سنة لكي يفتح صفحات ماضٍ قريب تم فيه الانقلاب على المنهجية الديمقراطية وإجهاض الانتقال الديمقراطي في المغرب، في تزامن مع تجربة العدالة الانتقالية - الإنصاف والمصالحة - بينما كان الهدف أن يمضيا معاً نحو بناء مغرب العهد الجديد، وكذلك كان.
من جهة أخرى يظل مفهوم الذاكرة مفهوما مبهما ، دونما أي حسم في صيغة التفاعلات القائمة بينها وبين موضوعاتها، متى تعلق الأمر بالانتقال بين ما هو شخصي وما هو عمومي أو مشترك، ويتكثّف متى تعلق الأمر بالذاكرة السياسية التي تبقى قابلة للتأويل، نظراً إلى كونها مفعمة بالصراع، ما يطبعها في كثير من الأحيان بطابع الانتقائية لتجنّب الاصطدام بين الروايات في تناول الأحداث ، خاصة عندما يتعلّق الأمر بالإدانة والاعتراف - الأنا المتذكرة - في العلاقة بالمشترك العام .
تحفظ الكاتب في تناول بعض الأحداث المهمة والتاريخية التي كان عبد الرحمان اليوسفي شاهدا عليها مثل انقلابات السبعينيات.. وهذا التجاهل قد يرجع إلى رفض اليوسفي شخصيا الخوض في حيثيات بعض الأحداث نظرا لحساسيتها أو قد يعود إلى الكاتب نفسه حفاظا على القيمة المعرفية و التاريخية للمذكرات .
 
 
 
 
 
 
 
خاتمة :
 
في الختام يمكن القول أن كتاب أحاديث في ما جرى يشكل عمقا تاريخيا لأحداث عاشها المغرب في زمن مضى ، من النضال و المقاومة التي أبانت عن حنكة رجل ضحى من أجل وطنه رفقة العديد من المقاومين ، و هذا في حد ذاته  يدفع كل من قرأ هذا الكتاب بالإحساس بروح و قيم المواطنة من خلال دروس نضالية عبدتها أجيال من المغاربة.
و قد تناولنا في بحثنا هذا كل من الجانب الشكلي للكتاب من جميع الجوانب حتى يمكن لنا معرفة عمقه ، و جانب المضمون  كإشارة مقتضبة و شاملة لمحتوى الفصول ..
وتبعا لهذا تظل حياة الرجل عبد الرحمان اليوسفي سجلا حافلا بالمؤشرات الواضحة الدالة على الشخصية الفذة التي لعبت الدور الفعال في الفعل السياسي المغربي لحقبة تاريخية طويلة، ولا شك أن التاريخ سيسجل مسيرة هذا الرجل بحروف بارزة، وستتذكره الأجيال القادمة بفخر لوطنيته الصادقة وحنكته في خدمة بلده ووطنه باجتهاد متواصل ونكران ذات. ومن هنا يجب استخلاص العبر والدروس لكل من يود ولوج عالم السياسة الخلاقة وتدبير الشأن العام المغربي.
 
 
 
 
 

الاحد 23 يونيو 2019


تعليق جديد
Twitter