Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



قراءة أولية في المقتضيات الزجرية الواردة في مرسوم بقانون الطوارئ الصحية


     

محمد المنصور
أستاذ باحث
بالكلية المتعددة التخصصات بتازة



قراءة أولية في المقتضيات الزجرية الواردة في مرسوم بقانون الطوارئ الصحية
 
 
 
 
 
 
      في إطار المجهود الوطني الرامي لمجابهة الوباء العالمي المسمى "كورونا"،  و  الذي جعل دول العالم مذهولة من هول خطورته          و امتداداته  و غير قادرة على التحكم في سرعة انتشاره الكبيرة، قرر المغرب  اتخاد عدة تدابير منها ما هو احترازي وقائي و منها ما هو بعدي، محاولة منه  لتطويق الوباء و تلافي انعكاساته السلبية على الانسان أولا و أخيرا، بغية تحقيق الخروج الآمن منه،  و بعدها تأتي محاولة حصر الخسائر التي جرها معه سواء على الاقتصاد الوطني أو على النسيج المجتمعي .
و من بين أهم الاجراءات  التي اتخذها المغرب في هذا الاطار  قرار الحجر الصحي ، و الذي أثار فور خروجه العديد من التساؤلات حول السند القانوني الذي اعتمدت عليه الحكومة  من خلال وزارة الداخلية في اتخاد هذا القرار ، وذلك قبل خروج المرسوم بقانون.
و إذا تلافينا الحالات الاستثنائية التي تربك السير العادي للمؤسسات الدستورية و التي يستوجبها  اقرار حالة الحصار حسب منطوق الفصل 74 من الدستور(1) ، و كذا الحالات التي  تكون فيها حوزة التراب الوطني مهددة و التي تستوجبها حالة الاستثناء (2)، يبقى أمامنا فقط الاختصاص العادي الموكول للحكومة في اطار السلطة التنظيمية  المسندة  اليها بصريح الفصل 90 من الدستور(3) .
لكن فور خروج المرسوم بقانون الخاص بالطوارئ الصحية (4 ) رفع كل لبس، بحيث مكن هذا النص بلادنا من سد فراغ تشريعي الذي عمر طويلا (5) ، لهذا سأحاول بشكل موجر أن أركز على أهم الأفعال الجريمة التي أتى بها هذا النص مع ذكر العقوبات التي واجه بها هذه الأفعال الجريمة.
الفقرة الأولى  : الأفعال المجرمة في حالة الطوارئ الصحية
بالرجوع للمادة 4 من المرسوم بقانون نجدها تجرم مجموعة من الأفعال  التي تخل بتنفيذ الأوامر الصادرة عن السلطات العمومية خلال مدة الطوارئ الصحية  و المحددة بمرسوم  صادر باقتراح مشترك من وزيري الداخلية و الصحة، و الذي يتضمن كذلك النطاق الجغرافي الذي تسري عليه حالة الطوارئ الصحية، و الاجراءات الواجب اتخادها.
حيث  خول المشرع للحكومة خلال فترة  الطوارئ الصحية اتخاذ كل التدابير اللازمة للحيلولة دون انتشار الوباء من خلال الأوامر و القرارات الصادرة عنها  بواسطة مراسيم و مقررات تنظيمية   و إدارية،  أو بواسطة مناشير و بلاغات .
أولا : جريمة مخالفة أوامر و قرارات السلطات العمومية من طرف الأشخاص الموجودين في منطقة الطوارئ الصحية
لتحقق هذه الجريمة لا بد أن يكون هناك قرار صادر عن السلطات العمومية سواء في اطار مراسيم أو مقررات تنظيمية و إدارية ، وهذا يمكن أن نسميه بالركن الشرعي في الجريمة  ، انطلاقا من مبدأ لا جريمة و لا عقوبة إلا بنص  ، بحيث لا يمكن أن يتم القاء القبض على شخص و معاقبته بالجزاءات الواردة في المادة الرابعة بدون أن يكون هذا الجزاء مستندا على أفعال ثابتة تم خرقها .
أما الركن المادي في هذه الجريمة فيمكن ابرازه من خلال قيام الجاني بمخالفة الأوامر و القرارات الصادرة عن السلطة العامة ، أي أنه قام بسلوك لا ينطبق مع نص القرار و مخالف له ، بحيث يخرج القرار من غايته الحمائية.
و يمكن اعتبار هاته الجريمة من الجرائم الشكلية و التي تتحقق بمجرد قيام الجاني بعدم الامتثال  للقرار بغض النظر عن النتيجة المحققة  ، أي سواء ادت هاته المخالفة لضرر عام أو خاص للمجتمع أم لا .
ولا بد بطبيعة الحال أن تكون هناك نية اجرامية عند الفاعل في مخالفة هاته الأوامر ،أي أن يتوفر القصد الجنائي عند الفاعل.
ثانيا :جريمة  عرقلة تنفيد قرارات السلطات العمومية تطبيقا لهذا المرسوم بقانون عن طريق العنف أو التهديد أو التدليس أو الاكراه
من بين الجرائم المنصوص عليها في المرسوم بقانون نذكر جريمة عرقلة تنفيذ قرار السلطة العمومية ، و  التي تتحقق من خلال  قيام الجاني بأفعال تمنع أو تعطل تنفيذ قرارات السلطة العمومية أو تجعلها غير فعالة أو مجدية ، و قد اعتبر المشرع هنا أنه لتحقق هاته الجريمة لا بد أن تتم بواسطة العنف أو التهديد أو التدليس أو الاكراه .
و سنحاول بشكل موجز ايضاح هاته الوسائل التي تتم من خلالها عرقلة تنفيد قرارات السلطة العامة :
بخصوص العنف ، فإذا كان المشرع المغربي لم يعرف العنف فإنه اشار لبعض أدواته في العديد من الفصول ، كما في الجنايات و الجنح ضد الأشخاص في الباب السابع من القانون الجنائي ، حيث أشار في الفصل 400 و ما يليه للجرح و الضرب ، كما توسع في مفهوم العنف عندما ربطه بالعنف الممارس ضد المرأة من خلال قانون 103.13 حيث اعتبر العنف ضد المرأة هو كل فعل مادي أو معنوي أو امتناع أساسه التمييز بسبب الجنس، يترتب عليه ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة؛ و يتحقق في حالتنا هاته العنف بأي وسيلة من الوسائل المذكورة أعلاه و التي  يمكن أن تطال الأشخاص الموكول اليهم تنفيذ قرارات و أوامر السلطة العامة أو بغيرها
أما التهديد فهو كل قول أو كتابة  من شأنها القاء الرعب و الخوف في قلب الشخص المهدد  و قد جرمه المشرع المغربي  كجريمة مستقلة في الفرع الثاني من الباب السابع المذكور أعلاه ، في المواد من 225 إلى 229 من القانون الجنائي في حالات عديدة لا داعي لذكرها في هذا المقام،
أما التدليس فيعني استعمال و سائل احتيالية و تضليلية تهدف لعرقلة تنفيد قرار السلطة العمومية ، و رغم أن  المشرع المغربي لم يعرف التدليس في القانون الجنائي فإنه استعمله في المادة 570 عند اظهاره للعناصر التكوينية لجريمة انتزاع عقار من حيازة الغير(6 ) ،
أما الصورة الأخير من صور جريمة عرقلة تنفيذ قرار السلطة العمومية ، فهي الاكراه ، الذي عرفه بعض الفقه بأنه " قوة لا يمكن دفعها ولا توقعها تجبر الشخص على ارتكاب الجريمة ويعد سبباً مانعاً من قيام المسؤولية"(7) ، و في موضوعنا يمكن أن نعتبره   الحالة التي  يمارس الجاني فيها الاكراه أي الاجبار غير المشروع ضد أحد الافراد المكلفة بتنفيذ قرارات السلطة العامة من أجل عرقلة قيامه بمهامهم في تنفيذ القرارات المتعلقة بحالة الطوارئ الصحية.
و بالتالي فالركن المادي في هاته الجريمة لا يتحقق إلا إذا تمت عرقلة تنفيذ قرارات السلطة العامة عن طريق الوسائل التي نص عليها المشرع في المادة الرابعة .
كما أنه لا بد من توافر القصد الجنائي و ان كان مفترضا في هاته الجريمة ، ما دام أن المشرع تطلب لقيامها نشاطا ماديا ينم على سلوك اجرامي ثابت يتمثل في العنف و الاكراه و التدليس.
ثالثا : جريمة تحريض الغير على مخالفة قرارات السلطات العمومية  بواسطة الخطب أو الصياح أو التهديد المفوه بها في الأماكن أو الاجتماعات العمومية ، أو بواسطة المكتوبات  أو المطبوعات أو الصور أو الأشرطة المبيعة  أو الموزعة أو المعروضة للبيع أو المعروضة  في الأماكن و الاجتماعات العمومية أو بواسطة الملصقات المعروضة على أنظار العموم أو بواسطة مختلف وسائل الاعلام السمعية البصرية  أو الالكترونية ، أو أي وسيلة أخرى تستعمل لهذا الغرض دعامة الكترونية:
 
بداية يمكن القول أن فعل التحريض الوارد في هذه المادة  لا نجده في القانون الجنائي الا كصورة من صور المشاركة في ارتكاب الجريمة المنصوص عليها في المادة 129 من القانون الجنائي ، و الذي جاء فيه "يعتبر مشاركا في الجناية أو الجنحة من لم يساهم مباشرة  في تنفيذها و لكنه أتى  أحد الأفعال الآتية :
1)أمر بارتكاب الفعل  أو حرض على ارتكابه..."
كما نجد التحريض منصوص عليه في المادة 2-267  من القانون الجنائي في جريمة الاشادة بإهانة العلم الوطني و رموزه أو حرض على ارتكاب مثل هاته الأفعال .
و يمكن تعريف التحريض بأنه ذلك الفعل الذي يرمي إلى خلق فكرة الجريمة لدى شخص ما ، ثم تدعيمها  كي تتحول إلى تصميم وعزم على ارتكابها،  أي أنها تقوم على الشحن والدفع بالشخص تبعا لذلك للقيام بأفعال مجرمة، و تتحقق في جريمتنا هاته من خلال شحن الناس و دفعهم لمخالفة قرارات السلطة الادارية المتعلقة بحالة الطوارئ الصحية ، من خلال عدة صور عددها المرسوم بقانون في المادة الرابعة و هي : الخطب أو الصياح أو التهديد المفوه بها في الأماكن أو الاجتماعات العمومية ، أو بواسطة المكتوبات  أو المطبوعات أو الصور أو الأشرطة المبيعة  أو الموزعة أو المعروضة للبيع أو المعروضة  في الأماكن      و الاجتماعات العمومية أو بواسطة الملصقات المعروضة على أنظار العموم أو بواسطة مختلف وسائل الاعلام السمعية البصرية  أو الالكترونية ، أو أي وسيلة أخرى تستعمل لهذا الغرض دعامة الكترونية.
و يلاحظ هنا أن المشرع حاول حصر  الوسائل الأكثر استعمالا في تحريض الناس ، و التي يمكن تقسيمها إلى :
وسائل شفهية للتحريض : و هي الخطب أو الصياح أو التهديد المفوه بها في الأماكن أو الاجتماعات العمومية.
وسائل مكتوبة و مصورة للتحريض : المكتوبات  أو المطبوعات أو الصور أو الأشرطة المبيعة  أو الموزعة أو المعروضة للبيع أو المعروضة  في الأماكن و الاجتماعات العمومية أو بواسطة الملصقات المعروضة على أنظار.
الوسائل السمعية البصرية و الإلكترونية : وسائل الاعلام السمعية البصرية  أو الالكترونية ، أو أي وسيلة أخرى تستعمل لهذا الغرض دعامة الكترونية.
و تبعا لذلك يمكن القول أن هاته الجريمة تتحقق بمجرد قيام الفاعل بأعمال التحريض بالصور التي عددها المشرع بهذا الفصل ، سواء لقي فعله هذا تجاوبا أم لا ، و هذا يعني أن هذا الفعل يعد كذلك من الجرائم الشكلية التي لم يتطلب فيها المشرع النتيجة الاجرامية .
و  بطبيعة الحال لا بد من توافر قصد جنائي الذي  قوامه العلم و الارادة لدى الفعال ، لاكتمال تحقق هاته الجريمة .
الفقرة الثانية : العقوبات الجنائية المقررة في حالة مخالفة أوامر السلطات العامة
بالرجوع للمادة الرابعة من المرسوم بقانون نجدها تورد جزاءات تطال من ارتكب الأفعال الجرمية المشار اليها أعلاه من خلال عقوبات حبسية و غرامات أو بإحدى هاتين العقوبتين .
و تتمثل العقوبة الحبسية في الحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر و غرامة من 300 إلى 1300 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين ، و هذا يعني أن المشرع اعتبر هاته الأفعال الجرمية جنحا ، لكنه أورد مقتضى آخر يخول للقاضي امكانية تكييف هاته الأفعال وفق الجريمة التي لها عقوبة أشد ، و التي قد تكون جريمة العصيان مثلا، و التي عاقب عليها المشرع بعقوبة حبسية تتراوح من شهرين إلى ستة أشهر.
 
 
 
 
الاحالات  :
  1. الفصل 74 من الدستور المغربي : يمكن الإعلان لمدة ثلاثين يوما عن حالة الحصار، بمقتضى ظهير يوقعه بالعطف رئيس الحكومة، ولا يمكن تمديد هذا الأجل إلا بالقانون.
  2. الفصل 59 من الدستور المغربي : إذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة، أو وقع من الأحداث ما يعرقل السير العادي للمؤسسات الدستورية، أمكن للملك أن يُعلن حالة الاستثناء بظهير، بعد استشارة كل من رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، ورئيس المحكمة الدستورية، وتوجيه خطاب إلى الأمة. ويُخول الملك بذلك صلاحية اتخاذ الإجراءات التي يفرضها الدفاع عن الوحدة الترابية، ويقتضيها الرجوع، في أقرب الآجال، إلى السير العادي للمؤسسات الدستورية. لا يحل البرلمان أثناء ممارسة السلطات الاستثنائية. تبقى الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور مضمونة. تُرفع حالة الاستثناء بمجرد انتفاء الأسباب التي دعت إليها، وباتخاذ الإجراءات الشكلية المقررة لإعلانها."
  3. الفصل 90 من الدستور المغربي: يمارس رئيس الحكومة السلطة التنظيمية، ويمكن أن يفوض بعض سلطه إلى الوزراء. تحمل المقررات التنظيمية الصادرة عن رئيس الحكومة التوقيع بالعطف من لدن الوزراء المكلفين بتنفيذها."
  4. مرسوم بقانون رقم 2.20.292 23 مارس 2020 يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية و اجراءات الاعلان عليها ، الصادر في الجريدة الرسمية عدد 6867 بتاريخ 24 مارس 2020.
  5. سبق أن صدر مرسوم الملكي رقم 554.65    الصادر في 17 ربيع الأول 1387 ( 26 يونيه 1967 ) بمثابة قانون بوجوب التصريح ببعض الأمراض واتخاذ تدابير وقائية للقضاء على هذه الأمراض ، لكن يبقى نطاق هذا المرسوم جد ضيق لأنه يخاطب الأطباء و المستخدمين الطبيين ، كما أنه يطبق الحجر الصحي بشكل ضيق
  6. الفصل 570 من القانون الجنائي : " يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من مائة وعشرين إلى خمسمائة درهم، من انتزاع عقار  من حيازة غيره خلسة أو باستعمال التدليس. فإذا  وقع انتزاع  الحيازة ليلا أو باستعمال العنف أو التهديد أو التسلق أو الكسر أو بواسطة أشخاص متعددين أو كان الجاني أو أحد الجناة يحمل سلاحا ظاهرا أو مخبأ، فإن الحبس يكون من ثلاثة أشهر إلى سنتين والغرامة 120 درهما إلى 750درهما "
  7. مصطفى ابراهيم الزلمي ، موانع المسؤولية الجنائية في الشريعة الاسلامية والتشريعات الجزائية العربية، مكتب القبطان ، بغداد ، ط1 ،1998 ، ص186.

الخميس 26 مارس 2020


تعليق جديد
Twitter