Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



في دحض أسباب إلغاء لائحة الشباب: هل نضجت شروط زوال تدابير التمييز الإيجابي؟


     

جابر لبوع
باحث في القانون الدستوري وعلم السياسة



في دحض أسباب إلغاء لائحة الشباب:  هل نضجت شروط زوال تدابير التمييز الإيجابي؟

إن قراءة بسيطة لنصوص الدستور توضح بشكلي جلي مدى اهتمام المشرع بفئات اجتماعية بعينها في ممارسة حقوقها السياسية(الشباب-النساء-الجالية) حيث أفرد لها مجموعة من الأحكام التي تصب في اتجاه إعادة الاعتبار لميدان الممارسة السياسية ومجال ممارسة الحقوق السياسية، وأصبح معه (بالموازاة) مبدأ المساواة في ممارسة الحقوق يعرف نوعا من الانحسار(ظاهريا)، لدرجة يمكن القول أن دستور 2011 يشكل انتفاضة استثنائية على المبادئ الدستورية التقليدية التي لم تعد مواكبة للتقلبات التي تطبع الحياة السياسية والاجتماعية (خصوصا في الجانب المتعلق بممارسة حق الانتخاب)، والتي أفرزت لنا لا عدالة ولا مساواة فعلية في التمثيلية على مستوى الجنس وعلى مستوى الهرم العمري للنخب الوالجة إلى المؤسسات التمثيلية، هذا الأمر أدى بالعديد من الدول إلى اتباع اجراءات قانونية لتصحيح هذه الوضعية وهذ الخلل، حيث اتجهت بداياته بوضع تدابير تخص النساء فقط، لتتجه هذه الاجراءات فيما بعد وتستهدف فئات الشباب الذكور، وذلك بوضع لائحة تمييزية تخصص عددا من المقاعد داخل المؤسسات المنتخبة يتنافس حولها فقط النساء فيما بينهم من جهة والشباب الذكور من جهة ثانية. ولقد أدت هذه الوضعية الجديدة إلى فتح باب النقاش حول مدى دستورية هذه الإجراءات ومدى اتفاقها مع مبدأ سريان القاعدة القانونية على الجميع بدون تمييز، لدرجة أصبح معه جزء من النقاش العمومي الآن يتجه نحو الدعوة لإلغاء هذه التدابير التشريعية لمبررات عديدة. فهل حقا نضجت الشروط الموضوعية التي تستدعي إلغاءها؟

من جهتنا، سنحاول أن نلامس هذا الموضوع عبر نقطتين أساسيتين:

الأولى: تتعلق بدستورية التمييز الإيجابي
الثانية: حول إمكانية إلغائه

أولا: في دستورية التمييز الإيجابي

يعني التمييز الإيجابي في أبسط معانيه، سن تدابير تشريعية لصالح فئات معينة من المواطنين عبر تخصيص حصة من المقاعد البرلمانية لكي يتنافسوا حولها، والغاية منها ضمان نوع من الأفضلية لهم لتصحيح وضعية عدم المساواة في الوضع الناتجة عن التطبيق الحرفي للمبدأ نفسه، والهدف منها كذلك استعادة وضعية تكافؤ الفرص الناتجة عن وضعية عدم المساواة في الأصل.
وقد عمل الدستور المغربي لسنة 2011 على الرفع من المكانة التي يجب أن تمنح للنساء والشباب في مجال المشاركة الانتخابية، كما ألزم المشرع البرلماني باتخاذ التدابير اللازمة من أجل تشجيعهم وتحسين تمثيليتهم داخل البرلمان، فوجود إطار قانوني مواتي لهم يعد عنصرا مهما في البيئة التي تمكنهم من المشاركة السياسية وهو يعكس الآراء والقيم الثقافية ويحدد القواعد والشروط الهيكلية للمشاركة، هكذا نجد أن الآلية التي قام من خلالها البرلمان بتفعيل مقتضيات المشاركة، منعكسة في القوانين التنظيمية المتعلقة بمجلسي البرلمان كما تم تكريسها كذلك في كل من القانون التنظيمي للأحزاب السياسية والقانون التنظيمي للجماعات الترابية، والتي تهدف من ضمن ما تهدف اليه هو تصحيح الخلل الذي تعرفه منظومة التمثيلية، إعطاء فرصة لفئات اجتماعية واسعة ظلت جد مهمشة في الحياة السياسية لكي تصل إلى مراكز القرار.
وفي هذا الصدد يمكن أن نشير إلى العديد من المقتضيات الدستورية والقانونية التي عززت منظومة التمثيلية وذلك على الشكل الآتي بيانه:
 
  • بالنسبة للدستور: نجده قد دعم ذلك في كل من الفصول التالية:
الفصل 6 : يدعوا السلطات العمومية لتوفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية..
الفصل 7: يحث الأحزاب على تعزيز انخراط المواطنات والمواطنين في المشاركة في ممارسة السلطة.
الفصل 19: الذي نص على مبدأ المناصفة.
الفصل 30: أحال إلى المشرع البرلماني لكي يسن مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في الولوج إلى الوظائف الانتخابية.
والفصل 33: الذي ألزم السلطات العمومية اتخاذ التدابير الملائمة لتوسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية السياسية.
 
  • بالنسبة للقوانين التنظيمية: عمل البرلمان في هذا السياق على سن العديد من المقتضيات التي كان من أبرزها تلك المتعلق باللائحة الوطنية في المادة 23 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب الذي خصص من خلالها 90 مقعدا يتنافس فيها النساء على 60 مقعدا بينما يتنافس في الشباب الذكور على 30 مقعدا. إضافة إلى ما نص عليه القانون التنظيمي رقم 11-29 المتعلق بالأحزاب السياسية من مقتضيات تروم دعم تمثيلية النساء والشباب في أجهزتها القرارية، كما أوجب على الأحزاب بتقديم مرشحيها للانتخابات بطريقة ديمقراطية وشفافة.
إن هذا الدعم التشريعي طرح إشكالية أساسية بالنظر إلى ما يمكن أن ينتجه هذا من آثار على مستوى النص الدستوري، الذي ينص على ان القاعدة القانونية تسري على الجميع بدون أي تمييز، كما طرح مسألة مخالفته لمبدأ المساواة في التمتع بالحقوق والحريات الأساسية؟ وبالتالي التشكيك في مدى دستورية هذا الاجراء؟
لقد طرحت هذه المسألة بشدة في العديد من المناسبات في فرنسا، أمام المجلس الدستوري الذي كان أكثر صرامة في التعامل مع النصوص التي كانت تروم تحسين تمثيلية النساء، حيث قضى بمخالفة مقتضيات "التمييز الإيجابي" للدستور والإعلان العالمي لحقوق الانسان ولمفهوم المساواة والسيادة الوطنية التي تمنع أي تقسيم للجسم الانتخابي على أساس الاقتراع العام وعلى المساواة، في أولى قراراته الصادرة في شأن الكوطا النسائية في 18 نونبر 1982، كما سيؤكد على نفس المنطوق في قراره رقم 99-407 DC، وهو ما سيؤدي إلى إجراء إضافة على المادة الثالثة من الدستور بموجب القانون الدستوري رقم 99-569 في 8 يوليوز 1999، الذي أسس لنظام الكوطا. حيث نصت الفقرة الخامسة المضافة إلى المادة الثالثة على ما يلي:" يضمن القانون مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة"، وهذه المادة المضافة بالرغم من أنها جاءت عامة في الدستور، إلا أن المجلس الدستوري الفرنسي سيضع عليها قيود معينة، وفي هذا السياق استبعد المجلس الدستوري النصوص التشريعية الأخرى واعتبر أن الفقرة الخامسة لا تسري إلا فيما يتعلق بتحسين تمثيلية المرأة في المؤسسات المنتخبة، وهو ما سيتضح في قراره المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية (قرار رقم 445-01 DC) وقراره المتعلق بقانون المساواة في الأجر بين المرأة والرجل ( قرار رقم 533-06 DC). وبالنتيجة وبمناسبة تعديل 23 يوليوز 2008 قام المشرع الدستوري بتوسيع هذه الأحكام بدءا من إلغاء الفقرة الخامسة من المادة الثالثة و تعويضها بفقرة جديدة في الفصل الأول من الدستور الذي نص على ما يلي:" يضمن القانون الولوج المتساوي بين الرجال والنساء في تقلد الولاية الانتخابية والوظائف الانتخابية وكذا ممارسة المسؤوليات المهنية والاجتماعية".
بالنسبة للمغرب ونظرا لكون القوانين التنظيمية تكون موضع فحص إلزامي من طرف المجلس الدستوري، فقد كان موقف هذا الأخير مؤيدا لما ذهب إليه المشرع البرلماني بخصوص المادة 23 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب(وبخصوص المواد الاخرى التي نصت عليها مختلف القوانين التنظيمية المتعلق بتنظيم الحياة السياسية)، والذي اعتبر أن هذه التدابير تروم تحقيق غاية دستورية ومصلحة عامة.
وفي نفس هذا السياق نصت المادة 24 من القانون التنظيمي رقم 28.11 المتعلق بمجلس المستشارين، في فقرتها التاسعة على وجوب تقديم لوائح ترشيح يتناوب فيها الجنسان استلهاما لمضمون الدستور، حيث جاء فيها ما يلي: " يجب ألا تتضمن كل لائحة من لوائح الترشيح اسمين متتابعين لمترشحين اثنين من نفس الجنس" وقد جاء قرار المجلس الدستوري مؤيدا لهذا المقتضى الذي اعتبره منسجما مع مبدأ المساواة في التمتع بالحقوق.
 وبدون الخوض في منهجية الاستدلال المنطقي التي اتبعها المجلس الدستوري ، فإن تدابير التمييز الإيجابي يمكن اعتبارها استثناء من القاعدة العامة وإجراء لا يكتسب صفة الديمومة، فهو باعتباره غاية دستورية، وتكريسها التشريعي يجب أن يزول بمجرد زوال الشروط التي أدت إلى إحداثه، فهل حقا آن الأوان للدعوة إلى ذلك؟

ثانيا: إلغاء نظام الكوطا: أي سبيل آخر؟

عندما أقرت الدساتير والتشريعات نظام التمييز الإيجابي، فإن ذلك لم يأتي بشكل اعتباطي وميكانيكي، بقدر ما كان الواقع السائد والظروف التي آلت إليها الممارسة السياسية سببا في إقرار هذه المقتضيات الاستثنائية بعد معارك نضالية خاضتها الأحزاب السياسية على صعيد دولها، وبعدما أفرزت لنا هذه الممارسة تهميش فئات النساء والشباب من المشاركة في انتاج السياسات العمومية عبر مراكز القرار.
في المغرب ومنذ دخول أول دستور له، نص على تكريس مبدأ المساواة بين الجنسين في التمتع بالحقوق السياسية، ونصت الدساتير المغربية على ضمان حق المواطنين في ممارسة هذه الحقوق والحريات، إلا أن الواقع الفعلي أصبح يتجه نوعا ما الى التناقض مع المبادئ الثابتة التي تنص عليها التشريعات، بحيث أن مبدأ المساواة أدى إلى انعكاسات سلبية في شقه المتعلق بممارسة الحقوق السياسية ممارسة فعلية، وبالتالي سينتج عنه نوعا من "لاعدالة توزيعية" على مستوى الواقع المؤسسي- الذي ظل لمدة طويلة في المغرب مأزوما -، وعلى مستوى ممارسة هذه الحقوق بين مختلف الفئات الاجتماعية . وقد استدعى الأمر حتى سنة 2002 وبفضل نظام الكوطا الطوعية، لكي تستطيع المرأة أن تمارس دورها في تمثيل الأمة من داخل المؤسسة البرلمانية، حيث تميزت مرحلة ما قبل 2002 بضعف نسبة مشاركة النساء بل وغيابهن عن المؤسسات التمثيلية. فقبل انتخابات 2002 تم إجراء تعديل على القانون التنظيمي رقم 97-31 بموجب القانون التنظيمي رقم02-06 الذي أسس ضمنيا لنظام التمييز الإيجابي. كما يلاحظ أن الانتخابات التشريعية لسنة 2007 تميزت بمشاركة متدنية للناخبين حيث لم يتحاوز عدد النساء 4.5 بالمائة أما اللوائح التي ترأستها النساء فلم تتجاوز 2.68 بالمائة، وقد أسفرت عن فوز 34 امرأة من مجموع 325 مسجلة بذلك تراجعا طفيفا مقارنة مع الانتخابات التشريعية السابقة. وستعرف تمثيلية النساء والشباب الذكور تطورا ملموسا بعد دخول دستور 2011 حيز التنتفيذ بحيث أدى ذلك إلى بروز شرايين جديدة داخل المؤسسة البرلمانية.
وعطفا على ما سلف، وبالرغم من كون هذه الإجراءات تكتسي صبغة دستورية مؤقتة بطبيعتها، فإن أي اتجاه نحو تجاوزها من طرف المشرع –كصاحب اختصاص وسلطة تقديرية في اتخاذ ما يراه ملائما من إجراءات- يجب أن يكون في اتجاه حماية بعض المكتسبات بشكل إيجابي، وبضرورة زوال الشرط الموضوعي الذي أدى إلى إحداثه والمتمثل في تحقق الغاية الدستورية المتمثلة في ضمان المساواة الفعلية في التمثيلية بين المواطنين على مختلف فئاتهم وإشراكهم في إنتاج القرار التشريعي، وبالتالي فإن انتفاء تحقق هذا الشرط (المساواة الفعلية) يحول دون التنازل عن المكتسبات بالشكل الذي قد يشكل "انتكاسة أو رِدة تشريعية" على المقتضيات السابقة أو الوضع السابق. ولأجل ذلك يمكن القول بأن المقياس في إلغاء نظام التمييز الإيجابي يجب أن يكون مؤسساتيا، وهذا المنطلق المؤسساتي أدى إلى قراءتين:
الأولى: قراءة تنظر –من جهة- إلى مخرجات نظام التمييز الإيجابي وطبيعة النخبة المفرزة ، وبالتالي  الحكم على الكوطا بكونها "ريعا" يعيد إنتاج نفس النخب عن طريق توريث المناصب أو عن طريق تحكم الأحزاب في منح التزكيات. لذلك فإن نظام التمييز يجب إلغاؤه نظرا لكونه لم يحقق الأهداف المرجوة منه، -ومن جهة أخرى- كون الدستور نص على إمكانية أخرى من خلالها يمكن للشباب أن يقوم بمهام مؤسسية.
الثانية : وهي قراءة تصب في اتجاه المحافظة على مقتضيات التمييز الإيجابي، لسبب بسيط يتجلى في كون أن الهدف الدستوري ما زال بعد لم يتحقق، وهذا يعني أن المسألة لا تتعلق بطبيعة النخبة المفرزة بحد ذاتها وإنما يتعلق الأمر بثقافة سياسية يجب أن تتجذر على مستوى المؤسسة الحزبية باعتبارها المسؤولة بالدرجة الأولى عن تحقيق هذه الأهداف الدستورية، وطالما أن الأحزاب السياسية ما زالت لم تصقل ثقافتها السياسية فإن نظام الكوطا يجب أن يتم تقويضه بشكل أكثر صرامة، ليس بالتراجع عن المكتسبات التي تتحقق على مستوى ممارسة الحقوق، أو العودة إلى الوضع السابق(المساواة القانونية) وإنما بإقرار إجراءات تشريعية أخرى أو موازية أكثر إيجابية. بالإضافة إلى ذلك، فكون الدستور أحدث مجلسا للشباب والعمل الجمعوي فإن هذا المجلس لا يعدو أن تكون أدواره سوى أدوارا ذات طبيعة استشارية، وضمان تمثيلية للشباب(الذكور والإناث معا)  في هذا المجلس لا يجب أن تؤدي إلى التنازل عن نظام الكوطا، نظرا لكن الدستور  في الفصل 33 يحيل إلى دعم مشاركة الشباب  في التنمية السياسية -أي في اتخاذ القرار أو التأثير فيه- عن طريق اتخاذ السلطات العمومية التدابير الملائمة لتحقيق هذه الغاية، أما دور المجلس الاستشاري في هذا الصدد فهو دور تكميلي واستشاري عن طريق إبداء اقتراحات والمساهمة الى جانب المشرع في انتاج تشريعات تحقق الغاية الدستورية المرجوة من نظام التميييز الإيجابي.
وختاما يمكن القول بأن المشرع الدستوري عندما نص على مجموعة من الأهداف ومكن البرلمان من سلطة اتخاذ أي إجراء لتحقيق ذلك، فهذا لا يعني أن البرلمان لا يحق له أن يغير من ذلك في حال ما إذا أراد أن يسن مقتضيات أخرى لتحقيق نفس الغاية أو التخفيف من الاستثناء في حال التحقق الجزئي للغايات الدستورية، لكنه يظل مجبرا بعدم التنازل عن اتخاذ أي إجراء ما دام الشروط الموضوعية لم تنضج بعد.

إذا زال الداء بطل الدواء.
 
 

الثلاثاء 1 مارس 2016


تعليق جديد
Twitter