Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



في حاجة إلى انعقاد دورة استثنائية


     



في حاجة إلى انعقاد دورة استثنائية
أحلام محرات
باحثة في العلوم السياسية
بعد ما أعلن البرلمان عن اختتام دورته الخريفية برسم السنة التشريعية الأخيرة في ظل الولاية الحكومية الحالية، دعا مجلس الحكومة يوم 26 فبراير 2021، مجلس النواب ومجلس المستشارين إلى عقد دورة استثنائية ابتداء من يوم الثلاثاء 02 مارس 2021، وفق جدول أعمال محدد لمناقشة ودراسة عدد من النصوص التشريعية التي صادق عليها المجلس الوزاري الأخير، وفي مقدمتها مشاريع القوانين التنظيمية المتعلقة بالانتخابات المقبلة[[1]] .
وتأتي هذه الدعوة الحكومية لتسريع إخراج هذه القوانين الانتخابية التي تكتسي طابعا استعجاليا، وتتطلب حيزا زمنيا مهما من أجل مناقشتها والتداول بشأنها. على اعتبار أن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة يفترض إجراؤها قبيل أكتوبر المقبل.
والملاحظ أن الحكومة اعتادت اللجوء إلى الدورات الاستثنائية وكأن الدورات البرلمانية العادية غير كافية لإنجاز التشريعات المطلوبة، رغم أن هذه الدورة الخريفية سجلت مجموعة من الملاحظات من بينها ضعف الحضور، وحالات الغياب المتكررة خصوصا في نهاية الدورة، وهذا يعني عدم استغلال المجلس لكامل طاقته الإنتاجية خلال الدورة العادية.
تعتمد جل الدساتير في الأنظمة البرلمانية على نظام الدورات البرلمانية، وفق فترة زمنية محددة من كل سنة تشريعية، أي أن هذه المجالس النيابية، في إطار العقلنة البرلمانية، لا يحق لها ممارسة اختصاصاتها الدستورية إلا ضمن المساحة الزمنية المخصصة لها. ويندرج هذا ضمن الآليات الدستورية التي تحد من سيادة البرلمان في ممارسة التشريع والرقابة، لضمان استقرارالحكومة وعدم خضوعها للرقابة الدائمة بشكل يعيق عملها ويمنعها من الانكباب على تنفيذ برنامجها الحكومي. كما يقول "ميشال دوبريMichel Dobri":" إن المجالس في الأنظمة البرلمانية تخضع لدورات محددة بدقة، في مدد مناسبة بما فيها الكفاية لضمان الاضطلاع في ظروف جيدة، بالعمل التشريعي والتصويت على الميزانية والمراقبة السياسية، ولكن منظمة بطريقة تتيح للحكومة الوقت للتفكير والعمل".[[2]] ذلك أن السلطة التشريعية التي تقر القوانين لا تمارس صلاحياتها بشكل دائم، فغاية القوانين عامة وغير آنية، تختلف عن دور السلطة التنفيذية التي تتسم بالديمومة، لمعالجة المشاكل الطارئة وتنفيذ القوانين.
ونظرا لأهمية نظام الدورات البرلمانية، وما تلعبه من أدوار في الحياة البرلمانية، كونها تعتبر الفترة الزمنية الشرعية التي يحق للمجلس ممارسة صلاحيتها خلالها، فقد اتفقت جميع الدساتير المغربية على نظام الدورات، دورتين عاديتين، دورة خريفية وأخرى ربيعية، وهي دورات وجوبية ودورية محددة المدة قانونا. كما يرأس الملك افتتاح الدورة الأولى، التي تبتدئ يوم الجمعة الثانية من شهر أكتوبر وتفتح الدورة الثانية يوم الجمعة الثانية من شهر أبريل، إذا استمرت جلسات البرلمان أربعة أشهر على الأقل في كل دورة، جاز ختم الدورة بمرسوم (الفصل 65 من دستور 2011).
الأمر الذي يدل على أن البرلمان ينعقد في جلسات عامة لمدة ثمانية أشهر على الأقل من كل سنة تشريعية. وأمام الحاجة المتكررة للحكومة لانعقاد دورات استثنائية، بات الأمر يحتاج إلى التفكير في إمكانية تعديل  دستوري لإطالة مدة عمل البرلمان وتقصير مدة الإجازة البرلمانية. كأن يجتمع البرلمان في دورة واحدة كل سنة، وتمديد مدتها إلى تسع أو عشرة أشهر على الأقل، حتى لا يفقد البرلمان وتيرة اشتغاله وحماسه لإنجاز المهام الموكلة له وتوفير الزمن السياسي والدستوري اللازم لتجويد أداءه، كما هو الأمر في فرنسا مثلا التي تتبنى نظام دورة واحدة مدتها تسعة أشهر[[3]] .
كما أن هذا الإجراء سيحد من صلاحيات الحكومة في الطلب المتكرر لانعقاد دورة استثنائية والتحكم فيها، سواء تعلق الأمر بعقدها أو ختمها أو تحديد جدول أعمالها، والأصل أن الغاية من الدورة الاستثنائية هو إتمام دراسة نصوص قانونية كانت معروضة على البرلمان وتحتاج إلى التصويت النهائي أو مناقشة مواضيع سياسية حساسة تكتسي طابع الاستعجال، إلا أن واقع الممارسة بين انفراد الحكومة في توظيفها والتحكم في مسطرتها  سواء تعلق الأمر بالتشريع أو بمجالات أخرى.
لقد نصت جميع دساتير المغرب المتعاقبة على أن عقد الدورات الاستثنائية يتم إما بطلب من البرلمان أو من الحكومة بمرسوم[[4]] .  
إلا أن المشرع الدستوري لم يحدد مدة الدورات الاستثنائية، واكتفى بالإشارة إلى ختم الدورة، بعد أن تتم المناقشة في المسائل التي يتضمنها جدول الأعمال. وبهذا يكون البرلمان أمام خيارين إما عدم الالتزام بدراسة ومناقشة كل النقط المبرمجة أو تمرير النصوص القانونية دون إيلائها الوقت الكافي، في حالة ما إدا كان عدد المشاريع التي تبرمج خلال الدورة الاستثنائية بالمقارنة مع المدة المخصصة لها والتصاقها بالدورة العادية الموالية، لا تساعد على البت في كل تلك النصوص، مما يدفع الحكومة لإصدار المرسوم لختمها.
قد تلجأ المعارضة البرلمانية لطلب عقد هذا النوع من الدورات، واقتراح نقط بجدول أعمالها، والتي لها  علاقة بتقييم الأداء الحكومي في مجال من المجالات. مثل ما قامت به المعارضة الاستقلالية والاتحادية في خريف 1964 بطلب عقد دورة استثنائية لمجلس النواب، لكن هذا الطلب قوبل بالرفض من طرف الحكومة رغم توفره على كل الشروط المنصوص عليها في الفصل 40 من دستور 1962، (جمعت المعارضة البرلمانية توقيع 51 نائب من أصل 144، أي بلوغها شرط ثلث أعضاء مجلس النواب، وجدول أعمال محدد)، والحقيقة أن الخلاف كان حول مضمون جدول الأعمال المقترح[[5]] ، لكن  الحكومة بررت الرفض بعدم استعجالية المواضيع المقترحة في برنامج الدورة.
 مما اضطرت المعارضة البرلمانية إلى طلب التحكيم الملكي في هذه النازلة، والدي أيد موقف المعارضة، وتم بالفعل عقد الدورة الاستثنائية، لقد جاء في الخطاب الملك الراحل الحسن الثاني:"... لقد اختلفت الآراء حول المقصود من التعبير بالدورات الاستثنائية وتبادر بالقول بأننا قصدنا بهذا التعبير الدورات التي يجوز عقدها خارج الدورتين العاديتين، سن مادة الفصل 40 هو أن تتمتع أقلية من مجلس النواب، أي ما كانت هذه الأقلية التي حصرت في ثلث أعضاء المجلس بحق جمع البرلمان وقد أقررنا بالدستور الذي وضعناه ووافق عليه شعبنا  توازنا بين مختلف السلط". وكان ذلك أول قرار تحكيمي  في تاريخ المغرب،الدستوري المعاصر[[6]] ، إلا أن هذه التجربة لم تترسخ في السلوك البرلماني، خصوصا بعد تشديد النصاب القانوني اللازم لطلب عقد دورة استثنائية في الدساتير اللاحقة وتحديدها في الأغلبية المطلقة لمجلس النواب، وهو شرط يصعب تحقيقه أمام تحكم الحكومة في المبادرات البرلمانية من خلال الأغلبية التي تساندها، وبالتالي فجل الدورات الاستثنائية التي عرفتها المؤسسة التشريعية كانت بطلب من الحكومة.
أما الدستور الحالي، فقد خفف النصاب الواجب توافره لطلب جمع البرلمان في الثلث بالنسبة لأعضاء مجلس النواب، والأغلبية المطلقة بالنسبة لأعضاء مجلس المستشارين، إسوة ببعض الدساتير المقارنة، كدستور الجمهورية الألمانية الاتحادية (المادة 39)، مسجلا تقدمه على العديد من الدساتير الأوروبية والعربية التي تشترط الأغلبية المطلقة لعقد مثل هذه الدورات[[7]] . إلا أن المعارضة البرلمانية تتردد في إمكانية اللجوء إلى استعمال هذه الآلية، رغم أن الدورات العادية تشهد هيمنة الحكومة في وضع مشاريعها على جدول أعمال المجلس[[8]] ، إن تمديد الدورة البرلمانية وطلب البرلمان لدورة استثنائية عند الحاجة سيساعد هده المؤسسة في أداء مهامها على أحسن وجه، واكتساب سلطة سياسية تعزز مكانتها ضمن مؤسسات الدولة.
 

[[1]] ـ طبقا لأحكام الفصل 66 من الدستور الحالي، يتضمن جدول لأعمال دراسة مشاريع القوانين التالية:
1) مشروع قانون تنظيمي رقم 04.21 يقضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب.
2)  مشروع قانون تنظيمي رقم 05.21 يقضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 28.11 المتعلق بمجلس المستشارين.
3) مشروع قانون تنظيمي رقم 06.21 يقضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم59.11 المتعلق بانتخاب مجالس الجماعات الترابية.
4)  مشروع قانون تنظيمي رقم 07.21 يقضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية.
5) مشروع قانون تنظيمي رقم 08.21  يقضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 02.12  المتعلق بالتعيين في المناصب العليا تطبيقا لأحكام الفصلين 49 و92
6) مشروع قانون إطار رقم 09.21 يتعلق بالحماية الاجتماعية.
7) مشروع قانون رقم 10.21 يقضي بتغيير وتتميم القانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية والاستفتائية.
8) مشروع قانون تنظيمي رقم 11.21 يقضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 09.97  المتعلق بمدونة الانتخابات وتنظيم مراجعة استثنائية للوائح الانتخابية الخاصة بالغرف المهنية.
9) مشروع قانون تنظيمي رقم 46.19 يتعلق بالهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
[[2]] ـ  Michel Debri, Discours devant le conseil d’Etat, 27 Aout 1958  أورده د. رشيد مقتدر في كتابه "البرلمان في ضوء مستجدات الدستور" ضمن سلسلة دفاتر في القانون البرلماني المغربي، العدد الأول، الطبعة الأولى، 2019، ص42.  
[[3]] ـ تنص المادة 28 من الدستور الفرنسي: "يجتمع البرلمان قانونيا ورسميا في دورة عادية تبدأ من أول يوم عمل من شهر تشرين الأول/أكتوبر وتنتهي في آخر يوم عمل من شهر حزيران/يونيو ويجب ألا يزيد عدد الأيام التي سيجتمع خلالها كل من مجلسي البرلمان خلال الدورة العادية المائة والعشرين. ويحدد عدد أسابيع الاجتماع من قبل كل من المجلسين، ويمكن لرئيس الوزراء بعد استشارة رئيس المجلس المعني أو أغلبية أعضاء كل مجلس أن يقرر عقد جلسات أيام إضافية.
المادة 28 من الدستور الفرنسي كما عدلت بتاريخ 04 أغسطس 1995. [الدستور الفرنسي مترجم إلى اللغة العربية]الصادر في 04 أكتوبر سنة 1958 وحتى آخر التعديلات التي طرأت عليه في 23 يوليوز 2008].
ـ أما المادة 135 من الدستور المعدل الجزائري ل 2016فتنص على أن: "يجتمع البرلمان في دورة عادية واحدة كل سنة، مدتها عشرة (10) أشهر على الأقل، وتبتدئ في اليوم الثاني من أيام العمل في شهر سبتمبر، يمكن الوزير الأول طلب تمديد الدورة العادية الأيام معدودة لغرض الانتهاء من دراسة نقطة في جدول أعمال.
ـ أما الدستور الأردني ينص على: "يعقد المجلس كل سنة شمسية من عمره دورة عادية واحدة مدتها ستة أشهر إلا إذا حل الملك المجلس قبل انقضاء تلك  المدة، ويجوز للملك أن يمدد الدورة العادية مدة أخرى لا تزيد عن ثلاثة أشهر.
ـ لقد عرف نظام الدورات البرلمانية في الدساتير المغربية، تطورا ملحوظا فالدساتير الأربعة الأولى (1962، 1970، 1972، 1992) حددت تلك المدة في شهرين على الأقل، أما دستور 1996 انتقلت المدة إلى ثلاثة أشهر على الأقل لينتقل إلى أربعة أشهر في دستور 2011.
[[4]] ـ فالفصل 40 من دستور 1962، نص مجلس النواب، من دون مجلس المستشارين بحق طلب انعقاد دورة استشارية، حدد النصاب فيها، في ثلث أعضاء مجلس النواب، أما الدساتير اللاحقة 1970 و1972 و1992، وفي نطاق الغرفة الواحدة، فقد حددت هذا النصاب، في الأغلبية المطلقة الأعضاء مجلس النواب، وبالنسبة لدستور 1996، في نطاق نظام الغرفتين، حدد النصاب لقبول هذا الطلب، في الأغلبية المطلقة لأعضاء أحد مجلسي البرلمان.
[[5]] ـ لقد تضمن جدول أعمال المقترح من طرف المعارضة البرلمانية النقط التالية:
ـ استرجاع أراضي المعمرين.
ـ منع الصحف الصادرة في فترة الحماية.
ـ اقتراح الإصلاحات في الميدان الفلاحي.
[[6]] ـ خطاب 1964/11/04 ألقاه المدير العام للديوان الملكي أمام أعضاء مجلس النواب.
[[7]] ـ تنص المادة 29 من الدستور الفرنسي على: "يجتمع البرلمان في دورة غير عادية بناء على طلب من رئيس الوزراء أو أغلبية الأعضاء الذين يشكلون الجمعية الوطنية لمناقشة جدول أعمال محدد عندما تعقد دورة غير عادية بناء على طلب من أعضاء الجمعية الوطنية يتم إصدار مرسوم باختتام الدورة في حال استنفاد البرلمان لكل ما جاء في جدول الأعمال الذي اجتمع لأجله وليس بعد مضي أكثر من اثني عشر يوما من اجتماعه الأول، أيهما كان الأسبق.
يجوز لرئيس الوزراء أن يطلب عقد دورة أخرى قبل انقضاء الشهر الذي صدور مرسوم اختتام الدورة غير العادية.
ـ تنص المادة 73 من الدستور الإسباني على: "يمكن لمجلسي البرلمان أن يجتمعا في جلسات استثنائية، بطلب من الحكومة أو من أعضاء النيابة العامة الدائمة ومن الأغلبية المطلقة لأي مجلس من مجلسي البرلمان، ويجب أن تنعقد الجلسات الاستثنائية وفق جدول أعمال محدد، وتنتهي هذه الجلسات بانتهاء جدول الأعمال المذكور.
ـ أما الدستور الأردني: فتنعقد الدورات الاستثنائية بعد فض الدورة العادية، وأعطى الدستور الحق للملك أو بطلب من الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب بأن هناك حاجة لها، وتحدد الإرادة الملكية بنود الدورة التي ينحصر دور المجلس خلالها بالأمور الواردة فيها، أما على صعيد الصلاحيات الرقابية على السلطة التنفيذية فهي تكون منعدمة خلال الدورات الاستثنائية.
ـ كذلك الدستور اللبناني أعطى الحق لرئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة أن يدعو مجلس النواب إلى عقود استثنائية بمرسوم يحدد افتتاحها واختتامها وبرنامجها وعلى رئيس الجمهورية دعوة المجلس إلى عقود استثنائية إذا طلب ذلك لأكثرية المطلقة من مجموعة أعضائه.
[[8]] ـ حيث بلغ عدد مشاريع القوانين المصادق عليها بصفة نهائية من طرف البرلمان خلال الدورة التشريعية الأولى من السنة التشريعية الحالية، ما مجموعه 28 قانونا، بينما مقترحات القوانين لم تتجاوز أربعة قوانين، أغلبيتها مقترحات قوانين تعديلية ما عدا مقترح قانون المتعلق بإلغاء وتصفية نظام المعاشات المحددة لفائدة أعضاء مجلس النواب.

الخميس 4 مارس 2021


تعليق جديد
Twitter