Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية

الأكثر قراءة


في تشريح مقومات "المعارضة البرلمانية النافذة" في المغرب


     

د.عثمان الزياني

أستاذ باحث بالكلية المتعددة التخصصات ،الرشيدية.
جامعة مولاي اسماعيل ،مكناس



في تشريح مقومات "المعارضة البرلمانية النافذة" في المغرب



تقديم:

لا يمكن أن يكتمل عقد الإصلاح البرلماني وترتسم معالمه بشكل كلي دون الاستثمار في اتجاه تفعيل دور المعارضة البرلمانية والتي تعتبر أحد الأضلع المفصلية والجوهرية في تطوير العمل البرلماني وترشيده نحو المسار الصحيح ،فلا مناص من التفكير في كيفيات تأهيل المعارضة وتبويئها المكانة التي تليق بها في سياق بناء صرح الديمقراطية البرلمانية الحقة الغير القابلة للتجزيء،فلا ينحصر هنا التأهيل على المستوى الدستوري/القانوني بقدر ما يتطلب الأمر  استحضار وبروز التأهيل العملي/الممارساتي .

وهذا ما شار اليه  الملكفي خطاب افتتاح السنة الثانية من الولاية التشريعية التاسعة 12 اكتوبر 2012، إن دور المعارضة البرلمانية تم تعزيزه كسلطة نافذة٬ مع تخويلها وسائل عمل جديدة٬ تمكنها من مشاركة أقوى وأكثر مسؤولية في العمل البرلماني، بمعنى ان المعارضة مطلوب منها الانخراط الفعلي في العمل البرلماني بعدما مكنها الدستور من مجموعة من الحقوق التي جعلها كسلطة نافذة.

فالمعارضة البرلمانية النافذة لايمكن اختزالها في الوجود المادي أو المظهراتي/الشكلاني،وإنما في بعدها الوظيفي /الأدائي،ولعل في مغزى وجدوائية الحديث عن المعارضة البرلمانية النافذة استرعاء ضرورة توافر مجموعة من الشروط التي تعد عناصر داعمة لاقتفاء اثر الفعالية،وعليه من العبث الحديث عن المعارضة كمجرد "ديكور برلماني" تتزين به مشهدية البرلمان،وتشهره في وجه الإعلام والمنتقدين والمتتبعين وأعين الخارج وكل الشغوفين والطامحين في الارتقاء بالبرلمان الى مصاف البرلمانات المقارنة الرائدةوكسبيل ايضا لإرضاء الخواطر فقط،ولا يمكن للمعارضةأن تظل كبضاعة كاسدة لا تملك مقومات التسويق الجيد لمبضعها السياسي والبرلماني وتقبع خارج الزمن البرلماني.

أولا: تكريس المنهجية التشاركيةفي العمل البرلماني.

لاشك إن العملية البرلمانية بمدخلاتها ومخرجاتها تخضع لاشتراطات قانونية ناظمة لها ،بالإضافةإلى تجاذبات وتفاعلات مكونات اللعبة البرلمانية في حد ذاتها ،كما إن صناعة القرار البرلماني بمختلف تشكلاته سواء فيما يتعلق بالتدبير الإداري للمؤسسة البرلمانية ومختلف أجهزتها وهياكلها أو بما هو مرتبط بالقرار التشريعي والفعل الرقابي والعمل الدبلوماسي غالبا ما يخضع ويرتبط بعامل الأغلبية « le fait majoritaire » والتمثيلية النسبية،وهو ما يشكل إكراها حقيقيا في صيانة حقوق المعارضة البرلمانية وتبيئتها،وفي نفس الوقت يعد عاملا داعما لاستئثار الأغلبية البرلمانية المساندة للحكومة إلى درجة التغول ،فهناك من يتحدث عن ما يمكن أن نسميه ب"ديكتاتورية الأغلبية"،فقد أثبتت الممارسة في العديد من النظم البرلمانية مدى استحكام الأغلبية على خيوط العمل البرلماني حيث هي من يقوم بدور تدبيره وبنوع من الاطلاقية، على عكس ذلك تقف المعارضة موقف المتفرج والمتتبع دون أي ضغط أوتأثير يذكر ،مما انعكس على أداء البرلمانات بصفة عامة.
وأمام هذا الانحصار في أفق الديمقراطية البرلمانية تبلورت الضرورة إلى الإشراك الفعلي للمعارضة البرلمانية في العملية البرلمانية بصورة عامة حيث تعزز دور المعارضة في العمل البرلماني سواء من خلال نصوص الدستور والقانون من خلال سن إجراءات عادلة ومنصفة ،أو العمل وفق منطق التوافقات بين الأغلبية والأقلية البرلمانيتين في سبيل إحداث نوع من التوازنات وتجاوز اكراهات الأغلبية.
وعليه أضحت العديد من البرلمانات تعتمد على المنهجية التشاركية لتجاوز مثالب ونقائص الديمقراطية التمثيلية التي تعتمد على الأغلبية في اتخاذ القرارات وذلك بإشراك المعارضة في الفعل البرلماني ومنحها موقعا متقدما في رئاسة بعض اللجان التي تكتسي أهمية بالغة تجاوزا لمعيار التمثيلية النسبية الذي يحول دون الوصول إلى هذا المبتغى وذهبت الحكومات في اتجاه التواصل الجيد مع المعارضة من خلال إمدادها وتمكينها بالمعلومات الكافية التي تعينها في صناعة التشريع ،كما إن معظم القوانين تفتح بشأنها نقاشات حقيقية تراعى فيها آراء المعارضة إلى حد كبير من خلال تتبع سيرورة القرار التشريعي إلى الحد الذي تصل فيه المعارضة إلى مراقبة مدى تنفيذ هذه القوانين أيمراقبة الفعالية التشريعية.
فلا يمكن أن تظل المنهجية التشاركية محط الاستهلاك الإعلاميوالتوظيف الصوري وإنما بحاجة إلى التطبيق الفعلي ،فمن حيث المبدأ نجد ان الحكومة في إعدادها للمخطط التشريعي تقر بضرورة اعتماد المقاربة التشاركية في التشريع لكن في العمق نجد تهميش واضح لقوى المعارضة سواء بقصد أوعن غير قصد ،بمعنى أنالأمر يقتضي التغيير من  هذا المعطى وضرورة القطع مع الشعارات والولوج إلى التقعيد الفعلي للمنهجية التشاركية.

ثانيا:في تقويم العلاقة بين الأغلبية/المعارضة.

لاشك أن العملية البرلمانية تحوي جملة من التفاعلات التي تأخذ طابعا صراعيا لامتلاك النفوذ والقوة السياسية والبرلمانية ،على اعتبار أن البرلمان يشكل دائما حلبة لتضارب المصالح وتضارب الأجندات السياسية والحزبية وأيضا التموقعات أغلبية/أقلية، وفي سياق هذا الخضم والمحك تتخذ المنظومة العلائقية بين الأغلبية والمعارضة منحى الكثير من الاختلاف والخلاف والقليل من التفاهم ونقط الالتقاء وعليه يكثر الشقاق والخصام سواء في تدبير العمل البرلماني في جانبه الإداري وبعده الوظيفي(التشريع،الرقابة،العمل ،الدبلوماسي) ،وغالبا ما تجد المعارضة نفسها مكبلة في عطائها وأدائها بالمحتوى الدستوري /القانوني ،على الرغم من أن الدستور يمنح لها مجموعة من الحقوق ويجعلها في مصاف المعارضات البرلمانية النافذة القائمة في الديمقراطيات البرلمانية العريقة.
فالمعارضة البرلمانية بالإضافة إلى الضعف الذاتي الذي تعاني منه نتيجة أسباب مختلفة مرتبطة أساسا بضعف التنسيق بين مكوناتها وبالإضافة إلى الخليط الهجين من الأحزاب التي تتشكل منها وأيضا أحزاب خبرت ممارسة السلطة والاصطفاف في الأغلبية أكثر من ممارسة المعارضة ،فهي تقع أيضا تحت طائلة تعسف الحكومة والأغلبية المساندة لها في ممارسة حقوقها الدستورية فهي تبذل كل ما من شانه إن يساهم في إضعاف المعارضة ويجعلها تفتقد إلى القدرة على مسايرة العمل الحكومي ومجاراة حتى الأغلبية التي تستفيد من الامتياز الحكومي في الإجهاز على المعارضة وتهميشها،فالأغلبية تشكل الدرع الواقي للحكومة من ضربات المعارضة أي بمعنى أنها تشكل جبهة للصد .
وبالتالي فان التفكير في تأهل المعارضة يجب أنيتأسس على بناء علاقة جديدة بين الأغلبية والمعارضة قوامها الاحترام المتبادل ونبذ ثقافة الإقصاء والتعاون على قهر مختلف الصعاب التي يمكن مواجهتها بخصوص تدبير السياسات العمومية التي هي بحاجة إلى تضافر الجهود كل من موقعه يقترح آراء ومواقف وتصورات من شانها أن تفيد أيضا في صناعة التشريع الجيد،فالأغلبية والمعارضة عبارة عن ،كل برلماني لا يتجزأ  وفي غياب احد الطرفين النظام البرلماني لا يمكن أن يشتغل ويعمل بشكل جيد.

ثالثا:معارضة برلمانية "مؤسسية "institutionnalisé".

إن تحقيق المعارضة لذاتيتها يعد شرطا أساسيا للتكيف،وهذا لن يتأتى إلا من خلال الممارسة الفعلية والعملية لحقوقها الدستورية،وعلى عكس ذلك يزداد اغترابها عن محيطها وبيئتها البرلمانية مما يفضي في نهاية المطاف إلى ضعفها ووهنها،مما يزيد أيضا من انغلاقها على ذاتها وتخبطها في فعلها ويترتب عن ذلك تدني إحساس مكوناتها بالانتماء إلى المؤسسة البرلمانية وضعف الدافعية للعمل والمبادرة والفعل نتيجة فقدان الثقة في قدراتها ومؤهلاتها
ان المعارضة البرلمانية تعمل في إطار بيئة داخلية و خارجية وهي تتعرض للعديد من الاكراهات والمتغيرات وبشكل مستمر وعليه فهي مدعوة إلى امتلاك ناصية التكيف مع هذه الأوضاعوالأحوال ،فالمتغيرات  الداخلية تفرضها تعقدات العمل البرلماني بمختلف أوجهه في حين تتشكل متغيرات البيئة الخارجية من الاكراهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية،فهي مطالبة بتجديد خطابها وتطوير أدوات عملها للتكيف مع المعطيات المستجدة بشكل دائم ومستمر.
إن الحديث عن المعارضة النافذة يستتبع ضرورة توفرها على حسن التنظيم والهيكلة والتخطيط ،بمعنى إن المعارضة القوية هي التي تعتمد على التنظيم الداخلي الجيد لمكوناتها في شكل مؤسساتي ،فالمعارضة في البرلمانات الحديثة تنتظم على شكل منظمة أو مؤسسة تحتوي على بنيات وهياكل وأجهزة تسهر على حسن التسيير والتدبير، بالإضافة إلى وجود قيادة ديمقراطية هي التي تسهر على الاستمرارية والديمومة ،وبالتالي فان عملية اتخاذ القرارات التي تهمها تكون نتيجة إشراك مختلف مكوناتها بغض النظر عن حجمها العددي ودرجة قوتها داخل المؤسسة البرلمانية.
وقوة المعارضة من قوة تنسيقها بغض النظر عن الاختلافات الإيديولوجية والسياسية لمكوناتها ،فالتنسيق يعزز من عضدها وتآزرها في مواجهة الخيارات السياسية للحكومة وهذا يسهل من مأمورية التخطيط وإعداد البرامج البديلة للسياسة الحكومية التي تبنى على خيارات واختيارات المواطنين ،فالاتساق والانسجام يساعد في التخطيط الجيد في إعداد برامجها والاتفاق على طريقة التحرك والاشتغال وبناء مواقف موحدة من قضايا مجتمعية قد تكون أنية ومستعجلة ،على عكس ذلك نجد إن الانقسامية والتفكك يعزز من قوة الحكومة والأغلبية المساندة لها مما يجعل المعارضة مجرد إضافة عددية في البرلمان ولا يكون مصيرها إلا السير في درب الحكومة ومسانديها ،فتصبح المؤسسة البرلمانية بدورها في حالة تبعية مطلقة للحكومة
فالمعارضة البرلمانية مدعوة للعمل بروح الفريق الذي يضمن حرية الآراء والمواقف والتصورات لكن في إطار منسجم ومتكامل ومؤثر وفي سياق التفاعل الايجابي من اجل تحقيق أهداف وغايات مشتركة تخدم العمل البرلماني وتفيد في تحقيق المصلحة العامة.
وتبقى أيضا من بين شروط مؤسسية أو مأسسة المعارضة هي الاستقلالية ،بمعنى امتلاك سلطة القرار والتقرير في مختلف مجالات عملها واشتغالها ،فمن مكامن القوة في أي معارضة هو عدم التبعية لأيجهة كيفما كانت طبيعتها ،وذلك بالقطع مع منطق الاشتغال بالتعليمات والأوامر ،فالاستقلالية الوظيفية تقتضي في مقام أول عدم رهن المواقف والآراء والتصورات بمصالح سياسية ضيقة أو خدمات أو امتيازات او مساومات، وهذا ما نلاحظه في كثير من الأحيان حيث نجد نواب المعارضة ينأون عن القيام بدورهم في المراقبة وإحراج الحكومة والتخاذل في كثير من الأحيان عن القيام بدور المعارضة لقاء قضاء مصالحهم ومصالح الناخبين في دوائرهم الانتخابية ،فهم يحرصون على كسب ود الحكومة لقضاء مأربهم وهذه الفردية في التعامل مع الحكومة أثرت بشكل كبير على أداء المعارضة البرلمانية.
وبما أن البرلمان يعد مجالا خصبا لتضارب المصالح ويعرف تدخلات اللوبي والجماعات الضاغطة للتأثير خصوصا في مجال التشريع وذلك عن طريق الضغط على البرلمانيين بشتى الوسائل لاستمالتهم في اتخاذ مواقف لصالحهم سواء عن طريق القيام بعمل أو الامتناع عن اتخاذ إجراءات وتدابير مختلفة ،فان البرلماني المعارض يبقى عليه واجب التخلص من هذه الضغوطات وتحكيم ضميره في هذه الأمور والتجرد من أي ضغوط قد تعيقه في خدمة المصلحة العامة ،وحتى على المستوى الرقابي نجد كثيرا ما يتعرض أعضاء المعارضة للضغط من أجل ثنيهم على إثارة الحديث أو توجيه أسئلة كتابية أو شفوية بخصوص قطاعات معينة قد تكون اقتصادية أو اجتماعية و تهم القطاع الخاص بالدرجة الأولى.
وبالتالي الرهان على معارضة برلمانية مستقلة وبمنظور يخدم المصلحة العامة تعد مسالة جوهرية في الحصول على معارضة مؤسسية بعيدة عن
إن  التنسيق بين مكونات المعارضة يؤدي إلى ضمان ولاء هذه الأحزاب لفعل المعارضة وعدم انعزاليتها وعملها بانفرادية وفي ذلك مدخل للتشتت والتفكك الذي يعزز من ضعف المعارضة وفقدان القدرة على مجابهة السياسة الحكومية ففي التنسيق والتعاون  تحقيق المعارضة لنوع من الكفاية البرلمانية في أدائها، و القضاء على كل ما من شانه أن يؤدي إلىإحداث صراعات داخلية.

رابعا: في ضرورة تحديث وتجديد"ثقافة المعارضة".

إن ثقافة المعارضة مفهوم ذا طبيعة تراكمية ومستمرة،يتشكل من مجموعة من الاتجاهات والقيم والأفكار والموروثات والعادات الخاصة بها ،التي تتشكل وتتركز بفعل الممارسات والأنماط السلوكية البرلمانية خصوصا فيما له علاقة مباشرة بالمعارضة،فهي لها اتصال بما يتعلمه البرلماني أثناء القيام بفعل المعارضة سواء فيما يتعلق بمضمونها أو إتباع أدبياتها و أبجدياتها،وعلى أساس هذا التفاعل تتشكل مجموعة من القيم التي تنهل منها المعارضة في أدائها،كما إن ثقافة المعارضة لها من مقومات الاستمرارية والتغير ،وقابلة للتناقل بين الأجيال البرلمانية المتعاقبة ،فهي تكاد تكون مجردة وغير مرتبطة ببرلمانيين محددين أو أحزاب معينة وثقافة المعارضة تلقن وتكتسب بصيغة قبلية حيث يشكل البرلمان امتداد بعديا للتمرس الفعلي على ثقافة المعارضة.
ومما عرقل تشكل ثقافة المعارضة سيادة مجموعة من التمثلات السلبية لدى البرلمانيين ،على اعتبار أن الكثير منهم ينظر إلى المعارضة على أنها "شر لابد منه"،وحتى لدى الأحزاب السياسية بخلاف التموقع والاصطفاف داخل الأغلبية الحكومية التي تجعل الأحزاب و البرلمانيين يحصلون على امتيازات مختلفة،يقل نظيرها في المعارضة ،وهي نظرة تطغى عليها نوع من الفردية والمصالح الضيقة .
إن "معارضة اليوم قد تصبح أغلبية الغد" والعكس صحيح بحكم مبدأ التداول على السلطة، وبالتالي فالمعارضة تعد بدورها مدرسة حقيقية للتكوين السياسي والبرلماني، وللتعلم والتلقين على قيم خدمة المصلحة العامة،فمن أخطاء الآخرين (الحكومة والأغلبية)،ينتج حسن التعلم والتربية على التدبير الجيد للسياسات العمومية ومراكمة التجربة والخبرة في إعداد السياسات البديلة،فمن خلال التتبع والمراقبة والتدقيق تنكشف للمعارضة الكثير من بقع الضوء في السياسة الحكومية يمكن الاقتداء بها والعمل بها حالة وصولها للسلطة والوقوف على مكامن الخلل لدرئها في المستقبل وفي ذلك مصلحة عليا في تدبير الشأن العام،بمعنى خلق نوع من التراكم في احترافية تدبير الشأن الحكومي.
ليس من الممكن أن اختلف مع الأخر على الدوام ولا اتفق معه كذلك على الدوام.بلاختلفواتفق للوصول إلى منتصف الطريق معاً، بدلاً من إن يذهب كل واحد منا باتجاه معاكس بما في ذلك من تعطيل لمصالح العباد أو تكريس للرأي الواحد الذي يكون مصدره الأغلبية
إن ثقافة المعارضة الجيدة تقتضي الانتقال من المعارضة المنبرية السجالية،إلى قوة الفعل والحراك والدينامية وطرح السياسات البديلة التي تبنى على مقومات موضوعية وعقلانية .

خامسا:المعارضة البرلمانية والاتصال الجماهيري.

إن الحديث عن مقومات المعارضة البرلمانية النافذة لا يمكن أن يستكين دون استحضار مطلب ضرورة انخراطها في العملية التواصلية الخارجية بمعنى الاتصال الجماهيري ،حيث قوة المعارضة تقاس بمدى انفتاحها على المواطنين ومختلف الفئات الشعبية والتفاعل معهم باستثمار أدوات الاتصال الجماهيري في ذلك،فاكتساب المعارضة للدعم الجماهيري يمكن أن يشكل قوة دفع معنوية لها في العمل أكثر والاجتهاد والابتكار لكون الجمهور يعد مصدر أساسي للمعلومات التي تساعد المعارضة:
أولا :في الوقوف عن قرب على مختلف حاجيات وانشغالات المواطنين على مستوى التشريعات وأيضا فيماهو مرتبط بتدبير السياسات العمومية وخصوصا فيما يتعلق بتحديد الأولويات .
ثانيا: تعينها في الرقابة البرلمانية على السياسة الحكومية بالكشف عن الاختلالات وأوجه القصور ،خاصة وان المواطنين هم المستهدفين في السياسات العمومية ،وهم  من يكتشفون أهم الإشكالات التي تثويها مختلف التشريعات أيضا،فالمعلومات التي تأتي من المحيط الخارجي أكثر أهمية من التي تكون مركونة بداخل ردهات البرلمان،والتي قد تسم بخاصية البطء في التكيف مع المتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية ،عكس المعلومات التي يكون مصدرها المواطن بشكل مباشر  حيث دائما متجددة وبعيدة عن كل الإجراءات الإدارية والبيروقراطية.
ثالثا: وهي أن هذه المعلومات تساعد المعارضة في اعتماد برنامج عمل وإعداد سياسات بديلة منسجمة إلى حد كبير مع تطلعات ومطالب المواطنين،وهذا الأمر من شانه أن يعزز من رصيد الثقة في المؤسسة البرلمانية ومن الثقة في المعارضة البرلمانية  بدرجة أولى ،ولعل في ميزة هذا التفاعل الايجابي التأسيس للثقافة البرلمانية  باعتبارها ثقافة سياسية فرعية التي يمكن ان تكون بمثابة رافعة لتعزيز المشاركة السياسية للمواطنين.
المعارضة البرلمانية وضرورة استثمار تكنولوجيا المعلوميات,
ان المعارضة البرلمانية في اداء عملها تواجه العديد من التحديات ،وليس ابرزها فقط ما يتعلق بتعقد العمل البرلماني بمختلف مجالاته وانما تحديات مجتمع المعرفة وتطورات تكنولوجيا المعلوميات ،وحتى الان برزت العديد من المفاهيم الحديثة التي لها علاقة مباشرة في  التأسيس لما يصطلح عليه بالبرلمانات الالكترونية ،والكثير من البرلمانات قطعت اشواطا كبيرة فيما يخص توظيف تكنولوجيا المعلوميات سواء على مستوى التدبير الاداري والتنظيمي وايضا فيما هو مرتبط بالبعد التواصلي مع المحيط الخارجي ،فتقنية المعلوميات اضحت واقعا يفرض نفسه بقوة وامرا لا مفر منه لما يملك من مزايا وايجابيات على العمل البرلماني حالة استعمالها بشكل جيد.
وعليه فالمعارضة البرلمانية مطلوب منها الانخراط في هذا الورش المعلومياتي للارتقاء بأدائها نظرا للمرونة والسرعة التي تتميز بها التكنولوجيا ،وهي يمكن ان توظف على اكثر من صعيد سواء في تجهيز مكاتبها بالحواسيب التي تساعد على تيسير العمل التنظيمي /الاداري لفرق المعارضة من حيث تخزين مختلف المعلومات ومعالجتها ،وهذه التكنولوجيا توظف في صالح ربط التواصل بمختلف الاجهزة الادارية للبرلمان للوقوف على مختلف المستجدات والمتغيرات وايضا فيما يتعلق بتدبير الوقت او الزمن البرلماني ،فبواسطة هذه الحواسيب يمكن الوقوف على كل صغيرة وكبيرة داخل البرلمان والاطلاع على مجمل اجندة البرلمان وانشطته.
كما ان تكنولوجيا المعلوميات تساعد في عمليات التنسيق بين فرق المعارضة بشكل كبير وبحكم الكم الهائل من المعلوميات والدرجة العالية من الانسيابية التي تتمتع بها يمكن اتخاذ قرارات ومواقف بسرعة وبفعالية اكثر مما قد تتطلبه الاجتماعات التقليدية التي تستوجب الوقت والجهد ،وهذه التقنية قد تساهم في تجاوز حتى اكراهات الغياب ،حيث يمكن لعضو برلماني ينتمي الى المعارضة ان يعبر عن رايه او ان يقوم بإدراج سؤال شفوي او كتابي دون ان يحضر الى البرلمان، على ان هذا لا يستقيم دون التوفر على كوادر بشرية وتقنية متخصصة في تكنولوجيا المعلومياتتساعد فرق المعارضة في القيام بعملها.
على ان الامر لا يقف عند ماهو داخلي بل اصبحت تكنولوجيا المعلومياتتأخذ حيزا اكبر في مجال التواصل البرلماني ،فلا شك ان الكثير من البرلمانيين في المعارضة لا تستهويهم فكرة التواصل وخاصة باستعمال تكنولوجيا المعلوميات ،في حين ان قيمة تواصل المعارضة مع المحيط الخارجي يتعاظم بشكل كبير  في ظل الديموقراطية التشاركية ،اذ انه في الكثير من الحالات نجد قرارات المعارضة تفتقد الى الصوابية،لكن الاشتراك في المعلومات مع المواطنين ومختلف الفعاليات المدنية قد يؤدي الى تجاوز مثل هذه المثالب وخاصة اذا ما تم حسن استثمار هذه التكنولوجيا في السياق الذي يفيد سيرورة صناعة القرارات في العمل البرلماني، فالمعارضة البرلمانية بحاجة الى رجع الصدى حول السياسات التي تنهجها والتي يكون مصدرها ارتسامات المواطنين بالدرجة الاولى حول ادائها مما يساهم في تقويم اختلالاتها وتصويب مختلف اوجه القصور .
فالمعارضة يمكن ان توظف مختلف التقنيات الالكترونية في التعريف ببرنامجها وبالدور الذي تقوم به داخل المؤسسة البرلمانية خلال انعقاد اللجان او الجلسات العامة ،وايضا فيما يتعلق بنشاطها الدبلوماسي،سواء من خلال احداث موقع الكتروني خاص بها او من خلال اقبال برلمانييها على احداث مواقع برلمانية خاصة تتوافر فيها جل المعلومات حول العمل البرلماني بصفة عامة او حجم العمل الذي تقوم به المعارضة وتغطية انشطة برلمانييها على مستوى الدائرة الانتخابية وايضا اتاحة الامكانية للتواصل مع اهل الدائرة الانتخابية لتلقي مختلف الشكاوى والخدمات والمطالب المستعجلة.
وفي الختام يمكن القول بأن تأهيل المعارضة البرلمانية وجعلها نافذة وقوية ومؤثرة يجب أن ينصاع لمجموعة من الاشتراطات والتي يمكن إجمالها فيما يلي:
*إن المعارضة الجيدة و النافذة تقوم باستثمار وتوظيف عنصريالاستراتيجيةوالتكتيك،فالأولىتقتفيالتخطيطوالتتبعوالتقويمفيمايخصالاهدافالمتوخاةمنالمعارضةسواءفيمايتعلقبعلاقتهابالحكومةاوالاغلبيةالبرلمانيةوايضافيمايتعلقبصناعةالسياساتالبديلة،فالعملالمصمموالمخططهوالاقدرعلىالفحصالجيدللسياساتالحكوميةوالقيامبالدورالرقابيوالتشريعيوالدبلوماسيعلىالوجهالمطلوب،والتكتيكيعتمدعلىكيفيةمواجهةبعضالمستجداتاوالاحداثالمفاجئةاوالطارئةالتيقدتواجهالمعارضةفيعملها .
*يجب على المعارضة البرلمانية بمختلف مكوناتها أن تقطع مع ثقافة الانتظارية  والاتكالية ،لان التمتع بحقوق دستورية وممارستها بشكل من الأشكال هي مسألة تنتزع ولا تمنح في ظل بيئة برلمانية يسودها الصراع والاختلافات والتباينات بين مختلف مكونات اللعبة البرلمانية.
*ضرورة انفتاح الحكومة والأغلبية الداعمة لها على المعارضة البرلمانية ومنحها المجال البرلماني للعمل والاشتغال من اجل إبراز قدراتها ومؤهلاتها ،وفي نفس الوقت مطلوب من المعارضة التعامل والتعاون مع الحكومة والأغلبية لان الرهان في نهاية المطاف هو المصلحة العامة التي لا يعلى عليها.
*مأسسة العلاقة بين الأغلبية والمعارضة والناي بها عن الخلافات الحزبية والحسابات السياسية الضيقة مع إدراكأن قوة البرلمان في حد ذاتها هي من قوة الأغلبية والمعارضة على حد سواء ،وغير ذلك سيرهن الفعل البرلماني لصالح الفعل الحكومي، وبالتالي تنحبس كل إمكانيات تطوير قدرات المؤسسة البرلمانية .
*اتسام المعارضة البرلمانية بخصيصة المبادأة في العمل البرلماني سواء في التشريع أو الرقابة وعدم الاستسلام لواقع الهيمنة الحكومية لان فرض الذات وتبوء مكانة متميزة يتطلب بذل مجهودات مضنية واستثنائية لإعادة الاعتبار للمعارضة البرلمانية ولا سبيل إلى ذلك إلا الحرص على ممارسة وتفعبل كل حقوقها الدستورية المنصوص عليها في الفصل 10 من دستور2011.
*كما إن ممارسة هذه الحقوق الدستورية لا يمكن أنتتأتى دون وجود إرادة حقيقة تقطع مع طربقة العمل بالنوايا واعتماد عنصر الفعل والممارسات العملية المعبرة عن ذلك ،فغالبا ما تلجا المعارضة التي تمكن منها الضعف والوهن إلى رمي حمل أخطائها على غيرها سواء من خلال التحجج بالمقتضيات الدستورية والقانونية أو  الاتهامات المجانية للحكومة.
*إن تفعيل دور المعارضة في المجالين التشريعي والرقابي بحاجة ماسة إلى الوسائل المادية والبشرية ومختلف الأجهزة المعاونة في أداءأدوارها باقتدار ،فبالنظر إلى تعقد الدورين التشريعي والرقابي فهو يستلزم تمكين المعارضة من كل الوسائل والأدوات التي تساعدها في الفعالية لأنه دائما ما يطرح المشكل على مستوى استئثار حتى الأغلبية البرلمانية بالدعم البشري والمادي ،على حساب المعارضة ،وبالتاليالأمر بحاجة إلىإعادة النظر خاصة أن مستوى هذه الإمكانياتيعرف نوع من الندرة والتواضع والضعف مقارنة ببرلمانات الديمقراطيات الغربية حيث غالبا ما نجد أن حجم الإمكانيات التي يتمتع بها فريق برلماني فقط يكاد يضاهي حجم إمكانيات البرلمان المغربي،وهذه المكننة تسري على فرق الأغلبية و فرق المعارضة على حد سواء وذلك لاعتبار أن الفرق البرلمانية تؤدي عملها باحترافية على جل المستويات والأصعدة .
*ضرورة تمكين واستفادة المعارضة من الخبراء المتخصصين والمستشارين وأيضا الاستعانة بالمراكز البرلمانية المتخصصة والمؤسسات البحثية في جميع المجالات والتي من شأنها مساعدة وإعانة المعارضة في أداء مهامها،خصوصا وأن جملة من التشريعات تطرح إشكاليات كثيرة ومعقدة خاصة المتعلقة بالمالية العامة التي هي بحاجة إلى الخبرة القانونية والتقنية للخوض فيها ومناقشتها والمساهمة في تعديلها وحتىفي الجانب الرقابي الذي تكون فيها مثلا مهمة التدقيق المالي في مالية بعض المؤسسات العمومية جد مركبة ومعقدة ،كما ان مهمة رهان الرقابة البرلمانية الفعالة يقتضي استثمار مختلف اليات الرقابة بما فيها لجان تقصي الحقائق والمهام الاستطلاعية التي تقوم بها اللجان وايضا مهمة تقييم السياسات العمومية.

الاحد 2 يونيو 2013


تعليق جديد
Twitter