Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



في تأصيل قاعدة الأثر الفوري للمرسوم بقانون بإعلان حالة الطوارئ الصحية


     

سعيد اولعربي
دكتور في القانون العام



في تأصيل قاعدة الأثر الفوري للمرسوم  بقانون بإعلان حالة الطوارئ الصحية
"دور القانون الجديد هو التكفل بحل إشكالات المستقبل،الماضي ينفلت من سلطته، وأينما حظي إنفاذ القانون بأثر رجعي، فليس الآمان وحده من يصبح في خبر كان، بل أيضا ظل الآمان يختفي من الوجود"     M. Closset-:marchal : l’application dans le temps des lois de droit judicaire, 1983, p 9.
 
 

 
مناسبةاستحضار هذه المقولة الفقهية هوالنقاش الدائر حاليا في بعض الأوساط القانونية بشأن منطلق سريان آثار حالة الطوارئ الصحية المقررة من طرف الحكومة بموجب مرسوم بقانونعدد2.20.293 الصادر بتاريخ 23 مارس 2020، والمنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 24 مارس 2020، علاوة على حضور هذا العنصر في استدلالات القضاء الإداري في نازلة ذات صلة بحالة الطوارئ وتاريخ جريان آثارها([1]).
واللافت في هذا النقاش هو قول البعض أن المرسوم المذكور اعتراه الغموض في عدم تحديد تاريخ السريان وافتراض الصواب في رجعية الآثار،وأيضا الذهاب، في مسعىالبحث عن مسوغ للأثر الرجعي، إلى استحضار مفهوم المصلحة العامة، واعتبار الأثر الرجعي في المرسوم سائغا، وفقاقتضاءهذهالمصلحة العامة، بشأن وقف سريان الآجال التشريعية والتنظيمية الواردة في المادة 6 من المرسوم([2]).
ونظرا لجاذبية الموضوع وراهنيته وحجم رهاناته في تأثيره على المراكز القانونية المتعارضة،وما سيثار حوله من نزاعات ممتدة في حقول قانونية مختلفة،ارتأت هذه المساهمة الخوض في النقاش بتناول مدى إمكانية اعتبار سكوت النص عن فترة سريان آثاره غموضا يتعين رفعه، وما إذا كان من السائغ الحديث عن قابلية مضامين المرسوم للتطبيق بأثر رجعي، ومدى رجحان المصلحة العامة في تبرير الرجعية على حساب مبدأ استقرار وصيانة الأوضاع والحقوق المكتسبةوالأمن القانوني.
ولعله من المناسب التنويه إلىالسياق الدستوري الوطنيوالتأسيس عليه في سبيل بناء تأصيل قانوني، يبتغي الإجابة على الأسئلة المسطرة أعلاه بما يلزم من تدقيق و تمحيص في حدود ما يسمح به حيز هذه المقالة، التي توخت التقيد بالعرض المناسب للموضوع دون استفاضة مملة أو اقتضاب مخل بالإحاطة بعناصر الجواب على الإشكالية.
أولا  السياق  الدستوي  المغربي
ترى هذه الدراسة فائدة في الركون إلى مرجعية النظام الدستوري المغربي للتوقف عند  خصوصياته المبينة بعده، ابتغاء استخلاص الناتج القانوني على وجه صحيح بشأن قاعدة الرجعية، وتفادي كل استئناس بالقانون الفرنسي، لا يراعي أوجه  تفرد القانون المغربي بهذا الخصوص.
  • أن الدستور المغربي يصنف في خانة الدساتير الصلبة الآخذة بالعقلنة البرلمانية، ومن تم يتسم بخصائص منها أساسا سيادة قاعدة تدرج أو تراتبية نصوص البناء القانوني الوطني، ومفاد قاعدة التدرج أن هذهالقواعد تأتي على شكل هرمي متدرج من القاعدة الأسمى إلى القاعدة الدنيا،مع إفضاء ذلك إلى لزوم احترام هذه الأخيرة للقاعدة التي تعلوها، ويستتبعذلكلزوم مطابقة القوانين التنظيمية و العادية والنصوص التنظيمية للدستور الذي له مقام الصدارة، وضمنه الفقرة الأخيرة من الفصل 6 منه التي نصت على عدم رجعية القانون.
ويتحصل من السابق بيانه أن تراتبية القوانين ودستوريتها تعتبران مبدأين ملزمين للمشرع العادي)البرلمان( والمشرع الفرعي)الحكومة(، وبالتالي لايملك البرلمان والحكومة أية إمكانية للتحلل من المبدأين الحاكمين تحت طائلة جزاء الإلغاء لعدم الدستورية بالنسبة للعمل التشريعي للبرلمان ولمخالفة القانون فيما يتصل بتصرفات  الحكومة.
  • أنه ولئن كان النظام الدستوري المغربي متماثل مع نظيره الفرنسي في مجمل مرتكزات العقلنة البرلمانية، فإنه  يختلف عنه في جزئية ضابط عدم رجعية القانون، حيث هذا الضابط مسنون في المغرب بنص يرتقي في سموه إلى القاعدة الدستورية) الفصل 6 من الدستور (، في حين أن مبدأ عدم الرجعية في المادة المدنية الفرنسية مقرر في الفصل 2 من القانون المدني، الذي هو قانون عادي لا يشكل قيدا على التشريعات المندرجة ضمن مجال القانون بمدلول الفصل 71 من الدستور المغربي المماثل للفصل 34 من الدستور الفرنسي.
وإذا كانت عدم الرجعية قاعدة دستورية، تسري على كافة مواد القانون المغربي، فإن القانون الفرنسي لايعرف القاعدة بهذا المستوى من السمو إلا في المادة الزجرية وفق ما قررته المادة 8 من إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي لسنة 1789 واستقر عليه اجتهاد المجلس الدستوري الفرنسي([3]).
  • أنه إذا كان المجلس الدستوري الفرنسي يوظف مفهوم المصلحة العامة، ويضيف إليها وصف الوازنة intérêt general suffisant لتسويغ عدم الرجعية في القوانين المدنية، فإن مطلق قاعدة عدم الرجعية المتبناة في القانون الدستوري المغربي تفرض توخي الدقة والحذر في الاستئناس باجتهاد القضاء الفرنسي في ظل اختلاف السياقين بصورة جوهرية على النحو المفصل في الفقرة السابقة.
  • أن وجه المصلحة العامة في دولة الحق والقانون يكمن ابتداء وانتهاء في احترام القانون المعبر بسمو عن إرادة الأمة، لاسيما إذا كان في مصاف الوثيقة الدستورية، التي هي أساس تعاقد أو ميثاق اجتماعي ([4])ملزم بين مختلف مكونات وقوى الوطن الواحد، وما ينتج عن ذلك من سموها على اعتبارات المصلحة العامة المستهدفة في قانون عادي أو نص تنظمي يوازيه، لأنهذه الأخيرة لا يمكن أن تكون إلا في مرتبة أدنى من سمو مرامي ومقاصد الوثيقة الدستورية.
 
ثانيا  مضامين المرسوم بين يقين المادة الزجرية وتحصن المراكز الناشئة قبل نشره
 
تضمن مرسوم 23 مارس 2020 جملة من التدابير  التشريعية، التي هي من صميم اختصاص البرلمان بموجب الفصلين 70 و71 من الدستور، ولا تحل محله الحكومة  في سنها إلا في حالتين:  حالة مرسوم تشريعي بناء على توفرها على التأهيل القانوني بموجب قانون الإذن)الفصل 70 من الدستور( أو بموجب مرسوم بقانون إعمالا للمسطرة المنصوص عليها في الفصل 81 من الدستور.
والثابت في هذاالمضمار أن الحكومة قامت بإنفاذ الفصل 81 من الدستور، وسنت المرسوم بمضامينه الواردة في فصوله السبعة،التي تضمنت تقنينا لمقتضيات تندرج في مجال القانون بمفهوم المعيار المادي، وإن وقع سنها بمقتضى مرسوم بقانون ([5])، تخضع مضامينه مؤقتا لرقابةقضاء المشروعية الإدارية ([6])أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض استحضارا للفصل 120 من الدستور والنصوص ذات الصلة في القوانين العادية، وتنتقلهذهالرقابة إلى المحكمة الدستورية بعد مصادقة البرلمان على المرسوم . كما أن المراسيم تقبل الرقابة عبر مسطرة فحص المشروعية أمام القضاء الإداري أو أمام القضاء الزجريماوفق سنته فقرتي المادة 44 من القانون 90-41 بمثابة قانون المحاكم الإدارية.
والمستفاد من ذلك أن التدابير الواردة في المرسوم تختلف جذريا عن تلك المباشرة من طرف الحكومة خلال الفترة الممتدة من 10 مارس2020 إلى 20 منه، لا من حيث الجهة المختصة دستوريا ولا من حيث الطبيعة والقيمة القانونية وسموها بمقياس التراتبية، وبالتالي وجب استخلاص ناتج أن تدابير المرسوم 23 مارس 2020 متميزة عما عداها من أعمال إدارية صرفة سابقة، من حيث المسطرة والاختصاص وقيام الترخيص البرلماني والخضوع لمنطق القرار التداولي في المجلس الحكومي، وكذا الحيز الزمني الذي تستغرقه، دون إغفال تضمين المادة 4 من المرسوم أوامر ونواهي وجزاءات جنائية مقرر تطبيقها على المخالفين وما يتصل به من ارتباط وثيق بالحقوق والحريات الشخصية([7]).
ومن ناحية أخرى، فإن المرسوم صدر بتاريخ 23 مارس 2020، ونشر في الجريدة الرسمية، ولا مؤاخذة على سكوت المرسوم عن تاريخ سريانه، لأن البداهة  تفيد قطعا سريان أثره بصفة فورية من تاريخ النشر وليس قبله تطبيقا  لقاعدة "لا تكليف إلا بمعلوم"، ومؤداها لزوم الإخطار السابق والصريح بالالتزامات القانونية المطلوب الوفاء بها، و هي ذاتها القاعدة التي جاء بها القرآن الكريم في الآية 15 من سورة الإسراء  بقوله تعالى:" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا".
والبداهة المتحدث عنها أعلاه تسطع بجلاء بالرجوع إلى الفقرة 3 من الفصل 6 من الدستور، التي نصت على لزوم نشر القواعد القانونية كوسيلة لإعلام الكافة بالقانون ونفاذه إزاء المخاطبين[8]، مع التنويه إلىأن الفقرة الأولى من ذات الفصل وصفت القانون على أنه أسمى تعبير عن إرادة الأمة، وأن الجميع، بما فيها السلطات العمومية، متساوون أمامه وملزمون بالامتثال له. ولا تتأتى المساواة أمام القاعدة القانونية،بعموميتها وتجريدها، إلا بإعلام الكافة بها، وتعتبر كفالة هذا العلم ضرورة لامناص منها لممارسة الحقوق والحريات في الحدود المرسومة قانونا.
 
ومن حيث المضامين، فقد جاءت في المرسوم موزعة على 7 مواد، منها أساسا قرار الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية والإجراءات الكفيلةبترجمتها على أرض الواقع من طرف السلطات العمومية في المواد من 1  إلى 3 من المرسوم، علاوة على التدابير الاقتصادية والمالية والاجتماعية المصاحبة وفق  تنصيص المادة 5 من ذات المرسوم. وجاءت المادة الرابعة مجرمة لبعض السلوكات المخلة بما تستلزمه الحالة المعلن عنها، مع إفراد العقوبات الزجرية لها، وكذا إيراد الربط التشريعي بين الجرائم والعقوبات، وأتت المادة 6 بقاعدة وقف سريان جميع الآجال القانونية والتنظيمية طيلة فترة إعلان حالة الطوارئ الصحية.
وتكمن أهمية هذه المضامين بالتوقف أساسا عند المادة 4 ذات مضامين التجريم والعقاب والربط بينهما للتساؤلحول مدى إمكانية تطبيقها بأثر رجعي، للانتهاء قطعا بعدم جواز ذلك على كل متهم بأفعال أو امتناع عن أفعال مقترفة قبل النشر، وكانت مباحة قبل تشريع المرسوم، وذلك وفق مبدأ الشرعية  المستفاد من الفصلين 23 و71 من الدستور والمكرس بالمادة 3 من القانون الجنائي، وتتفرععن مبدأ الشرعية قاعدة عدم الرجعية، التي ترادف "اليقين القانوني الجنائي" ([9])المتحقق من معرفة  المخاطبين بالقانون الزجري سلفا لماهية الفعل والامتناع عن الفعل المجرمين والجزاء المقرر عن المخالفات المرتكبة.
كما أنه  يثار التساؤل في مناقشة الموقف المخالف المنادي برجعية تطبيق المرسوم عن  مدى جوازتجزيء مضامين المرسوم، والقول بأن الفصل 6 منه يطبق بأثر رجعي قد يمتد إلى 20 مارس أو إلى 10 مارس، لاسيما أن الرأي محل النقاش تمنى على المشرع أن يحدد أجل سريان المرسوم من 10 مارس 2020. بيد أنه لو حدد المشرع الآثاررجعيا لكان التحديد شاملا لكافة مقتضياته دون تجزيء، وبالتالي لا محل لعزل الفصل 6 عن منظومة المرسوم وحصر آثار عدم الرجعية عليهحيادا عن باقيمقتضيات المرسوم. وهل يمكن للمرسوم أصلا أن يرتب آثاره رجعيا بباعث المصلحة العامة أو ما شاكلذلك، في الوقت الذي تضمن فيه المرسوم مقتضيات زجرية  تأبى مطلقا التطبيق بأثر رجعي إلا إذا كانت لصالح المتهموفق قاعدة الضرورة ([10])، وهي خلاف ذلك تماما من حيث مساسها ليس فحسب بعدم الرجعية؛ بل أيضا بمبدأ الشرعية في المادة الجنائية في بعده الزمني.
وقد يقول قائل أن المادة 6 تقبل الرجعية خلاف المادة 4 ذات المضامين الزجرية، فإن هذا القول الافتراضي مردود عليه، لأن الآجال المعنية بالمادة 6 ليست كلها ذات صبغة مدنية، بل شاملة لكل الآجال الواردة في النصوص التشريعية والتنظيمية. كما أنه ثمة أوضاع ناشئة ومشكلة خلال الفترة الممتدة من 10 مارس إلى 23 منه بإنشاء مراكز قانونية أو إلغائها أو تعديلها، ترتبت عنها حقوق مكتسبة لفائدة أشخاص القانون في مواجهة أشخاص آخرين لهم تحملات بالتزامات، ويقتضي الأمن القانوني وقاعدة الثقة المشروعة  عدم المساس بالحقوق المكتسبة لمن يجب.
و للزيادة في وضوح إشكالية الأوضاع والمراكز القائمة والمتعارضة قبل نشر المرسوم في الجريدة الرسمية، يمكن استحضار الحالتين الافتراضيتين التاليتين ضمن حالات لا تقع تحت حصر:
  • حالة شخص حصل على حكم ابتدائي في مواجهة شخص من أشخاص القانون العام، و انتهى أجل استئناف الحكم يوم 15 مارس 2020، وأصبح الحكم نهائيا وقابلا للتنفيذ، وحصل المحكوم له في اليوم الموالي على شهادة بعدم الاستئناف. هل يجوز ترتيب الفصل 6 من المرسوم بأثر يمتد إلى غاية يوم 10 مارس 2020، بما يفتح حيزا زمنيا جديدا للمحكوم عليه للاستئناف والنيل من الصبغة النهائية المكتسبة من الحكم بصورة لا رجوع فيها  Irrévocable  حوالي 9 أيام قبل نشر المرسوم؟
        وهل يمكن المساس بقوة الشيء المقضي به المستمدة من حيازة الحكم الابتدائي للقوتين المادية والشكلية على حد سواء؟ ([11]). ولنا أن نتصور فوق ذلك لو أن المحكوم له في هذه الحالة هو مستثمر أجنبي له إمكانية اللجوء إلى التحكيم التجاري الدولي في مواجهة الدولة بخصوص المسؤولية عن  التشريع بآثار رجعية.
  • مقاولة في وضعية الصعوبة تحقق لفائدتها سقوط دين لعدم التصريح به داخل أجل 60 يوما المقرر بمدونة التجارة ([12])، الذي انتهى يوم 12 مارس 2020، وبالتالي أصبح الدين غير المصرح به منقضيا، وأضحى هو والعدم سواء اعتبارا من يوم 13 مارس 2020، مع ما  يترتب على ذلك من وضعية مكتسبة لفائدة المقاولة الموجودة في وضعية الصعوبة التي لم تعد مدينة للدائن بقوة القانون الساري النفاد في إبانه. هل يمكن للمرسوم أن ينال من هذه الوضعية المكتسبة قبل صدوره ونشره ويعيد إلى المقاولة صفة المدين وعبء تحمل دين معدوم بعلة السقوط، ويتيح للدائن الساقط حقه بقوة القانون فرصة استدراك تقاعسه المفضي إلى نهاية دينه؟
 
ثالثا:  مؤدى  نشر المرسوم: شكلية زائدة أم هي حد أدنى للأمن القانوني؟
تخلص هذهالمساهمة، بالترتيب على ما سبق، إلى القول بعدم جواز سريان مضامين مرسوم 23 مارس 2020 قبل تاريخ نشره في الجريدة الرسميةبحكم مايلي:
  • إطلاق مقتضى الفقرة 4 من الفصل 6 من الدستور بتنصيصها على التالي: " ليس للقانون أثر رجعي"؛
  • تنصيص الفقرة 3 من الفصل 6 من الدستور على قاعدة لزوم نشر القوانين[13]، مع الإشارة إلى أن الفصل 70 من الدستور نص على العمل بالمراسيم التي تصدر في دائرة قانون الإذن بمجرد نشرها؛
  • عمق دلالة الفصل 21 من الدستور الناص على أن السلطات العمومية ضامنة لسلامة السكان وسلامة التراب الوطني في إطار احترام الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميع، ويتم الاحترام عبر آليات قانونية، منها سيادة اليقين القانوني الجنائي على النحو المبين سلفا.
 
وغني عن البيان أن المرسوم كان دقيقا، على مستوى دقة المرحلة،في تعاطيه مع معادلة الحريات والحقوق/السلطة ليس فحسب في مواده، بل أيضا في إفصاحه فيالديباجة على مرجعيةمقتضيات الفصل21 الآنف الذكر والفقرة 4 من الفصل 24 من الدستور، وهو تعبير كاشف لإعمال الموازنة بين متطلبات النظامالعام) سلامة السكان والوطن( ومقتضيات كفالة الحقوق والحريات الأساسية عبر تدابير تشريعية تراعي، ضمن أمور أخرى، إلزامية النشر وعدم قابلية النص للاحتجاج به إزاء المخاطبين إلا بعد استيفاء "شكلية" النشر. 
 
  • ارتباطالنفاد بالنشر الذييعتبر قرينة على حصول العلم لدى المخاطبين؛
  • أن تمسك السلطات إزاء المخاطبين بقاعدة عدم الاعتذار بجهل القانون ([14])يقابلها التزام مقدم على عاتق هذه السلطات بكفالة العلم بالقانون المراد تصرفهم على هديه.
ويجد هذا الموقف أيضا تبريره في مقتضيات الأمن القانوني [15]القائم على أساس قاعدة وضوح الرؤية لدى المخاطبين بما لهم  وعليهم من حقوق و واجبات للاستناد على هذه الرؤية لبناء توقعاتهم عن  مستقبل مراكزهم القانونية إيجابا أو سلبا، وبالتالي يعتبر ولوجهم الماديl’accessibilité matérielle  إلى القاعدة القانونية حدا أدنى لضمان الأمن القانوني.
 
وتنحو الاتجاهات المتطورة في القانون المقارن إلى عدم كفاية الولوج المادي إلى القاعدة القانونية عن طريق النشر والتقنين، بإضافة عنصر نوعي، مفاده شرط الولوج المعرفي أو الثقافيl’accessibilité intellectuelle،الذي يتأتى متى كانت القاعدة القانونية مستوفيةلشروط البساطة والدقة والوضوح ويسر الفهم والاستيعاب .
 
وإذا كانت التشريعات الحديثة تتجه إلى تمتيع المخاطب بمزية الولوج المادي المستمد من نشر وإشاعة القاعدة القانونية، وبمزية نوعية متمثلة في الولوج المعرفي إليها، فإن مقتضيات صيانة الأمن القانوني، في حد أدنى، تفترض عدم نفاذ المرسوم مثار النقاش إزاء المخاطبين إلا من تاريخ تحقق العلم به، أو قرينة العلم على وجه أدق عبر النشر في الجريدة الرسمية. وبعبارة أخرى فإن السلطات العامة ملزمة بإعلام أشخاص القانون بنصوص محددة وجلية، لتبصيرهم بما هو مشروع وغير مشروع قبل إقدامهم على ممارسة الحقوق والحريات، احتراما لثقتهم المشروعةفي نفاد القانون الجديد حصريا على التصرفات اللاحقة لتاريخ نشره. وبغير ذلك سيفقد القانون طابعه الحمائي، وستهتز الثقة فيه، ويلحق الاضطراببالأوضاع المشكلة لفائدة من يجب وستهدر الحقوق المكتسبة، وهي أمور يصعب تصورها في دولة الحق والقانون.
ومما تجدر الإشارة إليه أن تبرير رجعية المرسوم باعتبارات المصلحة العامة المستدل بها من طرف الموقف المخالف، أو على الأدق المصلحة العامة الوازنة intérêt general suffisant، فقد اعتمد المجلس الدستوري الفرنسي هذا المفهوم في العديد من قراراته، خاصة القرار عدد 98-404 بتاريخ 18 ديسمبر 1998 والقرار  رقم 99- 416 بتاريخ 26 يوليوز 1999 ([16])، لقبول فكرة رجعية القوانين، خاصة ذات الصبغة الجبائية منها.
وفي وقت لاحق حصل تحول نوعي في توجه المجلس الدستوري الفرنسي في تضييق مجال رجعية القوانين الضريبية فيما يسميه الفقه الفرنسي الرجعية المحدودةla petite rétroactivité بمناسبة بته في قانون المالية لسنة 2013 بموجب قراره المؤرخ في 29 دجنبر 2012 ([17])، حيث قضى بعدم مطابقة مادة من قانون المالية لسنة 2003 لمساسها بالأوضاع المكتسبة قبل تاريخ بدء العمل بالقانون المالي، مع مطابقة مادة أخرى للدستور لسريان آثارها اعتبارا من تاريخ 17 نونبر 2012 بباعث المصلحة العامة الوازنة.
لكنفي سياق دستوري مغاير على النحو المبين سلفا، فلا مجال لاستلهام المفهوم وتوظيفه في بيئة قانونية مغربيةمخالفة نظرا للخصوصيات المنوه إليها. بيد أن ذلك لاينفي إمكانية إعمال رجعية القوانين على نطاق ضيق بخصوص بعض الحالات كالقانون التفسيري والقانون الأصلح للمتهم وقانون  التصديقla loi de validation ([18]) والقوانين الإجرائية المتعلقة بالشكل والاختصاص ([19])، وذلك لعدم إفضاء الرجعية في هذه الحالات إلى خلق وضعية سلبية للمخاطبين أو لعدم المساس باستقرار الأوضاع والحقوق المكتسبة.
وبخصوص عدم امتلاك المشرع الفرعي لحق تقرير الرجعية في المراسيم الصادرة عنه، فقد سبق لمحكمة النقض المغربية في قرار عدد 27 بتاريخ 27/01/1987 أن قضت بإلغاء جزئي للمرسوم عدد 666 .81 .2 بتاريخ 29 شتنبر1983 والمنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 05 أكتوبر 1983 بعلة مساسه بالحقوق المكتسبة  المستمدة من ترتيبآثاره رجعيا من تاريخ  فاتح يناير 1982 ([20]).
كما أن موقفمجلس الدولة الفرنسي أكد عدم جواز إصدار التشريع الفرعي والقرارات الإدارية بأثر رجعي، حيث صرح في قرار له بتاريخ 24 مارس 2006 بالتالي: " أن أي مقتضى تشريعي أو تنظيمي لا يمكن أن يطبق على وضعيات تعاقدية جارية في تاريخ دخوله حيز التنفيذ دون أن يكتسي طابع التنفيذ بأثر رجعي.......
وفيغياب أي مقتضى انتقالي في المرسوم المطعون فيه، فإن المتطلبات وقواعد المنع المستمدة من هده المدونة ) قواعد السلوك المتعلقة بمهنة مراقبي الحسابات( قد تخلق في دائرة الأوضاع المشكلة قبل المدونة عوامل التشويش والإرباك المنافية لمبدأ الأمن القانوني ([21]).
 
وعلى سبيل الختم تنتهي هذه المساهمة إلى القول بداهة أن بدء سريان المرسوم هو من تاريخ نشره، ولو اختار المشرع الفرعي النص عليه صراحة لقام باعتماد الفورية من باب تحصيل الحاصل، ولتفادى التنصيص على الرجعية، لكونها منافية لضرورة حماية الحقوق والحرياتبخصوص المقتضيات الزجرية للمادة 4 من المرسوم، ولكون الأوضاع القانونية المستقرة والمكتسبة بين تاريخي 10 مارس 2020 و23 مارس 2020نشأتفي نطاق مصالح متعارضة مفيدة لقيام حقوق وأوضاع نهائية للبعض  في مواجهة البعض الآخر، وتفرض قواعد حياد المشرع وموضوعيته، المستمدة بوجهخاص من خاصية تجريد القاعدة القانونية، عدم المساس بالمكتسبات قبل نشر المرسوم لفائدة البعض على حساب البعض الآخر.
 
 

الهوامش
 
 
  1. د. صالح لمزوغي : تأملات حول بعض إشكاليات القضاء الإداري في زمن الكورونا- كوفيد 19.
  2. . عبد الكبير طبيح : الحكومة مطالبة برقع الغموض حول تاريخ بداية حالة الطوارئ الصحية.
[2]مقال ذ طبيح سابق ذكره.
[3]يعتبر القضاء الدستور الفرنسي أن هذا الإعلان يندرج ضمن الكتلة الدستورية.
[4]د. محمد اتركين : الدستور والدستورانية- من دساتير فصل السلط إلى دساتير صك الحقوق، سنة 2007، ص 29 وما بعدها.
[5]تصنف المراسيم في النظام الدستوري المغربي إلى أربعة أصناف: المرسوم بقانون في إطار الفصل 81 من الدستور، المرسوم التشريعي بناء على إطار قانون الإذن، المرسوم المستقل والمرسوم التطبيقي المتصل بقانون عادي.
  1. - يراجع مؤلف أستادنا محمد أمين بنعبد الله :
 Contribution à la doctrine de droit constitutionnel marocain, REMALD n 60 M. T.U 2005,p249 et s.
د عبد العزيز النويضي : المحكمة الدستورية ومسألة الدفع بعد دستورية القوانين، سنة 2019، ص 56
[7]عنى الدستور المغربي بالحقوق والحريات بدلالة تخصيصه للفصول من 19 إلى 40 في الباب الثاني منه للحريات والحقوق الأساسية، والأكثر منذلك أن الفصل 175 من الدستور جعل هذه الحقوق والحريات غير قابلة للمراجعة الدستورية من طرف السلطة التأسيسية الفرعية. يراجع مقالنا: السلطة التأسيسية الفرعية في الدستور المغربي، نشر في الجريدة الالكترونية هسبريس بتاريخ28/06/2011.
[8]على سبيل القياس على حالة مجاورة نص الفصل 70 بشأن المرسوم التشريعي،  المستند على قانون الإذن علىجريان العمل بمجرد نشره في الجريدة الرسمية.
[9]د.أحمد فتحي سرور: القانون الجنائي الدستوري، الشرعية الدستورية في قانون العقوبات، الشرعية الدستورية في قانون الإجراءات الجنائية، سنة 2002، ص 82 وما بعدها.
[10]د. أحمد فتحي سرور: مرجع مذكور، ص113.
  1. عبد الواحد العلمي : حجية الأحكام الجنائية أمام القضاء المدني، 1998، ص 28 وما بعدها.
[12]نظمت مسطرة التصريح من حيث الأجل والشروط والجزاء ومسطرة رفع السقوط في المواد من 719 إلى 723 من مدونة التجارة.
[13]يشارإلى أن وجوبالنشر يعتبر قاعدة مستجدة في دستور 2011 ولم تكن واردة في الدساتير السابقة.
[14]تنص المادة 2 من ق ج على التالي:" لا يسوغ لأحد أن يعتذر بجهل التشريع الجنائي".
[15]ورد في دستور 2011 ولأول مرة عبارة "الأمن القضائي"، الذي يمكن اعتباره آلية حمائية للأمن القانوني وجزء من هذا الأخير، و نص الدستور علىنهوض القضاء بحماية الأمن القضائي وحماية الحقوق والحريات وتطبيق القانون ) الفصل 118 من الدستور(.
[16] M. OlivierDutheillet : la sécurité juridique, le point de vue du juge constitutionnel, p 2 et s (article accessible via la recherche automatique).
[17]M. Stéphane Austry : la rétroactivité de la loi fiscale : la jurisprudence du conseil constitutionnel a-t-elle évolué ? Revue option finance du 18/03/2013.
[18] من النصوص المندرجة ضمن قوانين التصديق المادة 6 من قانون المالية لسنة 2002 التي ورد فيها ما يلي:"تعفى لحوم الأبقار والدواجن المستوردة لفائدة القوات المسلحة الملكية من الضرائب والرسوم المفروضة عند الاستيراد
تطبق أحكام البند 1 أعلاه ابتداء من فائح يناير 1996"، ج ر  عدد 4965 بتاريخ 31 دجنبر 2001.
وكانت المادة  موضوع قرار المجلس الدستوري عدد 31 دجنبر2001، و القرار بدوره كان موضوع التعليق في مؤلف د  محمد أمين بنعبد الله، سبق ذكره)   باللغة الفرنسية (، ص 217 وما يليها.
  1. د تراجع قرارات محكمة النقض بهذا المعنى،   وردت في مؤلفد عبد الواحد العلمي: شروح في القانون الجديد المتعلق بالمسطرة الجنائية، 2011 الجزء الأول، ص 19 وما بعدها.
[20]صدر في الملف الإداري رقم 7683/84، غير منشور حسب علمنا.
[21]M. Jacqueline Mrand-Deviller : droit administratif : cours, thèmes de réflexion, commentaires d’arrêts avec corrigés12 édition 2011 p 336 et s.
M.FabienGrech: le principe de la sécurité juridique  dans l’ordre constitutionnel français, p 14(étude accessible via la recherche automatique).

الاثنين 11 ماي 2020


تعليق جديد
Twitter