Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



فشل النظام الحالي للمسؤولية الادارية عن الاخطاء الشخصية للموظفين العموميين


     

الميلود بوطريكي
استاذ القانون الاداري بجامعة محمد الاول
كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية
وجدة المغرب



مقدمة:
  المسؤولية الإدارية أداة تقنية تلزم الأشخاص العموميون بتحمل مسؤولية أعمالهم وتصرفاتهم التي تتولد عنها أضرار ينبغي تعويضها[1].
  ويمكن تحريك المسؤولية الإدارية إذا ما أثبت الضحية وجود خطأ [2] ، ومفهوم الخطأ هو، بشكل عام ، مفهوم غامض ، غير انه يمكن تعريفه على انه:" كل إخلال بالتزام سابق "[3]. علاوة على ذلك ، فإنه ، في القانون الإداري ليس له معنى واحد.  إذ  تتعدد التكيفات المعطاة لأنواع الخطأ في القانون الإداري. وقد  درج القضاء الاداري  على التمييز بين  الخطأ الجسيم والخطأ البسيط و بين الخطأ العمدي والخطأ غير العمدي و بين الخطأ الواجب إثباته والخطأ المفترض وأخيرا بين  الخطأ المرفقي  والخطأ الشخصي ( وهو الذي يهم هنا) هذا الأخير "هو الخطأ الذي ينسب إلى الموظف الذي يكون قد قام بأعمال لا تمت بمصلحة المرفق بأي صلة، ونتجت عنها أضرار للغير فيكون ملزما يجبر الضرر من ماله الخاص لكونه هو الفاعل[4]".
  تميزت المسؤولية الادارية  بنظام حديث وسريع التطور  ، لم ينشأ إلا في اخر القرن  التاسع عشر وكان للقضاء الفضل في تطويره وإثرائه. فلم يكن يعترف في أول الأمر بمسؤولية السلطة العامة، وذلك استنادا إلى أن مساءلة الدولة ومقاضاتها وإلزامها بالتعويض أمر يتنافى مع سيادتها ، إلى أن نشأ هذا النظام خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر  ، واتسعت المسؤولية لتشمل  الاعمال الضارة للإدارة. ويعتبر حكم ” بلانكو ” Blanco ”الصادر من محكمة التنازع بتاريخ 8 فبراير 1873حكماً فاصلاً، حيث أقر مسؤولية الدولة عن الأضرار التي تلحق الأفراد بسبب تصرفات الأشخاص الذين تستخدمهم في المرفق العام[5] .
   في الوقت الراهن يبدو لنا أن وجود مسؤولية السلطة العامة أمر طبيعي، إذ يتوجب على أشخاص القانون العام، على غرار الأشخاص العاديين، أن يسألوا عن تصرفاتهم ويعوضوا ضحايا الأضرار التي يتسببون فيها[6].
 بالإضافة إلى ذلك عرفت نظرية الخطأ في المسؤولية الإدارية تطورا ملحوظا وإيجابيا بالنسبة للدفاع عن  حقوق الضحايا وظهر هذا التطور أثناء مراحل عملية التمييز التي قام بها القضاء الإداري بين الخطأ المرفقي الذي تسأل عنه الإدارة و الخطأ الشخصي الذي يسأل عنه الموظف ويتحمل التعويض من ماله الخاص. 
 لم يتم تقرير مسؤولية الموظف العمومي إلا مع  إعلان حقوق الإنسان والمواطن بتاريخ 26 اوت 1789 على إثر الثورة الفرنسية فقد نصت المادة 15 منه على أنه: " يحق للمجتمع مساءلة أي موظف في إدارات الدولة "، هذه المادة كان من شانها أن تعترف بالمسؤولية الشخصية للموظف، ولكن آنذاك أعطي لها تفسيرا ضيقا، وتم فهمها على أنها مسؤولية سياسية للمسؤولين، وأن مسؤولية الموظف هي مسؤولية تأديبية فقط [7]. و لكن بعد ذلك تم الاعتراف بمسؤولية الموظف العمومي مع صدور قرار  [8]Pelletier" بتاريخ 19 شتنبر 1870 الذي يعد قرارا "مبدئيا في هذا الشأن،  حيث جاء  "بمفهوم جديد لمسؤولية  الموظف". إذ ميز بين الخطأ الشخصي الذي يتحمل الموظف بسببه مسؤوليته شخصيا أمام القضاء العادي  ، وبين الخطأ المرفقي الذي تتحمل بسببه الإدارة مسؤوليتها أمام القضاء الإداري.
  في المغرب فإن الوضع يختلف تماما بحيث ترجع البوادر الأولى للمسؤولية الإدارية، في شكل نصوص قانونية ، حيث يستنتج نظام المسؤولية الادارية عن الخطأ الشخصي للموظف من خلال الفصل80 من  قانون الالتزامات والعقود حيث جاء فيه على :"أن مستخدمو الدولة والبلديات مسؤولون شخصيا عن الأضرار الناتجة عن تدليسهم عن الأخطاء الجسيمة الواقعة منهم في أداء وظائفهم".
 يكتسي الموضوع اهمية بالغة  بالنظر إلى انه موضوع متجدد باستمرار لم يتوقف ابدا عن التطور والتحول  إذ تحول من نظام لعدم الجمع بين المسؤوليات الى نظام للجمع بينها رغم النص الصريح في هذا الصدد ومن نظام لحماية الضحايا إلى نظام لحماية الموظفين العموميين المسؤولين عن الخطأ. وهو ما أدى الى فشل نظام المسؤولية الشخصية للموظفين العموميين برمته.
 
   وتهدف هذه الدراسة  إلى ضبط هذه التحولات من خلال رصد المبادئ الضابطة  للنظام  الحالي للمسؤولية الشخصية للموظفين العموميين   والانحرافات التي عرفها من خلال توضيح نقاط ضعفه و الكشف عن  مظاهر واسباب  فشله . فإذا كان القاضي الاداري المغربي قد تبنى نظرية الجمع بين المسؤولية المرفقية والمسؤولية الشخصية للموظف العمومي من أجل حماية للضحايا إلا ان هذه النظرية انحرفت عن اهدافها الحقيقية والمعلنة واصبحت وسيلة لحماية الموظفين المخطئين ، إذ ان  قيام الدولة بتغطية الاضرار التي تسبب فيها موظفيها  في حالة عسرهم  سيكون من نتائجه الخفية وغير المعلنة هو توفير حصانة لهؤلاء الموظفين في ممارستهم لوظائفه  والى افلاتهم من العقاب ،كما تهدف الدراسة و تقديم بعض الحلول لتجاوز اوضع حد لإحساس الموظفين العموميين من الافلات من العقاب  وحماية الاموال العمومية.
   وبناء عليه ، فإن الموضوع يتمحور حول الاشكالية التالية : هل الضمانات  الصريحة التي يوفرها  البناء القضائي  للنظام القانوني للمسؤولية الادارية عن الاخطاء الشخصية للموظفين العموميين هي ضمانات لصالح الضحية ام انها في الحقيقة  تتجه وبشكل  متناقض إلى ضمان حماية ضمنية للموظف وذلك على خلاف أهدافها المعلنة؟
لدراسة  هذه الاشكالية سيتم الاعتماد على المنهج الوصفي قصد إبراز مختلف القواعد الضابطة للمسؤولية الادارية للموظفين العموميين عن أخطائهم الشخصية، و المنهج التحليلي بهدف تفكيك عناصر الموضوع و تحليل النصوص القانونية على ضوء آراء الفقه . بالإضافة إلى دراسة مجموعة من الاحكام والقرارات القضائية في هذا المجال من خلال تحليل مضمونها والتعليق عليها ، وعرض بعض الحلول المقترحة لتجاوز فشل النظام الحالي للمسؤولية الادارية للموظفين العموميين عن اخطائهم الشخصية  .
   من أجل ذلك سيتم التطرق في المطلب الاول  المسؤولية الادارية عن الخطأ الشخصي من قاعدة التنافي إلى قاعدة الجمع بينما يتناول المطلب الثاني لنظام الجمــــع بين المسؤوليات من حماية ضحايا الأخطاء الشخصية إلى حماية الموظفين . وذلك وفق التصميم الآتي:
المطلب الاول: المسؤولية الادارية عن الخطأ الشخصي: من قاعدة التنافي إلى قاعدة الجمع
  المطلب الثاني: المسؤولية الادارية عن الخطأ الشخصي: من حماية الضحية إلى حماية الموظف
    
 
المطلب الاول: نصوص تشريعية واضحة واجتهادات قضائية متناقضة
   أكد المشرع المغربي  وبشكل صريح على قاعدة  عدم جواز الجمع بين مسؤولية الموظف العمومي وبين مسؤولية الدولة ، فالخطأ إما أن يكون خطأ مرفقيا، يسأل عنه الشخص العام، وإما أن يكون  خطأ شخصيا لا يرتب سوى مسؤولية الموظف الذي صدر عنه دون  مسؤولية الدولة ، غير ان القضاء الاداري المغربي  إذا كان قد أكد بدوره على هذه القاعدة  وأخذ بفكرة التمييز بين الخطأ المرفقي والخطأ الشخصي . إلا أنه   وفي  أحكام و قرارات قضائية اخرى أعطى طبيعة مختلفة للعلاقة بين الخطأين بتبنيه لنظرية الجمع بين المسؤوليات، فأحيانا  يعتبر العلاقات بين الخطأين علاقة تضاد واحينا اخرى يعتبرها  علاقة توافق .
الفرع الاول: قاعدة تنافي المسؤوليات: قاعدة تشريعية صريحة
أقر المشرع المغربي مبدأ التنافي بين المسؤوليتين الإدارية والشخصية، حيث  ان المسؤولية إما ان تكون إدارية او شخصية. وهو ما يظهر من الفصيل 79 و80 من قانون الالتزامات والعقود[9].
  ينص الفصل 79 منه على أن" الدولة و البلديات مسؤولة عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها".
 بينما نص الفصل 80 على أن "مستخدمو الدولة والبلديات مسؤولون شخصيا عن الأضرار الناتجة عن تدليسهم أو عن الأخطاء الجسيمة الواقعة منهم في أداء وظائفهم ولا تجوز مطالبة الدولة و البلديات بسبب هذه الأضرار إلا عند إعسار الموظفين المسؤولين عنها ".
  من خلال هذين الفصلين، يتبين أن المشرع حمل الدولة المسؤولية عن أخطائها المرفقية، فيما حمل الموظفين والاعوان العموميين المسؤولية عن أخطائهم الشخصية .
  ففي حالة ارتكاب الموظف أعمال التدليس، أو كان الخطأ المرتكب جسيما فإن الامر يستوجب على المتضرر رفع دعوى التعويض امام المحاكم العادية  ضد الموظف المرتكب الخطأ الشخصي، وفي حالة ثبوت اعساره تتدخل الإدارة لأداء التعويض وهنا يجب رفع الدعوى أمام المحاكم الإدارية.  فالجمع بين المسؤولية الشخصية للموظف والمسؤولية الإدارية للمرفق العام إذن هو أمر محظور بموجب مقتضيات الفصل 80 من قانون الالتزامات والعقود، و لا يمكن مطالبة المرفق إلا في حالة إعسار الطبيب مرتكب الخطأ.
   فإذا كان الخطأ  الشخصي هو السبب الوحيد في الضرر، فإن الموظف هو الذي تتم إدانته لوحده دون الإدارة ، وعلى المتضرر أن يحاول أولا الحصول على التنفيذ في مواجهة الموظف المخطئ ولا يمكنه ان يرفع دعوى التعويض ضد الإدارة إلا في حالة إعساره . وهو ما نص عليه الفصل 80 من قانون الالتزامات والعقود  :"...لا تجوز مطالبة الدولة و البلديات بسبب هذه الأضرار إلا عند إعسار الموظفين المسؤولين عنها...". لذلك فمسؤولية الإدارة لا تثار إلا بصورة احتياطية وعند ثبوت عسر الموظف.
وعليه ، فإن  دعوى التعويض التي يمكن رفعها على الإدارة للحصول على تعويض هي من قبيل الدعاوي الاحتياطية التي لا يمكن قبولها إلا بعد أن توجه الدعوى ضد الموظف ويثبت اعساره بتقديم محضر عدم وجود ما يحجز. كما ينبغي الاشارة إلى أن حلول الدولة محل الموظف في أداء التعويض هو حلول مؤقت إذ يمكن للإدارة أن ترجع على الموظف لاسترجاع ما دفعته من تعويض عن خطئه الشخصي[10].
وقد طبق القاضي الاداري المغربي [11]  منذ امد بعيد نظام عدم الجمع بين المسؤوليتين، فالمسؤولية إما أن تكون هناك مسؤولية إدارية وإما أن تكون مسؤولية شخصية وفي هذه الحالة الأخيرة لا يمكن مطالبة الجماعات العمومية إلا في حالة إعسار الموظف المسؤول.
الفرع الثاني : قبول الاجتهاد القضائي الاداري المغربي لقاعدة الجمع المسؤوليات : تجاهل واضح لنص صريح و توسع غير مقبول
          إذا كان القاضي الاداري المغربي قد طبق منذ أمد بعيد بدقة أحكام المواد 79 و80 من قانون الالتزامات والعقود للتفرقة بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي وبالتالي قاعدة عدم الجمع بين المسؤوليات فإنه وبشكل مناقض تماما  قد أقر في بعض الاحكام الاخرى مبدأ الجمع بين المسؤوليتين بسبب الخطأ الشخصي لوحده او بسبب ارتكابه داخل المرفق العام باعتبار ان الإدارة مسؤولة عن الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي وتنبع مسؤوليتها عن الخطأ الشخصي من اعتباره وقع داخل المرفق العام وبحكم اهمال الادارة للدور المنوط بها للإشراف ومراقبة الموظف.
وتحدث هذه الحالات أي الجمع  بين مسؤولية المرفق و المسؤولية الشخصية للموظف نتيجة خطأ شخصي ارتكبه موظف في إطار الخدمة وبمناسبتها، حيث اعتبر القضاء  بأن المرفق هو الذي مهد لوقوع الخطأ و أن هذا الخطأ لا ينفصل عن المرفق  الذي يجب عليــه تحمل جزء من المسؤولية.  وهو ما أكدته المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 12/10/2004 في قضية إلهام بحوصي ضد وزير التربية الوطنية[12].  و تتلخص وقائعه في أن التلميذة المذكورة تقدمت لأجل اجتياز امتحان البكالوريا (الثانوية العامة) شعبة العلوم التجريبية المزدوجة في دورة يونيو 2002 بإحدى ثانويات مدينة سطات، وعند الإعلان عن نتائج الامتحان، فوجئت بعدم إدراج اسمها من بين الناجحين، فتوصل والدها بعد ذلك، برسالة مجهولة تفيد أن ورقة امتحان ابنته تعرضت لعملية تزوير، فانتهى الأمر إلى ثبوت ذلك فعلا، حيث تم تغيير ورقة امتحان الطاعنة المتعلقة بمادة الفيزياء، من طرف موظف تابع لوزارة التربية الوطنية، بورقة أخرى بيضاء تتعلق بتلميذة أخرى، وأدين ذلك الموظف من أجل التزوير، وتم الحكم عليه من طرف المحكمة الابتدائية بسطات بتاريخ 8/4/2003 بسنة ونصف حبسا نافذة وبتعويض لفائدة الطاعنة في حدود 10.000,00 درهم، وهو الحكم الذي تم تأييده من طرف محكمة الاستئناف بسطات بتاريخ 12/5/2003، وعلى إثره تقدمت الطاعنة بتاريخ 28/05/2003 أمام المحكمة الإدارية بالرباط بطلب إلغاء  نتيجة الامتحان المذكور بالنسبة لها، وإعلان نجاحها في شعبة العلوم التجريبية، وبتعويض قدره 500.000,00 درهم، فدفع الوكيل القضائي للمملكة بعدم قبول الطلب، لعدم إمكانية الجمع بين دعوى الإلغاء ودعوى التعويض في نفس العريضة، ولتقديم طلب الإلغاء خارج الأجل القانوني، وبعدم الاختصاص النوعي، لأن الضرر اللاحق بالطاعنة ناتج عن خطأ شخصي للموظف، فضلا عن أنه سبق لها أن استفادت من تعويض كمطالبة بالحق المدني أمام القضاء الزجري اتجاه مرتكب التزوير، فأصدرت المحكمة الإدارية الحكم المشار إليه أعلاه، الذي قضت بموجبه بإلغاء قرار رسوب الطاعنة في امتحانات الباكالوريا لسنة 2002 المجراة بأكاديمية الشاوية ورديغة، مع ما يترتب عن ذلك قانونا، وبأداء الدولة المغربية لفائدتها تعويضا   قدره 200.000.00 درهم..... [13]200.000,00.
  ويبدو أن الحكم قد جانب الصواب إذ تعرض لانتقادات شديدة من طرف الفقه المغربي [14] لأن الأمر يتعلق بخطأ شخصي وليس بخطأ مرفقي، خاصة وان  المحكمة الإدارية قد  وصفت خطأ ذلك الموظف بالخطأ الجسيم وأن ذلك ينتج عنه مبدئيا عدم اختصاصها النوعي للبت في طلب التعويض عن الضرر المترتب عنه.
   غير أن الاستاذ محمد محجوبي  [15] اعتبر  ان الامر يتعلق  بخطأ مرفقي بعلة  أن نفس الحكم أشار إلى أن "عملية التزوير تمت بمناسبة ممارسة الموظف لمهمة الترقيم السري التي كلف بها، واستعمال وسائل الإدارة التي لم تتحر في اختيار الشخص المناسب لطبيعة المهمة التي تتطلب درجة عالية من الأمانة والثقة...".وهذا الشق الأخير من التعليل يبقى فضفاضا ، فكيف يمكن للدولة ان تتحرى عن جميع موظفيها وان تعلم ما يدور في دواخل كل واحد منهم.
ولذلك فإن هذا الاجتهاد القضائي يتناقض تماما مع ما جاء في الفصل 80  من ظهير الالتزامات و العقود  الذي ينص بشكل صريح  على أن: "مستخدمي الدولة و البلديات مسؤولون شخصيا عن الأضرار الناتجة عن تدليسهم أو عن الأخطاء الجسيمة الواقعة منهم في أداء وظائفهم ولا يجوز مساءلة الدولة في هذه الحالة إلا في حالة إعسار الموظفين المسؤولين عنها". فلا اجتهاد مع ورود نص.  و لو وجد في فرنسا نص يقضي بمثل هذه الإمكانية ، لما أتيح لنظرية الجمع بين المسؤوليتين أن ترى النور[16]. إلا أم المجلس الأعلى ورغم ذلك أيد قرار المحكمة الإدارية، على اعتبار أن الدولة تتحمل المسؤولية من جانب اختيار الموظف النزيه، وكذلك مسؤوليتها في عدم مراقبته معتبرا على أنه بالرغم من أن الخطأ الذي ارتكبه الموظف كان شخصيا إلا أنه يبقى مرتبطا بالمرفق مما يستوجب معه الجمع بين المسؤوليتين.
رغم ذلك توالت قرارات القضاء الإداري  في ذات الاتجاه في نطاق مبدأ التفرقة بين الخطأين المرفقي و الشخصي وإمكانية الجمع بينهما على النحو السابق غير متقيد بالنصوص التشريعية التي نصت صراحة على هذه التفرقة. ومن الامثلة على ذلك نذكر الحكم الصادر عن المحكمة الادارية بالرباط [17] والذي جاء فيه أنه: "...إذا كان القضاء العادي هو المختص بتحديد الغرامة التهديدية في إطار الخطأ الشخصي للموظف لامتناعه غير المبرر عن التنفيذ ، وكان القضاء الاداري هو صاحب الاختصاص الأصيل بالبت في الخطأ المرفقي وترتيب الآثار القانونية عليه ، فإن ذات الفعل وهو الامتناع عن التنفيذ يشكل خطأ مرفقيا في مواجهة الإدارة لتقصيرها في فرض الرقابة على الموظف التابع لها... ".
فهكذا اتجه القاضي الاداري المغربي إلى التوسع إلى أقصى حد في مفهوم الخطأ المرفقي على حساب الخطأ الشخصي الذي يتجه نحو الأفول، حيث اعتبر أن مسؤولية الإدارة قائمة حتى في حالة الخطأ الشخصي طالما أنه لم يخل من أي علاقة بالمرفق. ﻓﻜﺄﻥ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺘﻌﻨﻲ ﺃﻥ ﺍﻟﺸﺨﺹ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻤﻠﺯﻡ ﺒﺘﻌﻭﻴﺽ ﺍﻟﺨﻭﺍﺹ ﻋﻥ ﻤﺨﺎﻁﺭ ﺍﻟﺨﻁﺄ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻡ  ﻤﻌﺭﻀﻭﻥ ﻟﻬﺎ  ﺒﻔﻌل ﺍﻟﻭﺴﺎﺌل ، ﻭﻓﺭﺹ ﺍﻟﺨﻁﺄ ﺍﻟﺘﻲ ﻴﻀﻌﻬﺎ ﺍﻟﺸﺨﺹ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﺭﻫﻥ ﺇﺸﺎﺭﺓ ﻤﻭﻅﻔﻴﻪ ﻤﻤﺎ ﻴﺒﺩﻭ ﻤﻌﻪ ﺍﻟﺨﻁﺄ   ﺍﻟﺸﺨﺼﻲ كفعل ﺠﺩﻴﺩ منشيء ﻟﻤﺴﺅﻭﻟﻴﺔ ﺍﻷﺸﺨﺎﺹ ﺍﻟﻌﺎﻤﺔ[18]. غير ان هذا التوسع يبقى توسعا  غير مقبول لأنه يخالف قاعدة تشريعية صريحة  وواضحة ألا وهي قاعدة تنافي المسؤوليتين.
المطلب الثاني:  المسؤولية الادارية عن الاخطاء الشخصية: من حماية الضحية إلى حماية الموظف
 إن الهدف الوحيد لنظرية الجمع بين المسؤوليات هو السماح للضحية بالحصول على تعويض كامل عن الضرر الذي تحمله بان يطلب من الإدارة تعويضا كليا عن خطأ موظفها  . وتعتبر هذه الحماية سبب وجود هذه النظرية [19]، ولكن  وبتحريف القضاء الاداري لقاعدة تنافي المسؤوليات وفرت نظرية  الجمع حماية للموظفين المخطئين مادام ان مسؤوليتهم المدنية أصبحت اليوم شبه منعدمة. إذ زاد  منطق البحث عن التعويض وبشكل غير مقبول من المسؤولية التعويضية للإدارة التي عليها الأداء محل الموظف رغم خطئه الشخصي الجسيم.
   الفرع الاول: نظام الجمع بين المسؤوليات: آلية لحماية الضحايا؟
   إن الهدف الوحيد من نظام الجمع هو حماية الضحية في مواجهة التصرفات الخاطئة للموظف العمومي ، فمراعاة لمتطلبات الانصاف والعدالة اختار القاضي الاداري المغربي حماية الضحية في مواجهة الأضرار التي يمكن ان تصيبه ، فقبل اي عقاب للموظف المخطئ يجب التأكد من تعويض الضحية ولذلك تم تكريس مسؤولية الادارة بسبب خطأ الموظف رغم ان الطرفين لا يخضعان لنفس المحكمة[20].
   إن إقرار مسؤولية الادارة سواء في حالة الخطأ الشخصي للموظف او في حالة اقترانه بالخطأ المرفقي أي الجمع بين الخطأين تسمح للضحية بأن يكون له مدين قادر على الاداء يمكن أن يتوجه إليه بدعواه ، وهو ما رأيناه من خلال الاجتهادات القضائية السابقة التي لم تستبعد مسؤولية السلطة العامة في حالة الخطأ الشخصي للموظف (الفعل الذي يقع تحت طائلة القانون الجنائي)،  فحتى لا تتم معاقبة ضحايا مثل هذه الاخطاء أي الأخطاء الشخصية للموظف العمومي ، فتحت الاجتهادات القضائية الطريق امام الضحية للجوء إلى المحكمة الادارية بدعوى موجهة ضد الادارة من اجل الحصول على تعويض الضرر الذي لحق به وهو تقدم قضائي يناقض قاعدة تشريعية واضحة وصريحة والتي تنص بمعاقبة الموظف المسؤول وحده واحتمال عسره.
  فمن خلال الاجتهادات القضائية التي قضت بمسؤولية الجماعة العمومية في حالة الخطأ الشخصي للموظف ، سمح القاضي الاداري المغربي بالأخذ بنظام الجمع بين المسؤوليات من أجل ضمان حق الضحية في التعويض  و حتى يكون له مدين قادر على الوفاء.
   إن هدف نظرية الجمع بين المسؤوليات هو السماح للضحية بالحصول على إدانة شخص قادر على الوفاء وغير مماطل حيث يكون للضحية ضمانة لاستيفاء حقه في التعويض عن الضرر الذي لحق به بشكل يقيني وبسرعة أكبر في توجيه مطالبة ضد الإدارة. كما تسعى هذه النظرية أيضا إلى تفادي  تقلبات تكييف الخطأ في نظام ازدواجية  القضاء حيث أن اللجوء  للمحكمة المختصة رهين بتكييف الخطأ [21].
       ولكن هل قاعدة التنافي بين المسؤوليات  الادارية والشخصية التي أقرها المشرع المغربي في الفصل 79 والفصل 80 من قانون الالتزامات والعقود وخالفها القاضي الاداري لا تضمن للضحية الحصول على تعويض؟
 الجواب سلبي بطبيعة الحال  لأن "أول امتياز لهذا النظام يكمن في تفادي تقلبات تكييف الخطأ في نظام ازدواجية القضاء حيث ان اللجوء إلى المحكمة المختصة رهين بتكييف الخطأ ، والامتياز الثاني هو أن للضحية ضمانة لاستيفاء حق التعويض عن الضرر بشكل يقيني وبسرعة أكبر في توجيه مطالبه ضد الادارة .  فمادام الضحية يملك دائما إمكانية التعويض، فإن اللجوء إلى هذا الجمع كان يبدو غير ذي جدوى"[22] .
 غير أن المطالبة بالتعويض يصطدم بمبدأ "عدم جواز الجمع بين التعويضـــات فلا يمكـن الحصـــول علــى التعويـــض مرتيـــن ، فالجمع بين المسؤوليات لا يعني الجمع بين التعويضات [23] ، والضحية لا يمكن ان يحصل على تعويض مزدوج وهو مبدأ تمت مخالفته في قضية إلهام بحوصي ضد وزير التربية الوطنية  المشار إليها سابقا حيث استفادت الضحية من تعويض امام المحكمة الزجرية و تعويض امام المحكمة الادارية، وهو نتيجة منطقية للطعن الموجه ضد الموظف العمومي و للطعن الموجه ضد الجماعة العمومية ، وهنا تكمن إحدى نقاط ضعف نظرية الجمع بين المسؤوليات.
     ولتجنب هذه الانحرافات لنظرية الجمع نص المشرع المغربي على دعوى الحلول في الفصل 80 من قانون الالتزامات والعقود وذلك بأن تحل الجماعة العمومية محل الموظف العمومي لأداء الحقوق للضحية. غير أن دعوى الحلول التي يمكن رفعها على الإدارة بأن تحل محل الموظف في اداء التعويض للضحية هي من قبيل الدعاوى الاحتياطية التي لا يمكن قبولها إلا بعد أن توجه الدعوى ضد الموظف ويثبت إعساره ولذلك فإن المشرع المغربي وضع من الأليات ما يكفل تجنب التعويض المزدوج بنصه على قاعدة تنافي المسؤوليات وعلى دعوى الحلول ، فالضحية ليس حق الاختيار بين رفع الدعوى ضد الإدارة أمام القضاء الإداري أو رفعها ضد الموظف أمام القضاء العادي. ويبقى فقط تصحيح هذه الانحرافات القضائية.
 و تجب الإشارة إلى أن حلول الدولة محل الموظف في أداء التعويض هو حلول مؤقت إذ يمكن للإدارة أن ترجع على الموظف لاستعادة ما دفعته من تعويض عن خطئه الشخصي( دعوى الرجوع).
 إن دعوى الحلول ليس لها نفس هدف دعوى الرجوع . فدعوى الحلول ليست إلا وسيلة للحلول في انتظار تحريك دعوى الرجوع، التي تبقى مستقلة عن الحكم وعن السلطة التقديرية للسلطة الرئاسية.
 
الفرع الثاني: الحماية الضمنية للموظف
 إذا كان الموظف العمومي يعتبر في منأى عن أية متابعة في حالة ارتكابه لخطأ مرفقي، فإن اللجوء إلى نظرية الجمع بين المسؤوليات قد أفرغت أيضا مسؤولية الموظف عن خطئه الشخصي  من كل محتواها ما دام أن القاضي يلجأ إلى إثارة مسؤولية السلطة العامة عن الخطأ الذي لا غبار عن طابعه الشخصي بحكم جسامته و بسبب ارتقاءه إلى درجة ارتكاب جريمة تقع تحت طائلة القانون الجنائي بعلة أن له علاقة بالمرفق العام او ارتكب داخل المرفق العام. فإحساس الموظف بالإفلات من العقاب يكون في هذه الحالة معاكسا لمتطلبات عمل إداري سليم ومعاكسا أيضا للواجبات المهنية التي يفرضها النظام الأساسي للوظيفة العمومية[24] ، ولذلك فإن المسلك الذي ذهب إليه القضاء الاداري المغربي في مخالفته لقاعدة عدم الجمع بين المسؤوليات يبقى مرفوضا لأنه يؤدي إلى قتل الروح والشعور بالمسؤولية لدى الموظفين، ويؤدي أيضا إلى تبديد الأموال العامة.
إن المنطق يقتضي انه بمجرد حصول الضحية  عن التعويض من ميزانية الدولة نتيجة جمع المسؤوليات الناتج عن خطأ شخصي يجب ان يؤدي إلى تحمل الموظف التعويض الكلي للضرر، وهو ما تسمح به دعوى الرجوع المنصوص عليها في الفقرة الاخيرة من المادة 07 من قانون المسطرة الجنائية[25]  التي  جاء فيها على أنه: "يمكن للدولة وللجماعات الترابية المحلية أن تتقدم بصفتها طرفا مدنيا، لمطالبة مرتكب الجريمة بأن يرد لها المبالغ التي طلب منها دفعها لموظفين أو لذوي حقوقهم طبقا للقانون الجاري به العمل".
 تعتبر دعوى الرجوع وسيلة  بيد الإدارة للفصل في مسألة مساهمتها في التعويض خاصة عندما يتم دفع التعويض للضحية نتيجة الخطأ الشخصي للموظف أو نتيجة اقترانه بخطأ مرفقي ، فدعوى الرجوع تضع حدا للإفلات من العقاب فهي المقابل الضروري  للتعويض الذي تمنحه الادارة للضحية رغم أنه لم ينسب لها أي خطأ، وهي دعوى تخضع لمنطق أساسي مرتبط بفكرة العدالة التي تقضي أن المسبب الحقيقي للضرر هو الذي يجب ان يتحمل المسؤولية[26].
   لكن رغم الأهمية العملية لدعوى الرجوع ، فإن حدوها العملية تقود إلى الاقرار  بعدم وجود مسؤولية مالية للموظف تجاه الادارة ويكمن عيبها الاساسي في ان اللجوء إليها يخضع للسلطة التقديرية للرئيس الاداري. فللإدارة يعود أمر تحديد ما إذا كان يجب ان تكون هناك مسؤولية مالية للموظف ام لا . وتشهد على ذلك قلة او انعدام الاجتهادات القضائية في هذا المجال. وبذلك تكون وصلت نظرية الجمع بين المسؤوليات إلى أقصى نقطة لها على الإطلاق.  وترجع العوائق الموجودة امام ممارسة دعوى الرجوع إلى ثقل التقاليد  والانشغال بالدفاع عن سمعة المرفق وبالحماية المنظمة لأعضائه. لذلك فإن ضعف اللجوء إلى دعوى الرجوع في الممارسة يؤدي إلى إفلات الموظف من العقاب.
إن عدم مسؤولية الموظف هنا ستكون شبه مطلقة ما دام انه يمكن إثارة مسؤولية الإدارة بسبب الخطأ الشخصي للموظف  او بسبب الجمع بين الأخطاء[27] بدون اللجوء إلى دعوى الرجوع لاسترجاع المبالغ التي دفعتها للضحية من الموظف ، فالدولة قلما تقيم ضد أعوانها دعوى الرجوع التي وضعها المشرع رهن إشارتها لأجل استرداد المبالغ التي تكون قد أدتها لضحية خطأ شخصي مما يظل معه انعدام مسؤولية الأعوان العموميين هو السائد تقريبا  في واقع الأمر[28].
ولمواجهة هذا الانحراف المتعلق بممارسة دعوى الرجوع،  قدم الفقه بعض الحلول التي تضمن المسؤولية المالية للموظفين العموميين، فقد اقترح  الفقيه Marcel Waline[29] منذ 1948حلين:
-يتمثل الحل الاول في ضرورة تدخل المشرع لإلزام الادارة بالرجوع على موظفيها عندما تتم إدانته بسبب خطئه الشخصي وتدفع الادارة التعويض نتيجة تطبيق نظرية الجمع. وهذا الحل يمكن ان يكون فعالا ولا يمكن تحويره بالصلح مادام انه يمكن ان تأتي بعده دعوى الرجوع [30]. و تجب الاشارة هنا إلى أنه إذا كان المشرع المغربي قد تبنى هذا الحل فإنه لم يلزم الادارة برفع دعوى الرجوع بل أعطى لها حق الاختيار بين رفعها او عدم رفعها مادام أن الفقرة الاخيرة من المادة السابعة المشار إليها سابقا وردت بصيغة الجواز و لم ترد بصيغة الوجوب والإلزام.  
صحيح ان مسؤولية الموظف العمومي لاتزال قائمة خاصة عندما يلجأ الضحية إلى إثارة المسؤولية المدنية او عندما يكون الموظف في مواجهة النتائج الجنائية و (او) التأديبية لتصرفاته، فالحماية إذن ضمنية وليست كاملة. ولكن إذا اتخذ الخطأ الشخصي الذي تم إثارة المسؤولية المدنية للجماعة العمومية على أساسه طابع الجريمة الجنائية، فإن دعوى الرجوع يجب ان لا تبقى حبيسة الاختصاص التقديري للإدارة بل يجب ان تتحول إلى التزام قانوني وهو ما يقتضي تعديل المادة السابعة من قانون المسطرة الجنائية.
-ويكمن الحل الثاني في جعل مسؤولية السلطة العامة ضمانة ثانوية  وعلى الضحية ان يوضح أمامها بأنه قام بكل الاجراءات للحصول على الادانة الشخصية للفاعل الرئيسي، وهو حل منصوص عليه أيضا في الفصل 80 من قانون الالتزامات والعقود المغربي غير انه من سلبياته هو التعقيد الذي سيجد الضحية نفسه امامه إذ يتوجب عليه أن يرفع اولا الدعوى امام المحكمة العادية وقد تقضي هذه الاخيرة بعدم اختصاصها وترفض تكييف الخطأ بانه خطأ شخصي. لذلك يبقى الحل الأول هو الحل الأفضل لأنه بين اللامسؤولية المالية المطلقة للموظف و مسؤوليته المدنية المطلقة هناك حلول وسطية من شأنها إرضاء جميع الاطراف.[31] انطلاقا من هذا، فإن الاصلاح المقترح من طرف البعض[32] يبقى الاكثر واقعية والاكثر مصداقية:" فعندما يمكن تحديد الموظفين المسؤولين عن الخطأ يجب استدعاؤهم للمحكمة التي لجأ إليها الضحية للحصول على التعويض ويفصل القاضي في المسؤولية الادارية وفي المسؤولية المحتملة للموظف تجاه المرفق  في الوقت نفسه".
 لذلك يجب القطع مع عدم المسؤولية المالية للموظفين العموميين بالتأكيد على انه إذا كان هؤلاء غير مسؤولين ماليا  تجاه هذه الجماعات عن الأضرار التي تسببت فيها اخطائهم المرفقية، فإن الوضع لن يكون كذلك إذا كانت هذه الأضرار نتيجة أخطائهم الشخصية. فالإدارة تتوفر على حق ممارسة دعوى خاصة بها ومستقلة عن أي حلول ومرادفة لمبدأ عام للمسؤولية المالية للموظفين العموميين تجاه الادارة[33]. ، ولذلك يرى بعض الفقه[34] أن قضاء التعويض بين الموظف و إدارته لم يعد ينظر إلى الخطأ الشخصي كقاعدة اختصاص بل كقاعدة موضوع ويتحدث عن "الخطأ الشخصي الاداري" لتبرير اختصاص القضاء الاداري.
خاتمة:
      إذا كان القاضي الاداري المغربي قد تبنى نظرية الجمع بين المسؤولية المرفقية والمسؤولية الشخصية للموظف العمومي من أجل حماية للضحايا إلا ان هذه النظرية انحرفت عن اهدافها الحقيقية والمعلنة  ، إذ ان  قيام الدولة بتغطية الاضرار التي تسبب فيها موظفيها  سيكون من نتائجه الخفية وغير المعلنة هو توفير حصانة لهؤلاء الموظفين في ممارستهم لوظائفه وهو ما ينتج عنه تبديد الاموال العمومية.
       إن لا مسؤولية الموظف العمومي هاته لا يمكن إلا تكون مؤقتة  ، فبعد ان تحل مسؤولية السلطة العامة بفعل قدرتها على الاداء محل الموظف العمومي، يمكنها ان ترجع على موظفيها لاسترجاع ما دفعته من مبالغ للضحية.
 غير أنه إذا كانت مسؤولية الادارة لا تزال قائمة رغم ان الموظف العمومي هو الذي يجب عليه ان يتحمل التكاليف النهائية فإن ذلك سببه تراخي بعض المسؤولين في تحريك دعوى الرجوع ضد الموظفين المخطئين. والتحدي اليوم هو إحياء وسيلة منصوص عليها منذ وقت بعيد ولكن غير مستعملة. وإذا كان يمكن  ان نفهم عدم قيام الادارة بالرجوع على الموظف في حالة الخطأ المرفقي ، فإن ما لا يمكن تبريره هو إدانة الجماعة العمومية بدون ان ترتكب أي خطأ وعدم متابعة الموظف  من طرف الضحية امام المحاكم العادية في حالة ارتكابه لخطأ شخصي. ولذلك يجب لوضع حد لانعدام مسؤولية الموظف عن أخطائه الشخصية ، وذلك عن طريق قبول دعاوى الرجوع بين الموظف والادارة.
  مما لا شك فيه ان دعوى الرجوع تحمل إيجابيات، فهي المقابل الضروري لنظرية الجمع . ففي ضوء هذه الدعوى يمكن ان نفهم حقيقة مسؤولية الموظف في إطار نظرية الجمع.
 
 
 
 
.سليمان محمد الطماوي، القضاء الإداري، الكتاب الثاني، قضاء التعويض وطرق الطعن في الأحكام، دار الفكر العربي، ص.118-119.[1]
- يمكن ايضا تحريك  المسؤولية الادارية في غياب أي خطا وهو ما يسمى نظرية المخاطر أو المسؤولية بدون خطأ.  [2]
[3] - Jean-Pierre Dubois, La responsabilité administrative, Collection Approches, CASBAH Editions, Alger, 1998- Editions La découverte, Paris 1996, P51..
[4] -عبد الله حداد، تطبيقات الدعوى الإدارية في القانون المغربي، الطبعة 2002، ص. 182.
[5]-  Yves GAUDEMET, Traité de droit administratif, Tome1, Droit administratif général, 16e édition, L.G.D.J, Paris, 2001, P. 801.
- ميشال روسي، المنازعات الادارية بالمغرب،  ترجمة محمد هيري و الجيلالي أمزيد ،مطبعة المعارف الجديدة ،الرباط2002،ص.175.[6]
[7] -  jean- pierre DUBOIS, faute des agents et responsabilité administrative, répertoire de la responsabilité d publique, encyclopédie DALLOZ, page 14..
[8] - T.C, 30/07/1873, "PELLETIER", G.A.J.A, P 9 et 10
    تتلخص وقائع هذه القضية في أنه: "بموجب السلطة المستمدة من حالة الحصار صادرت السلطة العسكرية أول عدد صحيفة أصدرها "بيليتييه"، فرفع هذا الأخير دعوى ضد كل من قائد المنطقة العسكرية ومحافظ  L’oise ومحافظ الشرطة أمام المحكمة المدنية لإلغاء عملية المصادرة، والأمر بإرجاع نسخ الصحف المحجوزة، وتعويض الأضرار الناجمة عن هذا   التصرف،  استأنف المحافظ هذا الحكم أمام محكمة التنازع التي قررت أنه في القضية المطروحة أمامها فإن الخطأ المرتكب من طرف السلطات الإدارية هو خطأ مرفقي يؤدي إلى عقد اختصاص القضاء الإداري وليس خطأ شخصيا.
[9] - ظهير 12 غشت 1913 المكون لقانون الالتزامات والعقود المغربي المنشور بالجريدة الرسمية في نسختها الفرنسية عدد 46 ص 76، كما غير وتمم ظهير الشريف رقم 1.07.129 الصادر بتاريخ 30/11/2007 –ج.ر عدد 5584 المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 06 دجنبر 2007 ص 3379.
[10]  ـ ميشال روسي، مرجع سابق،ص.219.
[11] - نذكر على سبيل المثال :
               1-الحكم صادر عن المحكمة الابتدائية بتازة بتاريخ 26/10/1971، فارسي يعيش ،المسؤولية المدنية للمعلم في القانون المغربي والمقارن، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء،2001، ص. 141. وتتلخص وقائع القضية حول قيام معلم بضرب تلميذ بعصا على رجله وأدى ذلك إلى بتر رجل التلميذ. فتم الحكم جنائيا على المعلم بالحبس والتعويض لفائدة الضحية، وبعد سلوك مسطرة التنفيذ ضد المعلم بخصوص التعويض المحكوم به لفائدة  الضحية ، تبين أن المعلم غير قادر على الاداء حسب محضر "عدم وجود ما يحجز" . وبناء على الحكم الجنائي والمحضر تقدم أولياء التلميذ بدعوى ضد الدولة . وعند مناقشة القضية دفعت الدولة بعدم الاحتجاج  بالحكم الجنائي لأنها لم تكن طرفا فيه، كما دفعت بعدم قبول دعوى المدعين على أساس ان الامر يتعلق بحادثة مدرسية لكن اولياء الضحية  ردوا على هذا الدفع بكون الحكم الجنائي قضى بعدم الاختصاص في النظر في الطلب الموجه ضد الدولة على أساس انه لا يجوز مطالبتها إلا عند إعسار الموظفين التابعين لها استنادا للفصل 80 من الظهير المذكور، وبناء على هذا الاخير حكمت المحكمة بإحلال الدولة محل المعلم المحكوم عليه في أداء المبالغ المطالب بها".
              2-قرار الغرفة الإدارية بمحكمة النقض (المجلس الأعلى سابقا)  قرار رقم154 المؤرخ ب24فبراير 2007عدد1456/04/02/2005.
        وتتلخص وقائع القضية ان المدعي اصالة عن نفسه ونيابة عن ابنه القاصر…..تقدم بمقال افتتاحي امام المحكمة الادارية بمراكش ...يعرض فيه ان زوجته المرحومة….كانت مصابة بفقر الدم، و نقلت الى مستشفى ابن زهير لحقنها بالدم واثناء تلقيها الاسعافات الاولية تحت اشراف الممرض المداوم….تم تطعيمها بدم مخالف  لفصيلتها الدموية (+0) مما تسبب وفاتها في اليوم الموالي، وان هذا الخطأ الطبي ارتكب من طرف الممرض المذكور والدكتور……المسؤولان عن حقن الدم بالمستشفى والذين ادينا من اجل جنحة القتل الخطأ ابتدائيا واستئنافيا. وبالنظر لكونهما موظفان بالمستشفى التابع لوزارة الصحة فان الخطأ المرتكب من طرفها يكتسي صبغة الخطأ المصلحي الذي تتحمل مسؤوليته الدولة طبقا للفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود، لذلك يلتمس الحكم على الدولة المغربية في شخص السيد الوزير الاول بادائها لفائدته اصالة عن نفسه ونيابة عن ابنه القاصر المذكور تعويضا عن الضرر المعنوي اللاحق بهما قدره (200.000.00 درهم)، وبعد جواب المدعى عليهم وتمام الاجراءات قضت المحكمة بالحكم على الدولة المغربية في شخص وزارة الصحة بادائها لفائدة المدعي اصالة عن نفسه تعويضا معنويا قدره خمسون الف درهم ونيابة عن ابنه القاصر تعويضا معنويا قدره خمسون الف درهم  وصرحت: ..."وإن كان يكتسي طابعا شخصيا كما جاء في الحكم الجنحي الذي حاز قوة الشيء المقضي به، فإنه في نفس الوقت، يعتبر الفعل الضار خطأ طبيا ينسب إلى المستشفى، وتلزم الإدارة بالتعويض عنه".
               فاستأنفت الدولة المغربية الحكم  وعابت عليه خرق القانون ولا سيما الفصلين 79 و 80 من قانون الالتزامات والعقود ذلك ان الفعل المرتكب من طرف الدكتور المعالج والممرض الذي حقن الهالكة بالدم يعتبر خطأ شخصيا ادينا بسببه امام المحكمة الزجرية بمحكمة الاستئناف ولا تتحمل الدولة المسؤولية عنه، ولا يمكن الحكم عليها الا عند اثبات عسر هذين الشخصين. فألغت محكمة النقض الحكم الصادر عن المحكمة الادارية بمراكش مؤكدة على أنه:" وحيث ان القرار الاستئنافي الجنحي الصادر ... عن محكمة الاستئناف بمراكش في الملف رقم  ايد الحكم الابتدائي القاضي بإدانة كل من الممرض…….والطبيب…..من اجل القتل الخطأ الناتج عن حقن الضحية بدم ليس من فصيلة دمها بسبب عدم تبصرهما وعدم احتياطهما وهو خطأ مادي جسيم وصل الى حد ارتكابهما لجريمة تقع تحت طائلة القانون الجنائي ولا يندرج ضمن المخاطر العادية التي يتعرض لها الموظف في اداء عمله اليومي. وحيث ان مستخدمي الدولة والبلديات مسؤولون شخصيا عن الاضرار الناتجة عن تدليسهم او عن الاخطاء الجسيمة الواقعة منهم في اداء وظائفهم طبقا للفصل 80 من قانون الالتزامات والعقود. وانه لا تجوز مطالبة الدولة والبلديات بسبب هذه الاضرار الا عند اعسار الموظفين المسؤولين عنها طبقا لنفس الفصل. وحيث انه لما كان الخطأ المرتكب من طرف الطبيب والممرض المذكورين قد بلغ من الجسامة حدا ادى الى ادانتهما جنائيا من اجله فان هذا الخطأ لا يشكل خطأ مصلحيا بالمعنى المنصوص عليه في الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود وان الحكم المستأنف عندما حمل الدولة المسؤولية عن اختلال تسير المرفق الصحي يكون قد خرق مقتضيات الفصلين 79 و 80 المشار اليهما وواجب الالغاء".
 
[12] – حكم عدد 1003 في الملف رقم 560/03 ش.ت، منشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، في العدد 59 السنة 2004، ص. 217.
[13] - التي تم الحكم عليها بأداء التعويض بدلا من الوزارة المعنية، لأن هذه الأخيرة لا تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وإنما هي تابعة للدولة المغربية، التي لها تلك الشخصية...
[14] – يراجع تعليق الأستاذين أمال المشرفي وامحمد عنتري ، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. العدد 59 ،ص.171
[15] -محمد محجوبي، مدى امكانية الجمع بين دعوى الإلغاء ودعوى التعويض في ضوء الاجتهاد القضائي المغري، المجلة المغربية للادارة المحليةوالتنمية،عدد64،شتنبر-أكتوبر2005،ص.51.
[16] -Basri Driss et autres, Droit administratif marocain, p. 712.
[17] - الأمر الاستعجالي رقم 172  صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 02-05-2007 ، شركة صوكرار  ضد وزير الداخلية .
[18] - Rivero et Waline, , Droit administratif p. 248.
[19] -Benoit(F.b.), Le droit administratif Français, Dalloz1968, p.725.
[20] -Eveillaird (G.), «  Nouveauté sue le (s) juge(s) compétent en cas de faute personnelle’ »,D.A. , 2014, comm,60.
[21] -ميشال روسي، مرجع سابق ،ص. 217.
-المرجع نفسه.[22]
[23] -Dubois(J.P.,) « Développement d’une responsabilité administratif du fait d’une faute personnelle « RDPP, n°84.
- ميشال روسي، مرجع سابق ،ص.219.[24]
[25]- ظهير شريف رقم 1.02.255 صادر في 25 من رجب 1423    (3 أكتوبر 2002) بتنفيذ القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، الجريدة الرسمية عدد 5078 بتاريخ 27 ذي القعدة 1423 (30 يناير2003)، ص 315. صيغة محينة بتاريخ 25 مارس 2019.
[26] -Roques (F.), «L’action  récursoire dans le droit administratif de la responsabilité », AJDA, 1991,p.75
- فمثلا إذا ارتكب موظف ما عملية تزوير فالقاضي يمكن ان يرى في ذلك بانه خرق وتعطيل لقوانين وقواعد المرفق. [27]
[28] - Rivero et Waline,op.cit.,, p. 250,
[29]-Waline(M.), «  de l’irresponsabilité des fonctionnaires pour les fautes personnelles et des moyens d’y remédier » ,RDP ,1948,p.5
[30]-Deffigier (G.), L’action récursoire de l’état contre son agent peut être exercée après une transaction,AJDA,2009,p.895
[31]-Maestre(J.C.,), « La responsabilité des agents publics à l’égard des collectivités publiques doit-elle-être abandonnée », in Mélanges Marcel Waline, T2, LGDJ ,1974 ,P.574.
[32] --Becet (J.-M.,),  op.cit., P.183-184.
[33] -Becet (J.-M.,),  op.cit., P.171.
[34]- Thery(j.), Compétence et fond du droit  dans le contentieux de la responsabilité pécuniaire de fonctionnaire,EDCE ,1958 ,N°12, p.77.

الخميس 12 مارس 2020


تعليق جديد
Twitter