Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



عَنْ أَيِّ حِمايَة قانُونِية للقاصِر(خدم المنازل) نَتَحـدَّث؟؟


     

حريث شعيب
باحث في العلوم الشؤون القانونية




عَنْ أَيِّ حِمايَة قانُونِية للقاصِر(خدم المنازل) نَتَحـدَّث؟؟
لا حديث في الآونة الأخيرة إلاّ عن موضوع أعتُبِر من المواضيع الحساسة التي أُجِّل النظر و الحسم فيها لسنوات عدّة , ألا وهو موضوع  " عمّال المنازل " , و ذلك لإرتباطه بشكل وثيق بفئة تُمثل في الغالب الحلقة الأضعف داخل المجتمع ,ألا و هي فئة الفتيات القاصرات  ممَّن شاءت الأقدار ألاَّ ينعمْنَ بحياة هـنيَّة شأنهم في ذلك شأن نظيراتهم  من الفتيات القاصرات داخل المجتمع , بحيث عمل المشرع المغربي من خلال مدونة الشغل لسنة 2003 , على محاولة أجرأة ظروف عمل و شغل هاته الفئة , و ذلكبالتنصيص في المادة 4 من المدونة على أن شروط الشغل و التشغيل المتعلقة بخدم البيوت ( عاملات المنازل ) , ستحدد بقانون خاص سيصدر لاحقا  , و هو ما لم يتم الإفراج عنه للمناقشة و المصادقة _ في ظل البطىء الذي يُعدُّ سِمة التشريع المغربي _ إلاّ في حدود الأيام الأخيرة, من خلال مشروع قانون 19.12 المتعلق بتحديد شروط التشغيل و الشغل الخاصة بعمال المنازل . 
 
هذا الأخير الذي عمل المشرع المغربيعلى محاولة صياغته بالشكل الذي يتناسب و  طبيعةعمل هاته الفئة من جهة أولى ,  و قُدراتها البدنية و الجسمانية من جهة ثانية.
 
على اعتبار أن هاته الفئة تتكون من شريحة واسعة من الفتيات القاصرات,القادمات من البوادي و القرى المغربية بحثا عن لقمة تكفل عيشهنَّ , أو اللواتي قادت الظروف الصعبة المعيشية لأسرهن للدفع بهـِنَّ للعمل في البيوت قصد إعالتِهنّ .وبالتالي فإلى أيِّ حدِّ نجح المشرع المغربي من خلال مقتضيات  مشروع قانون 19.12   المصادق عليه أخيرابلجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب , في توفير الحماية اللازمة للفتاة القاصر العاملة بالمنازل ؟
 
إنّ بقراءة بسيطة لمقتضياتمشروع  قانون 19.12 المتعلق بشروط الشغل و التشغيل الخاصة بعمال المنازل _ هاته التسمية التي حلت محل تسمية " خدم البيوت " مساير للمصطلح المتداول دوليا منذ صدور الاتفاقية 189 بشأن العمل اللائق للعمال المنزليين _  , نجد أن المشرع المغربي عمل على  محاولة صياغة مقتضيات المشروع السالف الذكر بالشكل الذي يتناسب مع الإتفاقية الخاصة بمحاربة جميع أشكال التمييز ضد المرأة , و كذلك الإتفاقية المتعلقة بحقوق الطفل .
 
 و لا سيما في ظل الملاحظات العديدة الذي سبق و أن تلقاها المغرب من طرف مجموعة من المنظمات و الهيئات الحقوقية الدولية سواء التي تعنى بقضايا الطفل أو قضايا المرأة , مفادها غياب حماية قانونية لهاته الفئة و غياب  ظروف سليمة لعملها .
 
إلاّ أنه وبالرغم من ذلك فإن واضعوا قانون 19.12 خالفوا الصواب في جملة من مقتضياته, لعلّ من أبرز هذه المقتضيات و الذي أسال الكثير من المداد , نجد ما يتعلق بسن التشغيل الذي حُدِّد في سن ستة عشرة سنة , و هو سن يعتبر انتكاسة في حق حقوق الطفل, و ضرب بعرض الحائط لتوصيات مجموعة من المنظمات الدولية التي تعنى بحقوق الطفل و المرأة , و لعلَّ من بينها ملاحظات منظمة " اليونسيف " التي سبق و أن أَوْصت  في أكثر من مناسبة ,الحكومة المغربية بضرورة تبني سن 18 سنة , كسن يليق بتشغيل الأطفال في المنازل , و كذا التقرير الصادر عن منظمة العمل الدولية سنة 2013 بشأن تشغيل الأطفال , و أيضا ملاحظات لجنة الخبراء بشأن الإتفاقية 138 المتعلقة بشتغيل الأطفال في المنازل و التي جاء فيها " إن اللجنة تعيد تذكير الحكومة بأن الفتيات الصغيرات المنوط بهنّ إنجاز الأشغال المنزلية عادة ما تُصبحن ضحايا للإستغلال, وأن الطبيعة السرية لهذا العمل تجعل من مراقبة تشغيلهن أمرا صعبا للغاية، كما تعيد تذكير الحكومة بأن مقتضى المادة الأولى منا الإتفاقية يلزمك لدولة عضو باتخاذ التدابير الفورية والفعالة لتضمنمنعأسوءأشكالعملالأطفال " ،كذلك من بين المقتضيات التي يكتنفها نوعا من الغموض ضمن القانون السالف الذكر , نجد أنه قد حدّد في المادة الثانية منه , لائحةً من الأشغال الواردة على سبيل الحصر للأنشطة التي تناط بالعامل(ة) المنزلي(ة) , هذه الأشغال التي من ضمنها من جاءت بصيغة فضفاضة و غير محددة  تحديدا دقيقا ًمن شأنه توفير حماية تامة للعامل (ة) القاصر , كما هو الحال في ما يتعلق بأشغال الطبخ  و التي تمَّ الوقوف عندها دون تحديد أيِّ من أعمال الطبخ التي يمكن لهذا الطفل و هاته الفتاة القاصر العاملة المنزلية مزاولتها , و لاسيما كما هو معلوم  أن أشغال الطبخ تُعدُّ من الأشغال المحفوفة بالمخاطر لإقترانها بالنار , و ببعض المعدات و الأدوات الني تستعمل بالمطبخ ,  و التي من شأنها إلحاق ضرر بالعامل (ة)   المنزلي (ة)  القاصر .
 
 و خاصة في ظل سكوت مشرعوا قانون 19.12 عن ذكر لائحة هذه الأشغال المحظورة التي لا ينبغي للعامل (ة) المنزلي (ة) مزاولتها , و التي تشكل خطرا عنه بحيث تم الإكتفاء فقط في المادة السادسة من القانون المذكور في فقرتها الأخيرة بذكر " يُمنع تشغيل العمال المنزليين في أشغال تشكل مخاطر بينة تضر بصحتهم  أو سلامتهم او سلوكهم الأخلاقي , أو قد يترتب عنها ما قد يخل بالآداب العامة , و تحدد لائحة هذه الأشغال بنص تنظيمي "  .
 
و هنا يُطرح التساؤل ما الغاية من عجز المشرع  _الذي وضع لائحة محددة حصرا للأشغال المناطة بالعامل (ة)   المنزلي (ة)   _ عن وضع لائحة أيضا للأشغال التي تشكل خطرا على هذا العامل (ة)  المنزلي (ة) ؟ و خاصة القاصرمنه ممّن لم يبلغ بَعدُ سن الرشد . هل لفتح الباب بمصراعيه للمشغل  (رب البيت) للتعسف في استغلال  هذا السكوت و الفراغ التشريعي ؟ تحت مبرِّر عدم اتّسامها بالطابع الخطير من منظوره,أم لوجود  عقوبة  مقررة للمشغل في حالة إسناد هذه الاشغال الخطيرة للعامل المنزلي , تتحدد في الغرامة بين 25 الف درهم و 30 الف درهم , إرتأى معها  واضعوا قانون 19.12  ,  إرجاء تحديد هذه اللائحة حتى وقت لاحق رأفةً بجيوب المشغلين من أرباب البيوت .
 
كذلك فيما يتعلق بالحماية الصحية لهاته العامل (ة)  المنزلي (ة)  الذي يتراوح عمره بين 16 و 18 سنة  , تَـمّ التنصيص في نفس المادة السالفة الذكر, على ضرورة إجراء فحص طبي وجوبا  لهذاالعامل (ة)  المنزلي (ة)  القاصر مرة كل  ستة أشهر على نفقة المشغل , رغم أنه في نظرنا لا تتناسب هذه المدة و طبيعة الإنسان الآدمي الأكثر عرضة للأمراض ,  فكان حرياًّ تحديد  إلزامية هذا الفحص في مدة أقل ,و خاصة في ظل إمكانية أن يحدث و تكون هذه المدة أكبر بكثير من المدة التي سيقضيها العامل(ة) المنزلي(ة) القاصر  لدى رب البيت , مُنهٍياً علاقته معه متوجها للعمل لدى ربّ بيت آخر . وكذا في ظل عدم  وجود أي مقتضى بالباب الخامس المتعلق بالمراقبة و العقوبات من القانون المذكور  , يحدد  جزاءا للمشغل في حالة مخالفته هذا المقتضى ,  المتعلق بإلزامية إجراء الفحص الطبي . و بالتالي فكان لا مجال لإستعمال عبارة " وجوبا " من طرف واضعواقانون 19.12 , في ظل غياب ما ينص على  جزاء  قانوني في حالة المخالفة .
 
ثم أيضا فيما يتعلق بحق هذا العامل (ة) المنزلي (ة)  القاصر في التعلم و المعرفة , و تطوير معارفه الدراسية  و الثقافية , فإن مُشرّع مشروع قانون 19.12 قد وضع هذا الحق في آخر صلب إهتماماته , عندما أولا و كما سبقت الإشارة , أقرّ سن 16 سنة كسن للعمل بالمنازل , الذي لا يتناسب و الحق في التعليم ,  و ثانيا عندما نص في المادة الحادية عشر من مشروع القانون المذكور على عبارة " يُمكن للعامل المنزلي أن يستفيد من برامج التربية و التكوين التي توفرها الدولة ... " و هي صيغة ٌتفيد الجواز  في ظل غياب ما يلزم المشغل من منح العامل (ة) المنزلي (ة) القاصر الحق في التعليم  و التكوين, و خاصة عندما أتبعها بالفقرة الموالية من المادة المذكورة  سلفا ً , " تحدد كيفية الاستفادة من هذه البرامج بإتفاق بين المشغل و العامل (ة)  المنزلي (ة) " . دون تحديد ما المآل في حالة عدم حصول أي اتفاق بينهما  ؟ و لاسيما إذا استحضرنا ثقافة المشغل المغربي من أرباب البيوت , الذي لا يُتصَوّر تعاقده مع عامل (ة)  منزلي (ة)  لأجل أشغال البيت , و منحهفرصة الحق في التعليم و التكوين .
 
تمثل المعايير المعتمدة بشأن العمل اللاَّئق للعمال المنزليين , تحولا في ملامسة الموضوع عبر مختلف تشريعات العالم ,سمح به مفهوم العمل اللائق , حيث ساد الإقتناع بأن فئة العمال المنزليين لا يختلفون عن باقي فئات العمال في الحقوق الأساسية والكرامة , وبالتالي في استحقاق حماية تشريعية مساوية لغيرهم, مما يتطلب الأمر معه وضع ترسانة قانونية جيدة , و الحرص  كلّ الحرص على تفعيلها و أجراتها على أرض الواقع  , حتى لا تبقى حبيسة الرفوف شأنها في ذلك شأن مجموعة من القوانين و النصوص , التي كُـتب لها الحياة بين السطور كتابةً .
     
 


الجمعة 3 يونيو 2016


تعليق جديد
Twitter