Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



ضوابط المطالبة أمام الإدارة الضريبية


     

الأستاذ: كوني عبدالجليل
محام (م) بهيئة أكادير



ضوابط المطالبة أمام الإدارة الضريبية
مقدمة:

تعتبر المطالبة آلية فعالة لتسوية الخلافات التي قد تنشأ بين الإدارة والخاضع للضريبة، إذ عن طريقها يتم حسم نسبة مهمة من المطالبات التي تقدم إلى إدارة الضرائب، وذلك في زمن لا يتجاوز في غالب الأحيان ستة أشهر، سيما إذا علمنا أن غالبية هذه المطالبات تهدف إما إلى تصحيح الأخطاء المادية التي قد تشوب الوعاء أو طريقة حساب الضريبة، وإما أن الدافع الذي يكمن خلف تقديم المطالبة لا يعدو أن يكون مجرد تعبير عن سخط وغضب الخاضع للضريبة كرد فعل على فرض الضريبة.
من هنا تظهر الغاية التي توخاها المشرع من إلزامية المطالبة التمهيدية وهي إحداث آلية خاصة لتسوية الخلافات بين الإدارة والخاضع للضريبة في الميدان الضريبي، يكمن دورها الأساسي في تصفية الطعون، بحيث لا يصل منها إلى القضاء سوى تلك التي تتضمن خلافا بين الخاضع للضريبة والإدارة الضريبية بشأن فهم القاعدة القانونية الضريبية .
وإذا وصل النزاع إلى القضاء فإنه يكون مطالبا بتوفير الحماية اللازمة للخاضعين للضريبة في مجال المنازعات الجبائية بالشكل الذي تعمل فيه على تكريس الضمانات والحقوق المخولة لهم في إطار النصوص الجبائية دون إهدار للمال العام، حيث يراعي تكريس الحماية القضائية سواء على مستوى تطبيق القواعد الشكلية أو الموضوعية .
و قيام الإدارة الضريبية، بحكم وظيفتها القانونية، بربط وتحصيل الضرائب من الطبيعي أن يثير العديد من الخلافات والمنازعات بين الخاضعين للضريبة والإدارة، بالرغم من أن هذه الأخيرة يفترض فيها أنها تمارس مهامها وفقا للقوانين والمراسيم التطبيقية لها، وهذه الخلافات وضع لها المشرع عدة مراحل من أجل حلها بدءاً بالمرحلة الإدارية أو ما يصطلح عليه بالمطالبة التمهيدية ثم مرحلة الطعن أمام اللجان الضريبية و انتهاء بالمرحلة القضائية.
هكذا يبدو أن المنازعة الجبائية يمكن أن تقطع أشواطا كثيرة ويستغرق حلها وقتا طويلا، لذا فإنه قد يكون من المفيد بالنسبة للطرفين )الإدارة والخاضع( حسم الخلاف القائم بينهما في مراحله الأولى، من هنا تظهر أهمية المطالبة كأحد أشكال التسوية البديلة للمنازعات الضريبية أمام القضاء، وتكمن أهميتها في كونها تمكن إدارة الضرائب في- إطار حوارها مع الخاضع- من تسوية معظم المنازعات من دون حاجة للجوء في شأنها إلى القضاء، وذلك من خلال إيجاد حلول ملائمة لطبيعة النزاع الضريبي، وما يترتب عن ذلك من استقرار للمعاملات وغرس الطمأنينة الجبائية لدى الخاضعين للضريبة .

المطلب الأول: حق الخاضع في المطالبة أمام الإدارة الضريبية

لقد اختلف الفقه في تحديد مفهوم موحد لما يسمى بالمطالبة، فالبعض يعرفها على أنها الشكاية أو الطلب المقدم من طرف الملزم،أو الممول للخزينة أو الخاضع للضريبة إلى الإدارة من أجل مراجعته، أو تخفيض أو إلغاء الفرض الضريبي، أو إصلاح الأخطاء المادية التي يمكن أن ترتكب خلالها، والبعض الأخر يجعلها تسمى بالتظلم، لكن إن اختلفت التسمية والمصطلحات فإن الهدف واحد إذا كان مضمونها ينطبق وحالها على الواقعة المنشأة للخلاف بين الخاضع للضريبة والإدارة الضريبية.

الفقرة الأولى: حق المطالبة

تعني المطالبة في مفهومها العام التشكي، أو ما يجعل الإدارة تراجع موقفها بالإيجاب أو تظل متشبثة برأيها، وتختلف عن التظلم الذي قد تترتب عنه بعض الآثار الاستعطافية. وبالتالي هل يمكن للمطالبة أن تمتد إلى حين البت في التظلم الاستعطافي وهل هذا الأخير يمدد الأجل للطعن تبعا لما هو معمول به في دعوى الإلغاء. وتعتبر قاعدة اللجوء إلى الإدارة قبل عرض النزاع أمام القضاء مألوفة في النزاع الإداري سواء تعلق الأمر بالمنازعة الضريبية، أو دعوى الإلغاء عموما. إلا أن حتميتها و إلزاميتها تجد نقاشا بين مؤيد ورافض لها، على اعتبار أن جذورها تعود إلى نظرية تجاوزها التاريخ، وهي نظرية الوزير القاضي والتي أصبحت متجاوزة الآن واقعا وليس قانونا، على أساس أن الإدارة يمكنها أن تراجع تصرفاتها وقراراتها ما لم تتحصن بفوات الأجل. إلا أن هذه القاعدة المتعلقة بالتحصين قد لا تجد سندا في المنازعة الضريبية لإتاحة إمكانية إجراء الصلح أو التسوية الودية بعيدا عن القضاء .
وتقدم المطالبة في شكل كتابي، حيث تعتبر إحدى الضمانات الأساسية التي تقرها جل التشريعات المعاصرة، إذ أنها كفيلة بتفادي عدة مشاكل التي يمكن أن تقع بين الأطراف المعنيين، ولا سيما التأخيرات وعدم تطابق وجهات النظر حول نقط جوهرية في بعض الحالات، ولا تقبل الشكايات الشفوية إلا في حالتين هما: حالة الفرض الخاطئ للضريبة، وحالة تكرار فرض نفس الضريبة.
و توجه المطالبة على ورق عادي على أن تتضمن توقيع الخاضع للضريبة المعني بالنزاع أو من ينوب عنه، غير أنه عمليا يصعب التأكد من هذا التوقيع طالما قد تصل المطالبة إلى المصالح الضريبية عن طريق رسالة بريدية.
وتقدم المطالبة إلى مديرية الضرائب، أو الجهة الإقليمية، أو اللجنة المكلفة بذلك على اعتبار أن المركز لا يمكنه أن يكون في تواصل مستمر مع الخاضع للضريبة لإشكالية القرب أو البعد منه، ويتم إيداعها لدى هذه المصالح دون مصاريف مسبقة أو مؤجلة ،وأمام التقنيات الجديدة للتعامل الإداري يمكن تجاوز هذه الشكليات، وإذا كان هم الإدارة تحقيق العدالة الضريبية عن طريق تصحيح الخطأ إن كان واقعا فعلا.
وفي هذا الإطار نرى بأنه يجب على الإدارة الاعتماد على الوسائل الحديثة وتفعيل الإدارة الإلكترونية، وذلك باستقبال مطالبات الخاضعين للضريبة عبر بريد إلكتروني يكون مخصصا لذلك.
و يجب أن تتضمن المطالبة مجموعة من البيانات:
• تعيين الضريبة المتنازع في شأنها، بمعنى البيانات التي ترتبط بالضريبة، وفي هذا الصدد يستحسن إرفاق المطالبة بنسخة من الإشعار الضريبي أو بيان التصفية أو على الأقل رقم التقيد بجدول الضرائب.
• ملخص الوقائع والوسائل المستند إليها لتبرير الطلب.
• الاستنتاجات التي توصل إليها الخاضع للضريبة.
وعدم اشتمال المطالبة على هذه البيانات يفضي إلى رفضها من طرف المصالح الضريبية، على أنه يمكن تصحيح النقائص التي تشوب شكل المطالبة طالما أن الأجل قائم، أو تقديم مطالبة جديدة من قبل الملزم أو من ينوب عنه، أما إذا انصرم الأجل القانوني فالرفض يعتبر نهائيا. وبالتالي فمهما كانت طبيعة المطالبة فإنه يجب على الخاضع للضريبة أن يتقيد بهذه الإجراءات تحت طائلة عدم قبول الطلب، الشيء الذي سيؤثر على حقوقه ليس فقط أمام الإدارة بل أمام القضاء أيضا .
وتأسيسا على ما سبق يتضح بأنه عندما يتم تقديم المطالبة داخل الأجل القانوني وتتضمن البيانات والضوابط القانونية تباشر الإدارة الجبائية إجراءات التحقيق بشأنها وكذا اتخاذ القرار الواجب بخصوصها.
ونظرا للمشاكل المسطرية والموضوعية التي يمكن أن تنشأ من جراء التحرير الناقص أو الخاطئ للشكاية، فإن الإدارة الضريبية الفرنسية ابتدعت في هذا المجال ما يسمى بورقة الزيارة
"La fiche de visite"
تتكون من ثلاثة نسخ يقوم مفتش الضريبة المكلف بالإستقبال بتعبئتها وتضمينها جميع المعلومات المتعلقة بالخاضع للضريبة والجدول الضريبي ومضمون الشكاية، ويقدمها للخاضع للضريبة ويضعها في ملفه الجبائي، فتصبح هذه الورقة بمثابة شكاية مكتوبة، ويتسلم الملزم إحدى النسخ ، لذا فلا نرى مانعا من نهج الإدارة الضريبية المغربية لهذا السلوك نظرا لكونه يجنب الخاضع للضريبة والإدارة الضريبية معا ما من شأنه أن يعرقل السير العادي للمنازعة. وتأسيسا على ما سبق ذكره يمكن القول بأن الطلبات التي يتقدم بها الخاضع للضريبة متنوعة و متعددة وتختلف باختلاف مضامين الضريبة.

الفقرة الثانية: أنواع الطلبات التي يمكن أن يتقدم بها الخاضع للضريبة:

لا يمكن حصر أنواع الطلبات التي يمكن أن يتقدم بها الخاضع للضريبة نظرا لتنوع مضامين الضريبة وإجراءاتها والحالات الواقعية التي تطبق عليها. غير أنه من الناحية المنهجية يمكن التميز بين نوعين من الطلبات، وهي طلبات في موضوع الضريبة وطلبات استعطافية .
وتجدر الإشارة إلى أن مضمون الشكاية أو المطالبة قد لا يخرج عن الطلبات التالية:

أ. طلب التخفيض من الضريبة أو إلغائها:

يمكن أن ينصب طلب التخفيض من الضريبة أو إلغائها إما على كيفية الضريبة أو على عدم أحقية الإدارة في فرضها أو لوقوع خطأ ما عند ربط الضريبة سواء كان السبب في ذلك راجع للإدارة أو للخاضع للضريبة نفسه.
• طلب تخفيض الضريبة بسبب سوء التقدير:
إن حالات سوء التقدير تصادفها أساسا في ربط الضريبة من طرف الإدارة وفق النظام الجزافي، أو ربط الضريبة بعد تصحيح التصريح تلقائيا. لكن الحالة الأولى هي الأكثر شيوعا في المنازعة الإدارية، لذا نلاحظ أنه كلما حصلت زيادة في الضريبة على الدخل وفق النظام الجزافي أو زيادة في الضريبة المهنية أو الضريبة الحضرية إلا وتقدم عدد هائل من الخاضعين للضريبة بشكايات إلى الإدارة يطالبون بخفضها أو إرجاع مبلغها إلى المبلغ القديم الذي اعتادوا عليه، وذلك دون أن يستطيعوا توضيح الأسباب الداعية إلى المطالبة، باستثناء التعبير عن التضرر من الزيادة مدعين أسبابا شخصية محضة وظروفا عائلية قاسية تجعلهم غير قادرين على تحمل العبء الضريبي. و هذا النوع من التشكي هو أصعب ما يواجهه مفتش الضريبة الذي يجد نفسه بين مطرقة القانون وسندان الواقع المعاش للخاضع للضريبة.
أما الطلبات المتعلقة بالضريبة الصادرة على إثر تصحيح تلقائي للتصريح المقدم من طرف الخاضع للضريبة، فإنها طلبات تتوفر على قدر أكبر من الدقة، لكون الربط التلقائي للضريبة في أغلب الحالات يكون مبنيا على تقديرات أقرتها الإدارة بناء على معلومات متوفرة لديها، ولم يتمكن الخاضع للضريبة من الرد عليها لسبب أو لآخر، مما يجعل الخاضع للضريبة مضطرا قبل التوجه إلى القضاء توجيه طلب إلى الإدارة الضريبة بإعادة النظر في التقديرات المذكورة، وغالبا ما يكون طلبه معززا بأدلة ووجهات نظر مهمة تجعل الإدارة في وضع مريح لإعادة النظر في طلبه وإصدار القرار المناسب.
• طلب الإلغاء الجزئي أو الكلي للضريبة بسبب خرق القانون:
يتمثل خرق القانون الضريبي من طرف الإدارة الضريبية في فرض ضريبة غير مشروعة أو في خرق مسطرة فرض الضريبة.
فعندما يتعلق الأمر بضريبة غير مشروعة، تكون هناك شكايات يهدف من ورائها أصحابها إلى الاستفادة من حق ناتج عن تدبير تشريعي أو تنظيمي، فهذه الشكايات غالبا ما تكون مرهونة بحصول أحداث لا تستطيع الإدارة الجبائية أخدها بعين الاعتبار عند فرض الضريبة، كأن تفرض ضريبة الأرباح العقارية على شخص يعتبر معفيا منها، أو تفرض الضريبة على القيمة المضافة على نشاط غير خاضع لهذه الضريبة كعملية النقل الدولي، وهي من الأمور التي يسهل وقوعها نظرا لعدة أسباب، من التصريح غير المعبأ بشكل جيد أو فرض الضريبة بناء على معلومات وفرتها مسطرة الإطلاع دون التأكد من صحتها...إلخ. وهذا النوع من الطلبات غالبا ما يقدمه ملزمون عارفون بحقوقهم وقادرون على إثبات خطأ الإدارة، ويدلون بما يثبت ذلك. لتبقى المسألة الأساسية في هذا النوع من النزاعات هو مدى فعالية جهاز الإدارة للبت في شكاية الخاضع للضريبة واتخاذ القرار المناسب بالسرعة المطلوبة .
لكن عندما يتعلق لأمر بخرق مسطري في فرض الضريبة، والذي يمكن أن يؤدي إلى زوالها كلية، فإننا نلاحظ أن الخاضعين للضريبة قلما يعرفون حقوقهم في هذا المجال. ويتبين ذلك من خلال صياغة مطالبتهم التي لا تشير في غالبيتها إلى الأساس القانوني لا دعاء اتهم. ولا تركز على الجوانب المسطرية في فرض الضريبة.

ب. طلب استرجاع مبالغ ضريبية:

إن الحالات التي تستدعي من الخاضع للضريبة تقديم طلب لاسترجاع مبالغ ضريبية سبق له أن أداها إلى محصل الضريبة، متنوعة بعضها يتطلب تقديم الطلب إلى المحصل نفسه، والبعض الأخر يتطلب تقديم الطلب إلى مدير الضرائب، ذلك أنه إذا تعلق الأمر بمجرد خطأ في دفع الضريبة، كأن يدفع الخاضع للضريبة قدراً أكبر من القدر المطلوب أو أن يؤدي الضريبة إعلاميين في
نفس الموضوع، فإنه في هذه الحالة يكتفي بتقديم طلب استرجاع أمام القابض الذي غالبا ما يرتب فائض الضريبة في خانة المبالغ المقبوضة خطأ أو حالة مبالغ محتفظ بها
Recettes à classer
، لكن الحالات الأكثر إشكالا هي تلك التي تتعلق بانتفاء حق الإدارة في استخلاص الضريبة، مما يستدعي استرجاع المبالغ المحصلة مع مراعاة الأجل المحدد لهذا الاسترجاع .
ويمكن للخاضع للضريبة أن يلجأ إلى تقديم طلب تصريح باسترجاع مبالغ ضريبية تم تصفيتها خطأ أو انتفى الأساس القانوني الذي أسست عليه هذه الضريبة، كالرسم المقبوض على سبيل تسجيل عقد، في حين أن المحكمة فسخت هذا العقد، مما جعل تلك الرسوم غير مؤسسة على أساس قانوني وللخاضع للضريبة الحق في المطالبة بها.
ويمكن للإدارة الجبائية بمحض إرادتها ودون وجود مطالبة من طرف الخاضع للضريبة أن تباشر الإسقاط التلقائي
"Dégrèvement d’office"
إذا تبين لها أنها ارتكبت خطأ في حق الخاضع للضريبة، وهذه الصلاحية مخولة صراحة للإدارة في التشريع الضريبي المغربي والذي يعطي للوزير المكلف بالمالية أو الشخص المفوض له من قبله أن يقرر داخل أجل التقادم إسقاط بعض أو جميع المبالغ المطالب بها برسم الضريبة، إذا ثبت أنها زائدة عن المبلغ المستحق، أو أن الأمر يتعلق بضريبة فرضت مرتين بغير موجب صحيح .

المطلب الثاني :آجل تقديم المطالبة وآثارها:

حددت كافة التشريعات الضريبية أجلا معينا لتقديم التظلم الإداري إلى المصالح الضريبية المختصة، ويترتب على عدم احترام هذا الأجل القانوني من طرف الخاضع للضريبة عدم قبول طعنه، ويعتبر عدم القبول هذا من النظام العام ، وعليه فإن للإدارة الضريبية أن تدفع به في أي وقت، وللقاضي أن يحكم به من تلقاء نفسه.

الفقرة الأولى: آجل تقديم المطالبة:

يعتبر تقديم المطالبة داخل الآجال القانونية من الشروط الجوهرية التي يجب أخدها بعين الاعتبار من طرف الخاضعين للضريبة لضمان دراسة شكايتهم من طرف الإدارة ، وتتأتى أهمية الآجال من كونها تبلور رغبة المشرع في استتباب الأمن والسلامة القانونية بالنسبة للإدارة التي ينبغي أن تكون متأكدة من قراراتها ستكون غير قابلة للطعن بعد حين .
والملاحظ أن مواعيد الطعن الإداري كانت غير موحدة على مستوى المنظومة الجبائية، وبالتالي كان للتعدد النوعي في الآجال آثار سلبية على الخاضعين للضريبة وكان يساهم في تعقيد الإجراءات، وعدم الإلمام الجيد بهذه المواعيد يؤدي إلى ضياع حقوق الخاضعين للضريبة، وفي هذا الصدد عمد المشرع الفرنسي إلى توحيد آجال التظلم بالنسبة لجميع الضرائب المباشرة والرسوم المماثلة لها .
وهذا ما حدا بالمشرع المغربي إلى التدخل بمقتضى قانون المالية بتاريخ2000/12/31 لتعديل بعض النصوص الضريبية من أجل توحيد هذه الآجال. وأصبحت في أغلبها 6 شهور، وهي الفترة التي منحت لإدارة الضرائب لاتخاذ قرارها بالإيجاب أو الرفض من لدن المفوض له بذلك، حيث أكد المشرع المغربي في المادة 235 من المدونة العامة للضرائب أنه: "يجب على الخاضعين للضريبة الذين ينازعون في مجموع أو بعض مبلغ الضرائب والواجبات والرسوم المفروضة عليهم أن يوجهوا مطالباتهم إلى مدير الضرائب أو الشخص المفوض من لدنه لهذا الغرض :

أ) في حالة أداء الضريبة بصورة تلقائية خلال الستة ( 6) أشهر الموالية لانصرام الآجال المقررة؛
ب) في حالة فرض ضريبة عن طريق جداول أو قوائم الإيرادات أو أوامر بالاستخلاص خلال الستة ( 6) أشهر الموالية للشهر الذي يقع فيه صدور الأمر بتحصيلها".

وفي هذا الإطار يثير جانب من الفقه مسألة الاختصاص بالنسبة لصاحب القرار، هل يتخذ على الصعيد المركزي أو على الصعيد المحلي وفق إجراءات داخلية لمديرية الضرائب، وما هي معايير التميز بين الجهات المتخذة للقرار بخصوص الضريبة النوعية الواحدة. فبالنسبة للتساؤل الأول نرى بأنه قد حسم فيه المشرع المغربي حينما اعتبر أن الوزير المكلف بالمالية أو الشخص المفوض من لدنه لهذا الغرض هو الذي يتولى البث في المطالبة بعد البحث الذي تقوم به المصلحة المختصة.

الفقرة الثانية:آثار تقديم المطالبة

يعتبر تقديم المطالبة من بين الضمانات المهمة التي منحها المشرع الضريبي للخاضع للضريبة نظرا لما تتيحه لهذا الأخير من إمكانية اللجوء المباشر إلى الإدارة الضريبية مصدرة الضريبة المتنازع بشأنها لحثها على مراجعة قرارها و تمتيعه بالإعفاء أو التخفيض الذي يراه حقا له.
و يمكن تقسيم الآثار المترتبة عن تقديم المطالبة بأنها تتميز بمجموعة من المزايا والإيجابيات سواء بالنسبة للخاضع للضريبة أو بالنسبة للإدارة الضريبية، إلا أن هذه المزايا لا تمنع من وجود مجموعة من السلبيات تحد من فعالية تقديم هذه المطالبة.
فبالنسبة للآثار الإيجابية التي تترتب عن تقديم هذه المطالبة تتمثل أساسا في تكريس مبدأ الحوار بين الإدارة والخاضع للضريبة، حيث لا يختلف اثنان في اعتبار الحوار مظهرا من مظاهر الديمقراطية والتقدم الحضاري، ويعتبر مناسبة للإدارة الضريبية للقيام بدراسة متأنية ومستفيضة للقرارات التي سبق أن أصدرتها، ويمكن أن تخلص عند انتهاء هذه الدراسة سواء إلى تزكية مطالبة الخاضع للضريبة إذا اعتبرت أنها مبنية على أسس معقولة، أو إلى رفضها إذا تبين لها أن تلك الأسباب غير جدية. وهذا ما يجعلها تمارس رقابة ذاتية على نشاطها حيث يمكن أن تتدارك الأخطاء التي ارتكبتها وتنصف الخاضع للضريبة الذي تضرر من جراء هذه الأخطاء دون حاجة اللجوء إلى القضاء خصوصا وأن أغلبية المطالبات تكون إما بسبب فرض متكرر للضريبة، أو نتيجة أخطاء تشوب الجداول الضريبية سواء تعلقت بمبلغ الضريبة أو بشخص الخاضع للضريبة، كما يعتبر كذلك تخفيف الضغط على المحاكم الإدارية من أهم إيجابيات تقديم المطالبة.
و بالرغم من أهمية المطالبة كوسيلة لتصريف العديد من النزاعات الضريبية والحيلولة دون وصولها إلى المحاكم، وبالرغم من الضمانات التي تخولها للخاضع للضريبة، إلا أنها لا تخلو من سلبيات وعوائق تحد من فعاليتها في حل كل المنازعات، حيث تتميز بطابعها غير التواجهي عكس مسطرة التصحيح الضريبي التي تتميز بطابعها التواجهي والحواري بين الخاضع للضريبة والإدارة الضريبية، والذي يعتبر من بين أهم الضمانات المخولة للخاضع للضريبة، لكونه يدعم مشاركته في نشاط الإدارة الضريبية ويقوي حظوظ الوصول إلى حل يرضي الطرفين، وهذا ما لا ينسحب على مسطرة تقديم المطالبة، حيث أن دور الخاضع للضريبة يقتصر فقط على توجيه مطالبته للإدارة الضريبية لينتظر بعد ذلك اتخاد هذه الأخيرة لقرارها وقد تتخذ هذا القرار دون أن تراسل الخاضع للضريبة ، غير أنه يمكن للإدارة الضريبية أن تطلب منه مدها ببعض المعلومات، لكن هذه المراسلة لا تعني فتح حوار مع الخاضع للضريبة بل فقط استكمال ملفه إذا اعتراه نقص معين، ولا يمكن له أن يبدي أي رأي أو ملاحظة، وقد يقتصر إبداء الملاحظات في بعض الأحيان بطريقة شفوية .
وتعتبر الآثار السلبية للمطالبة أنها وإن كانت وسيلة لإثارة انتباه الخاضع للضريبة بإمكانية التسوية الودية قبل الوصول إلى القضاء، إلا أن عدم إلزام الإدارة بالجواب تحت ترتيب الجزاء يؤدي إلى اعتبار المطالبة إجراءا ً شكليا غير منتج لآثاره في مواجهة الإدارة. إذا ما استثنينا الآثار بالنسبة للخاضع للضريبة، حيث أن المطالبة لا تحول دون التحصيل الفوري للمبالغ المستحقة وإن اقتضى الحال الشروع في مسطرة التحصيل الجبري مع مراعاة استرداد مجموع أو بعض المبالغ المذكورة بعد صدور القرار أو الحكم .
وهذا ما جعل هذه المطالبة من وجهة نظر الخاضع للضريبة غير ذات جدوى لقبول مسطرة الاسترداد المقرونة بالمقاصة وفق المادة 237 من المدونة العامة للضرائب، وهناك من يعيب على إدارة الضرائب تجاهلها للعديد من المطالبات و الشكايات وعدم رغبتها في التراجع عن قراراتها أو على الأقل تعديلها خصوصا بعد إلغاء المصالح المكلفة بالمنازعات الإدارية وإسناد مهامها واختصاصاتها إلى المصلحة المكلفة بالوعاء أو المراقبة في إطار ما يسمى بوحدة الشخص وازدواجية المهام أي أن المفتش الذي قام بربط الضريبة أو مراقبتها هو من يقوم بالبت في كل منازعة تتعلق بها حتى تكون هناك مسؤولية كاملة.
التساؤل الذي يطرح في إطار الآثار المترتبة، هو هل تعتبر المطالبة أو التشكي في حد ذاتها مطالبة للمنازعة أو أنها تتحول إلى ذلك بعد مرور أجل جواب الإدارة بالرفض الضمني أو الصريح، وهل النزاع في حد ذاته يبدأ من حيث تبدأ العملية القضائية أو الإدارية ، أو أن أثار المطالبة لا يمكن حصرها في الحالة النزاعية، وإنما يمكن أن تبدأ من المطالبة للتسجيل في الجداول الضريبية -غير التصريحية - أو إدراج المطالبة في إطار الواجب الضريبي الذي يجب أن تنعت به الضريبة.
إذا لم يقبل الخاضع للضريبة القرار الصادر عقب بحث مطالبته جاز له رفع الأمر إلى المحكمة داخل أجل الثلاثين يوما الموالية لتاريخ تبليغ المقرر. وإذا لم تجب الإدارة داخل أجل 6 أشهر الموالية لتاريخ المطالبة جاز كذلك للخاضع للضريبة الطالب رفع طلب إلى المحكمة المختصة داخل أجل الثلاثين يوما الموالية لتاريخ انصرام أجل جواب الإدارة الضريبية.
وفي هذا الإطار تثار إشكالية التبليغ وما يستتبعها من آثار سلبية على العملية خاصة في حالة تعذر التبليغ وعدم إثبات ذلك من طرف الإدارة لكن هل عدم تقديم الدعوى خلال هذا الأجل المحدد يسقط الحق في إثارتها ولو بعد مرور الأجل. وقد تعامل القضاء مع إثبات احتساب آجال التبليغ عن طريق وسائل الإثبات المنصوص عليها قانونا والتي تبقى على عاتق الإدارة الضريبية التي يجب أن تبرر تاريخ توصل الخاضع للضريبة بما يفيد جوابها عن المطالبة وإلا انتقل العبء على الخاضع للضريبة في حالة وحيدة وهي تبرير تاريخ إيداع المطالبة من أجل احتساب الأجل المطلوب .


المراجع المعتمدة:

 محمد قصري: المنازعات الجبائية المتعلقة بربط وتحصيل الضريبة أمام القضاء الإداري، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية،سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية، عدد 62 الطبعة الثانية، 2009.
 جواد العسري: "علاقة إدارة الضرائب المباشرة بالملزمين وانعكاساتها"، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال الرباط، 2001/2000.
 محمد شكيري: "الملزم والإدارة الضريبية"، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون العام، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الدار البيضاء، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون العام، 2003/2002.
 عبدالجليل كوني، "مسطرة التصحيح الضريبي على ضوء العمل القضائي للمحاكم الإدارية"، رسالة لنيل دبلوم الماستر المتخصص المستشار القانوني للمقاولات، جامعة القاضي عياض، كلية العلوم القانونية و الإقتصادية و الإجتماعية،مراكش، 2011/2012 , 92.
 عبد المنعم بلوق: "وضعية المكلف في النزاع الضريبي المغربي"، رسالة لنيل دبلوم السلك العالي في التدبير الإداري، المدرسة الوطنية للإدارة- الرباط،2003/2004.
 المحفوظ أشكر:" التوازن بين حقوق الملزم وسلطات الإدارة في إطار المساطر الجبائية"، رسالة لنيل دبلوم السلك العالي في التدبير الإداري ، المدرسة الوطنية للإدارة، 2004/2005.
 محمد بوغالب: "الرقابة الإدارية والقضائية في مجال المنازعة الضريبية"، مجلة المناظرة، عدد 12.
 بوبكر الأبيض: "المطالبة التمهيدية: عبء ثقيل على الملزم أم مسطرة ناجعة لحل المنازعات الجباية"،الندوة الوطنية حول موضوع: "الإشكالات القانونية في المجال الضريبي"، دفاتر المجلس الأعلى عدد2011/16.
 مصطفى زاهر: الإجراءات الشكلية في المنازعة الضريبة المطالبة والضمانة نموذجا'"، الندوة الوطنية حول موضوع: "الإشكالات القانونية والعملية في المجال الضريبي"، دفاتر المجلس الأعلى، عدد 16، 2011.
 عبد الغني خالد:"المسطرة في القانون المغربي، مطبعة دار النشر المغربية عين السبع الدار البيضاء، طبعة 2002.


النسخة الحاملة للهوامش


الاربعاء 30 ماي 2012


تعليق جديد
Twitter