Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




زملائي القضاة والقاضيات؛ دفاعكم عن استقلاليتكم واجب دستوري ووطني


     

(دراسة في أساليب وفن الاحتجاج ضد الكبائر الدستورية)


ذ. عبد الله الكرجي
عضو نادي قضاة المغرب



صادق مجلس النواب المغربي على مشروعي القانونين التنظيميين للمجلس الأعلى للسلطة القضائية وللنظام الأساسي للقضاة؛ وباستقراء مضامين هذين المشروعينيتبين أنها تشكل ارتدادا على مضامين دستور 2011 وميثاق إصلاح منظومة العدالة وكذا المعايير الدولية بشأن استقلال السلطة القضائية والاستقلال الفردي للقاضي؛ والغريب هو عدمتحركالقضاة سيما الجمعيات المهنية للقضاة للاحتجاج مكتفية بأشكال ترافعية غير كافية لانتزاع المطالب العادلة؛ وذلك إذا ما استثنينا ما قرره نادي قضاة المغرب من أشكال احتجاجية.

ولعل النقاش الدائر اليوم يفرض على نادي قضاة المغرب والقضاة عموما التعامل مع الأحداث بمنطق غائي؛ وذلك بتحديد الخيارات الممكنة خلال هاته المرحلة التاريخية.

يبدو في أول الأمر أن اعتماد مقاربة الترافع والتعريف بمظاهر عدم دستورية القانونين التنظيميين هام جدا؛ وهو ما سلكه نادي قضاة المغرب بنجاحه في كشف مظاهر عدم دستورية مشروعي القانونين التنظيميين  من خلال الكتابات التأصيلية التي تتميز بها أقلام أعضائه للتعريف بمضامين مذكرته المطلبية والمنطلقات الحقوقية والكونية التقعيدية لذلك؛عبر الصحف المكتوبة والالكترونية وكافة وسائل الإعلام ؛ لما لهذه الأخيرة من دور كبير في التأثير على الرأي العام سيما ما يتعلق بالحراك، إذ أن نسبة كبيرة من الجمهور العريض تعتمد على وسائل الإعلام كمصدر للمعلومة ، فإذا كان صحيحا أن الإعلام وحده لا يصنع التغيير، وأن التغيير هو نتاج إرادة عامة يحركها دافع الناس الطبيعي نحوه، إلا أن الإعلام هو أداة من مجموعة أدوات لتحقيق ذلك، وكما قال يوما ميشيل فوكو: "الثورة الإيرانية انتشرت بشريط الكاسيت"؛مما يجعل التغيير دون وسائل الإعلام قد يبقى محصورا في نطاقه المناطقي الضيق .

 وبالنظر لما أصبح يحويه البرلمان المغربي بغرفتيه من كفاءات عديدة في المجال القانوني؛ فقد انفتح نادي قضاة المغرب على الفرق البرلمانية ورؤساء اللجنبمجلس النواب معرفا بفحوى مذكرته المطلبية المرفقة بجدولين يكشفان التراجعات التي تكتنف مواد مشروعي القانونيين.
 
إلا أنه تبين أن الترافع لوحده لا يكفي، بل وان نجاح بعض تفاصيله أدى إلى تراجعات خطيرة غير دستورية على مستوى مشروعي قانوني السلطة القضائية؛ فاستدعى الامر إرفاق ذلك بالاحتجاج بل والانتقال إلى أبغض الحلال هو الاحتجاجات غير المسبوقة.

ينص الفصل 111 من الدستور على أنه:
" للقضاة الحق في التعبير ...
يمكن للقضاة الانتماء إلى جمعيات، أو إنشاء جمعيات مهنية ..."

وهو مقتضى مستمد من الاعلان العالمي لحقوق الانسان، ومن مبادئ الأمم المتحدة بشأن استقلال السلطة القضائية؛ إذ جاء في الاخيرة:

"8 ـ وفقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يحق لأعضاء السلطة القضائية كغيرهم من المواطنين التمتع بحرية التعبير والاعتقاد وتكوين الجمعيات والتجمع...
9 ـ تكون للقضاة الحرية في تكوين جمعيات للقضاة أو غيرها من المنظمات لتمثيل مصالحهم والنهوض بتدريبهم المهني وحماية استقلالهم القضائي، وفى الانضمام إليها."

أليس الاحتجاج هو واحد من وسائل التعبير وإبداء الرأي الأربعة المتمثلة في وسائل فردية ووسائل جماعية ووسائل شفهية وأخرى مكتوبة؟؟؟

    يعد الاحتجاج إحدى الطرق تقوم به مجموعة أو جماعةأو شخص للتعبير عن رأى معين، ويكون عادة عن طريق التجمع في مكان مالإيصال الصوت إلى أغلب شرائح المجتمع.

   وقد أصبح الاحتجاجفن تجب له مهارات؛ كمالا يمكن حصر أساليبه وطرقه؛ وفي هذا الصدد نشير الى كتاب صدر حديثا معنون بـــ "الاحتجاج العقلي والمعنى البلاغي" وهو عبارة عن دراسة فلسفة الإقناع والإمتاع في الأنساق والأساليب والمواقع الاحتجاجية البلاغية وموازينها النقديّة؛ وقد انتهى إلى عدة توصيات، منها الدعوة إلى تأسيس نظرية متكاملة للاحتجاج العقلي.

 وهكذا يتعين هجر المقاربة الاحسانية والتي تعتمد على الجاهزية؛ مما يجعلها عاجزة عن الوفاء بكافة متطلبات الحياة الكريمة، علاوة على أنها تستهدف فقط الحاجيات الأساسية وبشكل موسمي أيضا؛ وهو ما يجعلها قاصرة على تحقيق المبتغى؛كما أثبتت التجربة أنها تربي في النفوس القعود والتقاعس عن اقتحام العقبات لتحقيق المطالب.

وقد أرجأ نادي قضاة المغرب الاحتجاج إلى ما بعد انتهاء الحوار الوطني الذي أطلقه ملك البلاد؛ والذي أعطى توجيهاته الكبرى من خلال ما جاء في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية التاسعةيوم الجمعة 12 أكتوبر من سنة 2012 ؛ خاتما حديثه عن وجوب وضع قوانين تنظيمية متعلقة بالسلطة القضائية بعبارة:" بعيدا عن الأحكام الجاهزة والحسابات الضيقة" .

 ويضفي الخطاب الرسمي طبيعة جماعية وتوافقية لأي مشروع أطلقه الملك تحت عبارة "إنه مشروع الملك"؛وهو غير قابل للنقاش أو للمناقشة أو للمحاسبة، وما على باقي الفاعلين الثانويين سوى العمل على تطبيقه والاجتهاد في حسن تأويله وتجسيده.

وهكذا فإن المقرر دوما أنهإذا نجح أي مشروع أطلقه الملك، إن كلا أو بعضا، فالفضل في ذلك يعود بالدرجة الأولى لهلكونه هو من سطر الأهداف والغايات، أما  إذا لم يقدر لمشروع ما أقره ملك البلاد التحقق أو اعترضت سبيله عوائق ، فإن المسؤولية تقع على الهيئات والمؤسسات التي قد تكون، في هذه الحالة، حادت عن التوجهات الملكية، أو أنها لم تجتهد في تطبيقها على الوجه المطلوب .

وسيرا على نفس الفهم ، فقد أعدمنا وسيلة الحوار والترافع لإيصال مطالبنا بعدما خرج مشروعي القانونين التنظيميين المتعلقين بالسلطة القضائية في حلة غير دستورية تفتح أبواب التدخل في الاستقلال الفردي للقاضي، وتمس أمنه المهني ضاربة مبادئ دستورية وحقوقية وكونية عرض الحائط ، بما يهدم مبدأ استقرار القاضي في منصبه القضائي ويغل فكره عن الاجتهاد إضافة إلى كبائر دستورية أخرى ؛ وبالتالي لم يتبق أمامنا إلا "أبغض الحلال لدينا" والذي أرجأناه إلى حين انتهاء الحوار الوطني حول إصلاح العدالة الذي أطلقه ملك البلاد، فلم نترك لمن أفشلوا الحوار حجة علينا؛ وهو سلوك الأشكال الإحتجاجية التي أقرها المجلس الوطني ليوم 05 ــ 05 ــ 2012 ، وأكدها المجلس الوطني الأخير ليوم 17 ــ 10 ــ 2015.

إلا ان التساؤل يطرح حول فعالية الأشكال الاحتجاجية المطروحة، فنادي قضاة المغرب نفذ أشكالا احتجاجية قوية؛ وبالتالي لا يمكن تصور نزوله عن سقف وقفة أو اعتصام مفتوح أو اضراب يكسر أفق تجريمه تأديبيا أو زجريا.

   سؤال مدى فعالية الأشكال الاحتجاجية يحيلنا على كون الاطار الزمني الذي أسس فيه نادي قضاة المغرب حيث الربيع العربي وما وازاه من ربيع قضائي مغربي، ودستور جديد لم تتضح ـــ آنذاك ــ معالم ما أتى به من سقف حريات وحقوق؛ بمطامح قضاة عديدين همهم تحسين وضعيتهم المادية؛ فكانت مشاركتهم في الاشكال الاحتجاجية مشاركة غائية ما إن تحققت الزيادة في أجرتهم حتى خفت سقف نضالهم، يضاف لما ذكر ما تلقاه نادي قضاة المغرب من طعنات من الأصدقاء قبل الأعداء؛ ولعل طعن ذوي القربى أشد مضاضة على القلب من وقع الحسام المهند؛ ورغم كل ذلكفقداستمر هذا الإطار الجمعويلأنه بني على فكر أشخاص آمنوا بكون هم القضية جلل وأن حب استقلال السلطة القضائية من حب الوطن وان حب الأوطان من الإيمان؛ كما كانوا دوما واعين بأن ولادة سلطة قضائية مستقلة لا بد لها من تضحيات.
 
ونشير إلا ان العمل الجمعوي لم يعد عملا هاويا بل أصبح عملا احترافيا؛ كما أن الاحتجاج أصبح فنا سنحاول رصد أهم وأبرز أساليبه وتكتيكاته وأكثرها تأثيراً.
1ــ اللافتات: إن حمل لافتة أو ورقة أو يافطة مكتوب عليها عبارة احتجاجية خفيفة، يمكن التقاطها وحفظها بسهولة، يعتبر من أسهل وأهم وسائل الاحتجاج، ومن أكثرها فاعلية في نشر الأفكار، إذ يجذب صاحبها الجميع سيما وسائل الإعلام.

ومع استحداث برنامج الـ"فوتوشوب"، فإنه بالامكان خلق لوحات مبتكرة أكثر تأثيراً في الناس عما كان في الماضي، بالإضافة إلى فن الغرافيتي وفن الشوارع، والذي له تأثير قوي.

1 ــ الوقفات: أوثر عن روبرت كينيدي:"كل مرة تقف لنصرة قيمة أو فكر أو لتحسين حال الآخرين أو لمقاومة الظلم، فإن هذا يرسل بصيصاً من الأمل، يتحول مع الوقت لتيار جارف من شأنه اكتساح جدران الظلم والقمع".

وقد خاض نادي قضاة المغرب ثلاث وقفات ناجحة بفضل التعبئة الجيدة وإيمان القضاة بالاطار التنظيمي؛ الأولى بتاريخ 06 ــ 10 ــ 2012  ، والثانية بتاريخ 08 ــ 02 ــ 2014؛ اما الثالثة فخلال صيف هذه السنة أمام محكمة النقض.

2 ــ المقاطعة:

ومن أشهر المقاطعات في التاريخ الحديث، مقاطعة مونتنغري، عندما رفضت راكبة سوداء التخلي عن مقعدها في قسم الملونين لراكب أبيض داخل حافلة، وفي رد فعل على اعتقالها، قام مجتمع مونتنغري الأسود بإطلاق حملة مقاطعة طويلة للحافلات، تم في إثرها إلغاء الفصل العنصري في الحافلات في 11مايو/أيار 1956.

وقد سبق لنادي قضاة المغرب ان استعمل هذا الشكل الاحتجاجي بمقاطعته الحوار الوطني لاصلاح منظومة العدالة فتبين الآن صحة موقفه، كما اعلن مقاطعته برامج التكوين المستمر التي تشرف عليها وزارة العدل والحريات .

3 ــ الإضراب:

ينص الفصل 29 من الدستور على أن حق الاضراب مضمون، ويحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسته" ,

فيكون الدستور ، بذلك ؛ قد جعل الاضراب حقا، وأن دور القانون التنظيمي هو تحديد كيفية ممارسته بما لا يتعارض والنظام او الأمن العام؛ وليس منعه .

وكلنا يتذكر احتجاج القضاة الفرنسيين؛ حيث أعلنوا سنة 2011 حركة احتجاج غير مسبوقة مع تأجيل كل الجلسات في فرنسا حتى التعبئة الوطنية، بسبب انتقادات ساقها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بعد مقتل شابة فرنسية، محملا القضاة ورجال الشرطة مسؤولية مقتل الشابة الفرنسية "ليتيسيا" التي عثر على جثتها مقطعة ومرتكب الجريمة شخص من أصحاب السوابق؛ وأعرب اتحاد نقابات القضاة في فرنسا عن أسفه "لكون رئيس الدولة ومرة جديدة بداعي الغوغائية والشعبوية، يستخف بالقضاة" .

فدخلت ، إثر ذلك ، المحاكم الفرنسية إضرابا عن العمل تضامنا مع القضاة في مدينة "نانت" غرب البلاد .

وبتونس خاض القضاة بتاريخ 12 مارس 2015 إضرابا بكافة المحاكم التونسية باستثناء بعض القضايا الاستعجالية وقضايا الإرهاب والطفولة المهددة وقضايا الموقوفين ..، وقد دعت إلى هذا الاضراب الجمعية التونسية للقضاة ونقابة القضاة التونسييين  احتجاجا على بعض بنود قانون المجلس الأعلى للقضاء، وانتقدتروضة القرافي رئيسة جمعية القضاة هذا المشروع المعد من قبل وزارة العدل التونسية،وهذا ما أكدته روضة العبيدي رئيسة نقابة القضاة .

4 ــ الاعتصام:

يعتبر الاعتصام من أهم تكتيكات الاحتجاج والتظاهرالسلمي،وقد سبق لنادي قضاة المغرب أن نفذ يوم الأربعاء 22 يوليوز في مقر النادي في الرباط اعتصاما لأجهزته، معلنا تبرأه من مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والقانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة في حال التصويت عليهما أمام مجلس النواب؛ فكانت لانتيجة أن تم ارجاع المشروعين لإعادة مناقشتهما بلجنة العدل التشريع .

 كما أعلن تنفيذ اعتصام لأجهزته الوطنية وتنظيم ندوة صحفية لتسليط الضوء على التراجعات الخطيرة المضمنة في مشاريع " قوانين السلطة القضائية " المصادقة عليها في مجلس النواب وذلك يوم السبت 14 نونبر 2015 ابتداء من الساعة 11 صباحا بالمعهد العالي للقضاء بالرباط .

   وفي مصر ؛ حين اعتزم مجلس الشورى (السلطة التشريعية) مواصلة مناقشة مشروع قانون جديد للسلطة القضائية٬ عم غضب وسط القضاة بعد أن كان الملف قد شهد بعض الانفراج عقب إعلان رئاسة الجمهورية عن تنظيم "مؤتمر للعدالة" يتولى صياغة مقترحات بشأن تعديل القانون.

 فأعلن مجلس القضاء الأعلى في اجتماع طارىء تأجيل الأعمال التحضيرية لمؤتمر العدالة الثاني، لحين "وضوح الرؤية في ما هو معروض على مجلس الشورى من تحديد جلسة لمناقشة تعديل قانون السلطة القضائية" .

من جهته أعلن "نادي قضاة مصر" مقاطعته التامة لمؤتمر العدالة،  وهكذا فقد توافد العديد من القضاةعلى نادي القضاة بشارع شامبليون بالقاهرة للاعتصام داخل النادي احتجاجا على مشروع قانون السلطة القضائية .

   وجاء على لسان المستشار محمد عبد الهادى" وكيل اللجنة الإعلامية لنادى القضاة"فى تصريحات لـ''مصراوي'': أن اعتصام القضاة هو تعبير عن اعتراضهم على ما يدبر ضد السلطة القضائية نتيجة محاولة تمرير تشريعات مشبوهة تهدف إلى إقصاء آلاف القضاء وتهدف إلى حرمانهم من أبسط حقوقهم.

 


الثلاثاء 17 نونبر 2015
403 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter