Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



ردا على "رسالة إلى زملائي القضاة "


     



ردا على "رسالة إلى زملائي القضاة "

ردا على "رسالة إلى زملائي القضاة" للمحامي عبد اللطيف وهبي نائب رئيس مجلس النواب

رابط الرسالة موضوع الرد هنا

 
نشرت جريدة هسبريس رسالة مؤرخة في 30 مارس 2015 للمحامي عبد اللطيف وهبي؛ عبارة عن مناقشة لموضوع استقلال النيابة عن وزير العدل ؛ اختلط فيها ما هو نقاش أفكار بما يعتبر أوصافا للقضاة كأشخاص وصفات ؛ ومستعملا صاحبها عبارات لا تليق به كشخص يقدم نفسه على أنه نائب رئيس مجلس النواب ، علاوة على صفته كمحام؛ ولعل قوله التالي وهو يصف نفسه بالزميل للقضاة يعبر عن ذلك:

"زملائي القضاة تطرقوا إلى الموضوع بنوع من حماس مهني أكثر من رزانة القضاء وهدوئه، ربما لأن الموضوع يهمهم وظيفيا وذاتيا فافتقدوا إلى الكثير من الموضوعية، بل إن الحماس المفرط أسدل على عيونهم نوعا من الغشاوة التي أحجبت عنهم تلك الموضوعية التي هي منارة اشتغالهم."

لكن دعنا نناقش وبهدوء المفكر المحب لوطنه والراغب في تجويد عمل مؤسساته، مبتعدين عما استعمله صاحب الرسالة من أحكام قيمة، وبالتالي سأكتفي بمناقشة ما طرحه من أفكار دون فئوية لأننا لا نبتغي غايات شخصية؛ فموضوع استقلال النيابة العامة هو قضية وطن وليس قضية فئة معينة ؛ ولكون استقلال القضاء حق للمتقاضي وليس للقاضي. وعلى الرغم من طول كلام الرسالة إلا أنها تمحورت حول فكرتين أساسيتين؛ ربما لأن صاحبها اعتمد مقولة جوزيف غوبلز (وزير الدعاية السياسية في عهد هتلر) مفادها:"الدعاية الناجحة يجب أن تحتوي على نقاط قليلة وتعتمد التكرار"

وهكذا فمضمون الفكرتين هو:

أولاـ النيابة العامة جهاز بمواصفات إدارية يجب عدم الخلط بين استقلالها واستقلال السلطة القضائية؛

ثانيا ــ منح رئاسة النيابة العامة للوكيل العام لمحكمة النقض سيجعله خارج المحاسبة.

فللناقش إذن الفكرتين:

أولا ـ النيابة العامة جهاز بمواصفات إدارية يجب عدم الخلط بين استقلالها واستقلال السلطة القضائية:

1 ــ المناقشة الدستورية للفكرة:

انطلقت الرسالة بالقول: "قد يغامر البعض بسوء النية أو بحسنها، فيخلط استقلال النيابة العامة باستقلال السلطة القضائية الجالسة وشتان بينهما " ؛ ثم: "أن النيابة العامة جهاز قضائي بمواصفات إدارية".

للأسف طرحك هذا زميلي ينم ليس فقط عن عدم اطلاع على الأنظمة القضائية المقارنة وعلى المعمول به في أفضل التجارب القضائية، بل ويظهر عدم القراءة الجيدة والواعية للدستور المغربي ؛ إذ واضعوه استحضروا بحِرَفِيَّة ومهارة ذلك من خلال:

ـــ أكدوا ما هو معمول به في القضاء الدستوري بمختلف دول الاتحاد الأوربي وهو "وحدة الجسد القضائي" (قضاة حكم وقضاة نيابة عامة)؛ إذ الباب السابع عنون بـ "السلطة القضائية"، وهو ينظم حقوق وواجبات قضاة الأحكام وقضاة النيابة العامة، ومستهل بالفصل 107 الذي يقعد مبدأ دستوريا جديدا وهو جعل "القضاء سلطة مستقلة" بنصه على أن: "السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية" ؛

ــــ من خلال عضوية المجلس الأعلى للسلطة القضائية نجد تمثيلية لقضاة الأحكام (الرئيس الأول لمحكمة النقض) وتمثيلية لقضاة النيابة العامة (الوكيل العام لمحكمة النقض)، فلو هدف واضعي الدستور إلى الفصل بين القضاء الجالس باعتباره تابعا للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والقضاء الواقف باعتباره تابعا للسلطة التنفيذية (وزير العدل)؛ لما تم تمثيل النيابة العامة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ذلك أن العكس هو الذي تم إقراره إذ أخرج وزير العدل من تركيبة هذا المجلس بعدما كان ينوب عن الملك ؛

ـــ تعد الدعوة إلى جعل النيابة العامة تابعة لوزارة العدل من الناحية الوظيفية، وللمجلس الأعلى للسلطة القضائية من الناحية العضوية ؛ دعوة لازدواجية الإطار القانوني لهذه الفئة من القضاة، وهو أمر غير محبب وتنفر منه التقنيات التشريعية الحديثة.

2 ــ المناقشة الغائية للفكرة:

كانت غايتك أيها البرلماني ممارسة رقابة برلمانية على النيابة العامة بقولك: "تخضع ــ النيابة العامة ــ إداريا وتسلسليا للسلطة التنفيذية، ومن الحكمة أن تمارس الرقابة عليها بواسطة من منحه الدستور هذا الحق وهو البرلمان" . إلا أن طرحك هذا يعد تجنيا على الفصل 70 من الدستور الذي ينص على أن "البرلمان يراقب عمل الحكومة" وليس عمل النيابة العامة التي هي جزء من السلطة القضائية كما سلف.

لقد حاولت بذلك ــ زميلي ــ تأسيس رقابة للسلطة التشريعية على السلطة القضائية وهو طرح لا يؤدي فقط إلى إقبار مفهوم استقلال القضاء، أو تغول للسلطة التشريعية؛ بل سيؤدي إلى خلط في مفهوم استقلال السلط؛ وهو ما لا ينبغي لك وأنت تقدم نفسك كنائب لمجلس النواب؛ وتساهم في صياغة قوانين تنظيمية ستحكم الوطن لعقود؛ فلعل نظرتك الفئوية الضيقة التي اتهمت بها القضاة في رسالتك هي من أسدل على عيونك الغشاوة كلها لتقع في الخلط المذكور. وسأكتفي بالتذكير بما أرخ به قوله الدستوري "الكزاندر هاملتون" وهو أحد واضعي دستور الولايات المتحدة الامريكية: "لا وجود للحرية دون فصل السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ؛ وما على الحرية أن تخشى أي أمر يتعلق بالنظام القضائي بمفرده؛ ولكن عليها أن تخشى كل أمر إذا ما اتحد القضاء مع أي من السلطتين الأخرتين" .

3 ـ مغالطات تنم عن عدم استيعاب لطبيعة القضاء الجالس من قبلكم كمحام:

قولك القضاء الجالس غير قابل للرقابة إلا على مستوى رقابة الضمير ورقابة حسن تطبيق القانون؛ ينم عن عدم استيعاب لطبيعة هذا القضاء (وأنت المحامي)؛ إذ يخضع لرقابة جهة الطعن، ناهيك عن رقابة جهة التفتيش وهي المفتشية العامة عند الاخلالات المريبة، إضافة إلى رقابة جهة التأديب وهي المجلس الأعلى للقضاء ــ حاليا ــ أو المجلس الأعلى للسلطة القضائية ــ عند اطلاقكم سراح قانونه التنظيمي ــ .ثانيا ـ منح رئاسة النيابة العامة للوكيل العام لمحكمة النقض سيجعله خارج المحاسبة:

1 ـ مناقشة الفكرة:

جاء في رسالتك : أما الوكيل العام للملك فيمكن أن نختزل رقابته في جملة واحدة وهي: "خارج سلطات جلالة الملك التي غالبا ما تكون توجيهية أو عامة فإنه لا حول و لا قوة لأي أحد في مراقبته". لعل هذا الطرح يناقض ما سبق وتفضلت به وأنت تقول: "القضاء الواقف قراراته ظرفية تخضع للرقابة القضائية" ؛ إذ خضوعه لهذه الرقابة يعني أنه ثمة قضاء يحاسبه، ناهيك عن آليات مؤسساتية أقوى للمحاسبة سنأتي على ذكرها. أما القول بكون الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض لن يحاسب سياسيا؛ يجاب عنه بمتى كان وزراء العدل يحاسبون؟وكم من وزير عدل قدم استقالته في تاريخ المغرب؟ أم هي الرغبة في إبقاء ما كان على ما كان؟ لنأتي بعد عقود نحمل القضاء غير المستقل مؤسساتيا مغبة تقاعسه في القيام بدوره الدستوري كحام للحقوق والحريات؛ وبكونه قضاء الفقراء والحيثان الصغيرة، لكون الحيثان الكبيرة ستكون تحت مظلة وحماية السياسي التابعة له النيابة العامة؟؟؟ والتزاما بموضوعية ردي سأرصد مبدأ ربط مسؤولية السلطة القضائية بالمحاسبة في الدستور المغربي؛ وذلك لإزالة الغشاوة كما تبدى لك من كون الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض خارج المحاسبة.

2 ـــ تجليات مبدأ ربط مسؤولية السلطة القضائية بالمحاسبة في الدستور المغربي :

تعد المحاسبة وسيلة لمعرفة نتيجة أعمال مؤسسة ما اعتمادا على مستندات مبررة لها؛ مما يجعلها وسيلة بعدية لا قبلية أو معاصرة لعمل أو أعمال المؤسسة طالما تتعلق بالنتيجة، ناهيك عن كون الذي له سلطة المحاسبة لا يتدخل في التسيير .

أ ـ تجليات مبدأ ربط مسؤولية السلطة القضائية بالمحاسبة من خلال تركيبة المجلس الأعلى للسلطة القضائية:

وتتأتى المحاسبة وفق المذكور أعلاه من خلال ما أصبح يضمه المجلس الأعلى للسلطة القضائية في تشكيلته من هيآت وشخصيات غير قضائية طبقا للفصل 115 ؛ كالوسيط ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ناهيك عمن يمكن تعيينهم من قبل الملك من شخصيات مشهود لها بالكفاءة والتجرد والنزاهة (والذين يمكن أن يكون من بينهم أشخاص غير تابعين للسلطة القضائية) ؛ وهو مظهر من مظاهر الرقابة على أعمال السلطة القضائية من داخل أجهزتها التي تضمنت متدخلين خارجين عن جسمها؛ أليست المحاسبة بعينها ؟؟؟

ب ــ تجليات مبدأ ربط مسؤولية السلطة القضائية بالمحاسبة من خلال المهام الجديدة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية:

أضحى المجلس الأعلى للسلطة القضائية يتمتع بوظائف جديدة طبقا للفصل 113 وعلى الخصوص تلك المتعلقة بإعداد تقارير حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة ومعالجتها، ويصدر التوصيات الملائمة ، كما أضاف الفصل المذكور: "يصدر.. ، بطلب من الملك أو الحكومة أو البرلمان، رأيه حول كل مسألة تتعلق بسير القضاء مع مراعاة مبدأ الفصل بين السلط" .

والملاحظ أن هذا الفصل ختم بعبارة مع: "مراعاة مبدأ الفصل بين السلط"؛ فيكون هذا المبدأ حاضرا حتى في حال التعاون بين السلط أو تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، إذ يجب استحضار الاستقلال العضوي والوظيفي الذي شرحناه سلفا .

ولا بد لنا هنا أن نؤكد على أن السلطة التنفيذية بدورها خاضعة لهذا المبدأ، فإذا مارسته بحقها السلطة القضائية فلا يعني البتة تدخل هذه الأخيرة في عملها؛ طالما أن رقابتها أو إعمال محاسبتها سيكون لاحقا لعملها لا معاصرا له. ولعل هذه الأدوار الجديدة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية تخوله وضع التوجهات الكبرى للسياسة القضائية بصفة عامة بما فيها السياسة الزجرية مع إسناد تنفيذها إلى السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ، باعتباره عضوا في المجلس المذكور، وله سلطة رئاسية على أعضاء النيابة العامة.كما يقترح نادي قضاة المغرب بعض الضمانات لتحصين عمل الوكيل العام لمحكمة النقض الذي سيشرف على النيابة العامة ؛ وذلك بانتخابه بدل تعيينه .

وقمين بالذكر؛ أن استقلال السلطة القضائية، وخاصة النيابة العامة ، باعتبارها تمثل الحق العام يعد مصححا لما يعتري اللعبة الديمقراطية الحالية من اختلالات؛ لأنه كما قيل عنها:

"تسمح لك الديمقراطية بالتصويت لصالح المرشح الذي تكرهه بدرجة أقل Democracy is being allowed to vote for the candidate you dislike leas" كما أُثِر عن أفلاطون: "تتم معاقبة الاذكياء جدا الذين يرفضون الانخراط في العمل السياسي بان يحكموا من قبل أولئك الاغبياء Those who are too smart to "engage in politics are punished by being governed by those who are dumber كما أن الدور الرقابي للبرلمان على الحكومة يضعف (بل وينعدم على مستوى التنفيذ)؛ وذلك بالنظر لكون هذه الأخيرة منبثقة عنه وتتوفر على أغلبية به ؛ لذلك وجب أن تنهض السلطة القضائية وخاصة النيابة العامة بهذه الرقابة مما يستوجب استقلالها .

وبالتالي فاعتبارا لما جاء به الفصل 47 من الدستور من كون الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب الذي فاز بأغلبية الأصوات، مما يجعل وزير العدل" سياسي متحزب" فتضعف بالتالي مكنة مراقبة الحكومة إن بقيت النيابة العامة تحت سلطته، فعزز واضعي هذا الدستور استقلالية القضاء بل وكرسوها، وذلك بتحرير النيابة العامة من رقابة السلطة التنفيذية.

أما قولك بكون الوكيل العام للملك هو رئيس تسلسلي وله رأي في أعضاء النيابة العامة بشكل شخصي ومؤسساتي، يحضر اجتماعات المجلس الأعلى للسلطة القضائية ويؤثر في القرار التأديبي؛ فهي وضعية كان عليها وزير العدل لعقود، بمجلس أعلى للقضاء له فيه سلطة المتابعة التأديبية ، وهو ما لا يتوفر للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، كما كان ينوب عن الملك وهو ما لا يتوفر بدوره للوكيل العام، بل وبمجلس ليس كالمجلس أعلى للسلطة القضائية الذي يضم حقوقيين ومشهود لهم بمواقف تخدم السلطة القضائية وافدين من خارجها؛ فيبقى الوكيل العام للملك له صوت واحد فقط أمام التشكيلة الجديدة للمجلس الجديد .

وعجبا لكم أن تتحججوا بازدواجية المهام بالسبة للوكيل العام كرئيس وعضو هيئة التأديب؛ وهي وضعية يوجد عليها الرئيس الأول؛ بل وهو رئيس من ينظر في الطعن في قراره؛ وفق المفهوم الذي أردتم به اغتيال حق المواطن في مجلس الدولة؛ بجعل الطعن أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض. وقلتم: كما أننا لا نريد أن نؤسسها بنظرة طهرانية للوظيفة القضائية؟؟؟

كلامك هذا يخلط بين الاستقلال المؤسساتي والاستقلال الفردي للقاضي؛ فالدستور المغربي اقتبس مما سارت عليه أفضل الأنظمة المقارنة؛ والتي تجمع على وجوب الاستقلال المؤسساتي ثم تدعيم الاستقلال الذاتي من خلال تحصين القاضي وتعزيز ضمانات استقلاليته؛ ولعل ذلك يكون عبر برنامج يبدأ منذ مرحلة اختيار من يجتاز مباراة الولوج للمعهد العالي للقضاء إلى مرحلة التكوين إلى ما بعده؛ وهذا موضوع طويل أرجؤ الحديث عنه إلى مكان آخر لأن هذا المكان يسع.

وقد ارتأيت أن أضعك أمام بعض التجارب القضائية؛ سواء التي تذهب إلى استقلال النيابة العامة أو التي نحت منحى مغايرا ــ اتقاء التحيز ــ :

ــ أدانت المحكمة الاوربية الجمهوريةِ الفرنسية بمقتضى القرارين الصادرين عنها على التوالي: بتاريخ 29-03-2010 و20-11-2011 ؛ وذلك بسبب عدم استقلالية نيابتها العامة عن السلطة التنفيذية.

ــ واعتبرت اللجنة الأممية لحقوق الإنسان في ملاحظاتها الختامية بشأن رومانيا في الفقرة 10 ما يلي :

" أن الصلاحيات التي تمارسها وزارة العدل فيما يتعلق بالأمور القضائية، بما في ذلك عملية استئناف المقررات القضائية، وسلطاتها المرتبطة بتفتيش المحاكم، يشكل تهديدا لاستقلال السلطة القضائية" ؛ لذلك حثت هذه الدولة على وضع تمييز واضح بين اختصاص الأجهزة التنفيذية والقضائية.

ـــ ونحت اللجنة الأمريكية الدولية لحقوق الإنسان نفس المنحى بإدانتها دولةِ المكسيك بسبب تبعية النيابة العامة للسلطة التنفيذية ؛ مؤكدة على :" ضرورة تمتع مكتب المدعي العام بالاستقلالية اللازمة عن السلطة التنفيذية، وأن يتمتع بضمانات عدم جواز نقله، وغير ذلك من الضمانات الدستورية الممنوحة لأعضاء السلطة القضائية" (الوثيقة 7).

ـــ وقد أرست "المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية" هذه القاعدة ودعمتها بالبند الرابع منها؛ إذ نصت على أنه: "لا يجوز أن تحدث أيه تدخلات غير لائقة أو لا مبرر لها في الإجراءات القضائية .

وتعد النيابة العامة بألمانيا وبلجيكا والنمسا جزءا من السلطة القضائية المستقلة .

ــ وهكذا فقد نصت المادة 97 من القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية على أن: "القضاة مستقلون ويخضعون فقط للقانون" ، وقد نظمت المادة الموالية لها (م98)، الوضع القانوني للقضاة في الاتحاد والولايات، مانحةً صلاحية ذلك للقانون والمحكمة الدستورية الاتحادية.

ـــ واعتمد الدستور الإيطالي لعام 1948م الأسلوب نفسه حين نص على أن: " جميع القرارات الخاصة بالقضاة وأعضاء النيابة العامة منذ التعيين وحتى التقاعد(22)، يجب أن تكون فقط في نظام اختصاص مجلس يتكون في غالبيته من القضائيين (أي القضاة وأعضاء النيابة العامة)، يقوم زملاؤهم بانتخابهم "

ــــ وفي السياق نفسه، سعت بعض دول أمريكا اللاتينية إلى تعزيز الاستقلال المؤسساتي للقضاء، عبر وضع إجراءات جديدة خاصة بتشكيل المجالس العليا المكلفة بالإشراف الإداري على الحياة المهنية للقضاة؛ ففي السلفادور مثلا حصل المجلس القضائي، الذي كانت تسيطر عليه المحكمة العليا، على قدر أكبر من الاستقلالية مع توسيع صلاحياته، في أعقاب الإصلاحات الدستورية التي أفضت إليها مفاوضات السلام لعام 1991م؛ ومن الملاحظ أن قانون 1999م، لم يسمح بتمثيل السلطتين التنفيذية والتشريعية في عضوية المجلس، إذ يحفل بممثلي المجتمع المدني، وهم على وجه التحديد ممن ينتسبون إلى العالم الأكاديمي "كليات الحقوق" والعاملين في قطاع الدفاع والمحاماة.

وفي الختام؛ أقول لك ــ زميلي ــ أنه يجب أن نؤسس لثقافة بناء المؤسسات ولعل أول طريق لذلك هو الانفتاح على الفكر الذي لا نتفق معه والترفع عن نشر المغالطات لأن التاريخ يسجل المواقف؛ وقد نخدع كل الناس بعض الوقت ، ويمكننا حتى خداع بعض الناس كل الوقت ، ولكننا لا نستطيع أن نخدع كل الناس كل الوقت "ابراهام لينكولن"You may fool all the people some of "the time, you can even fool some of the people all of the time, but you cannot fool all of the people all the time. " كما قال "أدلاي ستيفنسون": "تقدمت لخصومي بصفقة : إذا توقفوا عن قول الأكاذيب علينا ، سأتوقف عن قول الحقيقة عنهم".

ووجب التأكيد على أن استقلال السلطة القضائية (لا فرق بين قضاة الأحكام و قضاة النيابة العامة؛ كما سلف معنا دستوريا وحقوقيا وكونيا) هو مقياس لمدى اعتبار الدولة دولة مؤسسات، ومدى استشراء الفساد في هذه الأخيرة ؛ إذ ثبت أن الدول التي يسود مؤسساتها التحكم تكون أكثر نفورا من استقلال القضاء؛ مبررة ذلك بمبررات عديدة من قبيل مصلحة الدولة أو الخصوصية الوطنية (la notion d’Etat ) .

وقد ذهب شارل ديغول إلى القول: "لقد جئت الى استنتاج مفاده ان السياسة هي مسألة خطيرة جدا أن تترك للسياسيين"؛ لذلك فالحل وجد في المقاربة التشاركية فيما يتعلق بالأمور العامة والمصيرية؛ والتي لن تتم إلا بالحوار الهادف البعيد عن الرسائل والمغالطات الفكرية التي ليس من شأنها إلا بت الارتباك والابتعاد عن مناقشة الأمور الهامة والمصيرية؛ أو كما قال "هاري ترومان" "اذا كنت لا تستطيع اقناعهم ، حاول ان تسبب لهم الارتباك" "If you can't convince them, confuse them"؛ لكننا عازمون على المضي في نفس نهجنا الفكري بالنقاش المجتمعي والتشاركي مع أهل العلم والفكر الحقوقي الذي لا يروم سوى مصلحة الوطن؛ لأننا نقول دوما خذوا كل شئ واتركوا لنا الوطن .


الاربعاء 8 أبريل 2015


عناوين أخرى
< >

الاحد 26 ماي 2019 - 14:10 القاضي الإداري يحكم ولا يدير


تعليق جديد
Twitter