Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



رأي قانوني حول تنازع الاختصاص في منح رخص الاحتلال المؤقت للملك العمومي الطرقي للدولة المار بالجماعات الترابية


     

ذ. مروان الريسولي
باحث في القانون



رأي قانوني حول تنازع الاختصاص في منح رخص الاحتلال المؤقت للملك العمومي الطرقي للدولة المار بالجماعات الترابية
 
 
 
يعتبر النظام القانوني للملك العمومي من بين الأنظمة الأكثر ارتباطا بالنظم الاقتصادية و الاجتماعية السائدة في دولة ما، كونه يتطور باستمرار مع ما تعرفه التغيرات الاقتصادية و السياسية للمجتمع، فتحول نظام الدولة على سبيل المثال كاف ليحدث تغيير جدري في أحكام أملاكها العمومية سواء من حيث معايير تمييزها أ وعناصرها أو حتى السلطات المطبقة عليه لضبط استغلاله و إرساء قواعد حمايته.
و يلعب الملك العمومي اليوم دورا هاما في كثير من الميادين التي تستقل بدورها بأنظمتها القانونية، الشيء الذي يعطي لقواعد هذا الملك ميزة التشعب و التباين (نصوص خاصة، نصوص مضمنة بالقانون الجنائي، القانون العقاري، القوانين التنظيمية للجماعات الترابية...)، و تقسم القوانين و الأنظمة الوضعية أملاك أشخاص القانون العام إلى نوعين: أملاك عامة يقصد بها الممتلكات المعدة لاستعمال العموم و لخدمة المرفق العام مثل: الطرق، الشواطئ، الأنهار... و أملاك خاصة يقصد بها تلك الممتلكات غير المعدة لاستعمال عامة الناس و التي يكون غالبا الغرض منها الاستثمار المالي لشخص القانون العام و التي ترجع مواردها في نهاية المطاف لأغراض المصلحة العامة. غير أن هذا التقسيم أو التمييز العام لا يهمنا بالدرجة الأولى في هذا المقام، بل  ما يهمنا هو تسليط الضوء على قسمين من أقسام هذه الأملاك و إن كانا يندرجان ضمن  الأملاك العمومية إلا أن معيار تمييز هذا عن ذاك هو السلطة الإدارية المكلفة بتسييره، و التي هي كما وصفها الأستاذ أحمد حضراني بسلطة الأشخاص المعنوية العامة الترابية، أي سلطة الدولة و سلطة الجماعة الترابية.
هذا، و  يطلق على الملك العمومي الذي تختص بتسييره الدولة بالملك العمومي للدولة، أما الملك الذي يرجع اختصاص تدبيره للجماعات الترابية بالملك العمومي الجماعي، و قد حددت مجموعة من النصوص التشريعية و التنظيمية حدود كل منهما و مجال تدخل كل سلطة على حدة، خصوصا بعد صدور القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، غير أنه و رغم محاولة المشرع التسطير بشيء من التدقيق اختصاص كل من الدولة و الجماعة فإن الواقع العملي أفرز مجموعة من الإشكالات المرتبطة بنطاق هذا التسيير، و التي من بينها مسألة تنازع الاختصاص في تدبير أجزاء الملك العمومي الطرقي للدولة المار بالجماعات الترابية و ما ينتج عنه من إشكال حول السلطة الإدارية المختصة بمنح رخص الاحتلال المؤقت للملك العمومي الطرقي للدولة داخل الجماعات.
لذا، و للحديث عن هذا الإشكال و إبداء الرأي حوله ارتأينا الاقتصار فقط من خلال هذه الورقة على معالجة بعض النقط الأساسية و المباشرة المرتبطة بالطبيعة القانونية لهذا القسم من الأملاك و كذا مسألة تنازع الاختصاص بين السلطتَين  حول منح رخص احتلاله مؤقتا، و ذلك دون الخوض في الجانب النظري للملك العمومي بالمغرب و تأصيلاته الفقهية أو تقسيماته و عناصره.

أولا: فيما يخص الطبيعة القانونية للملك العمومي الطرقي للدولة المار بالجماعات الترابية.

بداية ينبغي التأكيد على أنه لتحديد الطبيعة القانونية للملك العمومي الطرقي للدولة المار بالجماعات الترابية سيتطلب منا هذا الأمر التمييز بين الملك العمومي الجماعي و الملك العمومي للدولة. حيث كما سبق الذكر فإن القاسم المشترك بين هذه الأملاك هو استفرادها بالعمومية و من ثم فكلاهما يمتازان بخصائص الملك العمومي من حيث عدم جواز اكتسابه بالتقادم و عدم قابليته للتفويت، ثم عدم إمكانية الحجز عليه، أما ما يفرقهما هو الجهة المختصة بتسيير كل ملك على حدة فالملك العمومي للدولة حسب الفصل 6 من ظهير فاتح يوليوز 1914 في شان الأملاك العامة تسهر على تسييره الوزارة المكلفة بالأشغال العمومية، حاليا السلطة الحكومية المكلفة بالتجهيز و النقل و اللوجستيك و الماء، أما الأملاك العامة الجماعية فإنه بحسب أحكام الفصل 10 من ظهير 19 أكتوبر 1921 المتعلق بالأملاك المختصة بالبلديات فإن " ما أحيل للبلديات (الجماعات) من عقارات تنتقل حكما في تدبيرها من المدير العام للأشغال العمومية إلى الباشوات و إلى المكلفين بتدبير المدن" و مع صدور القانون 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي فإن الفصل 50 منه أعطى هذا الاختصاص لرؤساء المجالس الجماعية، ثم بعد ذلك القانون التنظيمي للجماعات رقم 113.14 الذي نسخت مواد أحكامه الانتقالية مقتضيات الميثاق السالف الذكر مع التأكيد على استمرارية منح صلاحيات صريحة لرؤساء المجالس الجماعية بشأن تدبير الملك العمومي الجماعي من خلال الفصول 83 و 94 الواردة بالباب الثاني منه.
فباستقراء الفصل 10 من ظهير 19 أكتوبر 1921 و الفصل 6 من ظهير فاتح يوليوز 1914 نستشف على أن الأصل في تدبير الأملاك العمومية بالمغرب كان اختصاصا حصريا للمدير العام للأشغال العمومية "السلطة الحكومية المكلفة بالتجهيز و النقل"، لكن بعد صدور الظهير الأملاك المختصة بالبلديات تم نقل الاختصاصات التي كانت مسندة للمدير العام للأشغال العمومية لتدبير كافة الأملاك التابعة للآيالة الشريفة في جزء منها الواقع بالبلديات (الجماعات) إلى الباشوات و المكلفين بتدبير أملاك المدن، ثم بعد ذلك لرؤساء مجالس الجماعات طبقا للقانون 78.00 و بعده القانون التنظيمي 113.14 كما سبق الذكر، و أن نقل الاختصاص هذا مرتبط فقط بما أحيل للجماعات من عقارات و بالتالي ليس كل عقار واقع بالجماعة، خصوصا و أنه معلوم أن أي ملك عمومي للدولة لا يمكن نقله تلقائيا إلى جماعة معينة، بل يتطلب ذلك سلوك مسطرة التخلي و الإخراج ثم الضم إلى الأملاك الجماعة، و إلا كانت الجماعة في حكم المترامي على ذلك الملك أو المعتدي عليه ماديا، و ما يزيد تأكيد ذلك هو استثناء المشرع لأقسام الطرق المخزنية التي تجتاز الجماعة من اختصاص رؤساء المجالس الجماعية بالمصادقة على قرارات تصفيف الطرق و توسيعها الكائنة بالجماعة و فتح طرق جديدة إلا بعد تأشيرة المدير العام للأشغال العمومية ( الفصل 11 من ظهير 19 أكتوبر 1921) الشيء الذي يمكن معه القول بأن الملك العمومي الطرقي للدولة و إن كان يجتاز الجماعة أو مراكزها فإنه يبقى ملكا عموميا للدولة، لها وحدها الحق في تسييره و التصرف فيه مادامت لم تنقله للجماعة عن طريق مسطرة الإخراج و الضم.

ثانيا: حول السلطة المختصة بمنح رخص الاحتلال المؤقت للملك العمومي الطرقي للدولة الواقع بالجماعات.

إن القانون التنظيمي للجماعات رقم 113.14 تحدث بشكل مفصل عن صلاحيات رئيس مجلس الجماعة سواء في المجال الإداري و المالي أو فيما يخص التمثيل القضائي للجماعة أمام المحاكم، كما أنه لم يغفل دوره في مجال الشرطة الإدارية، حيث إن المادة 100 منه تنص على أن رئيس المجلس الجماعي يمارس صلاحيات الشرطة الإدارية في ميادين الوقاية الصحية و النظافة و السكينة العمومية و سلامة المرور و ذلك عن طريق اتخاذ قرارات تنظيمية بواسطة تدابير شرطية فردية تتمثل في الإذن أو الأمر أو المنع و من بين هذه الصلاحيات اختصاص منح رخص الاحتلال المؤقت للملك العمومي، لكن السؤال المطروح هنا هو هل اختصاصه في منح رخص الاحتلال المؤقت للملك العمومي يشمل فقط الملك العمومي الجماعي أم أنه يسري أيضا على جميع الأملاك و إن كانت تابعة للدولة و التي تقع داخل النفوذ الترابي للجماعة؟
فبالرجوع إلى المادة 94 من نفس القانون نجدها تتحدث في أحد بنودها عن اختصاصات رئيس المجلس في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتدبير الملك العمومي للجماعة، و بمنح رخص الاحتلال المؤقت للملك العمومي الجماعي، و بالتالي فقد حددت نوع هذا الملك و خصته بالصبغة الجماعية و أعطت للرئيس سلطة منح رخص الاحتلال المؤقت للملك العمومي الجماعي فقط دون الملك العمومي للدولة الذي من بينه الملك العمومي الطرقي المصنف الذي يجتاز إحدى الجماعات أو مراكزها، ثم إن ما يزيد تأسيس هذا الطرح هو الفقرة الأخيرة من الفصل 11 من ظهير 13 أكتوبر 1921 الذي يبقى واجب التطبيق مادام أنه لم يتم التنصيص على نسخه بموجب القانون التنظيمي للجماعات الترابية 113.14، حيث نصت هذه الفقرة على أن: يمنح من الآن فصاعدا مدير الأمور المدنية فيما يتعلق بإشغال الأملاك العمومية البلدية "الاحتلال المؤقت للملك العمومي الجماعي" الاختصاصات المسندة للمدير العام للأشغال العمومية "وزير التجهيز و النقل حاليا" بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ في 24 صفر عام 1337 الموافق لثلاثين نوفمبر 1918 الصادر بشأن إشغال الملك العمومي مؤقتا ماعدا قطع الأراضي المخزنية التي تجتازه المتألفة من أقسام الطرق.
و عليه، يمكن القول أن اختصاص منح رخص الاحتلال المؤقت للملك العمومي الطرقي أو الطرق المصنفة لا زال اختصاصا أصيلا للسلطة الحكومية المكلفة بالتجهيز و النقل مادام الملك ملكا عموميا للدولة، و أن أي قرار صدر في هذا الشأن من طرف رؤساء مجالس الجماعات بمنح تراخيص الاحتلال المؤقت للملك العمومي للدولة يمكن اعتباره مشوبا بأحد عيوب المشروعية  (عيب عدم الاختصاص)، و يبقى إذاك لأي متضرر حق الطعن فيه بالإلغاء أمام المحاكم الإدارية.

الجمعة 22 ماي 2020


عناوين أخرى
< >

الجمعة 25 سبتمبر 2020 - 15:46 La négociation collective en temps de Covid-19


تعليق جديد
Twitter