Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



" دور القضاء في التصدي للأخبار الزائفة في ظل حالة الطوارئ الصحية "


     

ابـراهـيـم اشـويعـــر
دكـتور في الحقـوق
باحث بالمركز الوطني للدراسات القانونية



" دور القضاء في التصدي للأخبار الزائفة في ظل حالة الطوارئ الصحية "
مـقـدمة :
وفي إطار ثورة التكنولوجيا والمعلومات والتطور المتسارع للتقنيات الرقمية، وبعد أن أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي هي الطريقة الأسهل للتواصل بين الأفراد والمجموعات وتبادل المعلومات على مختلف الأصعدة،و أضحى النشاط الرقمي يحتك بالحريات والحقوق الخاصة للأفراد والمجتمع احتكاكا مباشرا، وفي إطارهذا التطور الهائل لاستعمال وسائل التواصل الحديثة أصبح متاح لكل من له اتصال بوسائل التواصل الاجتماعي من طرف المواطنين لكن مع هذه التحديات الراهنة للتكنولوجيا في المجال المعلوماتي، فإن مختلف التشريعات عملت على التصدي للأخبار الزائفة من خلال التنصيص على مقتضيات قانونية زجرية لمرتكبي هذه الأفعال، بحيث يتم نقل الأخبارالزائفة ونشرها من طرف مختلف مستعملي وسائل التواصل مما وسع نطاق نشر الخبرالزائف، ويدخل في نطاق مفهوم الخبر الزائف مجموع الأخبار أو المعلومات المضللة غير الصحيحة أو الأخبار الكاذبة المنتشرة عبر وسائل الأخبار سواء التقليدية أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي بالطرق الإلكترونية.
ولقد اتسع نطاق نشر الأخبار الزائفة خصوصا في ظل الظرفية الاستثنائية التي يعرف العالم نتيجة انتشار وباء فيروس كورونا (covid 19) ، وهو نفس الأمر الذي يمر منه المغرب في ظل هذه الأوضاع الصعبة مما دفع به إلى إعلان حالة الطوارئ الصحية بتاريخ 20 مارس 2020، وأمام هذا الوضع  يبذل القضاء المغربي دورا كبيرا في مواجهة ومحاربة الأخبار الزائفة نظرا لما لها من تأثير بالغ على على حسن سير عمل الجهات الرسمية المكلفة بحماية الصحة العامة والأمن والنظام العام، وفي هذا الصدد وجهت رئاسة النيابة العامة من جهة أخرى، دوريات إلى مختلف الوكلاء العامين ووكلاء الملك للتصدي لظاهرة الأخبار الزائفة، أصدرت من خلالها تعليمات صارمة للنيابات العامة لدى مختلف محاكم المملكة  من أجل متابعة مروجي الأخبار الزائفة ذات علاقة بفيروس كورونا المستجد، والتي من شأنها المساس بالنظام العام وإثارة الهلع بين المواطنين، وهو الأمر الذي تتصدى له الشرطة القضائية المختصة بالتوقيف الفوري للمشتبه فيهم بارتكاب هاته الأفعال وذلك تحت إشراف النيابات العامة المختصة كما تصدر أيضا المدرية العامة للأمن الوطني  بلاغات عن مختلف حالات التي تم توقيفها، ومن جهة أخرى بالرجوع لمقتضيات القانون 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر والصادر بتاريخ 15 غشت 2016  في القسم الثالث " الحماية الخاصة لبعض الحقوق" ضمن الباب الأول المعنون " بحماية النظام العام" إذ تنص المادة 72 منه " يعاقب بغرامة من 20.000 إلى 200.000 درهم كل من قام بسوء نية بنشر أو إذاعة أو نقل خبر زائف أو ادعاءات او وقائع غير صحيحة أو مستندات مختلفة أو مدلس فيها منسوبة للغير إذ أخلت بالنظام العام أو أثارت الفزع بين الناس، بأية وسيلة من الوسائل لاسيما بواسطة الخطب أو الصياح أو التهديدات المفوه بها في الأماكن أو الاجتماعات العمومية وإما بواسطة المكتوبات أو المطبوعات المبيعة أو الموزعة أو المعروضة للبيع أو المعروضة في الأماكن أو الاجتماعات العمومية وإما بواسطة الملصقات المعروضة على أنظار العموم وإما بواسطة مختلف وسائل الإعلام السمعية البصرية، أو الإلكترونية وأية وسيلة أخرى تستعمل لهذا الغرض دعامة إلكترونية". وهي مقتضيات حماية تكرس العقوبات ذات الطابع المالي المرتبطة بجريمة نشر الأخبار الزائفة بمختلف الوسائل المستعملة سواء التقليدية أو الحديثة، كما تنص أيضا مقتضيات الفقرة الثالثة من نفس المادة " يعاقب بنفس العقوبة الواردة في الفقرة الثانية على الأفعال التالية المرتكبة بنفس الوسائل الواردة في الفقرة أعلاه، من خلال التحريض المباشر على  ارتكاب الجرائم المتعلقة بالقتل أو الإعتداء على الحرمة الجسدية للإنسان أو الإرهاب أو السرقة أو التخريب، ويعاقب أيضا على التحريض المباشر على الكراهية أو التمييز،كما يعاقب بغرامة من 20.000 إلى 100.000 درهم عن كل إهانة كما هي معرفة في التشريع الجاري به العمل، وترتكب بإحدى الوسائل الواردة أعلاه في حق رجال ونساء القضاء والموظفين العموميين ورؤساء أو رجال القوة العامة أثناء قيامهم بمهامهم، وهذه العقوبات ترمي للتصدي والزجر لكون البعض أصبح ينصب نفسه مكان السلطات المختصة و ينشر أخبارا لا أساس لها من الصحة، لها انعكاسات على سلوكيات المواطنين في ظل هذه الظرفية الخاصة التي يعرفها المغرب جراء انتشار الوباء ذلك  من  خلال التنصيص على منع التحريض على الكراهية و التمييز و العنف، والتنصيص أيضا على منع التحريض المباشر على الكراهية أو التمييز العنصري أو الجنسي أو التحريض على الإضرار بالقاصرين وكذا محاربة الصور النمطية السلبية للمرأة، والإشادة بالإرهاب و التحريض عليه، وتبقى المقتضيات الزجرية المنصوص عليها في قانون النشر والصحافة على مرتكبي جنح نشر الأخبار الزائفة تتسم بالعقوبات ذات البعد المالي من خلال افتقاره لعقوبات سالبة للحرية.
لكن ما دامت هذه المقتضيات جاء التنصيص عليها ضمن القانون88.13  وهو قانون خاص، والذي تبقى مقتضياته قاصرة على فئة الصحفيين والصحفيات والمؤسسات الصحفية حسب المادة الأولى منه، ومن ثم طرحت إشكالات واقعية حينما ترتكب هذه الأفعال من طرف رواد التواصل الاجتماعي أو على المواقع الإلكترونية باعتبارهم أشخاص عاديين .لكن سرعان ما تدارك الأمر المشرع  في ظل التحديات الراهنة للتكنولوجيا في المجال المعلوماتي من خلال إدخال تعديلات جديدة للقانون الجنائي في هذا الصدد لسد الفراغ التشريعي والتي تضمنها القانون 103.13 من خلال الفصول 1ـ447 و 2ـ447 و 3ـ447 وهي مقتضيات قامت بتجريم مجموعة من الأفعال  ذات الصلة بالمجال المعلوماتي الحديثة  ووسائل التواصل الاجتماعي والماسة بحرمة الحياة الخاصة بصفة عامة، وتدخل أيضا في هذا الصدد مقتضيات الفصل 2ـ 447  الذي عاقب كل من قام ببث أو توزيع تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته دون موافقته أو قام ببث أو توزيع ادعاءات أو وقائع كاذبة بقصد  المس بالحياة الخاصة للأشخاص أو التشهير بهم، إذ عاقب مرتكب الفعل من سنة واحدة إلى ثلاث  سنوات حبسا وغرامة من 2000 إلى 20.000 درهم، والمشرع هنا يرمي للتصدي لكل اعتداء على الحياة الخاصة بالوسائل الالكترونية والحد أيضا من التشهير، وتماشيا مع الظرفية الاستثنائية بالمغرب تدخل المشرع أيضا بإصدر مرسوم بقانون رقم 2.20.292 بتاريخ 28 رجب  1441 الموافق 23 مارس 2020،  يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، ومن أجل التصدي لكل من خالف مقتضيات حالة الطوارئ الصحية ، وبالرجوع للمادة 4 منه التي تنص على أنه "يجب على كل شخص يوجد في منطقة من المناطق التي أعلنت فيها حالة الطوارئ الصحية ، التقيد بالأوامر والقرارت الصادرة عن السلطات العمومية المشار إليها في المادة الثالثة أعلاه،يعاقب على مخالفة أحكام الفقرة السابقة بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وبغرامة تتراوح بين 300 و 1300 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين ، ذلك دون الإخلال بالعقوبة الجنائية الأشد، ويعاقب بنفس العقوبة كل من عرقل تنفيذ قرارات السلطات العمومية المتخذة تطبيقا لهذا المرسوم بقانون، عن طرق العنف أو التهديد أو التدليس أو الإكراه، وكل من قام بتحريض الغير على مخالفة القرارت المذكورة في هذه الفترة، بواسطة الخطب أو الصياح او التهديدات المفوه بها في الأماكن أو الاجتماعات العمومية، أو بواسطة المكتوبات أو المطبوعات أو الصور أو الأشرطة المبيعة أو الموزعة أو المعروضة للبيع في الأماكن أو الإجتماعات العمومية، أو بواسطة الملصقات المعروضة على أنظار العموم أو بواسطة مختلف وسائل الإعلام السمعية البصرية أو الالكترونية وأي وسيلة أخرى تستعمل لهذا الغرض دعامة إلكترونية، وهي مقتضيات تتماشى مع الظرفية الاستثنائية التي يعرفها المغرب .
وبالرجوع لمقتضيات المادة 4 من المرسوم بقانون نجدها تحدد جزاءات لكل من ارتكب الأفعال الجرمية المحددة أعلاه من خلال عقوبات حبسية وغرامات أو بإحدى هاتين العقوبتين، إلا أنه أورد مقتضيات تخول للقاضي الجنائي إمكانية تكييف الأفعال الجرمية وفق الجريمة التي لها عقوبة أشد، وعلى سبيل المثال طبقا للفصل 308 من القانون الجنائي المتعلق بمقاومة تنفيذ أشغال أمرت بها السلطة العامة والتي يعاقب عليها بعقوبة الحبس من شهرين إلى ستة أشهر، ويلاحظ أن المشرع في إطار مقتضيات المرسوم بقانون وسع من نطاق الوسائل الأكثر استعمالا في عرقلة مهام  السلطات العامة أثناء القيام بمهامها المتعلقة بحالة الطوارئ الصحية ويدخل في نطاق ذلك أيضا ما يتعلق بإشاعه ونشر الأخبار الزائفة التي من شأنها عرقلة عمل السلطات المكلفة .
وفي الختام فإن القضاء المغربي في ظل الظرفية الاستثنائية التي يمر منها المغرب يعمل على مستوى مختلف النيابات العامة بالتصدي لمختلف الأفعال الجرمية المخلة بحالة الطوارئ الصحية المتعلقة بنشر الأخبار الزائفة و التشهير وكل الجرائم ذات الطابع الإلكتروني الماسة بالنظام العام الصحي، وهو ما جرى به العمل بالنيابات العامة على مستوى المملكة فإن كل خرق كل المقتضيات القانونية المنصوص عليها في مرسوم قانون الطوارئ فإن هؤلاء الأشخاص يتم وضعهم بالحراسة النظرية تحث أشراف النيابة العامة المختصة، ومتابعتهم بفصول القانون الجنائي والمادة 4 من المرسوم بقانون المتعلق بحالة الطوارئ الصحية نظرا لارتباط أغلب الأفعال المرتكبة بجرائم أخرى معاقب عليها بعقوبة أشد، ذلك لتكريس الطمأنينة بمختلف مكونات المجتمع وأيضا من أجل تحقيق الأمن العام وتجسيد روح التعاون بين السلطات العامة والمواطنين بهدف مواجهة الجائحة والالتزام بالتدابير الاحترازية التي وضعتها السلطات المغربية.
 
 
 
 
 
 
 

الخميس 2 أبريل 2020


عناوين أخرى
< >

الجمعة 25 سبتمبر 2020 - 15:46 La négociation collective en temps de Covid-19


تعليق جديد
Twitter