Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



دور الدبلوماسية الحزبية في قضية الصحراء المغربية.


     

إعداد : وطلحة علي، طالب بماستر الدراسات الدولية المعمقة، كلية الحقوق سلا ، جامعة محمد الخامس، الرباط.



الملخص :
أصبحت الأحزاب السياسية المغربية في ظل التوجهات الجديدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس ، تلعب أدوارا مهمة في صنع القرار الداخلي والخارجي للدولة ، بحيث تعتبر فاعلا أساسيا في الدفاع عن القضايا الوطنية والدولية الكبرى والشائكة وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية ، فالدبلوماسية الحزبية في الوقت الراهن تشكل دبلوماسية موازية للدبلوماسية المغربية الرسمية. عن طريق ما تقوم به في مختلف المحافل الدولية (المؤتمرات، المنتديات،...) من أجل شرح القضية الوطنية للدول المجاورة للمغرب، عبر التعربف بفكرة أن خيار الحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية يبقى الحل الواقعي الوحيد للنزاع المفتعل حول الصحراء.
Under the new directions of His Majesty King Mohammed VI, the Moroccan political parties have played significant roles in both internal and external decision-making process of the kingdom. Morocco is considered a key play in defending the major national and international issues, mainly the question of Sahara. Nowadays, the political parties constitute a parallel diplomacy for the Moroccan official diplomacy through their participation in international events, including conferences and forums with a view to explain the national issue for the neighboring countries by introducing that the proposal of autonomy under Morocco’s sovereignty remains the sole realistic solution for the Sahara dispute.
مقدمة
إن للأحزاب والهيئات السياسية بشكل عام موقعا مهما ضمن إطار تفعيل الدبلوماسية الموازية، فمن خلال مهامها التأطيرية و أدوارها التوجيهية وتفاعلها مع المواطنين وعامة الشعب ومبادراتها التعبيرية، تعتبر الأحزاب بحق قوة مواطنة مؤهلة لأن تنخرط وتساهم وتؤثر في رسم السياسة العامة للدبلوماسية الموازية.
ولقد تطرق "مارسل مرل"  إلى دور الأحزاب في السياسة الخارجية حيث قال: "إن الأحزاب السياسية أجهزة لممارسة السلطة ولكنها أيضا وسيطة بين الحاكمين والمحكومين، لذا يجب أن تكون المتحاور الممتاز في إعداد السياسة الخارجية، فعلاقتها بالسلطة تحتم عليها أن تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الدولية للمشاكل حينما تقوم بصياغة برامجها الدعائية، وأن تقوم في علاقتها بالرأي العام بالتوسط والمصالحة الطبيعية بين المطالب المنبعثة من النظام السياسي الداخلي والضغوطات المتولدة عن المحيط الدولي"[1]
تجد الدبلوماسية الحزبية راهنيتها في طبيعة المرحلة التي يجتازها المغرب، وتطور وتشابك العلاقات الدولية وتعقّد المصالح والقضايا والأزمات الدولية، وتعدد الفاعلين في أداء المهام الخارجية لدولهم؛ إذ لم تعد وزارة الخارجية الجهة الوحيدة لتنفيذ السياسة الخارجية، وكذلك ليست النافذة الوحيدة المطلة على العالم الخارجي. فالأحزاب السياسية في هذه الفترة الدقيقة من تاريخ المغرب، مطالبة بتجاوز وضع الجمود والانتقال إلى مرحلة المبادرة من أجل حشد كل الموارد المتاحة لتعزيز الدبلوماسية الرسمية وجعلها أكثر دينامية واستباقية، لضمان التعبئة المستمرة حول مختلف القضايا الوطنية والدولية  الشائكة والتي تتقدمها قضية الصحراء المغربية.
كيف تطورت الدبلوماسية الحزبية عبر التاريخ في المغرب ؟ وماهي الأدوار التي تلعبها الأحزاب في مختلف القضايا الوطنية ، وبدرجة أولى قضية الصحراء المغربية ؟
يقدم هذا البحث نظرة تحليلية  حول موضوع دور الدبلوماسية الحزبية في قضية الصحراء المغربية ، ومتغيراتها السببية، ومساراتها الديناميكية ، وبعض التجارب الرائدة في هذا المجال لبعض الأحزاب السياسية بالمغرب سواء الكلاسيكية منها أو الجديدة وذلك من خلال فقرتين أساسيتين :
الفقرة الأولى : أدوار الدبلوماسية الحزبية تاريخيا :
الفقرة الثانية : دور الأحزاب في قضية الصحراء المغربية :
 
الفقرة الأولى : أدوار الدبلوماسية الحزبية عبر التاريخ:
تساهم الأحزاب السياسية في الدول الديمقراطية بشكل كبير في عملية وضع السياسة الخارجية وتدبير الشأن الدبلوماسي إما بشكل مباشر من خلال المشاركة في الحكومة عبر الية التناوب. وإما بشكل غير مباشر من خلال ممارسة معارضة جادة وفعالة قائمة على رؤية سياسية واضحة وبرامج واقعية، وعبر ما بات يعرف بالدبلوماسية الموازية[2]
إن دور الأحزاب ( وهو دور شكلي في غالب الأحيان ) في مسلسل صناعة القرار الخارجي للمغرب منذ توقيع ميثاق 14 مارس 1956 إلى حدود اللحظة الراهنة، عرف مدّا وجزرا كما اختلف باختلاف الأحزاب نفسها والمرجعيات والأيديولوجيات التي تعتمدها وكذا المواقع التي كانت تحوزها داخل اللعبة السياسية ( يسار ويمين، أحزاب الكتلة، أحزاب الوفاق...). وهكذا فبخصوص أشكال مشاركة الأحزاب في السياسة الخارجية، تذكر المصادر أن الفترة اللاحقة للاستقلال وبالضبط من 1956 إلى 1958، كانت بمثابة العصر الذهبي لمشاركة الأحزاب في صناعة القرار الخارجي للبلاد، ولاسيما إثر التقارب الكبير الذي عرفته توجهات المغفور له الملك محمد الخامس مع تصورات حزب الاستقلال في شخص كل من أحمد بلافريج الذي تولى منصب وزير الخارجية والسيد عبد الله ابراهيم الذي شغل منصب رئيس الحكومة ووزير الخارجية في الوقت نفسه.
بيد أنه مع دخول المغرب ما سمي بحالة الاستثناء في سنة 1965 خبا الدور الدبلوماسي للأحزاب في المجال الخارجي بشكل كبير، إذ احتكر الملك الراحل الحسن الثاني مجال السياسة الخارجية، وأصبحت وزارة الخارجية وزارة سيادة، تقع داخل دائرة المجال المحفوظ، يتولى تسييرها في غالب الأحيان «تيكنوقراط» من خارج الأحزاب إذا استثنينا تجربة امحمد بوستة على رأس الوزارة من 1977 إلى 1983 وتجربة عبد الواحد الراضي على رأس الاتحاد العربي الإفريقي سنة 1984...، وبعد حصول الإجماع الوطني حول قضية الصحراء في سنة 1975 ودخول المغرب ما عرف بالمسلسل الديمقراطي، اتجهت المؤسسة الملكية نحو إعادة الاعتبار الشكلي لدور الأحزاب في مجال السياسة الخارجية على الأقل في المجال التنفيذي، إذ تمّ إشراك أحزاب الكتلة المعارضة، ممثلة آنذاك بحزب الاستقلال، الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حزب التقدم والاشتراكية وأحزاب الوفاق ممثلة بحزب التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية... وذلك عبر تكليف العديد من قادتها بشرح السلوك الدبلوماسي للمغرب خارجيا، فيما يتعلق بملف استكمال الوحدة الترابية.[3]
ومع مجيء حكومة التناوب التوافقي الأولى دخل المغرب منعطفا تاريخيا كبيرا، إذ تمّ من خلالها إشراك أقطاب المعارضة اليسارية التاريخية في الحكم، عبر إسناد منصب قيادة الحكومة للسيد عبد الرحمان اليوسفي. وبذلك تكرّست السياسة التصالحية للنظام مع أحزاب الحركة الوطنية، والتي تبيّنت ملامحها جليا من خلال مساندتها المطلقة لمبادرة الحكم الذاتي الذي جاء به الملك محمد السادس، بغض النظر عن بعض الانتقادات التي استمرت تبديها صحافتها بخصوص تدبير قطاع الدبلوماسية الرسمية للملف.
ولاشك أن دخول الفاعل الإسلامي مضمار العملية السياسية الشرعية، ممثلا بحزب العدالة والتنمية، سوف يعيد صياغة دور الأحزاب داخل اللعبة السياسية، سواء على المستويين الداخلي أو الخارجي، إذ سوف يتولى هذا الحزب انتقاد السلوك الخارجي للحكومة، والضغط عليها من أجل تكريس أكبر لسياسة التضامن مع العالمين العربي والإسلامي، واتخاذ قرارات ومواقف جريئة من التدخلات الأمريكية المتتالية في المنطقتين العربية والإسلامية ( غزو أفغانستان 2001 واحتلال العراق في 2003 .. ). وكذا إزاء العديد من القرارات الدولية التي تخص القضية الفلسطينية واللبنانية مثل انتفاضة الأقصى الثانية في 2002، حرب لبنان في صيف 2006 والعدوان الإسرائيلي على غزة في 2009، وذلك على شاكلة ما كانت تقوم به أحزاب الحركة الوطنية على الأقل منذ نهاية الستينات، أي منذ نكسة 1967 إلى حدود دخولها حكومة التناوب التوافقي الأولى كما سلف في مارس 1998.[4]
وتحتل لجان العلاقات الخارجية داخل الأحزاب مكانة أساسية في تتبع ومواكبة مسار القضايا والمصالح الوطنية وتفاعلاتها على الصعيد الدولي، عبر رصد مكامن القوة والضعف واستثمار الروابط والصلات التي تؤطر العلاقات بين الأحزاب السياسية المغربية ونظيراتها في العالم، بما يخدم إشعاع المغرب ويعزز نجاحاته. وهذا لن يتحقق إذا لم يقرن المجهود الحزبي بوجود ما يكفي من دعم تقني ولوجستيكي لأدائه.[5]
الفقرة الثانية : دور الأحزاب في قضية الصحراء المغربية :
 
لقد أصبح دور الدبلوماسية الحزبية في الدفاع عن القضايا الوطنية ، يدخل ضمن استراتجية الدولة . و اليوم وأكثر من أي وقت مضى يتأكد بالملموس أن تحالف الدولة و كل الاحزاب سواء التي توجد في الحكومة أو تلك التي تشكل المعارضة بكل أطيافها من يمين أو يسار ، لا بد منه لجعل البلاد تتواجه اللوبي المناوئ لأحقية المغرب على جزء لا يتجزأ من وطنه ،وفق تصور مخطط ومدروس يبدد كل لبس أو ضبابية لدى العديد من العواصم العالمية في شتى أنحاء المعمور التي لم تستوعب بعد عمق الصراع المفتعل حول قضية الصحراء .
إن الدبلوماسية الحزبية أصبحت مرادفة للخطاب السياسي المتداول في الساحة المغربية، وهناك الكثير من الانتظارات المتوهمة الملقاة على عاتق الفاعل الحزبي في هذا المجال، وكلما أثيرت قضية الصحراء المغربية، إلا وتهرول 'كاميرا' التلفزة نحو الأحزاب السياسية لأخذ تصريحات قيادييها التي تكرر عادة بعض العبارات التي سبق أن وردت في خطاب ملكي.
في كثير من الأحيان يحلو لبعض الإعلاميين أن يحرجوا ضيوفهم من قيادات الأحزاب السياسية بسؤال ملغوم لا يملكون جوابا صريحا عليه: ألا وهو ماذا قدم حزبكم لخدمة القضية الوطنية، ولماذا لم تحركوا دبلوماسيتكم الحزبية للتأثير في هذا القرار أو ذاك؟
والواقع أن السياسة الخارجية للدولة تصنعها مؤسسات الدولة على أعلى مستوياتها وتقوم الدبلوماسية الرسمية بتصريفها بالكامل أما العمل البرلماني والحزبي فلا يمكن له إلا أن ينخرط في السياسة العامة للدولة المعتمدة على المستوى الخارجي وذلك على أرضية المصالح الحيوية والثابتة للدولة...
وهذا ما عبر عنه ودعا له صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في خطابه يوم الأحد 29 يوليوز 2018 بمناسبة الذكرى 19 لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين : " إن تحقيق المنجزات، وتصحيح الإختلالات ومعالجة أي مشكل اقتصادي أو اجتماعي، يقتضي العمل الجماعي، والتخطيط والتنسيق بين مختلف المؤسسات والفاعلين، وخاصة أعضاء الحكومة والأحزاب المكونة لها. وفي فقرة أخرى أضاف جلالة الملك :" .. فالمنتظر من مختلف الهيئات السياسية والحزبية، التجاوب المستمر مع مطالب المواطنين والتفاعل مع الأحداث والتطورات التي يعرفها المجتمع فور وقوعها، بل واستباقها، بدل تركها تتفاقم، وكأنها غير معنية بما يحدث.
اليوم نتحدث عن حقبة جديدة من الدبلوماسية المغربية؛ إذ أصبح دور الدبلوماسية الحزبية في الدفاع عن القضايا الوطنية يدخل ضمن استراتيجية الدولة. واليوم وأكثر من أي وقت مضى يتأكد بالملموس أن تحالف الدولة وكل الأحزاب، سواء التي توجد في الحكومة أو تلك التي تشكل المعارضة بكل أطيافها، أضحى ضرورة من أجل الدفاع عن المصالح العليا للمغرب، وهذا ما عبّر عنه صاحب الجلالة بموجب خطاب 6 نونبر2009، الذي دعا فيه إلى ضرورة تحمل الأحزاب السياسية لمسؤولياتها كاملة والاضطلاع بدورها في الدفاع عن الوحدة الترابية للبلاد؛ الأمر الذي أصبح معه الفاعل الحزبي ملزما بتفعيل دبلوماسيته الحزبية لصدّ خصوم الوحدة الترابية والدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي، في ظل التداعيات الراهنة للقضية الوطنية.
من الواضح أن الدبلوماسية لم تعد مجرد مسألة علاقات رسمية بين الحكومات والهيئات الدبلوماسية. فلا يمكن العمل بمعزل عن تحديات العولمة وانتشار وسائل الاتصال والتواصل ودون الأخذ بعين الاعتبار الدور المتصاعد للفاعلين الدبلوماسيين الجدد من أحزاب سياسية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات البرلمانية. فقد بات من الضروري أن يضطلع الفاعلون الجدد في الدبلوماسية المغربية بدورهم، ولو على سبيل الاقتراح والاستشارة، لمساعدة الدبلوماسية الرسمية على بلورة تصورات تستجيب لمكانة المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.
في هذا الصدد، عملت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون على الاعتماد على المقاربة المندمجة والتشاركية فيما يخص عملها؛ بحيث تم إنشاء مديرية خاصة سميت بمديرية الفاعلين غير الحكوميين يتجلى عملها في التنسيق مع المجتمع المدني والأحزاب السياسية والنقابات. [6]
 
وتماشيا مع ما تم ذكره ، فالأحزاب المغربية باعتبارها تشكل دبلوماسية موازية للدبلوماسية المغربية الرسمية ، في حاجة لأن تتعبأ بشكل قوي لخوض رهان التأثير على الرأي العالمي في شتى المحافل وفي كل مناسبة متاحة ، ويجب أن لا يكون تدخل الاحزاب على المستوى الدبلوماسي تدخلا موسميا بل يجب أن يكون وفق برنامج سنوي ، يحدد الاهداف الأولويات ويخضع في نهاية كل حول إلى تقييم موضوعي ، يساءل مدى نجاعة الخطط ونسبة الفاعلية التي حققها العمل الدبلوماسي الحزبي .
ثم بعد ذلك رسم خطط على المدى القريب والمتوسط وحتى البعيد ، وتحديد الآليات الكفيلة بالتنفيذ حتى نتمكن من جعل العديد من الدول وخاصة التي كانت في غير صفنا ، تتفهم عدالة قضيتنا وتصبح من المناصرين لقضيتنا .لعلنا عما قريب نطوي نهاية ملف هذه القضية التي طالت أكثر مما يجب .[7]
وهذا ما يتحقق عبر المشاركة المكثفة للأحزاب المغربية بالعديد من الملتقيات والمنتديات الدولية التي تنظمها مختلف الدول وذلك للدفاع عن القضايا الوطنية وخاصة قضية الصحراء المغربية، والتعريف بها أكثر.
استنادا إلى ما سبق ، فقضية الصحراء هي قضية حيوية بالنسبة للمغرب تؤثر بشكل عميق على مسار السياسة الخارجية للمملكة، مما يتطلب انخراط جميع المكونات الأساسية للمجتمع، فالمغرب ضيع على نفسه الكثير من الفرص بسبب سياسة الإنغلاق التي كان ينتهجها الشيء الذي جعل الأحزاب السياسية في السنوات الأخيرة تقوم بتسخير كافة جهودها وربط علاقات جادة مع الإتحادات الحزبية الدولية وحضورها إعلاميا على الصعيدين الوطني والدولي للدفاع عن مغربية الصحراء.
لا بد من التأكيد على أنه عند الإطلاع على أغلب الأنظمة والقوانين الأساسية للأحزاب المغربية ستجدها متخمة ببنود تؤكد على أن من أهدافها الأساسية الدفاع عن القضايا الوطنية في مقدمتها "قضية الصحراء المغربية" والقضايا الدولية الأخرى وخلق فرص التعاون مع بلدان العالم في جميع القارات. مما يؤكد على أن الدبلوماسية الحزبية حاضرة بشكل كبير على الأوراق وفي الرفوف، لكن على أرض الواقع فإن عملها نجده مركزا أساسا على الإنتخابات وتفكيرهم الكلي هو اعتلاء السلطة.. باستثناء بعض الأحزاب سواء التقليدية منها أو الجديدة هي التي لا زالت تحمل شعلة تمثيل المغرب بالخارج في جميع المنتديات والندوات والمؤتمرات والدفاع عن قضية الوحدة الترابية المغربية، بالإضافة إلى تسيدها ورئاستها لبعض الإتحادات الدولية أو الإقليمية التي تخلقها الأحزاب من مختلف أقطار العالم، الشيء الذي يسهل عملها الدؤوب من أجل تقريب وجهات النظر مع أغلب الدول حول القضية الوطنية الأولى بالمغرب –الصحراء المغربية-.
ومن الجدير بالملاحظة ، أنه رغم المجهودات المبذولة، فالمغرب ليس وحده من يسجل نقاطا على خصومه أمام المجتمع الدولي ، فالجزائر والجبهة الإنفصالية المدعوة ب "البوليساريو"  تشارك هي الأخرى في أغلب التظاهرات، وتسخر ميزانيات ضخمة للتأثير في صناعة القرار الدولي، لذلك يؤكد الخبراء ،أن الدبلوماسية الموازية ينبغي أن تكون ضرورة استراتيجية للمغرب.
وفيما يخص الإستراتيجية التي اعتمدتها الأحزاب في الدفاع عن مقترح الحكم الذاتي و الترويج له، لاسيما فيما يخص حالة حزب الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي، حزب التقدم والاشتراكية وحزب العدالة والتنمية، فقد توزعت على شقين؛ الشق الأول، تعلق برصد خروقات الخصوم و تتولى الأحزاب ذلك عن طريق أجهزتها الإعلامية من صحف ودوريات ومنشورات تابعة لها. وكذا من خلال مؤتمراتها وعلاقاتها الخارجية بباقي الأحزاب الأجنبية كما أسلفنا. وتنصب مجمل الخروقات التي ترصدها الأحزاب عادة على تدخل الجزائر السافر في القضية الوطنية كطرف أصلي بالرغم من الإعلانات المتتالية لمسؤوليها بحيادهم وغياب كل مصلحة لهم في النزاع، وكذا على الخروقات التي ترتكبها جبهة البوليساريو في حق المغاربة المحتجزين في تندوف.
بينما ينصب الشق الثاني على دعم مبادرة الحكم الذاتي إعلاميا ودبلوماسيا، بيد أن ما لوحظ في هذا السياق، هو أنّ عهد الملك محمد السادس على خلاف فترة حكم والده الراحل الملك الحسن الثاني، على الأقل فيما مضى من حكمه، لم يشهد تفعيلا كافيا لدور الأحزاب في مجال الدفاع عن قضية الصحراء؛ فاستشارة الأحزاب وبعض الفعاليات المدنية حول المبادرة لم تبرح دائرة الاستشارة غير الملزمة، قبل أن تلجأ الدولة مؤخرا مع تعثر المفاوضات المباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو إلى إشراك انتقائي لبعض الأحزاب، لاسيما الأحزاب المشاركة في الحكومة في الترويج للمقترح دوليا.[8]
 
وفي هذا المقام ، فالأحزاب السياسية المغربية رغم اختلافاتها الدائمة وصراعاتها المتكررة فإنها دائما ما تتحد فيما بينها عندما يتعلق الأمر بخصوص القضية الوطنية الأولى (الصحراء المغربية) ، وهذا ما جاء  بالإعلان الأخير بمدينة العيون( 9 أبريل 2018) بحيث اجتمعت الأحزاب وأعلنت عن التزامها ب" تشكيل جبهة سياسية للدفاع عن وحدتنا الترابية" ،هذا الإجتماع الذي عرف حضور ومشاركة أغلب الأحزاب سواء منها الممثلة في البرلمان أو تلك الغير الممثلة . والذي جاء بعدة توصيات مهمة نذكر منها :
  • تجسيد العزم على استثمار علاقات الأحزاب بمختلف الفعاليات الموجودة لديها مع نظائرها في الدول الشقيقة والصديقة قصد السعي إلى إنشاء جماعات ضغط لتبني وحكم توجه البلاد والتصدي للأطروحات المناوئة.
  • التأكيد على ضرورة تظافر جهود الدبلوماسية الرسمية والدبلوماسية الشعبية ممثلة بالأحزاب السياسية والبرلمان والنقابات وفعاليات المجتمع المدني ورجال الأعمال للرفع من وتيرة التنسيق وتنويع اليات التواصل مع المؤسسات المماثلة والجهات المؤثرة في اتخاذ القرار، لاسيما في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية واسيا وإفريقيا.
علاقة بالموضوع ، وارتباطا بالمغرب الذي يبحث عن حل نهائي لملف قضية صحرائه ، نجد أن للمجتمع مع الأحزاب السياسية حضورا في الدفاع عن هذا الملف على المستوى الخارجي في المنتديات والمؤتمرات الدولية ، بنضج كبير وروح الإنفتاح والإنصات للأخر، بحيث أبانت الوفود المغربية في مرات عديدة عن علو كعبها مما أدى بمجموعة من الوفود المشاركة التي دأبت على الإستماع إلى رواية واحدة فقط حول نزاع الصحراء، إلى التراجع عن مواقفها الأولوية للتشبث بالحق المغربي في صحرائه وعدالة مطالبه ، حتى أنه في بعض الأحيان يقتنع رؤساء الوفود المشاركة  بأدلة المغرب وخطابه بعد الحوار والنقاش الفعال مع أعضاء الوفود المغربية، الذين طالما تمكنوا من إعطاء شكل وروح لمفهوم الدبلوماسية الموازية، عبر التعريف بفكرة أن خيار الحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية يبقى الحل الواقعي الوحيد للنزاع المفتعل حول الصحراء.
ولا ننسى أيضا أن الشباب المغربي حاضر وبقوة في مجال السياسة الخارجية وخصوصا الدفاع عن القضية الوطنية الأولى –ملف الصحراء المغربية- وذلك عن طريق التنظيمات الشبابية للأحزاب السياسية عبر مشاركاتها المتعددة والمتوالية في المنتديات والملتقيات العالمية، وأبرز مثال على ذلك هو المشاركة الأخيرة التي قام بها المغرب في المنتدى الإجتماعي العالمي[9] الذي أقيم بمدينة السلفادور بالبرازيل في الفترة الممتدة مابين 13 و17 من مارس 2018. وقد تميز هذا المنتدى بمشاركة فعالة للوفد المغربي الذي ضم حوالي 150 فردا من جميع الجمعيات الحقوقية والمنظمات المغربية بالإضافة إلى الشبيبات الحزبية التي شاركت مجتمعة في وفد الهيأة الوطنية للشباب والديمقراطية[10] والتي ضمت أكثر من 17 شبيبة حزبية مغربية.
وقد جاءت هذه المشاركة ضمن الوفد المغربي الذي يضم إلى جانب الشبيبات الحزبية ، نقابات ومجموعة من المنظمات سواء العاملة في مجال حقوق الإنسان أو مجال المجتمع المدني، بحيث شاركت في مجموعة من الندوات المنظمة على هامش المنتدى. وقامت بالتعريف بالقضايا الوطنية وشرحها للمشاركين في المنتدى، وبالأخص القضية الوطنية الكبرى (قضية الصحراء) وذلك للوقوف ضد الندوات التي كانت تنظمها البوليساريو هناك، خاصة وأن دول أمريكا الجنوبية تعتبر من الدول الداعمة للبوليساريو.
وتماشيا مع تم ذكره ، فقد تمت برمجة ندوة حول موضوع " علاقة الشباب بالحركات الإحتجاجية-نموذج المغرب- ضمن البرنامج العام للمنتدى أطرها وفد الشبيبات الحزبية المغربية ، عرفت حضورجد مهم من الدول المشاركة   كفلسطين وتونس والبرازيل وإسبانيا...
كما شارك وفد الشبيبات الحزبية أيضا في ندوات أخرى نظمتها الجمعيات الحقوقية المغربية، كالندوة التي نظمها المرصد الصحراوي لحقوق الإنسان حول ماتعيشه الساكنة الصحراوية في مخيمات تنذوف.
بالإضافة إلى كل هذا فإن الوفد الحزبي للشباب ودائما في إطار المنتدى، قام بعقد عدة لقاءات مع برلمانيي الدول المشاركة هناك كالشيلي والأرجنتين والسنغال... والتي تمت فيها مناقشة العديد من القضايا خاصة كل ما يتعلق بتطور القضية الوطنية وتصحيح بعض المغالطات حول القضية.
ولا يفوتنا أن نشير إلى أن الوفد المغربي كان حذرا وحريصا على عدم تمرير أي توصية قد تمس وتضعف من التطور الذي تعرفه القضية الوطنية وذلك لأن توصيات  هذا المنتدى الإجتماعي العالمي يتم بعثها للأمم المتحدة ويتم الإلتزام بها.
ولا بد من الإشارة إلى أن مواصلة هذه الشبيبات الحزبية لأدوارها المهمة في الدفاع عن القضايا الوطنية من خلال حضور الملتقيات الدولية وتنظيمها أيضا. يحتاج إلى تحرك الدولة من أجل توفير موارد مالية خاصة بهذه الشبيبات.[11]
 
إن المراهنة على الدبلوماسية الحزبية وتقويتها هي مطلب غير قابل للتأجيل مع الحرص على
أن تكون دبلوماسية عملية ومنظمة لتجميع مصادر ومكونات القوة المؤثرة وتوظيفها بمهنية واحترافية
للاستفادة منها في دعم القضايا الوطنية، فالنجاح الدبلوماسي دائما يكيف على أنه نجاح
سياسي، وعليه يجب على الدبلوماسية الحزبية المساهمة في تحقيق الأهداف السياسية وأن تعبر عن
القضية والمواقف والبرامج، وتكون هناك بوصلة تحركها نحو الطريق الصحيح بتوفير الإمكانيات المادية
والبشرية الكافية وتأهيل كوادرها وأطرها الحزبية ليس سياسيا فقط وإنما دبلوماسيا أيضا.[12]
إن تطوير وترشيد العمل الدبلوماسي الحزبي وتحسين أدائه في الدفاع عن مختلف القضايا الوطنية والدولية  يتحقق من خلال العناصر التالية :
+ تفعيل دور الأجهزة الداخلية في الحزب والتي تختص بالمجال الدبلوماسي،أوإنشاء مثل تلك الأجهزة في حالة عدم وجودها مع ضرورة الإستفادة هنا من الكوادر الحزبية المتخصصة، بحيث تتمكن تلك الأجهزة من صياغة برامج حزبية واضحة المعالم تتماشى مع التوجهات العامة للحزب ، ومن وضع خطط عملية مدروسة للفعل.
+ زيادة الإهتمام من طرف الإعلام الحزبي بالشأن الدبلوماسي وتكثيف التواصل مع الأحزاب والمنظمات الأجنبية والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية وتبادل الزيارات معها ، من أجل شرح القضية الوطنية الأولي –قضية الصحراء المغربية- واستمالة أكبر عدد من الدول خصوصا في قارة أمريكا اللاتينية.
+ حضور المنتديات الدولية وتطوير دور اللجان الخارجية للأحزاب في التواصل مع الخارج و الترويج للقضايا الوطنية والإستفادة من إقامة العلاقات الشخصية مع القادة الحزبيين والسياسيين الأجانب.[13].
خاتمة :
خلاصة القول، إن المغرب أصبح يولي اهتماما كبيرا بالأحزاب السياسية ويثق كثيرا في قدرتها على التمثيل الدبلوماسي الجيد والدفاع عن القضايا الوطنية وخصوصا قضية الصحراء المغربية، أمام الجبهة الإنفصالية المزعومة المدعوة بالبوليساريو ،و أصبحت الدبلوماسية الحزبية بذلك تلعب دورا مهما في التعريف أكثر بالقضية الوطنية لإستمالة باقي الدول من أجل الترحيب بفكرة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب. لكن السؤال المطروح الان هو كيف يمكن للأحزاب السياسية الإستمرار في القيام بهذه الأدوار الدبلوماسية مستقبلا، في ظل غياب تأطير وتكوين الخلف؟
لمراجع :
  • من أجل تدقيق للمفاهيم : هل يمكن الحديث عن مفهوم الدبلوماسية الحزبية في إطار قضية الصحراء.http://www.maghress.com/attajdid/18837
  • عبد النبي بورزيكي ،هل أصبحت الدبلوماسية الحزبية تمثل ضرورة استراتيجية للدولة ، http://www.hespress.com/interviews/19971.html
  • دور الأحزاب السياسية في مجال السياسة الخارجية ،http://www.maghress.com/almassae/23555
  • حسن بنوشان، الصحراء المغربية،أي دور للدبلوماسية الحزبية؟ http://www.hespress.com/writers/387808.html
  • عزيز أمعي ، دور الدبلوماسية الحزبية في الدفاع عن القضايا الوطنية ، http://www.hespress.com/opinions/283699.html
  • سعيد الصديقي ، الأحزاب السياسية المغربية والسياسة الخارجية، أشغال الندوة الدولية حول قانون الأحزاب السياسية بالمغرب ، ص.ص 103،102
  • لؤي عبد الفتاح/عثمان الزياني ، الحكامة الحزبية وترشيد العمل الحزبي بالمغرب، عدد مزدوج 36/37 . مجلة وجهة نظر، ربيع صيف 2008 ، ص 55،58.
  • حوار مع ،يوسف وطلحة، مقرر المجلس الوطني لشبيبة الحركة الشعبية بعد مشاركته الأخيرة  في المنتدى الإجتماعي العالمي بالبرازيل لسنة 2018.
 
[1] https://www.maghress.com/attajdid/18837 من أجل تدقيق المفاهيم:هل يمكن الحديث عن مفهوم الدبلوماسية الحزبية في إطار قضية الصحراء.
[2] سعيد الصديقي ، الأحزاب السياسية المغربية والسياسة الخارجية، أشغال الندوة الدولية حول قانون الأحزاب السياسية بالمغرب ، ص.ص 102.103
[3] عبد النبي بورزيكي ،هل أصبحت الدبلوماسية الحزبية تمثل ضرورة استراتيجية للدولة. https://www.hespress.com/interviews/19971.html
 
[4] عبد النبي بورزيكي ، مرجع سابق.
[5] دور الأحزاب السياسية في مجال السياسة الخارجية، سنة 2009 ، الموقع الإلكتروني maghress، https://www.maghress.com/almassae/23555
 
[6] حسن بنوشان ، الصحراء المغربية ..أي دور للدبلوماسية الحزبية ؟ ، الموقع الإلكتروني هسبريس، https://www.hespress.com/writers/387808.html
[7] عزيز أمعي ، مقالة بعنوان " دور الدبلوماسية الحزبية في الدفاع عن القضايا الوطنية" ، الجريدة الإلكترونية ، HESPRESS. سنة 2015 ، https://www.hespress.com/opinions/283699.html
 
[8] https://www.hespress.com/interviews/19971.html
[9] تأسس هذا المنتدى سنة 2001 بالبرازيل، ويعتبر فضاءا للحوار والتواصل وربط العلاقات وتفاعل الحركات الإجتماعية ومكونات المجتمع المدني فيما بينها. وكذلك طرح مجموعة من القضايا الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والثقافية من خلال المئات من الندوات والورشات وحلقات النقاش .
 
[10] هي ائتلاف يضم كافة الشبيبات الحزبية المغربية، وهي تابعة لوزارة الشباب والرياضة أسستها  هذه الأخيرة لكي تقوم بدعم الشبيبات الحزبية عن طريقها . وذلك لدعمها فيما يخص السفريات الدولية أو جامعات الشباب ولقاءات الشباب. هذه الهيأة لها اتفاقية شراكة مع وزارة الشبابة وهي التي تأخذ الدعم وتوزعه على الشبيبات الحزبية.
[11] حوار مع ،يوسف وطلحة، مقرر المجلس الوطني لشبيبة الحركة الشعبية بعد مشاركته الأخيرة  في المنتدى الإجتماعي العالمي بالبرازيل لسنة 2018.
 
[12] لؤي عبد الفتاح/عثمان الزياني ،الحكامة الحزبية وترشيد العمل الحزبي بالمغرب ، عدد مزدوج36/37،مجلة وجهة نظر، ربيع صيف 2008،ص58.55.
[13] لؤي عبد الفتاح ، مرجع أعلاه.

الاثنين 23 مارس 2020


تعليق جديد
Twitter