Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




دراسة لبعض مقتضيات مسودة تعديل قانون المسطرة الجنائية


     



دراسة لبعض مقتضيات مسودة تعديل قانون المسطرة الجنائية
إن أول ما يلاحظ على مسودة مشروع القانون المتعلق بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية، هو أن المادة الأولى منها قد نصت على مبادئ أساسية يمكن اعتبارها ركائز المحاكمة العادلة، وهي تكريس وتفعيل لدستور المملكة لسنة 2011، وكذا الاتفاقيات الدولية ، وتتمثل أساسا في المبادئ الآتية:

 1 مبدأ المساواة: والذي يستشف من الفقرة الأولى من المادة الأولى "كل الأشخاص متساوون أمام القانون ويخضعون لنفس الإجراءات ويحاكمون وفقا لنفس القواعد القانونية..."، لكن ما يلاحظ على هذه الفقرة هو أنه إذا كان فعلا جميع الأشخاص متساوون أمام القانون، فإنهم ليسوا دائما يخضعون لنفس إجراءات البحث و المحاكمة، وذلك كما هو الشأن بالنسبة لقواعد الاختصاص الاستثنائية المنصوص عليها في المواد 264 و ما بعدها، وبذلك كان يتعين أن تنص الفقرة المذكورة على أن "كل الأشخاص متساوون أمام القانون ويخضعون لنفس الإجراءات ويحاكمون وفقا لنفس القواعد القانونية، غير أنه فيما يخص إجراءات البحث والمحاكمة يمكن أن ينص القانون على إجراءات استثنائية، كلما تعلق الأمر بأشخاص محددين بنص القانون".

2 حماية حقوق الضحايا والمتهمين: فمن واجب السلطة القضائية حماية حقوق جميع الأطراف سواء تعلق الأمر بالمتهم أو الضحية، غير أن ما يلاحظ على الفقرة الثانية من المادة الأولى، أنها ذكرت الضحايا والمتهمين ، في حين أغفلت الإشارة إلى  الشهود والمبلغين ، ذلك انه وان كان المشرع في مواد أخرى نص على حماية الشهود والمبلغين خصوصا في المادتين 82-4 و 82-5 المضافتين بمقتضى القانون رقم 10-37، إلا أنه كان يتعين النص على ضمان حقوق الشهود والمبلغين ضمن الفقرة المذكورة إلى جانب الضحايا والمتهمين.
كما أن ما يلاحظ على الفقرة الثانية من المادة الأولى هو أنها نصت على أن تتم جميع الإجراءات في أجل معقول، دون تحديد هذه الآجال، ودون تحديد الإجراءات المقصودة ، فكان يتعين أن يتم تحديد الآجال بدقة، خلال كل مرحلة ، خصوصا خلال مرحلة المحاكمة التي تطول خلالها مدة النظر في بعض الملفات ويمكن أن تتجاوز السنتين أو أكثر.

3 مبدأ الحرية: نصت الفقرة الثالثة من المادة الأولى من المسودة على أنه "لا يمكن اتخاذ أي إجراء مقيد لحرية الأشخاص إلا بمقتضى القانون وتحت مراقبة السلطة القضائية المختصة" .

4 مبدأ البراءة: وهذا مبدأ كرسته المسطرة الجنائية الحالية ؛ فالمادة الأولى من مسودة تعديل قانون المسطرة الجنائية، تعبر عن الفلسفة الجديدة للسياسة الجنائية المغربية الجديدة، القائمة على تكريس احترام حقوق الأشخاص كيفما كان وضعهم، ضحايا أو متهمين أو شهود.

وإذا انتقلنا للمادة 15 من المشروع فيلاحظ أنه إذا كانت الفقرة الأولى منها قد كرست سرية الأبحاث والتحقيق، إلا أنها في الفقرة الثانية جاءت بمستجد يتمثل في منح النيابة العامة إمكانية اطلاع الرأي العام على القضية والإجراءات المتخذة فيها من خلال النص على مايلي"...غير أنه يجوز للنيابة العامة وحدها اطلاع الرأي العام على القضية والإجراءات المتخذة فيها، دون تقييم الاتهامات الموجهة إلى الأشخاص المشتبه فيهم أو المتهمين.

يمكن للنيابة العامة أن تأذن بذلك للشرطة القضائية". فإذا كانت هذه الفقرة، قد جاءت تكريسا لحق الحصول في المعلومة، إلا أنه كان يتعين تقييد هذه الإمكانية خصوصا حينما يتعلق الأمر ببعض الجرائم، كالجرائم التي يتورط فيها أحداث، وذلك نظرا لما يمكن أن يشكله اطلاع الرأي العام على الجرائم التي تورطوا فيها من تأثير سلبي عليهم، خصوصا إذا تبثت فيما بعد براءتهم من المنسوب إليهم، ومن جهة أخرى فإن النيابة العامة حتى وإن لم تقم بتقييم الاتهامات الموجهة إلى المشتبه فيهم وقامت فقط باطلاع الرأي العام على القضية وإجراءاتها، فإن الأكيد أن الرأي العام سيعمل على تقييم الاتهامات والأدلة، وبالتالي سيؤثر على عمل النيابة العامة والقضاء بصفة عامة، فيمكن أن تكون هناك أدلة وقرائن كافية ضد مشتبه فيه معين، ولكن اطلاع الرأي العام على قضيته خلال مرحلة البحث التمهيدي، يمكن أن يصنع منه ضحية، والعكس صحيح، إذ يمكن أن يكون المشتبه فيه برئ لكن يمكن لبعض الجهات التي تم اطلاعها على قضيته، قد تعمل على تضخيم القضية وتصنع منه مجرما خطيرا، وبالتالي فإن كل ذلك سيؤثر على عمل النيابة العامة.

كما أن ما يلاحظ على الفقرة الأخيرة من المادة 15 المذكورة، أنها أعطت للنيابة العامة إمكانية الإذن للشرطة القضائية للقيام باطلاع الرأي العام على القضية وإجراءاتها، إلا أن هذه المادة لم تبين كيفية هذا الإذن هل الأمر يتعلق بإذن كتابي، أم أن ذلك يمكن أن يتم بمجرد تعليمات شفوية، والحالات التي تقوم فيها النيابة العامة بمنح هذا الاذن.

وبصفة عامة نعتقد أنه يتعين التخلي عن هذه الفقرة التي تعطي للنيابة العامة إمكانية منح الإذن للشرطة القضائية لاطلاع الرأي العام على القضية،وذلك  لأن قضاة النيابة العامة هم وحدهم المؤهلون لمعرفة القضايا التي يتعين اطلاع الرأي العام عليها والقضايا التي لا يمكن اطلاع الرأي العام عليها والتوقيت المناسب للقيام بذلكن وذلك بحكم تكوينهم القانوني الصرف.

من جهة أخرى تعتبر المادة 17-2 إلى جانب المادة 17-1 من أهم المستجدات التي جاءت بها المسودة، فقد نصت على أنه" يمنع على ضباط الشرطة القضائية تلقي التعليمات فيما يتعلق بمهامهم القضائية من غير الجهات المؤهلة لذلك قانونا.

كل تدخل في عمل ضباط الشرطة القضائية فيما يخص تسيير الأبحاث القضائية من طرف الجهات غير المؤهلة لذلك قانونا، أو التأثير أو محاولة التأثير عليهم يعتبر عملا مخالفا للقانون ويعاقب عليه بهذه الجريمة"

غير أنه كان يتعين إضافة فقرة ثالثة تلزم ضابط الشرطة القضائية على تبليغ الجهة التي أمرته بالبحث بكل تدخل في عمله من طرف جهات غير مؤهلة لذلك أو التأثير عليه. وذلك بجعل هذه المادة تنص على ما يلي: "يمنع على ضباط الشرطة القضائية تلقي التعليمات فيما يتعلق بمهامهم القضائية من غير الجهات المؤهلة لذلك قانونا.

كل تدخل في عمل ضباط الشرطة القضائية فيما يخص تسيير الأبحاث القضائية من طرف الجهات غير المؤهلة لذلك قانونا، أو التأثير أو محاولة التأثير عليهم يعتبر عملا مخالفا للقانون ويعاقب عليه بهذه الصفة.

يجب على ضباط الشرطة القضائية الذين تعرضوا للتدخل في عملهم من طرف الجهات غير المؤهلة لذلك، أو التأثير أو محاولة التأثير عليهم، أن يخبروا بذلك فورا الجهات المنصوص عليها في المادة 17-1 أعلاه وذلك حسب الأحوال"

ومن المستجدات التي جاءت بها المادة 40 ، تنصيصها على ضرورة إشعار النيابة العامة للضحية أو المشتكي بالمآل والاجراءات المتخذة في الشكايات فورا وعلى الأكثر داخل خمسة عشر يوما من اتخاذ القرار.

وتجدر الاشارة إلى أن هذا الإجراء كان معمولا به في المحاكم خصوصا عندما يتعلق الأمر بحفظ القضية، لكن مع النص على هذا الإجراء يطرح السؤال عن ماهية القرارات التي يجب أن يشعر بها الضحية أوالمشتكي، هل يتعلق الأمر فقط بقرار الإحالة على قاضي التحقيق و الإحالة على المحكمة وقرار الحفظ، أم أنه يتعين إشعار المشتكي أو الضحية بكل القرارات كقرار إرجاع المحضر إلى الشرطة القضائية لتعميق البحث، وقرار إجراء خبرة وغير ذلك..، فكان يتعين تحديد القرارت التي تتخذها النيابة العامة ويتعين تبليغها للمشتكي وذلك على سبيل الحصر، بحيث يتعين اشعار المشتكي بالقرارات ذات الأهمية على سير الإجراءات والتي يمكن حصرها في ثلاث:

1 إحالة القضية على التحقيق؛
2 إحالة القضية على هيئة الحكم  ؛
3 حفظ القضية؛

بالنسبة للمادة 41-1 من المشروع يمكن اعتبارها أهم مستجد جاءت به المسودة، فإذا كانت المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية الحالي تنص على إمكانية إجراء الصلح كلما تعلق الأمر بجريمة يعاقب عليها بسنتين سجنا أو أقل أو بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم، فإن المادة 41-1 من المسودة أضافت مجموعة من الجرائم التي يمكن إجراء الصلح بشأنها ويتعلق الأمر بالجرائم المنصوص عليها في الفصول 401،404 (البند1)، 425 و426 و445 و505 و517 و524 و525 و526 و538 و540 و542 و547 و549. (الفقرتان الأخيرتان) و571 من القانون الجنائي والمادة 316 من مدونة التجارة.

إن ما يلاحظ على هذه المادة، هو أنها وسعت دائرة الجرائم التي يجوز فيها الصلح، غير أنه ونظرا لخطورة بعض الجرائم كان يجب ألا تدرج ضمن هذه المادة، وأن لا تطبق فيها مسطرة الصلح ويتعلق الأمر بجريمة السرقة المنصوص عليها في الفصل 505، وجريمة النصب المنصوص عليها في الفصل 540، وجريمة خيانة الأمانة المنصوص عليها في الفصلين 547 و 549، وجريمة إخفاء شيء متحصل من جناية أو جنحة، وذلك نظرا لخطورة هذه الجرائم، فحتى ولو قبل المتضرر بالصلح، فإن أثرها خطير على المجتمع ككل، ومرتكبها يتعين ردعه، وبتالي فجريمة كالنصب او السرقة لا يمكن بأي حال من الأحوال التصالح بشأنها.

بالنسبة للمادة 47-1 يلاحظ أنها عمدت إلى تقييد سلطة النيابة العامة في ما يخص إصدارها للأمر بالإيداع في السجن، كما في حالة انعدام حالة التلبس، وذلك باشتراط أحد الأسباب التالية :

-اعتراف المشتبه فيه بالأفعال الجرمية (هل في مجملها أم في أحدها فقط المعاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية؟)
- إذا ظهر أنه خطير على النظام العام.
(يجب تحديد مظاهر هذه الخطورة، مادام ان قرار النيابة العامة بالإيداع في السجن يبقى قابلا للطعن أمام هيئة حكم جماعية، وبالتالي تلافي التضارب في التوجهات والأحكام باختلاف المناطق داخل التراب المغربي...)، هذا ويستحسن أن يتم تحديد مظاهر الخطورة على النظام العام في مايلي:

1-التأثير على السير العادي للحياة العامة بكافة تجلياتها (الاقتصادية والاجتماعية والسياسية)
2-التأثير على السير العادي للمؤسسات والمرافق العامة.
3-التأثير على الأمن العام .

من جهة أخرى يمكن القول إن تحديد اختصاص الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة  طبقا للمادة 51-1 في السهر على تطبيق القانون الجنائي في مجموع إقليم المملكة، يبقى ناقصا مادام أن اصطلاح القانون الجنائي يحيلنا مباشرة على مجموعة القانون الجنائي كما هو منصوص عليه في ظهير 26 نونبر 1962، والأحرى هو التنصيص على ما يلي:(...يتولى الوكيل العام لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة الاشراف على تطبيق التشريعات الجنائية العامة والخاصة في مجموع التراب الوطني...) ؛
بخصوص المادة 82ـ14 لقد ورد التنصيص على إعفاء ضباط و أعوان الشرطة القضائية من المسؤولية الجنائية بمناسبة تنفيذهم لعملية الإختراق،لكن ومادام أن عملية الإختراق تشمل كذلك الجهة مانحة الإذن ، وكدا لما يمكن أن تترتب عن هاته العملية من مسؤولية مدنية فمن المستحسن أن يتم تحيين هاته المادة كما يلي:"لا يمكن مسائلة الجهة مانحة الإذن بالاختراق و كدا ضباط و أعوان الشرطة القضائية المأذون لهم بتنفيذ عملية الاختراق سواء جنائيا أو مدنيا ،ودلك بمناسبة مباشرتهم لعمليات الاختراق المذكورة أعلاه".

وأخيرا بالنسبة للكتاب الثالث من المشروع المتعلق بالقواعد الخاصة بالأحداث فما يلاحظ بخصوص هذا الكتاب، هو استمرار النص على مجموعة من القواعد الموضوعية ضمن قانون الإجراءات، إذ أن مجموعة من المقتضيات التي تحدد العقوبات والتدابير الواجب تطبيقها على الأحداث، منصوص  عليها في قانون الإجراءات، في حين أنه كان يتعين النص عليها ضمن قانون الموضوع، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنه كان من الأجدر إفراد تشريع خاص بالأحداث يتضمن الضوابط والقواعد الموضوعية والإجرائية الملائمة لهم والخاصة بهم، وضمانات محاكمتهم.
 

الاربعاء 18 مارس 2015
1497 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter