Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



حول تعديل المادة 111 من مدونة المحاكم المالية


     

العربي بجيجة
باحث في جامعة محمد الخامس
-الرباط-




بسم الله الرحمن الرحيم


أطر المشرع ضمن القانون 99/62 المتعلق بمدونة المحاكم المالية بعض القواعد التي تحدد مآل الأفعال المكتشفة بفعل رقابة القضاة الماليين للمجلس الأعلى للحسابات المالية، والمنشورة في التقارير الرقابية السنوية المرتبطة بحالات تبذير المال العام أو هدره أو سوء استعماله، كما تنص على ذلك المادة (111) منه:

"لا تحول المتابعات أمام المجلس دون ممارسة الدعوى التأديبية والدعوى الجنائية.

وإذا اكتشف المجلس أفعالا من شأنها أن تستوجب أفعالا تأديبية، أخبر الوكيل العام للملك بهذه الأفعال السلطة التي لها حق التأديب بالنسبة للمعني بالأمر، والتي تخبر المجلس خلال أجل ستة (06) أشهر في بيان معلل بالتدابير التي اتخذتها.

وإذا كان الأمر يتعلق بأفعال يظهر أنها قد تستوجب عقوبة جنائية، رفع الوكيل العام للملك الأمر من تلقاء نفسه أو بإيعاز من الرئيس الأول للمجلس إلى الوزير المكلف بالعدل والحريات، قصد اتخاذ ما يراه ملائما، ويخبر بذلك السلطة التي ينتمي إليها المعني بالأمر.

ويخبر وزير العدل المجلس بالتدابير التي اتخذها".

أولا: دلالات تعديل المادة 111 من مدونة المحاكم المالية

شكلت العلاقة الناظمة بين المحاكم المالية والوزارة المكلفة بالعدل بموجب المادة (111) من مدونة المحاكم المالية حالة من الشد والجذب، على امتداد سريان الإطار القانوني المنظم له، طفت إلى السطح مع تولي الرئيس الحالي للمجلس الأعلى للحسابات السيد "إدريس جطو"، ويرجع السبب الرئيس لذلك بما تتضمنه ذات المادة من دلالات تقوض مساطر المتابعة القضائية في الملفات ذات الطبيعة الجنائية، التي يحيلها الوكيل العام للمجلس على الوزير المكلف بالعدل بموجب التقارير التي يعدها القضاة الماليين عن الأجهزة العمومية الخاضعة لرقابة المجلس، على اعتبار أن تحريك الدعوى القضائية من لدن وزير العدل لا يؤسسها على مضمون التحقيق والتدقيق الذي أجراه القضاة الماليين للمجلس، وإنما حسب ما يراه الوزير مناسبا حيث تبقى خياراته مفتوحة بين إحتمالين، فإما أن يعيد التحقيق في الملف المحال عليه أو أن يباشر مسطرة المتابعة. إلا أن معظم القضايا التي رفعت إلى الوزير المكلف بالعدل بقيت حبيسة الخيار الأول، الذي يؤخر مساطر المتابعة تنجم عنها أحيانا حالات إعفاء بعض المتورطين في نهب المال العام،  ينعدم معها المدلول الدستوري الناظم لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة

كشفت تقارير المجلس الأعلى للحسابات مجموعة من التجاوزات والاختلالات الخطيرة، وجرائم مالية تكتسب طابعا جنائيا تتطلب إحالتها إلى القضاء الجنائي، لأن ذلك يتجاوز اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات، على اعتبار أن صلاحياته في مجال الجزاء لا تتعدى سقف التأديب المالي، والمطالبة باسترجاع الأموال التي تعرضت للاختلاسات. إذ أن المجلس الأعلى للحسابات ليس مخولا له تحريك المتابعات الجنائية، لكونها صلاحية تعود إلى وزير العدل، وهنا تثار مسألة قانونية تتعلق بالمادتين 111 و114 من مدونة المحاكم المالية، اللتان تنصان على إبقاء القضايا ذات الطبيعة الجنائية تحت وصاية وزير العدل، وإلا كيف يمكن فهم العبارات القانونية الواردة في مدونة المحاكم المالية التي تنص على أنه: "في حالة ما إذا تأكد لقضاة المجلس الأعلى للحسابات أن الأفعال تكتسي صبغة جنائية يحال الملف على وزير العدل ليتخذ ما يراه مناسبا"، حيث إن الغموض كامن في عبارات "يتخذ ما يراه مناسبا"، و هذا ما يطرح عدة علامات استفهام حول تحريك المسطرة القضائية بـشأن الحالات المثبتة رسميا للاختلاسات الخطيرة للمال العام، وحول مصير المتابعات، والإجراءات التي اتخذتها وزارة العدل من أجل إعطاء تقارير المجلس الأعلى للحسابات الصبغة التنفيذية.

وإذا كانت المادة (111) من مدونة المحاكم المالية تنص على إمكانية تحريك الدعوى الجنائية في حالة ثبوت أفعال ترتبط بالجرائم المالية، فإن مقتضيات الفقرة الثالثة منها تقيد هذه المتابعة بإجراء استثنائي يرتبط تخويل صلاحية تحريك مسطرة المتابعة لوزير العدل، باعتباره جزء من الجهاز الحكومي. وهو ما من شأنه أن يجعل القضايا المرتبطة بالجرائم المالية والمخالفات المالية المحالة إليه من قبل المجلس الأعلى للحسابات، مجرد قضايا معروضة عليه، ينتج عنها أحيانا قصور على مستوى المتابعة وتقييد لعملية المحاسبة. وهو الأمر الذي أثار خلافا كبيرا بين المجلس الأعلى للحسابات ووزارة العدل والحريات، حول الجهة التي لها حق تحريك الدعوى للقضايا التي تستوجب عقوبات جنائية، حيث يتمسك المجلس الأعلى للحسابات بقراءته التي تؤكد أحقيته في تحريك الدعوى بناءا على تقاريره، مع احترامه لاجتهاد وزير العدل والحريات الذي يقوم بإحالة القضايا على الهيئة القضائية المختصة.

وحيث أن مدلول المادة (111) من القانون 99/62 ربطت مسطرة الإحالة للملفات ذات الطبيعة الجنائية، من المجلس إلى الوزير المكلف بالعدل، فإن تنزيل المقتضيات الدستورية لسنة 2011 في الباب العاشر منه أوضحت ضمن مشروع القانون رقم 16/55 المحال على البرلمان بتاريخ 28 يوليوز 2016 وبدأت أشغال تداولها في لجنة المالية يوم 01 غشت 2016، أن مسطرة المتابعة في هذه القضايا ستعرف تغييرا بنيويا، حيث سيتولى مأمورية استقبالها الوكيل العام للملك بمحكمة النقض بدل الوزير المكلف بالعدل، بعد إحالتها عليه من قبل النيابة العامة للمجلس من تلقاء نفسه أو بإيعاز من الرئيس الأول للمجلس.

ومن بين ما تهدف إليه هذه المادة التخلي عن إحالة الملفات ذات الطبيعة الجنائية من الوكيل العام للملك بالمجلس إلى وزير المكلف بالعدل كما كان منصوصا على ذلك في القانون 99/62، ، يمثل إشارة واضحة على أن البعد السياسي في التعاطي مع الملفات الجنائية للمتورطين في الجرائم المالية كان حاضرا في تحريك مساطر المتابعة القضائية من دونها، على اعتبار أن الوزير المكلف بالعدل هو جزء من الحكومة، وقد خول له القانون السالف الذكر حق المتابعة من دونه وفق ما يراه ملائما، أو كلما رأى ضرورة لازمة لذلك وفق مدلول الفقرة الثالثة من المادة (111).
إن هذا الطرح يساير إلى حد ما مطالب العديد من الفئات المدنية والحقوقية والباحثين بتحييد النيابة العامة عن مسؤولية الوزير المكلف بالعدل، وجعلها بعيدة عن وصاية وتدخل الوزير المسؤول عن القطاع، الذي يشكل حسب اعتقادهم أحد المداخل الرئيسية لاستقلال السلطة القضائية، وذلك بجعل الوكيل العام للملك بمحكمة النقض رئيسا للنيابة العامة كما تنص على ذلك المادة 110 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

ثانيا: علاقة المجلس بالسلطة القضائية في أفق تكاملية الدور الوظيفي

شكل وجود سلطة حكومية تنفيذية وسيطة بين هيئتين قضائيتين بموجب القانون السابق، أي هيئة القضاء المالي وهيئة القضاء الجنائي، تملك صلاحيات تقريرية بخصوص خلاصات تحقيق وتدقيق المحاكم المالية المتخصصة، في إثارة إ مبدأ استقلال القضاء المالي في جوهره، من شأن تحيين المادة (111) خلال مشروع القانون الحالي أن يشكل بداية الطريق في تحريك العديد من الملفات ذات الطبية الجنائية المحالة على القضاء، والمساهمة في تسريع إجراءات ومساطر البت فيها.

يرتبط نظام المساءلة والمحاسبة بالقدرة على مساءلة المسؤولين على اختلاف مستوياتهم ومسؤولياتهم، دون أي تمييز بسبب مناصبهم، في حالات التقصير أو سوء التدبير، أو تبديد المال العام، أو استغلال النفوذ، أو الإثراء على حساب القيم والأخلاق. الأمر الذي يساهم بشكل فعال في مكافحة الاحتيال والفساد وتدعيم الشفافية. خاصة أن تفعيل توصيات أجهزة الرقابة العليا على الأموال العمومية، يمثل أولوية قانونية وسوسيولوجية بامتياز، وأن خلق ثقافة رقابية لا يتحقق من دون نشر وعي ثقافي يحترم من بين ما يحترم مبدأ المساءلة والمحاسبة.

إن الإشكالية التي يطرحها تفعيل مساطر متابعة المخالفات ذات الطابع الجنائي، تستدعي التفكير الجاد في توسيع صلاحيات المحاكم المالية، لتشمل صلاحيات التحقيق القضائي والمتابعة الجنائية، وجعلها محاكم حقيقية. من خلال اعتبار تقرير المجلس الأعلى للحسابات، الذي ينجزه قضاة ذوو كفاءات عالية في الأمور المالية والاقتصادية، بمثابة بحث تمهيدي، ومساواته بمحاضر الضابطة القضائية، مما يستوجب إحالته مباشرة إلى القضاء الجنائي.
غير أن استغلال النفوذ والرشوة قد يعطل أو يلغي أحيانا محاسبة العديد من المسؤولين، الذين أدينوا في ملفات وصفقات مشبوهة، كانت موضع ملاحظات وتوصيات صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات. وهو ما يدعو للقول أن المغرب يواجه أزمة في ثقافة المساءلة والمحاسبة، من خلال انتشار الفساد الإداري والمالي وعدم تقبل المسؤولين للمحاسبة، والعمل بالمقابل على تحصين أنفسهم بوسائل غير مشروعة، ينضاف إلى ذلك ضعف قدرة المحاكم المالية على تحريك المتابعات، سيما في حق المسؤولين المتورطين في مخالفات تستوجب اتخاذ عقوبات جنائية في حقهم، وهو ما تؤكده قلة عدد القضايا المحالة على وزير العدل خلال سنوات 2009/2014 التي لم تتجاوز (252) قضية، وكذا قلة عدد القضايا التي كانت محل متابعة من قبل المحاكم المالية، التي لم تتجاوز بدورها منذ سنة 2001 إلى حدود سنة 2015 (83) قضية، فضلا عن ذلك رفع المجلس الأعلى للحسابات 48 قضية إلى وزير العدل في إطار المتابعات الجنائية.

إن عدم تفعيل المتابعة في حق المسؤولين عن اختلاس وتبذير وسوء استعمال المال العام، وعدم بذل الجهود لاسترجاع الأموال العمومية المختلسة، يثير لدى الرأي العام شعورا بالتشكيك في مصداقية وفعالية المجلس، نتيجة لجعل جهود العمل الهامة لمؤسسة دستورية وإستراتيجية تتحول إلى مجرد بحوث إضافية في الأرشيف، واختزال عملها في تقرير (هامشي) موجه لاستهلاك الخارجي، وتغذية أو الحد من التوترات الداخلية حسب الأحوال، مع تكريس ظاهرة الإفلات من العقاب.

ينبغي بذلك، تمتيع المحاكم المالية بسلطات أوسع في مجال تحريك المتابعات بما يجعلها محاكم حقيقية، من قبل منحها صلاحيات في مجال التحقيق القضائي والمتابعات الجنائية، واعتبار تقارير المجلس التي ينجزها قضاة ذوي كفاءات عالية في الأمور المالية والاقتصادية بمثابة بحث تمهيدي، ومساواتها مع تقارير الضابطة القضائية، مما يستوجب إحالتها مباشرة على القضاء الجنائي.

كما يمكن أن يجد نظام المساءلة والمحاسبة طريقه للتفعيل من خلال مدخلين:

المدخل القانوني: إصدار قوانين صارمة وحازمة في مجال الجرائم المالية، تقر أقصى العقوبات وأشدها على المتورطين في هذا الجانب.
المدخل المؤسساتي: إعادة صياغة العلاقة بين المجلس والوزارة المكلفة بالعدل والحريات، من خلال تخويله حيزا هاما في مجال متابعة سير الملفات وتتبع الأحكام الصادرة في هذا الجانب، بالإضافة إلى تقيد السلطة القضائية والتزامها بما تقره الأنظمة القانونية في مجال متابعة المدانين بارتكاب الجرائم المالية، وعدم التساهل أو التسامح مع المدانين بارتكاب فعل من الأفعال المندرجة ضمن الجرائم المالية.

مع التأكيد على حرص السلطة التنفيذية على تطبيق مختلف الأحكام مهما بلغت مدة حكمها أو صفة المتورط، والضرب بحزم على كل من يعمل على استغلال النفوذ لتحصين مركزه ونفسه من المتابعة القضائية.

تلتقي هذه المداخل في سياق عدم التساهل مع المتورطين وزجرهم، من خلال التوقيع عليهم بأقصى العقوبات خاصة السالبة للحرية، لقطع الطريق أمام من اتخذوا من هذه الأساليب والأفعال سبيلا للثروة وخلق النفوذ في هياكل وبنيات الدولة.

ولا يمكن الحديث عن استقلال السلطة القضائية وفعالية دورها في المساءلة، إذا كانت الأحكام والقرارات الصادرة عنها لا تجد سبيلها إلى التنفيذ، لأنه بالتنفيذ فقط يتم إحقاق الحق وتطبيق القانون على الجميع، ونظرا لما يتسبب فيه الامتناع عن التنفيذ من مساس باستقلالية القضاء وهيبته، فإنه من الضروري التفكير في إيجاد حلول قانونية مناسبة، حتى يتم رفع أحد المعوقات الكبرى التي تحد من فعالية القضاء وتزعزع أسس دولة القانون.
 

الخميس 25 غشت 2016


تعليق جديد
Twitter