Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



حماية المستهلك من الشروط التعسفية في القانون المغربي


     

خالد بامو

طالب باحث في ماستر القانون والممارسة القضائية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي الرباط.







        تزايد استعمال مصطلح المستهلك في اللغة القانونية خاصة بعد حركة الدفاع عن المستهلكين وبتبلور فكرة حماية المستهلك التي انطلقت في الولايات المتحدة الأمريكية وانتقلت بعد ذلك إلى الدول الأوربية لتصبح اليوم ظاهرة منتشرة في العديد من الدول مما أثار جدلا فقهيا وقضائيا حول مفهومه القانوني,مما أدي إلى طرح تعريفين للمستهلك احدهما ضيق وأخر واسع,بحيث يعرف الأول "كل شخص يتعاقد بقصد إشباع حاجاته الشخصية والعائلية
",وبمعنى أخر كل شخص يقتني أو يستعمل سلعة أو خدمة لغرض غير مهني.أما المفهوم الواسع للمستهلك فيشمل اكبر عدد ممكن من الأشخاص لكي يستفيدوا من الطابع الحمائي لقواعد قانون الاستهلاك,ويعرفه الفقه بأنه "كل شخص يتعاقد بهدف الاستهلاك" وبذلك يعتبر مستهلكا كل من المهني الذي يتعاقد خارج نطاق تخصصه
[1].أما المهني الذي يعتبر الطرف الثاني في عقد الاستهلاك فهو الشخص الذي يمتلك المعلومات والمعرفة التي تسمح له بالتعاقد على بينة ودراية تامة.ولكن لا يمكن الحديث عن حماية حقيقية للمستهلك دون الحديث عن حمايته من المهني ومن شروطه التعسفية التي يوردها في عقوده النمطية .
     وتعتبر عقود الاستهلاك المجال الخصب لظهر الشروط التعسفية لان اغلب هذه العقود يستقل بتحريرها المهني العارف بخبايا الأمور,ولا يقوى المستهلك عادة على مناقشة بنود هذا العقد,بالإضافة إلى جهله بالنصوص التشريعية وبالتالي يعتبر المستهلك الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية ويحتاج إلى حمايته من الشروط التعسفية .

والإشكال الذي يمكن طرحه في هذا المجال هو إلى أي حد استطاع المشرع المغربي أن يوفر الحماية القانونية الكافية للمستهلك من الشروط التعسفية ؟وما هو الدور الذي يلعبه كل من القضاء والجمعيات في تكملة الحماية القانونية للمستهلك من الشروط التعسفية؟

وللإجابة عن هذه الإشكالية  سنتناولها عبر مبحثين رئيسين 

المبحث الأول : الحماية القانونية للمستهلك من الشروط التعسفية .
المبحث الثاني : دور القضاء والجمعيات في حماية المستهلك من الشروط التعسفية
 
المبحث الأول : الحماية القانونية للمستهلك من الشروط التعسفية

      إن حماية المستهلك من الشروط التعسفية في المغرب كانت تخضع لقانون الالتزامات والعقود وذلك رغم صدور قانون حرية الأسعار والمنافسة الذي لم يتطرق إلى حماية المستهلك من الشروط التعسفية ,إلا أن المشرع وذلك بمقتضى القانون 31.08 المتعلق بقانون حماية المستهلك .وعلى غرار هذا الأساس فإننا سنتعرض لبعض مظاهر حماية المستهلك من الشروط التعسفية في ق.ل.ع (مطلب أول)ثم في قانون حماية المستهلك (مطلب ثان).

المطلب الأول : مظاهر الحماية من الشروط التعسفية في ق.ل.ع

      إن الحديث عن الحماية التي يوفرها ق.ل.ع يقودنا إلى القول بأنها حماية ضعيفة جدا وهي تخص  بالأساس عيوب الرضا وذلك لان الشروط التعسفية تأخذ عدة أشكال لايمكن التصدي لها بواسطة هذه الوسيلة مما جعل الفقه المغربي يشير إلى عدة وسائل يمكن توظيفها كنظرية التعسف في استعمال الحق ونظرية الإثراء بلا سبب ونظرية الادعان ومبدأ حسن النية في تنفيذ العقود والالتزامات وخاصة من جانب القضاء المغربي لتقرير الحماية القانونية للمستهلك من الشروط التعسفية.إلا أننا سنقتصر على الأهم من هذه النظريات كنظرية الغبن (فقرة أولى) ونظرية التدليس (فقرة ثانية) ونظرية الادعان (فقرة ثالثة).

الفقرة الأولى :الحماية من الشروط التعسفية عن طريق إبطال العقد للغبن

      عرف الأستاذ مامون الكزبري الغبن
[2]"هو التفاوت وانتفاء التوازن بين ما يعطيه العاقد وما ياخده مقابل ما يعطيه في عقود المعاوضة ",والغبن في التشريع المغربي لا يمكن اعتماده سببا لإبطال العقد ما عدا الاستثناءات الواردة في المادة 56 من ق.ل.ع.وبالتالي فنطاق الغبن ضيق للغاية لان الشروط التعسفية المرتبطة بهت تأخذ عدة أشكال لا يمكن التصدي لها بواسطة هذه الوسيلة غير المباشرة ,ولهذا يمكن القول أن المتعاقد المستهلك الذي ابرم عقد يتضمن شروطا تعسفية أدت إلى إلحاق غبن استغلالي يمكنه الاستناد إلى مقتضيات المادة 54 من ق.ل.ع وذلك إذا اعتبرنا عدم درايته بالخبايا الفنية أو القانونية أو الاقتصادية حالات مشابهة لحالات المرض المنصوص عليها في القانون.

الفقرة الثانية :الحماية من الشروط التعسفية عن طريق إبطال العقد للتدليس

     يعتبر التدليس وسيلة لإبطال العقد إذا كانت الوسائل هي الحيل والكتمان بصفة خاصة التي لجا إليها الحرفي قد بلغت في طبيعتها حدا بحيث لولاها لما تعاقد المستهلك.
     والمشرع المغربي يأخذ بالنظرية التقليدية في التدليس والتي تعتمد على التدلي الجوهري الذي يدفع المتعاقد للقول بإمكانية الإبطال ,أما التدليس الثانوي الذي يتعلق ببعض شروط العقد فانه لا يخول الإبطال ,بل يقتصر على التعويض ليس إلا ,وذلك تطبيقا لمقتضيات المادة 53 من ق.ل.ع
وعلى رأي الأستاذ إدريس فاخوري فانه يمكن تعميم إمكانية الإبطال للتدليس الجوهري أو الثانوي مسايرة مع الاتجاهات الحديثة في النظرية المعاصرة للتدليس بحيث يكفي للتمسك بهذا العيب إذا كان الشرط المصاحب للعقد تعسفيا ,فهذه النظرية أكثر حماية للمتعاقد المستهلك من الشروط التعسفية.

الفقرة الثالثة : حماية المستهلك من الشروط التعسفية في عقود الادعان

     يعرف الأستاذ السنهوري
[3]عقود الادعان بأنها "تلك العقود التي يكون القبول فيها مجرد ادعان لما يمليه الموجب لا يملك إلا أن يأخذ أو أن يدع ",والمشرع المغربي في ق. ل. ع لو يضمن نصا صريحا يوفر الحماية للطرف المدعن في عقود الادعان ,واقتصر على تنظيم بعض العقود والتي تكون في الغالب عقود ادعان كعقد التامين وعقد العمل لان العقد وسيلة لتبادل المنافع والخدمات ومحكوم بسوق المنافسة يحتكر فيها مقدم السلع والخدمات هذه الأسواق ,الأمر الذي يجبر المستفيد علة قبول شروط العقد ولذلك جاء قانون حرية الأسعار والمنافسة لتنظيم الممارسات المنافية لقواعد المنافسة مثل تلك الاتفاقات المبرمة بين المقاولات قصد منع أو تقييد حرية المنافسة أو ما يعرف باستغلال المقاولة بصفة تعسفية .
     هذا بالاظافة إلى انه يمكن للمستهلك في نطاق القواعد العامة في ق ل ع أن يستند على بعض النصوص القانونية غير تلك الواردة للمطالبة بإبطال العقد كالفصل 112 الذي يقضي ببطلان الالتزام إذا كان وجوده معلقا على محض إرادة الملتزم الفصل 232 الذي ينص على انه لا يجوز بان يشترط مقدما عدم مسؤولية الشخص عن خطئه الجسيم وتدليسه.

 المطلب الثاني : الحماية من الشروط التعسفية في قانون حماية المستهلك 31.08 

    عرف المشرع الشرط التعسفي من خلال المادة 24 حيث اعتبره هو كل شرط لم يكن خاضعا للمفاوضة وتمت كتابته مسبقا من قبل المهني .وقد أعطى هذا القانون حماية مباشرة للمستهلك من الشروط التعسفية وذلك في القسم الثالث من هذا القانون المعنون ب "حماية المستهلكين من الشروط التعسفية ",لينص في المواد 19,18,17,16,15, على مجموعة من المقتضيات تهدف إلى هذه الحماية حيث اعتبرت المادة 18 أن إلغاء أو انتقاص حق المستهلك في الاستفادة من التعويض في حالة إخلال المورد بالتزاماته في ما يتعلق بعقود البيع يعتبر تعسفا وقد نص على العديد من مثل هذه الحالة في نفس المادة .وقد رتب المشرع خلال المادة 19 عن توافر الشروط التعسفية البطلان ,فهذه الشروط إن وجدت تعتبر باطلة وكأنها لم تكن .وحسنا فعل المشرع في هذا الأمر بحيث انه لم ينص على بطلان العقد بل فقط بطلان الشرط التعسفي واستمرار العقد بما في ذلك من مصلحة كبيرة للمستهلك,هذا ولم يفت المشرع في المادة 20 وإدراكا منه لأهمية هذا القسم وأهمية حماية المستهلك أيضا من الشروط التعسفية  على اعتبار أحكام هذا القسم من النظام العام التي لايجوز للإطراف الاتفاق على مخالفتها .

المبحث الثاني :دور القضاء والجمعيات في حماية المستهلك من الشروط التعسفية

     بالإضافة إلى الحماية القانونية التي تم التطرق إليها في المبحث الأول لحماية المستهلك من الشروط التعسفية سنتطرق في هذا المبحث إلى دور الجمعيات والقضاء في حماية المستهلك من الشروط التعسفية والتي تلعب دورا مهما إلى جانب الحماية القانونية .

المطلب الأول :دور القضاء  في حماية المستهلك من الشروط التعسفية

    من المبادئ المسلم بها في القانون المدني أن "العقد شريعة المتعاقدين",غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها العالم أثرت بشكل كبير وفعال على العلاقات التعاقدية لدى أصبح لزاما على القضاء وفي غياب نصوص صريحة تضمن التوازن العقدي التدخل من اجل تغيير مضمون العقد عندما يكون الشرط غامض حيث يستخدم سلطته لتفسير العقد (فقرة أولى) كما يتدخل لتعديل الشروط الجزائية (فقرة ثانية ).

الفقرة الأولى : دور القاضي في تفسير العقد

     من بين أهم الوسائل التي يتمتع بها القاضي هي سلطته في تفسير شروط العقد الغامضة ,لان الشروط التعسفية عادة ما تكون غامضة وغير محددة.وعلى العكس من ذلك وحسب المادة 461 من ق ل ع متى كانت شروط العقد واضحة وصريحة فانه يتعين على القاضي الالتزام بهذه المعاني الظاهرة دون انحراف إلى غيرها من الاحتمالات كتفسير النصوص القانونية .غير انه إذا كانت القاعدة العامة المنصوص عليها في الفصل أعلاه تمنع من تحريف مهني ومدى الشروط الواضحة والمحددة ولو كانت تعسفية,فان هناك حالات استثنائية يمكن الخروج بها عن القاعدة السابقة ويتعلق الأمر بالحالات التي ينشا فيها تناقض بين العبارات الواضحة للعقد والإرادة الحقيقية للمتعاقدين .فقد ورد في إحدى قرارات المجلس الأعلى انه إذا " أبعدت المحكمة شرطا من شروط العقد وجب عليها أن تبين الأسباب والمستندات التي اعتمدتها بتكوين اقتناعها ...
[4]".ومن تم يمكن القول بأنه يجوز للقاضي تفسير الشرط التعسفي الواضح ضد المشترط أو تعديله أو استبعاده حماية للطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية.
 
الفقرة الثانية : دور القاضي في تعديل الشروط الجزائية

    يعرف الشرط الجزائي بأنه ذلك الاتفاق الذي يعين الطرفان بمقتضاه مقدما مبلغ التعويض الذي يستحقه احدهما قبل الأخر عند الإخلال بالالتزام الملقى عليه سواء كان ناتجا عن عدم التنفيذ الكلي أو الجزئي أو التآخي في تنفيذه.
ويعتبر الشرط الجزائي شرطا مشروعا ولا يؤدي إلى اختلال التوازن العقدي مادام مبلغ التعويض المتفق عليه لا يتجاوز الضرر الفعلي الحاصل للدائن.ولكن إذا استغل احد طرفي العقد مركزه وخبرته الفنية أو القانونية لفرض شروط جزائية الهدف منها الحصول على مزايا وتحقيق الأرباح على حساب الطرف الأخر ,فان الوظيفة الأصلية للشرط الجزائي تتحول من وظيفة تعويضية إلى وظيفة تهديدية ووسيلة للاستغلال والإثراء على حساب التوازن العقدي .الأمر الذي يجعلها تعسفية يجوز للقاضي التدخل من اجل تعديلها حسب الأحوال لإعادة التوازن  إلى الالتزامات التعاقدية حماية للمدين وهو الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية ,وتمكين المستهلك من هذه الإمكانية في مراجعة الشرط الجزائي قضائيا وبطلان الشرط المخالف لمقتضيات الفصل 264 من ق ل ع.

المطلب الثاني :دور الجمعيات في حماية المستهلك من الشروط التعسفية

     تقود جمعيات المستهلكين بدور جد فعال في حماية المستهلكين
من الشروط التعسفية وهي تتكون من ممثلين للفئات المختلفة من المستهلكين وبعض الشخصيات المدنية وأساتذة الجامعات ,وتتبع هذه الجمعيات في دفاعها عن المصلحة الجماعية المشتركة عدة أساليب أهمها :
1- التوعية والدعاية المضادة بحيث تقوم جمعيات المستهلك بطبع بعض الدوريات من الصحف أو المجلات وتوزيعها على المستهلكين بهدف إمدادهم البيانات والمعلومات عن خصائص السلع والخدمات وبالتالي تمكنهم من عدم السقوط في الشروط التعسفية.أما الدعاية المضادة فهي قيامها بتوزيع أو نشر انتقادات مكتوبة بالصحف والمجلات أو مسموعة أو مرئية عن طريق التلفاز للمنتجات الموجودة بالسوق المحلي وهي احد مظاهر حرية التعبير عن الرأي.
2- الامتناع عن الشراء وهي التوقف أو الامتناع عن شراء سلعة أو خدمة معينة أو عدم التعامل مع مشروع معين ويعتبر هذا الأمر بلفظ المقاطعة بحيث هناك فرق واضح بين الدعاية المضادة والمقاطعة .
3- الامتناع عن الدفع ويتم ذلك عندما تطلب الجمعية من جمهور المستهلكين أو المنتفعين لخدمة جماعية الامتناع عن دفع ثمن المنتوج أو مقابل الخدمة التي حصلوا عليها من مشروع معين وهو ما يعرف ب "الإحجام عن الدفع"
أخيرا يمكن القول انه لا  الحماية القانونية التي يوفرها المشرع للمستهلك ضد الشروط التعسفية في ظل القواعد العامة ولا الحماية القضائية أو الحماية التي تقوم بها الجمعيات تكون قادرة على حماية المستهلك ,بل تبقى حماية قاصرة وغير كافية لحماية هذا الأخير كطرف ضعيف في العلاقة التعاقدية .وذلك دون تفعيل مقتضيات القانون الجديد رقم 31.08 المتعلق بقانون حماية المستهلك على حسن وجه.
 
 
المراجع المعتمدة.
 
-حمد الله محمد حمد الله"حماية المستهلك في مواجهة  الشروط التعسفية في عقود الاستهلاك –دراسة مقارنة "م  دار الفكر العربي 1997,ص 8
- مامون الكوزبري .النظرية العامة للالتزامات
- عبد الرزاق السنهوري الوسيط في شرح القانون المدني
-قانون الالتزامات والعقود المغربي
-قانون حماية المستهلك
 
 

الهوامش

 حمد الله محمد حمد الله"حماية المستهلك في مواجهة  الشروط التعسفية في عقود الاستهلاك –دراسة مقارنة "م  دار الفكر العربي 1997,ص 8 [1]
[2]   - مامون الكوزبري .النظرية العامة للالتزامات
 
[3]   عبد الرزاق السنهوري الوسيط في شرح القانون المدني
 قرار المجلس الأعلى عدد 201 في الملف المدني عدد 29678 بتاريخ 20/5/77,مجلة قضاء المجلس الأعلى ع 85 ,ماي 1980 ص 120[4]


الجمعة 31 يناير 2014


تعليق جديد
Twitter