Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



جريمة منح امتيازات غير مبررة في مجال الصفقات العمومية "جنحة المحاباة" في القانون الجزائري


     

الدكتور هزيل جلول
أستاذ جامعي
جامعة تلمسان.




 
 
 
 
مقدمـة

في إطار مكافحة جرائم الفساد، نص المشرع الجزائري من خلال القانون 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته على مختلف الجرائم المتعلقة بالفساد، وقد جاء ذلك بالباب الرابع من هذا القانون والمعنون ب" التجريم والعقاب وأساليب التحري".
     ولما كانت الصفقات العمومية تشكل أهم مسار تتحرك فيه الأموال العامة والوسيلة القانونية التي وضعها المشرع في يد الإدارة العمومية من أجل تسيير هذه الأموال فإنها تعد بذلك المجال الخصب للفساد بكل صوره.
    وتبعا لذلك فقد نص قانون مكافحة الفساد على مختلف صور الجرائم المتعلقة بالصفقات العمومية من خلال كل من: المادة 26 فقرتين 1و2 التي جاءت تحت عنوان "الامتيازات غير المبررة في مجال الصفقات العمومية" –المادة 27 التي جاءت تحت عنوان " الرشوة في مجال الصفقات العمومية" إضافة إلى مانصت عليه المادة 35 والمتعلقة بجريمة أخذ فوائد بصفة غير قانونية والتي تعد صورة من صور الجرائم المتعلقة بالصفقات العمومية. وهي نفس المواد والجرائم التي كان يشملها قانون العقوبات من خلال المواد: 123-124-125-128 مكرر 01 والتي ألغيت بموجب المادة 71 من قانون مكافحة الفساد، وهذا مع الأخذ بعين الاعتبار الأحكام المستحدثة بموجب هذا القانون والمتعلقة بتحديد مفهوم الموظف العمومي الذي يأخذ صفة الجاني في أغلب جرائم الفساد، وكذا تحديد أساليب المتابعة والتحري للكشف عن هذه الجرائم على المستوى الوطني وعلى المستوى الدولي.
وسنحاول دراسة احدى أهم هذه الجرائم بالتفصيل ، ويتعلق الأمر بجريمة منح امتيازات غير مبررة في مجال الصفقات العمومية من خلال مبجثين نتطرق في الأول إلى أركان أو عناصر هذه الجريمة لنبين في الثاني سبل قمع هذه الجريمة.
 
المبحث الأول : أركان الجريمة

    نصت على هاته الجريمة المادة 26فقرة01 من القانون 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته التي تنص على:" يعاقب بالحبس من سنتين (2) إلى (10) سنوات وبغرامة من 200000إلى 1000000دج كل موظف عمومي يقوم بإبرام عقد أو يؤشر أو يراجع عقدا أو اتفاقية أو صفقة أو ملحقا مخالفا بذلك الأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل بغرض إعطاء امتيازات غير مبررة للغير" وهي المادة التي حلت محل المادة 128 مكرر فقرة 1 من قانون العقوبات الملغاة بموجب قانون الفساد
[1].
   ويطلق على هذه الجريمة كذلك اسم: جنحة المحاباة délit de favoritisme، وستتناول دراستها وفقا لمطلبين نخصص الأول لأركان  تقوم عليها جريمة منح امتيازات غير مبررة في مجال الصفقات العمومية على 03 أركان هي: -صفة الجاني-الركن المادي-الركن المعنوي، وسنتطرق لكل ركن على حدى من خلال النقاط الآتية:
 
المطلب الأول:  صفة الجاني:

     يفترض أن يكون الجاني في جريمة منح امتيازات غير مبررة في مجال الصفقات العمومية وفقا لنص المادة 26 فترة 01 من قانون الفساد المذكورة أعلاه، موظفا عموميا، وهذه الصفة تمثل الركن المفترض في هذه الجريمة وفي باقي جرائم الفساد التي يقوم بها الموظفون العموميون، لذلك سنوضح تعريف الموظف العمومي وفقا لقانون الفساد في هذه الجريمة مع الإحالة إليه في باقي الجرائم التي سنتطرق لها والتي تكون فيها صفة الجاني موظفا عموميا.
     عرّف قانون مكافحة الفساد من خلال المادة 02 فقرة ب منه الموظف العمومي بـ:
1- كل شخص يشغل منصبا تشريعيا أو تنفيذيا أو إداريا أو قضائيا أو في أحد المجالس الشعبية المحلية المنتخبة، سواء أكان معينا أو منتخبا، دائما أو مؤقتا، مدفوع الأجر أو غير مدفوع الأجر، بصرف النظر عن رتبته أو أقدميته.
2- كل شخص آخر يتولى ولو مؤقتا، وظيفة أو وكالة بأجر أو بدون أجر، ويساهم بهذه الصفة في خدمة هيئة عمومية أو مؤسسة عمومية أو أية مؤسسة أخرى تملك الدولة كل أو بعض رأسمالها، أو أية مؤسسة أخرى تقدم خدمة عمومية.
3- كل شخص آخر معرف بأنه موظف عمومي أو من في حكمه طبقا للتشريع والتنظيم المعمول بهما.
    وهذا التعريف مستمد من المادة 02 فقرة 01 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد المعتمدة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك يوم 31 أكتوبر 2003.والتي صادقت عليها الجزائر بتحفظ بموجب المرسوم الرئاسي رقم 04-128 المؤرخ 19 أفريل 2004 ويختلف تماما عن تعريف الموظف العمومي الذي جاء به الأمر 06-03 المؤرخ في 15 جويلية 2006 المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية، والذي نص على تعريفه في المادة 04 فقرة 01 منه وتنص على: " يعتبر موظفا كل عون عين في وظيفة عمومية دائمة، ورسم في رتبة في السلم الإداري "
     وبهذا التعريف يكون قانون مكافحة الفساد قد حدد مختلف الفئات التي تدخل ضمن مفهوم الموظف العمومي ويمكن تقسيمها إلى 04 فئات، نتناول كل منها بشيء من التفصيل على اعتبار أن صفة الجاني تعد ركنا في جنحة المحاباة، كما أن التكييف القانوني السليم لهذه الجريمة ولغيرها من جرائم الفساد يتوقف بداية على تحديد صفة الجاني إن كان موظفا أم لا في نظر قانون الفساد.

 الفئة الأولى:  كل شخص يشغل منصبا تنفيذيا أو إداريا أو قضائيا:

    تشمل هذه الفئة الأشخاص ذوو المناصب التنفيذية أو الإدارية أو القضائية سواء كانوا معينين أو منتخبين، دائمين أو مؤقتين، يعملون بأجر أو بدونه، وبصرف النظر عن أقدميتهم أو رتبتهم.

1 / الشخص الذي يشغل منصبا تنفيذيا:

   ويقصد به أعضاء السلطة التنفيذية وعلى رأسهم رئيس الجمهورية الذي يكون منتخبا.
 - رئيس الحكومة والذي يعينه رئيس الجمهورية.
 - الوزراء الذين يشكلون أعضاء الطاقم الحكومي، ويعينهم رئيس الجمهورية بناءا على اقتراح من رئيس الحكومة.

2 /  الشخص الذي يشغل منصبا إداريا:

    ويقصد به كل شخص يعمل في إدارة من الإدارات العمومية سواء بصفة دائمة أو مؤقتة بأجر أو بدون أجر وبغض النظر عن رتبته أو أقدميته، وتقسم وفقا لذلك هذه الفئة إلى قسمين:
  - من يشغل منصب إداري بصفة دائمة.
  - من يشغل منصب إداري بصفة مؤقتة.

  أ/ من يشغل منصب إداري بصفة دائمة:

   ويمثل كل شخص يحمل صفة موظف عمومي بمفهوم المادة 04 فقرة 01 من الأمر 06-03 المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية التي تنص على:" يعتبر موظفا كل عون عين في وظيفة عمومية دائمة، ورسم في رتبة في السلم الإداري" وهو التعريف المكرس في القانون الإداري
[2].

  ب/ من يشغل منصبا إداريا بصفة مؤقتة:

   ويقصد به كل شخص يشغل منصب في أدارة أو مؤسسة عمومية من تلك المذكورة آنفا ولا تتوفر فيه صفة الموظف بالمفهوم المذكور في قانون الوظيفة العمومية مثل:الأعوان المتعاقدون أو المؤقتون.

3 / الشخص الذي يشغل منصبا قضائيا:

   ويقصد به القاضي بالمعنى الوارد في القانون العضوي رقم 04-11 المؤرخ في: 06/09/2004 المتضمن القانون الأساسي للقضاء الذي قسم القضاة إلى فئتين:
-فئة القضاة التابعون للقضاء العادي وفئة القضاة التابعون للقضاء الإداري
    كما يضاف إلى من يشغلون منصبا قضائيا كل من: المحلفون المساعدون في محكمة الجنايات ، المساعدون في القسم الاجتماعي وفي قسم الأحداث، باعتبارهم يشاركون في الأحكام التي تصدر عن الجهات القضائية.

  الفئة الثانية:  كل شخص يشغل منصبا تشريعيا أو منتخبا في أحد المجالس الشعبية المحلية:

  -بالنسبة لمن يشغل منصبا تشريعيا، فهم أعضاء المجلس الشعبي الوطني وأعضاء مجلس الأمة سواء كانوا من الثلثين المنتخبين أو من الثلث المعين من قبل رئيس الجمهورية
[3]
  -أما بالنسبة للمنتخبين في المجالس الشعبية المحلية، فهم أعضاء المجالس الشعبية البلدية المنتخبين أو أعضاء المجالس الشعبية الولائية المنتخبين.

الفئة الثالثة:  كل شخص يتولى وظيفة أو وكالة في هيئة أو مؤسسة عمومية أو ذات  رأسمال مختلط أو أية مؤسسة أخرى تقدم خدمة عمومية:

     ويتعلق الأمر بكل من يسند إليه منصب مسؤولية عن طريق الوكالة، كأعضاء مجلس الإدارة في المؤسسات العمومية الاقتصادية. أو عن طريق الوظيفة، مثل الموظفون بمفهوم القانون الأساسي للوظيفة العمومية، ويساهم بهذه الصفة في خدمة إحدى الهيئات أو المؤسسات المذكورة وهي:

1/ الهيئات والمؤسسات العمومية:

   الهيئة العمومية: وهي كل شخص معنوي عام غير الدولة والجماعات المحلية، يتولى تسيير مرفق عام مثل:
-المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري EPA.
-المؤسسات العمومية ذات الطابع الصناعي والتجاري EPIC.
   وتجدر الإشارة إلى ان القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية يعتبر العاملين في المؤسسات العمومية والمعينين بصفة دائمة والمرسمين في رتبة في السلم الإداري موظفين، وعلى هذا الأساس فهم يدخلون في فئة من يشغل وظيفة إدارية
[4]
    كما يدخل ضمن مجموع الهيئات العمومية، السلطات الإدارية المستقلة والمنشأة بموجب قوانين خاصة مثل: مجلس المنافسة، سلطات الضبط للبريد والمواصلات، الكهرباء والغاز...
  المؤسسة العمومية: وتتمثل أساسا في المؤسسات العمومية الاقتصادية والمنظمة بموجب الأمر 01-04 المتعلق بتنظيم المؤسسات العمومية الاقتصادية وتسييرها وخوصصتها والذي عرّف المؤسسات العمومية الاقتصادية بأنها شركات تجارية تحوز فيها الدولة أو أي شخص معنوي آخر خاضع للقانون العام، أغلبية رأس المال الاجتماعي مباشرة أو بصفة غير مباشرة، وهي تخضع للقانون العام، ومن أمثلتها: مؤسسة سوناطراك، مؤسسة سونلغاز....

2/ المؤسسات ذات الرأسمال المختلط:

  ويتعلق الأمر بالمؤسسات العمومية الاقتصادية التي تخضع في إنشائها وتنظيمها وسيرها للأشكال التي تخضع لها شركات المساهمة، والتي فتحت الدولة رأسمالها الاجتماعي أمام الخواص عن طريق بيع بعض الأسهم، أو التنازل عن بعض رأسمالها للخواص ومن أمثلتها: مجمع الرياض –مجمع صيدال- ميتال ستيل للحديد والصلب.....

3/ المؤسسات الأخرى التي تقدم خدمة عموميـــة:

  ويقصد بها المؤسسات التابعة للخواص والتي تحوز على عقد امتياز من أجل تسيير مرفق عام والإشراف عليه، وبالتالي تقديم خدمة عمومية في قطاع من القطاعات العامة في الدولة.
   ومن أمثلة هذه المؤسسات في الجزائر: مؤسسة NET COM لرفع قمامة المنازل،مؤسسة التطهير SIAAL، مؤسسات النقل العمومي...

  الفئة الرابعة: كل شخص يأخذ حكم الموظف:

    هذه الفئة تشمل في مفهوم قانون الفساد، كل شخص آخر معرّف بأنه موظف عمومي أو من في حكمه طبقا للتشريع والتنظيم المعمول بهما، وينطبق ذلك على المستخدمين العسكريين والمدنيين في الدفاع الوطني والضباط العموميون.
     ولتحديد هذه الفئات يجب الرجوع إلى القوانين الخاصة التي تحكم كل فئة من أجل استخلاص مدى توافر خصائص الموظف العمومي.
    فبالنسبة للمستخدمين العسكريين والمدنيين في الدفاع الوطني فهم مستثنون من تطبيق أحكام الأمر 06-03 المتعلق بالقانون العام للوظيفة العمومية بموجب المادة 02 فقرة 03 منه، ويحكمهم الأمر رقم 06-02 المتضمن القانون الأساسي العام للمستخدمين العسكريين.
    أما بالنسبة للضباط العموميون فيقصد بهم كل من:
 - الموثقين و يحكمهم القانون رقم 06-02 المؤرخ في 20-02-2006 المتضمن تنظيم مهنة الموثق.
 - المحضرين القضائيين و يحكمهم القانون رقم 06-03 المؤرخ في 20-02-2006 المتضمن تنظيم مهنة المحضر القضائي.
 - محافظو البيع بالمزايدة ويحكمهم الأمر رقم 96-02 المؤرخ في 10-01-1996 المتضمن تنظيم مهنة محافظ البيع بالمزايدة.
 - المترجمين الرسميين ويحكمهم الأمر رقم 95-13 المؤرخ في 11-03-1995 المتضمن تنظيم مهنة المترجم-الترجمان الرسمي-
    وهؤلاء لايدخلون في مفهوم الموظف العمومي سواء في ذلك الوارد في قانون مكافحة الفساد من خلال المادة 02-ب- الفقرتين 01-02 منه، أو في المادة 04 من قانون الوظيفة العمومية، وهم يتولون وظائفهم بتفويض من قبل السلطة العمومية، ويحصّلون الحقوق والرسوم المختلفة لحساب الخزينة العمومية، الأمر الذي يؤهلهم لكي يدرجوا ضمن فئة من في حكم الموظف العمومي
[5].
     هذه هي مجمل الفئات التي حددتها المادة 02-ب من قانون مكافحة الفساد، والتي يتحدد بموجبها مفهوم الموظف العمومي، ويلاحظ أنه يشمل كل شخص يتمتع بنصيب من الاختصاص في خدمة الدولة أو إحدى المؤسسات أو الهيئات التابعة لها أو يساهم في تسيير مرفق عام يقدم خدمة عمومية.
     ويجب أن تتوافر صفة الموظف العمومي بالمفهوم السابق الذكر في الشخص لكي يمكن نسبة الجريمة إليه، فكل موظف يقوم بإبرام صفقة أو اتفاقية أو عقد أو يؤشر عليه أو يراجعه مخالفا بذلك الأحكام التشريعية أو التنظيمية المعمول بها بغرض منح امتيازات غير مبررة للغير يتعرض للمساءلة الجزائية، وكذا الحال بالنسبة لكل موظف يقوم بفعل من الأفعال المجرمة في باقي الجرائم المتعلقة بالفساد


المطلب الثانى:  الركن المادي

     يتحقق الركن المادي لجريمة منح امتيازات غير مبررة في مجال الصفقات العمومية بقيام الجاني بإبرام عقد أو اتفاقية أو صفقة أو ملحق أو مراجعته أو تأشيره مخالفةً للإجراءات التشريعية والتنظيمية المعمول بها، بغرض منح امتيازات غير مبررة للغير وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم الركن المادي لهذه الجريمة إلى عنصرين أساسيين هما: السلوك الإجرامي-الغرض منه.

  1/ السلوك الإجرامي:

    يتمثل السلوك المجرم في جنحة المحاباة في قيام الجاني وهو الموظف العمومي على حسب ماهو معرف بنص المادة 02-ب من قانون مكافحة الفساد على النحو السابق بيانه، بإبرام أي عقد أو اتفاقية أو صفقة أو ملحق أو مراجعته أو تأشيره مخالفةً للتشريعات والتنظيمات المعمول بها.

 *- العمليات التي ينصب عليها الركن المادي للجريمة:

وهي: العقد-الاتفاقية-الصفقة-الملحق-التأشير على العقد-مراجعة العقد.

  - العقد:

    ويمثل بمفهومه العام كل اتفاق يلتزم بموجبه شخص أو عدة أشخاص نحو شخص آخر أو عدة أشخاص، بمنح أو فعل أو الامتناع عن فعل شيء ما
[6].
   غير أن المقصود من عبارة العقد في المادة 26-01 من قانون مكافحة الفساد، هو تلك العقود التي تبرمها الدولة أو إحدى الهيئات أو المؤسسات التابعة لها مع أشخاص معنوية عامة أو خاصة، أو مع شخص طبيعي بدون استعمال امتيازات السلطة العامة كما هو محدد في القانون الإداري، ويتعلق الأمر بالعقود التجارية التي تبرمها المؤسسات والهيئات الإدارية، مثل: العقد الذي تبرمه الإدارة مع مصلح عجلات السيارة، أو مع الميكانيكي من أجل تصليح السيارات التابعة لها.

  - الاتفاقية:  

   وتأخذ نفس مفهوم العقد، غير أنه عمليا، يطلق مصطلح اتفاقية على العقود التي تبرمها الدولة أوالمؤسسات أو الهيئات الإدارية التابعة لها، مع شخص آخر معنوي أو طبيعي خاص أو عام، والمتعلقة بإنجاز أشغال أو خدمات لصالحها، عندما لايرقى المبلغ المخصص لها إلى مبلغ الصفقة كما هو محدد بالمادة 06 فقرة 01 من المرسوم 236 - 10 وتتم هاته الاتفاقية تقريبا بنفس إجراءات إبرام الصفقة إلا ماتعلق منها بطريقة الإبرام أو المراقبة أو الإشهار الصحفي، كما هو مبين في الفصل الأول من هذا البحث.

  - الصفقة:

     وفقا للمرسوم 23610  المتضمن تنظيم الصفقات العمومية المعدل والمتمم، تعرف الصفقة بأنها تلك العقود التي تبرمها المؤسسات والهيئات العمومية المحددة بالمادة 02 منه والمتعلقة باقتناء خدمات أو إنجاز خدمات الدراسات أو انجاز أشغال أو اقتناء مواد في حدود المبالغ المحددة بموجب المادة 06 فقرة 01 من المرسوم كل  عقد  أو  طلب  يساوي  مبلغه أكثر ثمانية ملايين  دينار  8.000.000دج  أو  يقل  عنه  لخدمات الأشغال  أو  اللوازم  وأكثر من أربعة  ملايين  دينار  4.000.000)  دج) لخدمات  الدراسات  أو  الخدمات 
     أما بالنسبة لمفهوم الصفقة كما هو وارد في قانون مكافحة الفساد فإنه يتسع ليشمل كافة العقود التي يبرمها الموظف العمومي كما هو معرف بالمادة 02-ب من قانون مكافحة الفساد والتي يدخل ضمنها الصفقات بمفهوم المرسوم23610   التي يبرمها موظفو الهيئات المذكورة بالمادة 02 منه كما تضم أيضا العقود التي يبرمها موظفو المؤسسات العمومية الاقتصادية والمستثناة من المرسوم 23610   كما تشمل أيضا العقود التي يبرمها الأشخاص الذين يتولون وظيفة أو وكالة في مؤسسة خاصة تقدم خدمة عمومية.

  - الملحق:  L'AVENANT         

    هو وثيقة تعاقدية تابعة للصفقة يبرم بين نفس أطراف الصفقة الأصلية، ويتم اللجوء إليه في جميع الحالات إذا كان هدفه زيادة الخدمات أو تقليلها أو تعديل بند أو عدة بنود تعاقدية في الصفقة الأصلية، ويمكن أن تغطي الخدمات موضوع الملحق عمليات جديدة تدخل في موضوع الصفقة الإجمالي بشرط أن لا يعدل موضوع الصفقة جوهريا
[7].
   ولا يخضع إجراء إبرام الملحق إلى نفس إجراءات إبرام الصفقة كما هي محددة بالمرسوم 23610  خاصة ماتعلق منها بالرقابة إلا إذا تجاوز مبلغ الملحق النسب المحددة بالمادة 106 من نفس المرسوم وهي: 20% من مبلغ الصفقة الأصلية بالنسبة للصفقات التي تدخل في اختصاصات لجنة الصفقات التابعة للمصلحة المتعاقدة، ونسبة 10% بالنسبة للصفقات التي هي من اختصاصات اللجنة الوطنية للصفقات العمومية.

  - مراجعة العقد أو الصفقة:  

   بالنسبة لمراجعة العقد بمفهومه السابق الذكر فإنه يخضع لإرادة الطرفين، الإدارة والطرف الآخر المتعاقد معها.
   أما بالنسبة لمراجعة الصفقة فإن إمكانية مراجعة أحد بنودها أو السعر المتفق عليه بين المصلحة المتعاقدة والمتعامل المتعاقد، يتم النص عليها في دفتر الشروط من خلال أحد بنوده الذي يبين إمكانية المراجعة من عدمها، كما يبين الأسباب التي قد تؤدي إلى مراجعة بنود الصفقة أو مراجعة السعر أو تحيينه.

  - التأشير على العقد أو الصفقة:

    التأشير يقصد به في قانون مكافحة الفساد، الإمضاء أو المصادقة فبالنسبة للعقود والاتفاقيات التي تبرمها المؤسسات والهيئات المشار إليها آنفا، فإن أمر التأشير عليها يتم بإمضاء مسؤولها على العقد أو الاتفاقية كشرط لاستكمال عنصر الرضاء قبل الشروع في تنفيذ العقد أو الصفقة.
       ويستخلص مما سبق أن مفهوم الصفقة في ظل قانون الفساد أوسع من ذلك المنصوص عليه في المرسوم  23610   المتعلق بتنظيم الصفقات العمومية، وهذا مايعد من أهم مميزات قانون مكافحة الفساد.

 *- مخالفة التشريعات أو التنظيمات المعمول بها في إبرام هاته العقود:

     تتطلب جريمة منح امتيازات غير مبررة، وفقا للمادة 26-01 من قانون الفساد لتحقيق ركنها المادي أن يقوم الجاني بإبرام أو مراجعة أو التأشير على عقد من العقود المشار إليها آنفا مخالفةً للتشريعات والتنظيمات المعمول بها.
    فبالنسبة للصفقات العمومية والتي يحكمها المرسوم 23610  المتضمن تنظيم الصفقات العمومية فقد تضمن هذا الأخير إجراءات إبرام الصفقة وحدد المؤسسات والهيئات العمومية المعنية بهذه الإجراءات من خلال المادة 02 منه، ويشكل الإخلال بها عنصرا مكونا للركن المادي لجنحة المحاباة أما العقود التي تتضمن عمليات خاصة بالصفقات العمومية كما هي محددة بالمرسوم، والتي لاتتجاوز قيمتها المبلغ المحدد لإبرامها على شكل صفقة  فإن الإدارة تبرمها على شكل اتفاقية، ولا يتطلب فيها مراعاة جميع الإجراءات المنصوص عليها في المرسوم يجب أن تؤسس على قواعد المنافسة والشفافية والنزاهة حفاظا على المال العام
ويشكل الإخلال بها عنصرا مكونا للركن المادي لجنحة المحاباة
[8].

  2/  الغرض من السلوك الإجرامي:

     لا يكفي لتحقيق الركن المادي لجريمة  منح امتيازات غير مبررة في مجال الصفقات العمومية قيام الموظف العمومي بإبرام عقد
 أو صفقة أو اتفاقية أو ملحق أو مراجعتها أو التأشير عليها مخالفة للتشريعات والتنظيمات المعمول بها، وإنما يشترط أن يكون الغرض من هذا العمل هو إفادة الغير بامتيازات غير مبررة، كما يشترط أن يكون الغير هو المستفيد من هذه الامتيازات وليس الجاني، والا عدّ الفعل رشوة’ وهي جريمة قائمة بحد ذاتها في مجال الصفقات العمومية سنتطرق لها لاحقا.
   وعليه فلا تقوم الجريمة بمجرد مخالفة الأحكام القانونية واللوائح التنظيمية، والتي تعد من الأخطاء المهنية التي يحاسب عليها الموظف من قبل السلطة المكلفة بالرقابة أو السلطة الوصية، وإنما يشترط زيادة على ذلك أن يكون الهدف من مخالفة هذه النصوص هو تبجيل ومحاباة أحد المتنافسين على غيره، مثل: تعمد زيادة تنقيط العروض التقنية والمالية  بالنسبة لأحد المتنافسين على الصفقة بصفة غير مستحقة.
    وبعنصر الغرض يتضح أن الغاية من تجريم هذا الفعل هو ضمان مبدأ المساواة بين المترشحين للفوز بالصفقة أو العقد، وإراساءا لمبدأ الشفافية في مجال إبرام الصفقات العمومية، وهي المبادئ التي تقوم عليها الصفقات العمومية سواء في المرسوم23610   أو المادة 09 من ق الفساد.
 
المطلب الثالث: الركن المعنوي:

   جنحة المحاباة هي جريمة عمديه تتطلب توافر القصد الجنائي العام المتمثل في العلم والإرادة، كما تتطلب توافر القصد الجنائي الخاص وهو إعطاء امتيازات للغير مع العلم أنها غير مبررة.
   ويمكن التأكد من توافر القصد الجنائي في هذه الجريمة من خلال تكرار العملية والوعي التام للجاني بمخالفة القواعد الإجرائية أو من استحالة عدم العلم بها  بحكم الوظيفة التي يشغلها.
   ومثلما هو الحال بالنسبة للركن المادي، فعلى القاضي إبراز الركن المعنوي للجريمة، وتبيان مدى علاقة الأفعال المرتكبة بالنية الجرمية للمتهم، سواء بالنسبة لقضاة الحكم أو قضاة التحقيق.
 
المبحث الثاني:  قمع الجريمة

     تخضع جريمة منح امتيازات غير مبررة في مجال الصفقات العمومية، كغيرها من الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الفساد لأحكام خاصة جاء بها هذا الأخير في سبيل قمع مختلف جرائم الفساد، وتتعلق هذه الأحكام بإجراءات المتابعة والجزاء.

المطلب الأول: المتابعة:

     كباقي جرائم الفساد، تتم المتابعة بالنسبة لجنحة المحاباة وفقا لما هو منصوص عليه في قانون الإجراءات الجزائية، غير أن قانون مكافحة الفساد نص على أحكام مميزة  بشأن أساليب التحري للكشف عن هذه الجرائم والتعاون الدولي وتجميد الأموال وحجزها وانقضاء الدعوى العمومية.

1/ أساليب التحري الخاصة:

     تنص المادة 56 فقرة 01 من قانون مكافحة الفساد على مايلى:"من أجل تسهيل عملية جمع الأدلة المتعلقة بالجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، يمكن اللجوء إلى التسليم المراقب أو إتباع أساليب تحر خاصة كالترصد الالكتروني والاختراق، على النحو المناسب وبإذن من السلطة القضائية المختصة".
   وعليه فهذا النص يشمل جميع الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الفساد، وتتمثل أساليب التحري من خلاله في: -التسليم المراقب-الترصد الالكتروني-الاختراق.

 * التسليم المراقب:    هو الأسلوب الوحيد الذي عرّفه قانون الفساد، وذلك من خلال المادة 02 فقرة- ك- منه والتي تعرّف أسلوب التسليم المراقب بأنه الإجراء الذي يسمح لشحنات غير مشروعة أو مشبوهة بالخروج من الإقليم الوطني أو المرور عبره أو دخوله بعلم من السلطات المختصة وتحت مراقبتها، بغية التحري عن جرم ما وكشف هوية الأشخاص الضالعين في ارتكابه.

 * الترصد الالكتروني:

    لم يتطرق المشرع الجزائري إلى تعريفه لا من خلال قانون الإجراءات الجزائية ولا من خلال قانون الفساد غير أنه بالرجوع إلى القانون المقارن، نجد المشرع الفرنسي قد أدرجه في قانون الإجراءات الجزائية، ويقتضي هذا الأسلوب اللجوء إلى إستعمال جهاز إرسال يكون سوارا الكترونيا في غالب الأحيان يسمح بترصد حركة المعني بالأمر والأماكن التي يتردد عليها
[9].
 

 * الاختراق:

     لم ينص قانون الفساد على تعريفه، غير أن قانون الإجراءات الجزائية وعلى إثر تعديله من خلال القانون رقم 06-22 بتاريخ 20/12/2006 تطرق إليه كأسلوب من أساليب التحري والتحقيقات تحت تسمية "التسرب" يلجأ إليه في كشف بعض الجرائم منها تلك المتعلقة بالفساد، وعرّفه من خلال المادة 65 مكرر 12 فقرة 01 والتي تنص على "يقصد بالتسرب قيام ضابط أوعون الشرطة القضائية تحت مسؤولية ضابط الشرطة القضائية المكلف بتنسيق العملية مراقبة الأشخاص المشتبه في ارتكابهم جناية أو جنحة بإيهامهم أنه فاعل معهم أو شريك لهم أو خاف".
      غير أن اللجوء إلى أسلوب من أساليب التحري هذه في كشف جرائم الفساد يتوقف على إذن من السلطة القضائية المختصة المتمثلة في وكيل الجمهورية أو قاضي التحقيق.

2/ تجميد الأموال وحجزها:   

    وفقا للمادة 51 فقرة 01 من قانون مكافحة الفساد يمكن للقاضي أوالسلطة المختصة والمتمثلة أساسا في مصالح الشرطة القضائية، الحكم أو الأمر بتجميد وحجز العائدات والأموال غير المشروعة الناتجة عن ارتكاب جريمة أو أكثر منصوص عليها في قانون الفساد، بما فيها جريمة منح امتيازات غير مبررة في مجال الصفقات العمومية.

3/ تقادم الدعوى العمومية:

     يطبق على مسألة تقادم الدعوى العمومية بالنسبة لجنحة المحاباة نص المادة 54 فقرة 01-02 من قانون مكافحة الفساد، وهو كذلك نص عام يطبق على جميع جرائم الفساد. وتقضي الفقرة الأولى من هذه المادة بعدم تقادم الدعوى العمومية في حالة ما إذا تم تحويل عائدات الجريمة إلى خارج الوطن.
  بينما تنص الفقرة الثانية على الإحالة إلى أحكام قانون الإجراءات الجزائية في حالة عدم تحويل عائدات الجريمة إلى الخارج، وعليه وبما أن جريمة منح امتيازات غير مبررة في مجال الصفقات العمومية تأخذ وصف الجنحة، فإنه يطبق على مسألة التقادم في هذه الحالة نص المادة 08 ق إ ج التي تقضي بأن التقادم فى مواد الجنح يكون بمرور 03 سنوات كاملة.
 
المطلب الثاني: الجـزاء:

   نتطرق من خلال عنصر الجزاء إلى العقوبات المقررة للشخص الطبيعي، والشخص المعنوي، ومسألتي الشروع والمشاركة ومسألة الأفعال المبررة، إضافة إلى مسألة الإثبات المتعلقة بجنحة المحاباة.

1/- العقوبات المقررة للشخص الطبيعي:

 * العقوبات الأصلية:

   تنص المادة 26 فقرة 01 من قانون مكافحة الفساد على الجزاء المقرر لمن يرتكب جريمة منح امتيازات غير مبررة في مجال الصفقات العمومية وهو الحبس من سنتين إلى 10 سنوات وبغرامة
مالية تتراوح بين 200.000 دج إلى 1000.000دج.

  أ- تشديد العقوبة:

   تنص المادة 48 من قانون الفساد على تشديد عقوبة الحبس، لتصبح مدتها من 10 سنوات إلى 20 سنة، دون تشديد الغرامة، إذا ارتكب الجريمة أحد الأشخاص  المذكورين في هذه المادة- وهو نص يطبق على جميع جرائم الفساد- وهم:
 * القاضي بمفهومه الواسع (MAJISTRAT)، وبالتالي فهو يشمل جميع قضاة القضاء العادي والإداري، وقضاة مجلس المحاسبة ومجلس المنافسة والمجلس الدستوري.
 * الموظف الذى يمارس وظيفة عليا في الدولة، ويقصد به كل موظف سام يعين بموجب مرسوم رئاسي.
 * الضباط العموميون، وهم المحضرين القضائيين، الموثقين، محافظي البيع بالمزايدة، والمترجمين الرسميين.
 *  أعضاء الهيئة، ويقصد بهم أعضاء هيئة مكافحة الفساد المعرّفة بنص المادة 02 فقرة –م- من قانون الفساد.
 * ضباط وأعون الشرطة القضائية، وهم كل من يجوز على صفة الضبطية القضائية من أعوان أو ضباط حسبما هو وارد في المادتين 15-19 ق إ ج.
 * من يمارس بعض صلاحيات الشرطة القضائية، وهم الأشخاص المذكورة في المادتين 21 و 27 ق إ ج والذين يخول لهم صلاحيات الشرطة القضائية كل في مجال اختصاصه.
 * موظفوا أمانة الضبط، ويتعلق الأمر بأمناء الضبط الرئيسيون، ورؤساء أقسام الضبط، وأمناء الضبط المساعدين العاملين في مختلف الجهات القضائية وكذا العاملين في مصالح أمانة الضبط في المؤسسات العقابية.
 
 
  ب- الإعفاء من العقوبة:

   يستفيد من الأعذار المعفية من العقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات وفقا لنص الفقرة 01 من المادة 49 من قانون مكافحة الفساد، كل من ارتكب أو شارك في جريمة أو أكثر من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، وقام قبل مباشرة اجراءات المتابعة بإبلاغ السلطات القضائية أو الإدارية أو الجهات المعنية عن الجريمة وساعد على معرفة مرتكبيها.

  جـ- التخفيض من العقوبة:

   تخفض العقوبة بالنسبة لجرائم الفساد بما فيها جنحة المحاباة، وفقا للفقرة 02 من المادة 49 من قانون الفساد إلى النصف، لكل شخص إرتكب أو شارك في إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون والذي بعد مباشرة إجراءات المتابعة ساعد في القبض على شخص أو أكثر من الأشخاص الضالعين في ارتكابها.

  د- تقادم العقوبة:

   ينص على تقادم عقوبة الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الفساد بوجه عام بما فيها جنحة المحاباة نص المادة 54 فقرتين 01-02، إذ تقضي بأن لا تتقادم العقوبة في حالة تحويل عائدات الجريمة إلى خارج الوطن.
   أما في غير هذه الحالة فتطبق أحكام قانون الإجراءات الجزائية، وبما أن جريمة منح امتيازات غير مبررة في مجال الصفقات العمومية تشكل جنحة، فينطبق عليها في هذه الحالة نص المادة 614 من ق إ ج التي تنص على أن تقادم العقوبة في مواد الجنح يكون بمضي 05 سنوات، ابتداءا من التاريخ الذي يصبح فيه الحكم نهائيا، غير أنه إذا كانت عقوبة الحبس المحكوم بها تزيد عن 05 سنوات كما هو جائز حصوله في جنحة المحاباة فإن مدة التقادم تكون مساوية لهذه المدة المحكوم بها.

  * مصادرة العائدات والأموال غير المشروعة:

تنص الفقرة 02 من المادة 51 من قانون الفساد على مايلى: " في حالة الإدانة بالجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، تأمر الجهة القضائية بمصادرة العائدات والأموال غير المشروعة، وذلك مع مراعاة حالات استرجاع الأرصدة أو حقوق الغير حسن النية"
    يستنتج من هذا النص أن الحكم بمصادرة العائدات أو الأموال غير المشروعة سواء في جريمة منح امتيازات غير مبررة أو غيرها من جرائم الفساد، إلزامي بالنسبة للقاضي، وعبارة " تأمر " المستعملة في النص تدل على ذلك، هذا بالرغم من أن المصادرة عقوبة تكميلية.

  * إبطال العقود والصفقات والبراءات والامتيازات والتراخيص:

   جاء قانون الفساد بحكم جديد لم يعرفه التشريع  الجزائي الجزائري من قبل، وذلك من خلال المادة 55  منه والتي جاءت تحت عنوان " آثار الفساد " ومفادها مايلى: " كل عقد أو صفقة أو براءة أو امتياز أو ترخيص متحصل عليه من ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون يمكن التصريح ببطلانه وانعدام آثاره من قبل الجهة القضائية التي تنظر في الدعوى مع مراعاة حقوق الغير حسن النية.
    فبالنسبة للجرائم المتعلقة بالصفقات خاصة، وباقي جرائم الفساد عامة، إذا تم إدانة الجاني بإحدى الجرائم المنصوص عليها في قانون الفساد، جاز للقاضي إبطال هاته الصفقات أو العقود أو الامتيازات، وتصبح في حكم العدم، بالرغم من أن إبطال العقود هو من اختصاص جهات القضاء الإداري.
   وعليه فالقاضي ملزم بعد الحكم بالإدانة بجريمة منح امتيازات غير مبررة للغير في مجال الصفقات العمومية، بتبيين الامتيازات الممنوحة وعدم شرعيتها، ليحكم بإبطال هذه العقود والامتيازات في نفس الحكم وفي الشق الجزائي لا المدني.

2/- العقوبات المقررة للشخص المعنوي:

   أحالت المادة 53 من قانون مكافحة الفساد بخصوص مسؤولية الشخص المعنوي عن ارتكاب جريمة من الجرائم المنصوص فيه على أحكام قانون العقوبات.
    ففيما يتعلق بعقوبة الشخص المعنوي تنص المادة 18 مكرر من ق ع على أن تطبق على الشخص المعنوي في مواد الجنايات والجنح غرامة تساوي من مرة (01) إلى خمس (05) مرات الحد الأقصى للغرامة المقررة للشخص الطبيعي، وبالإسقاط على عقوبة جريمة منح امتيازات غير مبررة في مجال الصفقات العمومية، تصبح عقوبة الغرامة فيها بالنسبة للشخص المعنوي تساوي من 1000.000 دج وهو الحد الأقصى للغرامة إلى 5000.000 دج.
   كما نصت نفس المادة على العقوبات التكميلية التي توقع على الشخص المعنوي، فنصت على تطبيق واحدة أو أكثر من العقوبات الآتية:


  • حل الشخص المعنوي.
  • غلق المؤسسة أو فرع من فروعها لمدة لا تتجاوز خمس سنوات.
  • الإقصاء من الصفقات العمومية لمدة لا تتجاوز 05 سنوات.
  • المنع من مزاولة نشاط أو عدة أنشطة مهنية أو اجتماعية بشكل مباشر أو غير مباشر نهائيا أو لمدة لا تتجاوز 05 سنوات.
  • مصادرة الشيء الذي استعمل في ارتكاب الجريمة أو نتج عنها.
  • نشر وتعليق حكم الإدانة.
 
 
الخاتمــــة:

من خلال هذه الدراسة الوجيزة والمتواضعة لموضوع الجرائم المتعلقة بالصفقات العمومية في ظل قنون الفساد، نخلص إلى القول بأن هذه الجرائم لها ميزة خاصة تميزها عن غيرها من الجرائم، إذ لا يكفي فيها معرفة النص القانوني المجرم وأركان كل جريمة للوصول إلى كشف السلوك المجرم وتوجيه الاتهام للجناة، بل أن الأمر يتعداه إلى ضرورة الإلمام بمختلف التقنيات والإجراءات القانونية اللازمة لإبرام وتنفيذ صفقات وعقود المؤسسات والهيئات الإدارية العامة، وهذا بغرض الوصول إلى التكييف القانوني السليم لهذه الجرائم وتحديد المسؤولية الجزائية للجناة، خاصة وأن معظم هذه الجرائم صعبة الإثبات في الواقع العلمي، بالنظر إلى مايقوم به أعوان الإدارة من وسائل احتيالية للتستر على جرائمهم، مستغلين في ذلك نقص إلمام القضاة بمختلف إجراءات إبرام الصفقات، وهذا بالرغم مما أقره قانون الفساد من أساليب للتحري والمتابعة.
وباعتبار تحضير الصفقة أو العقد والقيام بمختلف إجراءاتها، يتطلب تدخل عدة أشخاص وهم في الأصل أعوان الإدارة الذين يعهد إليهم هذا الأمر، فإن إثبات جرائم الصفقات وتحديد المسؤولية الجزائية لكل طرف، يتوقف في نظرنا على ضرورة توافر عدة صفات في كل قاضي يحال إليه ملف متعلق بجريمة من هذه الجرائم سواء أثناء مرحلة التحقيق أو أثناء مرحلة المحاكمة وهي:
 - يجب أن يكون ملما الماما كافيا بمختلف أحكام وإجراءات إبرام وتنفيذ الصفقة أو العقد، خاصة ما تعلق منها بالإجراءات الواجب مراعاتها أثناء مرحلة تحضير وإبرام الصفقة أو العقد، وهذا لكون معظم جرائم الصفقات التي جاء بها قانون الفساد تتم في هذه المرحلة.
 - ضرورة معرفة كل الوثائق التي يتكون منها ملف الصفقة أو العقد المبرم، والتي يجب طلبها في حالة عدم إدراجها في الملف، وأهمها: -دفتر الشروط-محاضر فتح الأظرفة وتقييم العروض-تقرير المصلحة المتعاقدة بشأن عملية اختيار المتعامل المتعاقد، والذي يحتوي على الأساس المعتمد في عملية الاختيار.
-ضرورة الاطلاع الكافي والدقيق على هذه الوثائق، لأن ذلك من شأنه بالإضافة إلى استجواب كل من له علاقة بالصفقة أو العقد، أن يوصل إلى إثبات وقوع الجريمة من عدمها، والأمر هنا يتعلق أساسا بجريمة منح امتيازات غير مبررة للغير، واستغلال نفوذ الأعوان العموميون بغرض الحصول على امتيازات غير مبررة في مجال الصفقات العمومية.
 
 
قائمة المراجع

القوانين
1-الدستور الجزائري لسنة 1996.
2-القانون المدني الجزائري.
3- القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فبراير سنة 2006 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته.
4-  الأمر رقم 66-155 المؤرخ في 08 جوان 1966 المتضمن قانون الإجراءات الجزائية، المعدل والمتمم إلى غاية القانون رقم 06-22 المؤرخ في 20 ديسمبر 2006
5- مرسوم  رئاسيّ  رقم  236 - 10  مؤرّخ  في  28  شوّال  عام  1431  الموافق ل 7  أكتوبر  سنة  2010  يتضمن  تنظيم  الصفقات العمومية، ج ر عدد 58.
6- الأمر 01-04 المتعلق بتنظيم المؤسسات العمومية الاقتصادية وتسييرها وخوصصتها
7- القانون العضوي رقم 04-11 المؤرخ في: 06/09/2004 المتضمن القانون الأساسي للقضاء
8- الأمر 06-03 المتعلق بالقانون العام للوظيفة العمومية
المؤلفات

  1. عبد الله سليمان، دروس في شرح قانون العقوبات الجزائري، القسم الخاص.
  2. محمد صبحي نجم-شرح قانون العقوبات الجزائري- القسم الخاص-الطبعة الثانية 1990-ديوان المطبوعات الجامعية-الجزائر.
  3.  أحسن بوسقيعة-الوجيز في القانون الجزائي الخاص –الجزء الثاني، قدوج حمامة-عملية إبرام الصفقات العمومية في القانون الجزائري-الطبعة الثانية 2006-ديوان المطبوعات الجامعية-بن عكنون-الجزائر.
  1.   أحسن بوسقيعة-الوجيز في القانون الجزائي الخاص –الجزء الثاني،ص 176.
  2.  عزت عبد القادر المحامي-المناقصات والمزايدات في ضوء أحكام القانون 89 لسنة 1998-دار الكتب القانونية-مصر-المحلة الكبرى 2001
 
 
 
 
 

الهوامش

[1] - القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فبراير سنة 2006 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته
[2] - محمد صبحي نجم-شرح قانون العقوبات الجزائري- القسم الخاص-الطبعة الثانية 1990-ديوان المطبوعات الجامعية-الجزائر
[3] -.احسن بوسقيعة-الوجيز في القانون الجزائي الخاص-الجزء الثاني، ص123.
[4] - عبد الله سليمان، دروس في شرح قانون العقوبات الجزائري، القسم الخاص، ص80.
[5] - محمد صبحي نجم-شرح قانون العقوبات الجزائري- القسم الخاص-الطبعة الثانية 1990-ديوان المطبوعات الجامعية-الجزائر، ص97.
[6] - المادة 54 من القانون المدنى الجزائري.
[7] - المادة 103 من المرسوم 236 – 10  
[8] - أحسن بوسقيعة-الوجيز في القانون الجزائي الخاص –الجزء الثاني، قدوج حمامة-عملية إبرام الصفقات العمومية في القانون الجزائري-الطبعة الثانية 2006-ديوان المطبوعات الجامعية-بن عكنون-الجزائر، ص122.
[9] -  أحسن بوسقيعة-الوجيز في القانون الجزائي الخاص –الجزء الثاني،ص 176.
10- عزت عبد القادر المحامي-المناقصات والمزايدات في ضوء أحكام القانون 89 لسنة 1998-دار الكتب القانونية-مصر-المحلة الكبرى 2001،190.
 
 




السبت 23 غشت 2014


تعليق جديد
Twitter