Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



تقرير حول مناقشة أطروحة لنيل درجة الدكتوراه في القانون الخاص حول موضوع "نحو سياسة جنائية ملائمة لمكافحة الفساد بالمغرب"، من اعداد الطالبة الباحثة كوثر بوعسرية


     



نوقشت يوم الخميس 27 فبراير 2020 بكلية الحقوق أكدال بالرباط، أطروحة جامعية لنيل درجة الدكتوراه في القانون الخاص، تقدمت بها الطالبة الباحثة كوثر بوعسرية، تمحورت حول موضوع "نحو سياسة جنائية ملائمة لمكافحة الفساد بالمغرب"،
وقد تشكلت لجنة المناقشة من السيدة والسادة الاساتذة:
-الدكتور احمد التهامي، رئيسا؛
-الدكتورة لطيفة المهداتي، عضوا ومشرفا؛
-الدكتور عبد السلام بنسليمان، عضوا؛
-الدكتور فريد السموني، عضوا؛
-الدكتور حسن الداكي، عضوا.
وبعد العرض والمناقشة، قررت اللجنة العلمية وبعد المداولة، قبول الأطروحة شكلا، وفي الموضوع منح الطالبة درجة الدكتوراه في القانون الخاص بميزة مشرف جدا مع التوصية بالنشر.
وفيما يلي النص الكامل للعرض الذي قدمت به الباحثة أطروحتها.
السيد رئيس اللجنة العلمية المحترم؛
السادة الأساتذة، أعضاء اللجنة المحترمين؛
حضرات السيدات والسادة الأفاضل؛
أتشرف اليوم، بأن أَمْثـُـلَ أمام لجنتكم العلمية المحترمة، التي تضم نخبة من خيرة أساتذتنا في العلوم القانونية، لا أقول، لأدافعَ عن أطروحتي التي أنجزتُها حول موضوع "نحو سياسة جنائية ملائمة لمكافحة الفساد بالمغرب"، بل، لأستنيرَ بملاحظاتكم السديدة، وأسترشدَ بتوصياتكم النيِّرة، للارتقاء بهذا العمل، نحو الغايات الأكاديمية والعملية المنشودة.
سوف أفتتحُ تقديمَ هذه الأطروحة، بمقاسمتِكم هذا التساؤلَ الجوهري، الذي يسلط الضوء على الهدف العام الذي توخاه هذا العمل؛ وهو التساؤل الذي أطرحه على أنظاركم كالآتي: هل هناك حاجة موضوعية، إلى مساءلة قدرة سياستنا الجنائية، على المواجهة الناجعة لجرائم الفساد، واستجلاء مقومات النهوض بها؟
دعوني أؤكد لكم، أن هذا التساؤلَ لم يكن ليُطرح، لولا إخفاقُ السياسة الجنائية المعتمدة، على المستوى الموضوعي والمسطري والقضائي، في إخراج المغرب من خانة الدول التي يستفحل فيها الفساد؛ بعدما ظلت تقاريرُ المؤسسات الوطنية المختصة، ومؤشراتُ المنظمات الدولية المعنية، تؤكد هذا الواقع بمعطيات كمية ونوعية، ومن زوايا متنوعة ومتعددة.
وإذا كان هذا الإخفاقُ لا يُبخِّس الجهود المبذولة، كما لا يُقَوِّض الموقعَ المركزي للسياسة الجنائية داخل المنظومة الشمولية لمكافحة الفساد، فإنه بالمقابل، يؤكد الهدف العام الذي سطرته هذه الأطروحة، بضرورة انصراف البحث الأكاديمي نحو مساءلة وتقييم هذه السياسة، ورصد مستلزمات نجاعتها، وقدرتها على تطويق مختلف صور الفساد وتجلياته المتجددة، واستقراء مدى تفاعلها مع التطور الحاصل عالميا على مستوى مكافحة هذه الآفة.
بعدما تَوضَّح الهدف العام الذي توخته هذه الأطروحة، اسمحوا لي أن أنتقل بكم للتعرف على المقاربة المعتمدة لبلوغ هذا الهدف؛ حيث يمكنني القول بهذا الخصوص، إن مساءلةَ واستكشافَ مستلزماتِ السياسة الجنائية الفعالة في مجال مكافحة الفساد وضع هذه الأطروحة أمام حتمية التجاوب مع خمسة تساؤلات منهجية أستعرضها على حضراتكم كالآتي:
التساؤل الأول: هل استطاعت سياستنا الجنائية في مجال مكافحة الفساد، أن تنعتق من منطق العمل التقني المحض، لتنخرط في منظور العمل الاستراتيجي المؤطَّر بالرؤية الواضحة للدولة، لحجم وتكاليف وامتدادات الفساد؟
التساؤل الثاني: هل بإمكان المقومات الجرمية المعتمدة لأفعال الفساد، أن تسمح بتطويق مختلف تجليات وصور الفساد المتجددة، وبالتالي حماية المصالح المطلوبة؟
التساؤل الثالث: هل كانت الجزاءاتُ المعتمدةُ صادرةً عن رؤية جنائية، تسمح بتحقيق الأثر الردعي والإصلاحي المطلوب للجزاء؟
التساؤل الرابع: هل يشكل إسقاطُ القواعد المسطرية العامة على جرائم الفساد، اختيارا موضوعيا للمكافحة الفعالة لهذه الجرائم، أم أن اللجوء إلى المساطر الخاصة، أضحى مطلبا حتميا، للتحري والتحقيق بفعالية في هذه الجرائم، مع ما يقتضيه ذلك، من إدراجها ضمن الجرائم التي تعترف لها الدولة بالخطورة، لتستفيد من هذه المساطر الخاصة؟
التساؤل الخامس: هل استطاعت سياستنا الجنائية أن تستوعب، إدراكا وتنزيلا، اختياراتِ السياسة الجنائية الحديثة، التي تتجه نحو محاصرة جرائم الفساد، عبر زجر الأفعال والسلوكات التي تؤدي إلى هذه الجرائم، أو التي تُنبِئ عن ارتكابها، في إطار ما يمكن أن يُصطلح عليه بالاحتراز الجنائي من جرائم الفساد؟  
هذه التساؤلات، اجتهدتِ الأطروحة في مقاربتها من خلال قسمين كبيرين:
- القسم الأول، يهم السياسة الجنائية الزجرية لجرائم الفساد، وتناول بالدراسة، القواعد الموضوعية للتجريم والجزاء عن جرائم الفساد، والقواعد المسطرية المتعلقة بالتحري والتحقيق والمتابعة والحكم والنفاذ في هذه الجرائم.
- القسم الثاني، يهم السياسة الجنائية للاحتراز من جرائم الفساد، وانصب العمل فيه، على دراسة الانحرافات التي تؤدي، واقعا أو احتمالا، إلى ارتكاب جرائم الفساد في مرحلة أولى، ثم الانحراف المُنبِئ افتراضا عن استغلال الوظيفة والمنصب، والمعروف بالإثراء غير المشروع في مرحلة ثانية، قبل الانتقال إلى استقراء متطلبات الإطار المؤسسي القادر على مواجهة هذه الانحرافات في مرحلة أخيرة.
بعدما استعرضتُ على حضراتكم الهدفَ من هذه الأطروحة، والتساؤلاتِ المؤطرةَ لهذا الهدف، ومنهجيةَ مقاربتها، أدعوكم لمشاطرتكم هذا التساؤل الحيوي: ما الذي تُقدِّمُه هذه الأطروحة كقيمة مضافة للنهوض بالسياسة الجنائية لمكافحة الفساد؟
غير خاف عليكم، أنني لا أستطيع أن أسَطّر في هذه الورقة، كلَّ ما رصدته هذه الأطروحة من أعطاب، تحدُّ من فعالية السياسة الجنائية لمكافحة الفساد، وكلَّ ما قدمته من توصيات لإصلاح هذه الأعطاب، إلا أنني بالمقابل، أستطيع أن أَلْفِتَ نظرَكم، إلى مجموعة من الاختيارات الأساسية المستنبطة من هذه الأطروحة، للنهوض بهذه السياسة، والتي أطرحها على حضراتكم كالآتي:
الاختيار الأول: إن اعتماد سياستنا الجنائية على العمل التقني المحض، دون الاستناد إلى سياسة مسطرة بمنظور استراتيجي، يستحضر الحجمَ الحقيقي لتكاليف الفساد، وينطلق من تقييم بنَّاء لمختلف الآليات الجنائية ذات الصلة، ويتجاوب موضوعيا مع التجارب الدولية الناجحة، جعل المشرع الوطني، غيرَ ملتفتٍ إلى ضرورة الحسم في التموقع المناسب، الذي تندرج فيه جرائم الفساد من حيث خطورتُها، وجعل سياستَه في هذا المجال بالتالي، مشوبةً بالتذبذب، ومحدوديةِ الفعالية، وعدمِ استيعاب رهانات المنتظم الدولي، الذي بات مقتنعا بالخطورة التي تُهدِّد الاستقرار العالمي نتيجة تفاقمِ الفساد، وتداخلِه مع أنواع أخرى من الجرائم الخطيرة.
الاختيار الثاني: إن عدمَ استحضارِ التموقعِ المناسب لجرائم الفساد، جعل المشرعَ متماطلا في التجريم الجنائي لمجموعة من صور الفساد المنتشر في دواليب الإدارة، أو مُتخلصا منها بإحالتها على التأديب الإداري أو المالي، مما أفقد المقومات الجرمية المعتمدة القدرةَ على استيعابها والإحاطة بها، وجعل الجزاءَ المعتمدَ، غير قادر على تحقيق الأثر الردعي والإصلاحي المطلوب، لعدم صدوره عن تصور موضوعي لخطورة الفساد، تتبلور فيه بشكل فعال، مبادئُ التناسب، والمساواة، والحرمان من العائدات، والتجريد من الحقوق.
الاختيار الثالث: إن تأرجح المشرع الوطني، في اختيار درجة الخطورة التي تمثلها جرائم الفساد، جعله يعتبرُها في أغلب الأحيان، جرائم عادية تسري عليها القواعد المسطرية العامة، واعتبرَها في حالات معدودة، ترقى إلى مستوى الجرائم الخطيرة، التي تستحق إعمال بعض المساطر الخاصة، في البحث والتحري أو في حماية المبلغين عنها، إسوة بالجرائم المصنفة لدى المشرع الوطني بالخطيرة.
الاختيار الرابع: إن انتكاس السياسة الجنائية لمكافحة الفساد، بَدَا بشكل لافت، في عدم مجاراة التوجهات الجنائية الجديدة لمكافحة الفساد، التي انتبهت إلى أهمية تجفيف منابع الفساد، ومحاصرة روافده، من خلال زجر بعض أشكال الانحراف المؤدية، بشكل من الأشكال، إلى قيام هذه الجرائم، أو الكاشفة عن ارتكابها؛ حيث لم يتحلَّ المشرع الوطني بالشجاعة الكافية، لمواكبة التشريعات الدولية الجريئة، التي جرمت عدم التصريح بتضارب المصالح، وعدم إتاحة المعلومات، وعدم القيام بواجب التبليغ عن الفساد، وعدم القيام بواجب الحرص واليقظة، وعدم القدرة على تبرير الزيادة في الثروة.
الاختيار الخامس: إن السياسة الجنائية لمكافحة الفساد، مطالبةٌ بمراجعةٍ شمولية لمكوناتها، من منطلق تهديد الفساد لأمن البلاد واستقراره، بعدما صار مؤكدا، اتساعُ رقعة الفساد بالمغرب، واكتساحُها الحثيث لمختلف البُنَى المؤسساتية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتربوية.
الاختيار السادس: إن ما رصدته هذه الأطروحة من ثغرات ومواطنِ قصور، وما طرحته كبدائل واقتراحات، بالإضافة إلى كونه يسلط الضوء، على مداخل التوفر على سياسة ملائمة لمكافحة الفساد ببلادنا، فهو يجسد الاقتناع، بضرورة إلحاقِ جرائم الفساد بالجرائم الخطيرة، واعتبارها من الجرائم التي يؤطرها مبدأ "حماية المصالح العامة قبل المصالح الخاصة"، وذلك كسقف مرجعي، تتحدد في ضوئه مستلزمات التجريم، والعقاب، وقواعد المحاكمة العادلة.
بعدما تعرفنا بتركيز، على ما تُقدِّمه هذه الأطروحة من اختيارات، لتجاوز مظاهر قصور السياسة الجنائية لمكافحة الفساد، أستسمحكم في أن أتقاسم معكم، مجموعة من المحددات، التي ظلت الأطروحة تعبر عنها، بشكل ضمني وغير معلن، كرهانات وتحديات، لا بد لكل سياسة جنائية في هذا المجال، أن تعمل على رفعها، لتوفير ضمانات نجاحها، وبلوغ أهدافها. وهي المحدداتُ التي أطرحها عليكم كالآتي:
المحدد الأول: إن إرساء أي سياسة جنائية لمكافحة الفساد، يمر بالضرورة عبر تحليل ظاهرة الفساد، ومعرفة أسبابها العميقة، وتتبع انعكاساتها الخطيرة على بنيات مجتمعنا، وتأثيراتها السلبية على القطاعات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإدارية؛
المحدد الثاني: إن النهوض بسياسة جنائية مُسطرة بمنظور استراتيجي لمكافحة الفساد، يظل رهينا بإنجاز وتوفير الأبحاث، والدراسات، والمعلومات الإحصائية حول جرائم الفساد، وبرصدِ الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية؛
المحدد الثالث: إن تثبيت أي سياسة جنائية لمكافحة الفساد، ينبغي أن يتأسس على آليات ناجعة، تسمح بقياس فعالية قوانين مكافحة الفساد، وبضمان التطبيق الفعال لمقتضيات الاتفاقيات ذات الصلة، وبالتصريف الموضوعي للمعايير المتعارف عليها عالميا في مجال مكافحة الفساد، على مستوى التشريعات الوطنية.
تُبرز هذه المحدداتُ وغيرُها، التحدياتِ المطروحةَ على السياسة الجنائية لمكافحة الفساد، والتي ظلت حاضرةً في المعرفة الخلفية لهذه الأطروحة، كمستلزماتٍ لا محيدَ عنها، لتدعيم كل مجهود يُبذل، لإرساء سياسة جنائية فعالة في مجال مكافحة الفساد ببلادنا.
إن ما يمكنني أن أعترف لكم به في ختام هذا العرض، هو أنه إذا كانت نتائج الأطروحة، قد أفضت إلى تأكيد حقيقة ساطعة، مَفادُها أن مجهوداتٍ كبيرةً يتعين أن تُبْذل للنهوض بقدرات السياسة الجنائية لمكافحة الفساد، والتلاؤمِ مع المعايير المتعارف عليها حاليا في هذا المجال، فإنني أتمنى، أن أكونَ قد وُفِّقتُ في المساهمة في وضعِ بعضِ لبناتِ هذه المجهودات، وإِلاَّ، فَحَسْبِي أن أنالَ فضلَ الاجتهاد، وطَمَعِي في إصابة بعض الأجر في جميع الأحوال.





 



الخميس 5 مارس 2020


عناوين أخرى
< >

الجمعة 25 سبتمبر 2020 - 15:46 La négociation collective en temps de Covid-19


تعليق جديد
Twitter