Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



تقرير أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام حول موضوع المبدأ الدستوري للتدبير الحر: دراسة نقدية تحليلية لتجربة مجالس جهات كلميم؛ العيون


     

تقرير أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام حول موضوع : المبدأ الدستوري للتدبير الحر: دراسة نقدية تحليلية لتجربة مجالس جهات كلميم؛ العيون والداخلة
نوقشت يوم 27 أبريل 2019 بكلية العولم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بسطات
إشراف الأستاذة الدكتورة حنان بنقاسم، إنجاز الباحث مصطفى عبدي



تقرير أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام حول موضوع المبدأ الدستوري للتدبير الحر: دراسة نقدية تحليلية لتجربة مجالس جهات كلميم؛ العيون
تقرير الأطروحة


عرف نظام اللامركزية بالمغرب تطوراً عبر توالي الحقب والمراحل الزمنية التي مر بها المغرب، وفي ظل هذا المسلسل التطوري اعتمد التقسيم الجهوي من أجل تلبية حاجيات ومتطلبات كل حقبة على حدة، غير أنه ومنذ اعتماده أول مرة سنة 1971، لم تتسم الجهوية بمرونة التطبيق وشموليته في ظل إدارة مركزية قوية ومهيمنة، فكانت تارة تأخذ طابعاً اقتصادياً، وتارة أخرى توصف بالإدارية، وفي جميع الأنواع وخلال كل المراحل، قيدت القوانين فعالية المجالس الجهوية من خلال منحها اختصاصات هزيلة جداً حصرت دورها في ما هو استشاري فقط، فطُبع مسار الجهوية بالمغرب بضيق هامش حرية التدبير عبر تسخير آلية الوصاية التي طالما كبحت وقيدت حرية تدبير شؤونها.
إن اعتماد الجهوية  كأساس للتنظيم اللامركزي في الفصل الأول من الدستور، صاحبه توسيع مهام واختصاصات الجهات وتخويل مجالسها صلاحية تنفيذ مداولاتها، ليطرح المبدأ الدستوري للتدبير الحر مقترناً بقواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيقه كنتيجة حتمية لتوسيع اختصاصات وصلاحيات الجهات نظراً لما قد يوفره من استقلالية لصالح المجالس الجهوية، وبالتالي جاء هذا المبدأ الدستوري ليشكل محور تلاقٍ لمجموع اختصاصات المجالس الجهوية، وليمكنها من القدرة على التصرف بحرية عند تدبير شؤونها الخاصة ضمن التوجهات العامة للدولة، وفي إطار ما يسمح به القانون، فشكل اعتماده -نظرياً- انعكاساً لإرادة الدولة في أجرأة الجهوية وتعميق أسسها عند فسح المجال أكثر لتطبيقه بحذف آلية الوصاية وتعويضها بالمراقبة الإدارية للحد من الهيمنة المفرطة التي كان يمارسها ممثل الدولة على الجهات في التجارب السابقة.
المبدأ الدستوري للتدبير الحر في المنظومة اللامركزية المغربية كان وليد دستور  2011، ولم تعرف له تطبيقات ولا مؤشرات دالة على وجوده بدليل أن الولاة والعمال كانوا يتولون مهمة الآمر بالصرف، أي أن ممثل وزارة الداخلية كان هو الجهاز التنفيذي لمجالس الجهات، ومن ثم يمكن القول أن هذا المبدأ مأخوذ عن التجربة اللامركزية الفرنسية التي خلق بعد إدراجه فيها نقاشاً فقهياً عميقاً تركز حول ماهيته ومحتواه، فتولد عن هذا النقاش تعدداً في المقاربات والتحاليل، وأنتج اختلافاً في التوجهات والآراء الفقهية التي واكبت الاجتهاد القضائي في المادة الدستورية حتى تراءت بعض العناصر المكونة له، لسياهم هذا النقاش في هدم جزء من جدار الغموض والضبابية التي اعترت مفهومه ومضمونه منذ اعتماده أول مرة في دستور الجمهورية الرابعة بفرنسا، وبعد مرور عقودٍ من الزمن على إقراره في الدستور الفرنسي، اقتنعت عدة أطراف -خاصة الباحثين في القانون الدستوري والإداري في فرنسا- بخلاصة فحواها أن تخويل الجماعات الترابية حرية التدبير بموجب الدستور، لا يعني بأي وجه من الوجوه تخويلها حرية الحكم وإن كانت تتوفر على سلطة تنظيمية محلية، وإنما هو مبدأ دستوري غايته تكريس اللامركزية وتعزيز مكانتها.

دوافع اختيار الموضوع:

نظراً للأهمية الراهنية التي يكتسيها موضوع مبدأ التدبير الحر للجهات في المنظومة اللامركزية ككل، يمكن أن تظهر لنا دواعي اختياره من خلال حداثة وراهنية موضوع الجهوية ومسألة استقلاليتها، بحيث شكلت هذه الحداثة مجالاً مغرياً للبحث والتنقيب في أسسها ومرتكزاتها، فكان هذا دافعاً موضوعياً مباشراً قاد إلى اختيار موضوع مبدأ التدبير الحر للجهات لكونه مبدأً ورد في الدستور كمرتكز لنظام الجهوية، ولأن إقراره أسس لدخول المغرب في مرحلة جديدة من مراحل تطوير وتعميق اللامركزية الإدارية، كما أنه قد يفتح آفاقاً واعدة لنظام الجهوية الذي ظل حبيس توجهات سلطة الوصاية.
جاء مبدأ التدبير الحر في سياق تحولات عميقة شملت منظومة اللامركزية، إلا إنه يبقى مبدأً جديداً لم يسبق أن تمت دسترته، كما لم يعرف له تطبيق منذ اعتماد نظام الجهوية أول مرة بالمغرب، وبالتالي فإن هذا الوضع يدفع إلى الشك في مدى قدرة هذا المبدأ الدستوري على وضع أسس لاستقلالية المجالس الجهوية في ممارسة اختصاصاتها وتكريس تنفيذ مقرراتها، كما يطرح إشكالاً يتجسد فيما قد يخلقه هذا المبدأ من ارتباك عند تطبيقه من قبل المجالس الجهوية، خصوصاً في حال لم تستطع نصوص (ق.ت.ج) استيعاب العناصر الرئيسة التي تساهم فعليا في ممارسته كما ينبغي ووفق ما هو مأمول. أيضاً، من بين الأسباب التي دفعت إلى اختيار الموضوع، هي النزاعات التي يمكن أن تنشأ بسب سوء الفهم الذي قد يعتري مقتضيات (ق.ت.ج) سيما تلك المتعلقة بتطبيق مبدإ التدبير الحر للجهات بسبب حداثة اعتماده، والذي يستتبعه لا محال تنازع فيما بين سلطة المراقبة الإدارية ومجالس الجهات خصوصاً في المسائل التي تستوجب تأشيرة السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، وبالتالي، هذا يطرح مسألة استقلالية المجالس الجهوية وحرية تدبير شؤونها موضع الشك والقلق من فرضية هيمنة السلطة المركزية بالرغم من الدور الجديد الذي أصبح للقضاء الإداري فيما يتعلق بفض المنازعات التي قد تنشأ في إطار العلاقة القائمة بين المجالس الجهوية ومؤسسة الوالي، ويرجع مرد هذا الشك إلى كيفية تطبيق ميثاق للاتمركز الإداري بعد ثلاث سنوات من انطلاق الممارسة الفعلية لتجربة الجهوية بما يتوافق ويعزز التطبيق السلس والسليم لمبدإ التدبير من ناحية، وإلى معطى حضور الإرث التاريخي لنظام الجهوية المثقل منذ نشأته بهيمنة سلطة الوصاية من ناحية أخرى.
أما الدوافع الشخصية لاختيار للموضوع، فتمثلت في الانتماء إلى المنطقة الجنوبية، وعلى أساس هذا الانتماء تولدت الرغبة في محاولة التعمق في البحث لمعرفة مدى ممارسة المجالس الجهوية بالمنطقة الجنوبية لشؤونها الخاصة في ظل النظام الجديد للجهوية، وهل هناك أثر للفعل الخارجي لهذه الممارسة على التنمية بالجهات الجنوبية الثلاث انطلاقاً من دراسة تطبيق عناصر ومؤشرات مبدأ التدبير الحر. إضافة إلى هذا، ونظراً لقلة الدراسات المنجزة حول التجربة الجهوية الجديدة بالجهات موضوع الدراسة، وعلى اعتبار أن المبدأ الدستوري للتدبير الحر ما زال حديث الظهور في المنظومة اللامركزية، جاءت الرغبة الملحة للمساهمة في إثراء المجال الأكاديمي وإغنائه بمواضيع تناقش إشكالية استقلالية المجالس الجهوية وحرية تدبيرها، خصوصاً وأن المجال الاكاديمي بالمغرب لم يعرف غزارة في الانتاجات العلمية حول هذا المبدأ بخلاف الدراسات الجامعية والأكاديمية في فرنسا التي توجهت نحو الاهتمام بمبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية منذ سنة 1984، حيث عرفت مناقشة هذا الموضوع طرح مجموعة من الآراء والأفكار حول مفهوم مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية والمبادئ التي قد يتأسس عليها[1]، كما صدرت العديد من المقالات العلمية التي عالجت هذا الموضوع من خلال مواكبتها لقرارات المجلس الدستوري الفرنسي[2]، والشيء نفسه ينطبق على مستوى أطاريح الدكتوراه التي عالجت موضوع المبدأ الدستوري للتدبير الحر للجماعات الترابية في النظام الإداري الفرنسي وبعض الدول الافريقية التي كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي[3].

الحدود الزمكانية للدراسة

لخوض غمار دراسة هذا الموضوع على المستويين النظري والتطبيقي، تم العمل على تحديد المجال المكاني في دراسة تجربة الممارسة العملية للشؤون الجهوية في المجالس الثلاث بالمنطقة الجنوبية، وذلك حتى تكتسي مخرجات الدراسات أكبر قدر من المصداقية، وحتى تغطي مختلف تدخلات هذه الهيآت على مستوى تدبير التنمية المندمجة والمستدامة التي تعتبر الغاية الأساس للجهوية، غير أن هذا لا يحول دون استحضار تجارب بعض المجالس الجهوية الأخرى على مستويات معينة تهم ممارسة بعض الاختصاصات.
وقع الاختيار بالنسبة للحدود الزمانية على تجربة السنتين الأوليتين من الممارسة الفعلية لاختصاصات مجلسي جهتي العيون الساقية الحمراء، والداخلة وادي الذهب بناء على دراسة الاتفاقيات التي أبرمتها والوثائق الاستراتيجية المنبثقة عنها، وكذا محاضر دوراتها[4]. أما بالنسبة لجهة كلميم واد نون، فقد اعتمدنا على دراسة محاضر دورات المجلس المنعقدة منذ نهاية 2015 وجميع اتفاقيات ومحاضر سنة 2016، في حين لم تشمل الدراسة دورات سنة 2017 لأن تدبير شؤون مجلس جهة كلميم تعرض لشلل تام بسبب التوتر والصراع الكبيرين القائم بين فريقي المعارضة والأغلبية، حيث بدأً الشلل انطلاقاً من دورة مارس 2017 إلى حين لجؤ وزارة الداخلية إلى توقيف المجلس وتمديد توقيفه سنة 2018 وتوكيل تدبير شؤونه إلى ممثل السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية بالجهة[5].

إشكالية الموضوع:

تأسيساً على ما ورد أنفاً، تتمثل الإشكالية المحورية المطروحة لتحليل ومناقشة هذا الموضوع في مدى تمكُّن المجالس الجهوية من سلطة فعلية لممارسة أختصاصاتها في ظل المبدأ الدستوري للتدبير الحر وفي إطار نظام الجهوية الموسوم تاريخياً بثقل حضور سلطة الوصاية؟ وبصياغة أخرى: ما هي الحدود القصوى لاستقلالية مجالس الجهات في تنفيذ اختصاصاتها بالنظر إلى السلطات المخول للمراقبة الإدارية ممارستها بموجب (ق.ت.ج)؟
يرجع اختيار دراسة هذه الإشكالية بالتحديد أساساً إلى محاولة دراسة العلاقة بين الدولة وبين المجالس المنتخبة، والتي كان فيها ممثل الدولة آمراً بالصرف ومنفذاً لمقررات مجالس الجهات في التجارب السابقة. ولأن اللجوء إلى دراسة النصوص القانونية المؤطرة للعلاقة الجديدة بين الطرفين لن تعطي وحدها معالجة شمولية للموضوع، فإن الدراسة الميدانية التي ستنصب على دراسة واقع تطبيق مبدأ التدبير الحر بالمجالس الجهوية الثلاث للمنطقة الجنوبية، ستمكننا من ضبط الموضوع والتحكم بمختلف جوانبه نظرياً وتطبيقياً، وستقدم نظرة أكثر شمولية وقرباً لمدى تقدم نظام الجهوية الحديث النشأة، كما ستحدد بوضوح العلاقة القائمة بين السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية عند ممارستها للمراقبة الإدارية وبين المجالس الجهوية خلال تطبيقها لمبدأ التدبير الحر.

فرضيات البحث:

تأسيساً على أن الموضوع يزاوج بين الدراسة الوثائقية النظرية وبين دراسة ميدانية لتجربة مجالس جهات كلميم؛ العيون والداخلة، فإن الموضوع ينطلق من فرضيتين أثنيتين نوردهما كالتالي:
 
  • الفرضية الأولى تقول بأن ممارسة مبدأ التدبير الحر لا يتوافق وسلطة المراقبة الإدارية التي تمارسها السلطة الحكومية الكلفة بالداخلية على الجهات، ومن ثم فإن المراقبة الإدارية يمكن أن تُضيِّق حدود وهوامش التطبيق الفعلي والسليم للمبدإ الدستوري للتدبير الحر إذا مورست في في إطار مراقبة الملاءمة؛
  • الفرضية الثانية هي أن النخب الجهوية ليست لها القدرة على ممارسة الاختصاصات المخولة للمجالس الجهوية استناداً لما يوفره مبدأ التدبير الحر من استقلالية وحرية في تدبير الشؤون الموكلة لها بمقتضى (ق.ت.ج)، ومن ثم فهذه النخب لا يمكنها رفض إملاءات وتدخلات ممثلي الدولة في شؤونها الخاصة؟
المناهج المعتمدة:

تقتضي المعالجة العلمية للموضوع توظيف مناهج ستساعد على تحليله، ولهذا فإن الاستعانة بالمنهج البنيوي سيكون مناسباً لتحليل بينة المجالس الجهوية ومكوناتها وكيفية تشكلها، وبالتالي سيسعف في دراسة عنصر الاستقلال المؤسسي للمجالس الجهوية باعتباره عنصراً من عناصر بناء المبدأ الدستوري للتدبير الحر. إضافة إلى هذا، سيكون اللجوء إلى اعتماد المنهج الوظيفي الذي سيساعد في دراسة وظيفة المجالس الجهوية بالاستناد إلى الاختصاصات والمهام التي أنيطت بها في الدستور وفي (ق.ت.ج)، ومن ثم فإن استخدام هذا المنهج الوظيفي سيكون لها دور في رصد أثر تجليات الفعل الخارجي لهذه المؤسسات الدستورية على مستوى الواقع، كما سيساعد في فهم واستيعاب دور ووظيفة المبدأ الدستوري للتدبير الحر باعتباره ركيزة للتنظيم الترابي، وكذا إبراز عنصر الاستقلال الوظيفي للمجالس الجهوية كونه من عناصر مبدأ التدبير الحر، وبالتالي سيساهم في إبراز الغاية من اعتماده في المنظومة اللامركزية المغربية.
اعتماد هذين المنهجين، لا يمنع من أن نستعين بين الفينة والأخرى بمناهج أخرى منها المنهج التاريخي الذي سيقود إلى مجموعة من الحقائق والأحداث والمعطيات التي مر بها مسار تطور مختلف مراحل الجهوية في النظامين المغربي والمقارن، وعلى ضوئه -أي المنهج التاريخي- ستعالج الظروف والسياقات التاريخية التي تخدم تحليل الإشكالية وتفكيكها، ومن ثم معرفة مدى حضور وتجليات مبدأ التدبير للجماعات الترابية في النظام المقارن، وكذا مدى حضوره على مستوى مجالس الجهات لتمحيص مدى قدرتها على تدبير شؤونها بحرية خلال حقب زمنية مختلفة ومتباينة، ومنها أيضاً المنهج المقارن لإجراء دراسة مقارنة بين مبدأ التدبير الحر في فرنسا وبين مبدأ التدبير الحر في المغرب على اعتبار أن فرنسا تعد المرجع التشريعي الأكثر اعتماداً عند سن أي تشريع أو نظام بالمغرب خصوصاً على مستوى القانون الإداري، وكذلك على اعتبار أنها خلفت إرثاً أنتج تجربة في مجال اللامركزية وتدبير الوحدات الترابية بمختلف مستوياتها.
خلال الباب الثاني، سنعتمد تقنية تحليل المضمون التي سنعمل من خلالها على إجراء دراسة تحليلية لمضامين مواد (ق.ت.ج) المتعلقة بمبدإ التدبير الحر، وسنستعين بها أيضاً في تحليل مضمون محاضر دورات المجالس الجهوية الثلاثة بالمنطقة الجنوبية لمعرفة إلى أي حد التزمت مجالس الجهات بتنفيذ اختصاصاتها، وكذا الاتفاقيات التي عقدتها في إطار ممارسة مهامها المحدد بموجب (ق.ت.ج)، إضافة إلى برامج التنمية الجهوية، بحيث سنوظفها للوقوف على كيفية تداول المجالس الجهوية وتنفيذ اختصاصاتها بحرية في إطار ما يسمح به القانون، أي رصد وتتبع هامش الاستقلالية التي تتوفر عليها المجالس الجهوية للقيام بالمهام المسندة لها والصلاحيات المخولة لرؤسائها في إطار المبدإ الدستوري للتدبير الحر.
أما فيما يتعلق بالمقاربة التي سنناقش فيها هذا الموضوع، فهي تندرج ضمن مجال القانون الإداري، وذلك لكون موضوع الجهوية يدخل في صلب القانون الإداري واللامركزية الإدارية، ولأن مسألة استقلالية الهيآت الجهوية والجماعات الترابية الأخرى شكلت محور نقاش كبيراً وعميق منذ الانخراط في مسار تدبير مسلسل اللامركزية الإدارية التي سار ويسير المغرب في تطويرها تدريجياً تبعاً لخصوصيات ومتطلبات المراحل التي مر ويمر منها، كما تندرج المقاربة أيضاً في مجال العلوم الإدارية من خلال دراسة الإدارة وكيفية تدبيرها وتلبية احتياجاتها، ويهتم بدراسة فروع الإدارة على مستويات التخطيط والتنظيم والتنسيق والإشراف والمراقبة، وهي احتياجات لا بد من توفرها في تدبير الإدارة الجهوية لأنها تؤطر ممارستها ومختلف تدخلاتها، ولكون (ق.ت.ج) جاء محملاً بحزمة من قواعد التدبير العمومي الجديد وقواعد الحكامة التي ربطها بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر للجهات.


تقسيم الموضوع:


لمعالجة  موضوع البحث، اخترت التطرق للتقعيد المفاهيمي لمبدإ التدبير الحر للجهات في الباب الأول الذي عالجت فيه التأصيل المفاهيمي والتاريخي لمفهوم الجهة والجهوية وتطور مسارها عند الوقوف على المحطات الكبرى التي مرت بها، وكذا تحديد نوع وطبيعةالجهوية التي تبانها المغرب عبر مقارنتها مع تلك المعمول بها في الأنظمة المقارنة في الفصل الأول، وفي الفصل الثاني تناولت مدلول مبدأ التدبير الحر وتطور محتواه وتحديد عناصر الأساسية، وكيفية تحديد الدستور والقوانين له في النظامين المغربي والفرنسي، أما في الباب الثاني فقد خصص لدراسة نقدية تحليلية لكيفية ممارسة المبدأ في تجربة مجالس جهات كلميم؛ العيون والداخة لتحديد الاختلالات التي تواجه تطبيقه، وطرح حلول ومقترحات لتجاوز معيقات ممارسته
.
خلاصات البحث:

تبعاً لدراسة الإطار النظري الذي عالجاناه في الباب الأول من الموضوع، اتضح أن التدبير الحر في القانون المقارن يختلف تبعاً لشكل الدولة إذا ما كانت بسيطة أم مركبة، ففي فرنسا الدولة البسيطة المركزية لم يتبلور مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية إلا بعد أن كشف عنه القضاء الدستوري ورسم حدوده ومعالم مضمونه بعد مرور فترة زمنية على دسترته كمبدأ مساند للامركزية الإدارية، إذ أن المجلس الدستوري الفرنسي لم يقر بمقتضاه للجماعات الترابية بحرية الحكم لأن ذلك يتنافى والمبدأ الدستوري لوحدة الدولة الفرنسية، وإنما أقر لها بحرية التصرف والعمل في نطاق القانون واللوائح الجاري بها العمل.
اعتباراً على أن المغرب دولة بسيطة ومركزية، فإنه اختار بموجب دستور 2011 تدعيم منظومته اللامركزية بمبدأ التدبير الحر واعتباره ركيزة تقوم عليها الجهوية، غير أن نظام اللامركزية في التجربة المغربية لم يسبق أن اعترف للمجالس الجهوية بحرية الفعل على المستويين التقريري والتنفيذي قبل دخول (ق.ت.ج) حيز التنفيذ سنة 2016، فالمجالس الجهوية ظهرت أول مرة في المغرب كمجالس استشارية، وبعدها ارتقت إلى جماعة ترابية في دساتير 1992 و1996 لتقوية الديمقراطية المحلية، ومن ثم أصبحت لها القدرة على التقرير دون تنفيذ المداولات الذي كان حكراً على سلطة الوصاية، وإذا كانت الحمولة التاريخية لمسار الجهوية بالمغرب تتسم بثقل الوصاية نتيجة لظروف فرضتها خصوصيات المراحل التي مرت بها، فإن منحها مبدأ حرية التدبير للجهات يقتضي وجوباً تخلصها من تدخلات الدولة المركزية لأن المرحلة الجديدة التي دشنتها الجهوية تشكل تحدياً كبيراً أمام الدولة من جانب، وتشكل اختباراً وامتحاناً للنخب الجهوية في إثبات جدارتها وكفاءتها لممارسة الديمقراطية المحلية ومشاركة القرار مع المواطنات والمواطنين لتحقيق التنمية المندمجة المستدامة.
تبعاً للدراسة التحليلة النقدية للمبدإ الدستوري للتدبير الحر التي حاولنا من خلالها استخراج أهم مؤشراته ورصد مدى تطبيقها على مستوى الممارسة العملية خلال الولاية التأسيسية الأولى للجهوية التي أقرها دستور 2011 في تجربة مجالس جهات كلميم؛ العيون؛ والداخلة، خلصنا في خاتمة هذه الدراسة إلى الإجابة عن فرضيتي البحث كالتالي:
 
  • دحض الجزء الأول من الفرضية الأولى التي تقول بأن ممارسة مبدأ التدبير الحر لا يتوافق وسلطة المراقبة الإدارية التي تمارسها السلطة الحكومية الكلفة بالداخلية على الجهات، وأساس هذا الدحض هو أن المراقبة الأدارية مرتبطة بمبدأ التدبير الحر باعتبارها آلية قانونية تساهم في ضبط ممارسة الجهات لاختصاصاتها في إطار القانون، فبناء عليها يمكن كبح جنوح وتجاوزات المجالس الجهوية ورؤسائها عند ممارستها لصلاحيات واختصاصات لم يخولها لها القانون من طرف والي الجهة الذي مكنه (ق.ت.ج) من اللجوء إلى القضاء الإداري للطعن في القرارات والمقررات المتخذة خلافاً للقانون، بالمقابل نؤكد الشق الثاني من الفرضية الأولى التي تقول بأن المراقبة الإدارية تُضيِّق حدود وهوامش التطبيق الفعلي والسليم للمبدإ الدستوري للتدبير الحر إذا مارسها الوالي في إطار مراقبة الملاءمة، وقد تأكد هذا الشق بانتهاك مبدأ التدبير الحر عند توقيف مجلس جهة كلميم من طرف وزارة الداخلية المتأسس بناء على تقرير والي جهة كلميم، كما تم التعدي عليه عند إقحام والي جهة الداخلة لاتفاقية تروم بناء مقر للدرك الملكي من أجل التصويت عليه في المجلس التداول الذي من المفروض أن يتداول بشكل ديمقراطي في الاختصاصات المخولة بموجب المادة 4 من (ق.ت.ج)، وليس في اتفاقية تم إملاؤها من طرف ممثلي السلطة المركزية بالجهة.
  • الفرضية الثانية نؤكد فيها أن أعضاء المجالس الجهوية ليست لهم القدرة على ممارسة الاختصاصات والصلاحيات المخولة للمجالس الجهوية تبعاً لما يوفره مبدأ التدبير الحر من استقلالية وحرية في تدبير الشؤون الموكلة لها بمقتضى (ق.ت.ج)، ومن ثم فهذه النخب ليست لها الجرأة على كبح تدخلات ممثلي الدولة في تدبير شؤون المجالس الجهوية، وحجتنا في ذلك تنبني أساساً على هشاشة تكوين المنتخبين الجهويين الذين لا يتوفر أغلبهم على مستويات علمية تؤهلم لاستيعاب أدوار المجالس التي ينتمون لها، وقد لمسنا هذا الضعف الكبير من خلال رصد مستوى تداولهم حول الاتفاقيات والبرامج والتصاميم المسند لمجالس الجهات وضعها وتتبع تنفيذها، وقد توصلنا إلى نتيجة مفادها أن أدوارهم لا تتعدى التصويت بالموافقة على جميع النقط المدرجة بجدول أعمال الدورات، بل أن أكثر من نصف الأعضاء في كل مجلس على حدة لم يسجلوا أي ملاحظة أو مداخلة خلال تجربة سنتيتن من تدبير شؤون المجالس الجهوية لشؤونها، كما أن أغلبهم لا يعرف حتى الاختصاصات الموكول للجهات ممارستها.
الدراسة النقدية التحليلية لتطبيقات المبدأ الدستوري للتدبير الحر بمجالس جهات كلميم؛ العيون؛ والداخلة أوصلتنا إلى تسجيل الملاحظات التالية:
 
  • الملاحظة الأولى: أن المجالس الجهوية موضوع الدراسة لا تضطلع بسلطة تنفيذ المقررات التي تتخذها هيآتها التداولية على اعتبار أن (ق.ت.ج) أوكل مهمة التنفيذ إلى الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع، والحال أن هذه المؤسسات العمومية التابعة لوصاية الجهة المتمثلة في لجنة الإشراف والمراقبة لم تعرف انطلاقة فعلية وحقيقية للقيام بمهمة تنفيذ المشاريع التي اعتمدتها المجالس الجهوية سواء التي تدخل ضمن اختصاصاتها الذاتية أو تلك التي تنفذ بشكل مشترك، وقد أبان تأخر تنفيذ مشاريع عقد البرنامج عن ضعف الوكالة في ممارسة أدوارها وفي تنفيذ وتتبع التنفيذ، وهو ما برر تدخل الدولة على مستوى الإشراف على تنفيذ الطريق الوطنية رقم 1 الرابطة بين تزنيت والداخلة، وعليه لا يمكن الإقرار بأن المجالس الجهوية لها سلطة حقيقية في تنفيذ مقرراتها؛
  • الملاحظة الثانية: إذا كان أعضاء المجالس الجهوية يتوفرون على السلطة الكاملة في ممارسة سلطة التداول الديمقراطي، فإن هذا لا يعني أن لهم القدرة والكفاءة التي تؤهلهم للمبادرة واقتراح مشاريع أو برامج تهم المجالات الترابية التي يمثلونها، ونؤكد هذا الطرح استناداً إلى مداخلات الأعضاء كماً وكيفاً، إذ أنه على المستوى الكمي وجدنا أن الأعضاء النشيطين الذين يدلون بآرائهم وانشغالاتهم ويترافعون حول القضايا الجهوية قلة قليلة جداً في المجالس الجهوية بالمنطقة الجنوبية، وقد لاحظنا أن أعضاء معينين ومحددين هم من يتدخلون بشكل متكرر خلال المداولات وفي جميع الدورات، وهم يتموقعون أساساً في صف المعارضة، فيما أن أغلبية الأعضاء لا يدلون ولا يتدخلون إلا نادراً، بل إن الكثير منهم لم يسبق أن تدخل في إي نقطة من النقاط المبرمجة ضمن جداول أعمال الدورات خلال سنتين من ممارسة الجهات الثلاث موضوع الدراسة لمهامها، أما على مستوى الكيف، فإن جل المداخلات التي أدلى بها الأعضاء لم تكن تندرج كلها ضمن النقد البناء والهادف إلى تجويد تدبير الجهات لشؤونها والتطرق إلى الأولويات التنموية التي ينبغي الإلمام بها، وإنما كان أغلبها من أجل تقزيم مبادرات المقدمة والتنقيص من قدرتها على تحقيق الأهداف المتوخاة من ورائها، وحجتنا في ذلك أن هذه المداخلات المدلى بها في إطار ممارسة التداول الديمقراطي كانت فارغة من اقتراح مشاريع وبرامج كبدائل لما تم انتقاده من طرف أعضاء المعارضة بالخصوص، ويمكن القول بأن الصراع السياسي طغى على أشغال المجالس الجهوية بالمنطقة الجنوبية أكثر من الخطاب التنموي الهادف إلى تحقيق التنمية المندمجة والمستدامة؛
  • الملاحظة الثالثة: جاء في نتائج تشخيص المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن المجالات الجهوية بالمنطقة الجنوبية ما زالت تتسم بانتشار اقتصاد الريع وتوزيع المساعدات الغذائية على الساكنة من دون التوفر على خريطة للفقر تحدد بوضوح شبكة الفئات الفقيرة، وقد أبانت ممارسة هذه المجالس لشؤونها أنها لم تعمل على محاربة اقتصاد الريع، بل أن وثائق ميزانياتها أكدت تكريس منطق الريع بتخصيص مبالغ مالية كبيرة لدعم الفئات الفقيرة والهشة بدلاً من العمل على وضع تحدي تحقيق مهام تثمين الموارد الطبيعية والحفاظ عليها وتقوية التنافسية الاقتصادية ضمن أولوياتها على مستوى البرامج والتصاميم التي من شأنها أن تساهم فعلياً في تحقيق التنمية المندمجة والمستدامة لسكان هذه الجهات؛
  • الملاحظة الرابعة: أن المجالس الجهوية موضوع الدراسة تفتقر إلى الموارد البشرية الكافية والكفؤة لتدبير الشؤون الإدارية، وثبت من خلال تتبع مسار تدبير التوظيف بمجالس جهات المناطق الجنوبية الثلاث أن هذه المجالس تأخرت كثيراً في استقطاب الأطر التي ستساهم في ممارسة المهام والأدوار الريادية التي أصبحت تضطلع بها، وقد رصدنا اختلافاً على مستوى تدبير توظيف الموارد البشرية بالمجالس الجهوية باعتبارها جماعات ترابية، إذ أن مجلس جهة كلميم أعلن عن مباريات التوظيف بالمجلس، لكن لم يتم إجراء المباريات الشفوية إلا بعد مرور أكثر من سنة على الإعلان عن المباريات بمختلف درجاتها، أما مجلس العيون الساقية الحمراء فلم يعلن عن إجراء أي مباريات للتوظيف حتى بعد مرور أكثر من سنتين ونصف على ممارسته لتدبير شؤونه، ومن هذا المنطلق، يمكن القول بأن سرعات المجالس الجهوية تختلف على مستوى فعالية تدبير الموارد البشرية، كما أن التأخر الطويل لخروج النظام الأساسي الخاص بموظفي إدارات الجماعات الترابية يشكل عائقاً في ممارسة حرية توظيف الموارد البشرية العاملة بإدارات المجالس الجهوية ويحد من فعاليتها؛
  • الملاحظة الخامسة: تتبع تطبيقات مبدأ التدبير الحر في تجربة المجالس الجهوية موضوع الدراسة أبانت أنها انتهكت تطبيق قواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر بشكل متكرر خلال ممارستها لمهامها واختصاصاتها بالرغم من أن (ق.ت.ج) أكسبها صفة الإلزامية، وهذا الانتهاك يعكس بوضوح أن هذه المجالس لا تعتمد أسلوب التدبير، وإنما تنهج التسيير الكلاسيكي العادي والروتيني لبعض الشؤون الجهوية دون استحضار البعد التدبيري المبني على التدبير بحسب الأهداف، وهو ما يدل على أن المبادئ التي جاءت في إطار قواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر لا تتلاءم مع منطق مدبري الشؤون الجهوية لكونها تتأسس وتقوم على مبادئ الشفافية والديمقراطية التشاركية والنزاهة التي كانت غائبة في تجربة مجالس جهات كلميم؛ العيون؛ والداخلة؛
  • الملاحظة السادسة: المجالس الجهوية أسست هياكلها المؤسسية بناء على احترام المقتضيات القانونية، غير أن هذا التأسيس كان يفتقر إلى فهم النخب لطبيعة العلاقة بين الأغلبية والمعارضة على مستوى توزيع رئاسة اللجان الدائمة بالمجلس التي تجسد مظهراً لمبدأ التدبير الحر في شقه التداولي، بحيث أن في المجالس موضوع الدراسة اتضح هيمنة الأغلبية على اللجان تبعاً لأهميتها، وحتى وإن ضمن (ق.ت.ج) للمعارضة حق رئاسة لجنة دائمة، فإن طبيعة العلاقة بين الأغلبية والمعارضة أدت إلى تأسيس لجان عديدة شرط ألا يتجاوز عددها 7 لجان تبعاً لاختصاصات المجالس الجهوية، ومن ثم إسناد رئاسة اللجان الأقل فعالية وأقل أهمية لأعضاء المعارضة، وهو ما دفع أعضاء المعارضة إلى العزوف عن الانتماء للجان الدائمة بجهة الداخلة وادي الذهب، بل إن الصراع على رئاسة لجنة المالية والميزانية بجهة كلميم واد نون أدى إلى تجميد تدبير اختصاصاته وممارسة صلاحياته بعد أصبحت المعارضة تضم أكثر من نصف أعضاء المجلس، وبالتالي أدى الصراع بين الخصوم السياسيين إلى تعطيل ممارسة التدبير الحر وكبح التنمية المندمجة والمستدامة، ومن هنا يتأكد أن ضمان الاستقلال المؤسساتي للمجالس الجهوية التي أصبحت تنتخب بطريقة مباشرة بموجب (ق.ت.ج) غير كافٍ لوحده، وإنما يجب أن يقترن بوعي النخب السياسية الموكول لها ضمان استمرارية السير العادي والفعال للجان المجالس الجهوية والسهر على تدبير شؤونها وفق منطق التوافق لترجمة اداركها لغاية التدبير الحر وجوهر الجهوية التي تشكل منعطفاً هاماً في مسلسل دعم اللامركزية وتكريس دورها في تحقيق التنمية المندمجة والمستدامة من خلال تنسيقها وتتبعها؛
  • الملاحظة السابعة: رغم أن (ق.ت.ج) خول مجموعة من الاختصاصات لتحقيق مهام النهوض بالتنمية المندمجة والمستدامة، إلا أن تطبيق الاختصاصات وحرية ممارستها ارتطم بتقييد مبدأ التدبير الحر من طرف الدولة، بحيث أن هذه الأخيرة عمدت إلى فرض مشاريع ضخمة تفوق كفاءة وقدرة المجالس الجهوية على مستوى الاختصاصات المشتركة، وذلك على اعتبار أن تجربة الجهوية ما زالت في مرحلة الجنينية/ التأسيسية، وما زالت تحتاج إلى وقت لاستيعاب الوضعية الجديدة التي أضحت تضطلع بها الجهات، والسماح لها بتأسيس أجهزتها التنفيذية للوقوف على ممارسة اختصاصاتها الأصلية كبداية، ومن ثم مباشرة تنفيذ وتتبع تنفيذ إنجاز المشاريع المندرجة ضمن الاختصاصات المشتركة التي ستنجزها هذه المجالس الجهوية بالمنطقة الجنوبية في إطار عقد برنامج تنمية الأقاليم الجنوبية، وبالتالي فإن هذا يبين لنا أن الدولة لم تترجم رغبتها الحقيقية في تفعيل مبدأ التفريع على المستوى العملي حتى وإن كانت قد أبدت تبنيها له بمقتضى النص الدستوري، كما يحسب عليها عدم مراعاتها لمبدأي التمايز والتدرج في ممارسة الاختصاصات المشتركة بين الدولة والمجالس الجهوية. ومن جانب أخر، سجلنا ضعفاً كبيراً على مستوى فهم واستيعاب المستشارين الجهويين بالمجالس -موضوع الدراسة- للمهام المراد من الجهة تحقيقها، كما لاحظنا عدم إدراكهم لمقتضيات (ق.ت.ج) الذي يحكم تنظيم وسير وممارسة الجهات لشؤونها والاضطلاع بمهامها التنموية، وقد تأكد لنا هذا المعطى مراراً عند تصويت أغلبية الأعضاء على اتفاقيات لا تدخل إطلاقاً ضمن اختصاصات المجالس الجهوية، ولم ينص عليها (ق.ت.ج) في أيٍ من مواده. وعليه، يمكن ربط تدخل الدولة بشكل عمودي في ممارسة الشؤون الجهوية بضعف قدرة النخب الجهوية على قيادة وتدبير المرحلة التأسيسية للجهوية التي أقرها دستور 2011، وهذا التدخل يؤكد بأن الدولة ما زالت متشبثة بتدبير الشؤون المحلية والجهوية للجماعات الترابية، وما زالت مرتبطة بأدوارها التنفيذية التي كانت مقررة لها خلال المرحلة الجهوية السابقة، وهذا في جميع الأحوال يؤثر على الاستقلال الوظيفي المفترض أن تتمتع به المجالس الجهوية، كما يضر بالتطبيق السليم للمبدأ الدستوري للتدبير الحر؛
  • الملاحظة الثامنة: رصدنا مداخيل ذاتية ضئيلة وهزيلة جداً بالمقارنة مع المؤهلات الطبيعية والأنشطة الاقتصادية التي تزخر بها المجالات الترابية للمجالس الجهوية بالمنطقة الجنوبية، بحيث أن العائدات الجبائية لا ترقى إلى تلبية تطلعات وطموحات مشروع الجهوية، ولا تستجيب لتحديات المرحلة على اعتبار أن إصلاح الإطار القانوني والمؤسساتي لتنظيم المجالس الجهوية لم يصاحبه إصلاح النظام الجبائي المحلي الذي أبقى على الرسوم الجبائية نفسها التي كانت معتمدة خلال مرحلة الجهوية السابقة، الشيء الذي يعكس تخلفاً في استكمال الترسانة القانونية لتفعيل الجهوية واختلافاً في سرعة تطبيقها على المستوى العملي، وبالتالي سيؤدي هذا الوضع إلى التقليص من مساحة الاستقلال المالي للجهات المفترض توفره لقيام مبدأ التدبير بكامل عناصره، ومن ثم لا يبقى للجهات من الموارد المالية لتغطية تكاليف ممارسة مهامها إلا جزء من الضرائب المحولة من الدولة، والإمدادات الممنوحة من هذه الأخيرة إلى المجالس الجهوية، ومع ذلك تبقى الموارد المالية التي تتوصل بها المجالس الجهوية بالمنطقة الجنوبية غير كافية لتمويل ممارسة الاختصاصات الذاتية والمشتركة على اعتبار أن ممارسة هذه الأخيرة استنزفت مبالغ مالية ضخمة من ميزانية الجهات لتمويل مشاريع عقد البرنامج، وهو ما دفعها إلى الاقتراض من صندوق التجهيز الجماعي بإيعاز من ممثلي السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، وتكبد ميزانياتها مصاريف أخرى تمثلت في دفع فوائد القروض كل سنة.
بناء على الدراسة التحليلية النقدية لمبدإ التدبير الحر للجهات الجنوبية الثلاث، خلصنا إلى استنتاج مفاده أنه إذا كان الفقه الفرنسي يرى بناء على مراكمة التجربة الفرنسية الطويلة في ممارسة المبدأ الدستوري للتدبير الحر أن العناصر الأساسية لقيامه تتطلب بالضرورة وجود استقلال مؤسساتي؛ استقلال وظيفي؛ واستقلال مالي، فإننا بالمقابل نرى إلى جانب وجود العناصر الثلاث التي حددها الفقه الفرنسي، أنه يجب توفر عنصر رابع يتجسد في كفاءة النخب الجهوية، فالتدبير لا يحتاج فقط إلى نصوص قانونية لتبيان كيفية ممارسته وتحديد ضوابطه، بل لا بد ومن الضروري وجود نخب جهوية لها القدرة والكفاءة التدبيرية الفعلية (وليست السياسية فقط) في إدارة وتدبير الشؤون والقضايا الجهوية، وكذا ضرورة توفرها على الجرأة إلكافية التي تمكنها من اللجوء إلى الضمانات القانونية التي تحمي حرية ممارستها لاختصاصات وصلاحياتها من تجاوزات ممثلي الولاة، وفي حالة تخلف هذا العنصر، فإن التدبير الحر وعناصره الأخرى لن يتحقق، وسيترك التدبير الفعلي للشؤون الجهوية بيد والي الجهة، وبالتالي ستكون مجالس الجهات مجرد صناديق احتياطية للقطاعات الوزارية تلجأ إليها كلما واجهتها إشكالية التمويل المالي للمشاريع الكبرى التي ستنجز على ترابها المجالس الجهوية.
ختاماً، وفي إطار الإجابة عن الإشكالية التي تأسس عليها الموضوع، وبعد طرح مجموعة من الملاحظات والإجابة عن فرضيتي البحث، يمكن القول على المبدأ الدستوري للتدبير الحر المخول لمجالس الجهات ممارسته في إطار  (ق.ت.ج) لا يمكن أن يتحقق بوجود الوصاية التي تمارسها السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، فبالرغم من التنصيص في بنود (ق.ت.ج) على أن الولاة يمارسون المراقبة الإدارية، إلا أن الممارسة العملية لتجربة مجالس جهات كلميم، العيون والداخلة أبانت أنها وصاية من حيث ممارستها على مستوى مراقبة المشروعية ومراقبة الملاءمة، وقد لمسنا حضورها في العديد من الاتفاقيات التي أرسلت جاهزة من السلطة المركزية ومن طرف ممثليها بالجهات على المجالس الجهوية من أجل المصادقة عليها، ومن خلال عقود برامج التي تمت صياغتها بشكل عمودي من طرف السلطات المركزية ووقع عليها رؤساء الجهات قبل عرضها على الهيئات التداولية بالمجالس الجهوية التي يترأسونها، وكذلك من خلال توقيف مجلس جهة كلميم من طرف وزارة الداخلية بناء على مذكرة والي الجهة في ظل غياب نص واضح وصريح يجيز حالة التوقيف ويبين كيفية تطبيقه في (ق.ت.ج).
يمكن الإقرار صراحة بأن المركزية مازالت متجدرة في الفكر الأداري للدولة المغربية بالرغم من دخول نظام الجهوية مرحلة جديدة أسس لها دستور 2011، وأن التنصيص وإقرار مبادئ لا مركزية متطورة كمبدأ التدبير الحر والسلطة التنظيمية المحلية والتفريع،، لا يعدو أن يكون إعلاناً عن النوايا فقط، فالوصاية رغم هذا تبقى هي المتحكمة في العلاقة بين الدولة ومجالس الجهات، الشيء الذي يضيق من استقلالية المجالس الجهوية في التصرف ويجعله هزيلاً جداً ومحاصراً بالسلطات الواسعة المخولة للمثلي الدولة في الجهات بموجب (ق.ت.ج)، والتي تعززت وتقوت أكثر بعد دخول ميثاق اللاتمركز الإداري إلى حيز التنفيذ، ومن ثم ما زالت الحاجة ماسة إلى إرادة سياسية حقيقية تروم إلى توسيع هامش استقلالية مجالس الجهات ومنحها حرية أكبر لتدبير شؤونها الخاصة، وهذا لن يتحقق إلا بالتقليص الفعلي من سلط وصلاحيات ممثلي وزارة الداخلة في الجهات، وحصرها في مراقبة المشروعية فقط دون أن تمتد لتشمل مراقبة الملاءمة، وذلك بتفعيل المراقبة البعدية لأعمال وتصرفات مجالس الجهات وحذف المراقبة القبلية المتمثلة في التأشيرة المسبقة على مقررات المجالس المجهوية، وحتى لا يتم الانزياح عن المصلحة العامة في تدبير الشؤون الجهوية، يجب أن تقترن المراقبة البعدية بالتفعيل الصارم لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة –تأسيساً على المسؤولية التي يتمتع بها رؤساء الجهات ويتحملون تبعاتها- على اعتبار أنه مبدأ دستوري يشكل ضمانة فعلية وحقيقة لضبط تصرفات رؤساء وأعضاء المجالس الجهوية للتطابق مع المصلحة العامة.
 
[1]- La libre administration des collectivités locales réflexion sur la décentralisation, sous la direction de Jacques MOREAU – Guilles DARCY, Economica, 1984.
[2]- Bertrand Faure, Règlements locaux et règlements nationaux, Nouveaux Cahiers du Conseil constitutionnel, 2014/1, (n°42). ; Gérard Marcou, Les collectivités locales dans les constitutions des États unitaires en Europe, Les Nouveaux Cahiers du Conseil constitutionnel 2014/1 (N° 42).; Guillaume Drago et al, Observatoire de jurisprudence constitutionnelle, Chronique N9, Janvier – Mars 2012, Les Nouveaux Cahiers du Conseil constitutionnel, 2012/3, (N° 36).
[3]- Ousmane Traoré, La libre administration des collectivités territoriales dans les pays africains : le cas du Mali, Thèse Pour obtenir le grade de Docteur en Droit public à Bordeaux 1, france, Soutenue en 1986.; Constantinos Bacoyannis, Le principe constitutionnel de libre administration des collectivités territoriales, Thèse Pour obtenir le grade de Docteur en Droit public à Aix-Marseille 3, france, Soutenue en 1989.; Cossoba NANAKO, la libre administration des collectivités territoriales au bénin et au niger, Thèse de doctorat en Droit Public. Université d’Abomey-Calavi (Bénin), 2016.
[4]- محاضر دورة أكتوبر سنة 2015 للجهات الثلاث؛ محاضر دورات جهة العيون الساقية الحمراء المنعقدة في مارس، يوليوز، أكتوبر برسم سنتي 2016 و2017؛ محاضر دورات جهة االداخلة وادي الذهب المنعقدة في مارس؛ يوليوز؛ أكتوبر برسم سنتي 2016 و2017؛ محاضر دورات جهة كلميم واد نون المنعقدة في مارس؛ يوليوز؛ أكتوبر سنة 2016.
[5]- قرار وزير الداخلية رقم 1528.18 الصادر بتاريخ 16 ماي 2018 القاضي بتوقيف مجلس جهة كلميم لمدة 6 أشهر وتعيين لجنة خاصة، صادر في الجريدة الرسمية عدد 6675 بتاريخ 21 ماي 2018، ص، 2914؛ قرار وزير الداخلية رقم 3524.18 مؤرخ في 16 نونبر 2018، صادر في الجريدة الرسمية عدد 6727 بتاريخ 19 نوفمبر 2018، ص، 9202.

الاحد 26 ماي 2019


تعليق جديد
Twitter