Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية

   


تقديم مقال أمام المجلس الدستوري يلتمس القول بعدم دستورية المادة 139 من قانون المسطرة الجنائية


     



مقال يرمي إلى إحالة قانون قصد البت في مطابقته للدستور.

تقديم مقال أمام المجلس الدستوري يلتمس القول بعدم دستورية المادة 139 من قانون المسطرة الجنائية

القانون المطعون فيه:

صادق مجلس النواب على مقترح قانون يقضي بتغيير المادة 139 من القانون رقم 129.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، وذلك بتاريخ 12 فبراير 2013 الذي أحيل على مجلس المستشارين، الذي صادق بدوره على نفس القانون بدون تعديل بتاريخ 09 يوليوز 2013، ونصت هذه المادة على ما يلي:

“لا يجوز سماع ……. مؤازرة الدفاع.

يستدعي المحامي قبل كل استنطاق بعشرة أيام على الأقل إما برسالة مضمونة أو بإشعار يسلم إليه مقابل وصل ما لم يكن قد تم إشعاره في جلسة سابقة للتحقيق وأثبت ذلك في المحضر.

يجب أن يوضع ملف القضية رهن إشارة محامي المتهم ومحامي الطرف المدان، قبل كل استنطاق.

يمكن للنيابة العامة ……. ملائما من ملتمسات.

يمكن لكل من محامي المتهم ومحامي الطرف المدني الحصول على نفقتهما على نسخة من محضر الشرطة القضائية وباقي وثائق الملف. غير أنه يمكن لقاضي التحقيق تلقائيا أو بناء على ملتمسات النيابة العامة، أن يأمر بعدم تسليم نسخة من المحضر أو باقي وثائق الملف كليا أو جزئيا إذا اقتضت مصلحة التحقيق ذلك، متى تعلق الأمر بالجرائم المنصوص عليها في المادة 108 من هذا القانون أو بجرائم الرشوة أو استغلال النفوذ أو الاختلاس أو التبديد أو الغدر أو غسل الأموال.

يقبل أمر قاضي التحقيق الصادر بالقبول أو الرفض الاستئناف خلال اليوم الموالي لصدوره طبقا للمقتضيات المتعلقة باستئناف أوامر قاضي التحقيق. ويستمر أمر المنع الصادر عن قاضي التحقيق إذا تعلق الأمر بطعن بالاستئناف في أحد قراراته أمام الغرفة الجنحية، حيث يتعين على رئيسها المحافظة على سرية الملف والوثائق المدرجة به طيلة مراحل المسطرة.

تبت الغرفة الجنحية بقرار غير قابل لأي طعن داخل أجل خمسة أيام من تاريخ تقديم الطعن.

وفي جميع الأحوال، ينتهي مفعول الأمر بعدم تسليم الوثائق المذكورة قبل 10 أيام من تاريخ الاستنطاق التفصيلي الذي يستدعي له المحامي وفق الإجراءات المبنية في الفقرة الثانية أعلاه.

بالإضافة إلى وجوب الحفاظ على سرية التحقيق، يمنع على المحامي تسليم نسخة من المحضر أو الوثائق التي يحصل عليها عملا بمقتضيات هذه المادة لأي كان. ويعاقب على خرق هذا المقتضى بالعقوبات المقررة في الفصل 446 من مجموعة القانون الجنائي.

إذا نص محضر الاستنطاق أو المواجهة أو الاستماع على حضور المحامي وعدم دفعه بأي إخلال يتعلق بالاستدعاء أو بالاطلاع على ملف القضية، أو بتسليم نسخ من وثائقه، فإنه لا يجوز للمحامي أو للطرف الذي يمثله أن يثير هذا الدفع فيما بعد.
 

أسبــاب الطعــن:

إن الموقعين أسفله بصفتهم أعضاء بمجلس النواب يتقدمون بهذا الطعن استنادا على المواد 130، 132 و176 من الدستور يتقدمون بهذا الطعن في هذا القانون لما يتضمن هذا النص من مقتضيات مخالفة للدستور وخاصة الفصل 110، 117، 118 و120 وذلك كما يلي:

أولا: خرق مقتضيات الفصل 110 من الدستور:

 

“لا يلزم قضاة الأحكام إلا بتطبيق القانون. ولا تصدر أحكام القضاء إلا على أساس التطبيق العادل للقانون”.

“يجب على قضاة النيابة العامة تطبيق القانون. كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها.”

وحيث إن القانون المطعون فيه ينص في فحواه على عدة حالات مخالفة للعدالة المنصوص عليها في الفصل الدستوري، إذ من العدالة أن يكون هناك نوع من التوازن بين طرفي الدعوى في الوسائل والإمكانيات، وأنه من الضروري التأكيد على أن الاتجاه الحديث اليوم إنما يأخذ قواعد المسطرة الجنائية نحو ما أصبح يصطلح عليه بمبدإ “التوازن l’équilibre“، بين تيار البراءة وتيار الإدانة، بين الاتهام و الدفاع، بين حقوق المجتمع وحقوق المقدم إلى العدالة، وبصفة عامة بين النظام التفتيشي والنظام الاتهامي. وكذلك تخليص قضاء التحقيق من هيمنة سلطة المتابعة (النيابة العامة) بجعل مسطرة الاتهام مرحلة متقدمة في التحقيق يتم الخلوص لها بعد استثمار تقنيات البحث وتقدير الأدلة. وهذا التوازن هو الذي ينشئ الحكم القضائي المبني على كفتي ميزان العدالة، وهذا مبدأ من مبادئ المحاكمة العادلة: ” principe de l’égalité des armes” غير أنه يلاحظ أن النيابة العامة، بكل ما تملكه من وسائل جاء هذا القانون ليضيف لها وسائل أخرى تضعف من مكانة الموضوع رهن الاتهام والمتابعة، إن الاطلاع لا يمكن اختزاله في قراءة سطحية للملف ووثائقه بمكتب قاضي التحقيق أو مكتب كاتب الضبط، ولكن الحصول على نسخة كاملة منه قصد الاطلاع عليها ويكمن ذلك فيما يلي:

1)  إن النيابة العامة تحيل على قاضي التحقيق الشخص المعني بالأمر الذي يوجه له الاتهام  ويأمر باعتقاله في جل الأحيان، غير أن هذا الشخص لا يملك من السلطة والقدرة ما يمكنه من مواجهة النيابة العامة، لعدم السماح له بالاطلاع على الوثائق والحصول على نسخة كاملة من الملف والمحاضر والوسائل التي تم الاعتماد عليها لاعتقاله، الشيء الذي يسيء إلى حسن سير العدالة ويضرب في العمق مبدأ ضمان تعامل عادل بين الأطراف، بحيث يصبح المتهم مغل اليد في مراقبة مدى ملاءمة مكونات الملف للأمر الذي اتخذ في حقه. لذلك، لابد من اعتبار المتهم والضحية في قلب معادلة العدالة الجنائية، وبمزيد من إشراكهما وتفعيل دورهما، تأخذ الدعوى مسارها الطبيعي والمنطقي نحو الحل القضائي.

2)  إن النيابة العامة التي هي الطرف الذي يجب أن يكون متوازيا مع المواطن الموضوع رهن الاتهام، لا يمكن لها أن تطلب من قاضي التحقيق منع المعني بالأمر من الإطلاع على وثائق ملفه وحصوله على نسخة كاملة منها، لأن في السماح بذلك إخلال بالتوازن وبالعدالة التي ينص عليهما الفصل الدستوري سند الطعن، بل إن النيابة العامة عندما تتخذ قرارا في مواجهة مواطن، يصبح من حق هذا الأخير أن يطلع ويلم بموضوع قرار النيابة العامة. أما وأن تملك النيابة العامة حق اتخاذ القرار والعلم بمكونات الملف، إضافة إلى حقها في التدخل لمنع الشخص من الاطلاع على ملفه وفقا لما جاء في النص القانوني المطعون فيه، فإن ذلك يشكل إخلالا ومساسا بمبدأ العدالة التي ينص عليها الفصل الدستوري.

 إن المقصود من العدالة ليس منها فقط تطبيق القانون في مداه الأقصى، ولكن ينبغي أن تشمل أيضا أطراف الدعوى الجنائية في مراكزهم والوسائل القانونية المتاحة لهم، مما يجعل القانون المطعون فيه مرة أخرى مخالفا لمبدأ العدالة التي ينص عليها الفصل الدستوري نفسه.

وهو الأمر الذي يمكن معاينته في حيثيات القرار عدد 590DC-2009، الصادر عن المجلس الدستوري الفرنسي بتاريخ 22 أكتوبر 2009 والذي اعتبر أنه” … إذا أمكن للمشرع أن ينص على قواعد إجرائية مختلفة، بالنظر إلى الوقائع والحالات والأشخاص الذين تطبق عليهم فإنه يشترط أن لا يؤدي هذا الاختلاف إلى التمييز غير المبرر وأن يكفل للمتقاضين ضمانات متساوية، ولاسيما فيما يتعلق باحترام حقوق الدفاع الذي يستتبع وجود مسطرة عادلة ومنصفة”.

ثانيا: خرق مقتضيات المادة 117 من الدستور:

 

“يتولى القاضي حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي،

 وتطبيق القانون”.

تنص المادة 117 من الدستور على أن القاضي يحمي حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون، وحيث إن هذا القانون المطعون فيه ينم عن مساس خطير بحقوق الأشخاص، ذلك لأن القرار يتضمن مساسا بالحقوق الأصلية للمواطنين يجب أن يكون قرارا معللا ومؤسسا بشكل قانوني وواقعي، كما ينبغي أن يبلغ إلى الشخص بكل حيثياته ومستنداته، بل إن الإعلام هنا وفضلا عن كونه يتجلى كحق بديهي للمواطن، فهو يشكل بالأساس اللبنة الأولى التي سينطلق منها حقه في الدفاع عن نفسه، وإعلامه بكل المعطيات سيجعله أكثر ثقة في العدالة لكونه مطلعا على حيثيات ملفه مما يوفر له نوعا من الشعور بالأمن القضائي. غير أنه وعلى خلاف ذلك يدفع القانون المطعون فيه إلى تكريس قاعدة غير دستورية تحرم المواطن من الإطلاع على ملفه، الأمر الذي سيجرده من القدرة على مراقبة مبررات ومستندات حرمانه من حريته.

وحيث إن قاضي التحقيق حينما يقوم بمنع المواطن من الإطلاع على ملفه يكون قد أخل بواجب حماية حقوق الأشخاص، إذ من المفترض أن يشمل حق المواطن في معرفة التهمة الموجهة إليه وإلمامه بحيثيات ملفه وذلك منذ اللحظة الأولى لاعتقاله.

وحيث إن القانون المطعون فيه نص في فقرته السابعة على أنه وفي جميع الأحوال ينتهي مفعول الأمر بعدم تسليم الوثائق المذكورة قبل 10 أيام من تاريخ الاستنطاق التفصيلي.

وإذا قارنا هذه الحالة بما لقاضي التحقيق من سلطات الأمر بالوضع رهن الاعتقال الاحتياطي الذي يمتد لإثنتي عشر شهرا كاملة أي شهرين قابلة للتجديد خمس مرات (المادة 177 من قانون المسطرة الجنائية)، فإنه من المفترض أن يبقى الشخص معتقلا لمدة ثمانية أشهر أو أكثر قبل أن يأمر قاضي التحقيق بالاستماع إليه، وهو مساس بحقه في الدفاع عن نفسه وحقه في تقديم طلب سراح مؤقت مؤسس على عناصر للإقناع لعدم توفره على المعطيات وعدم الإطلاع على الملف، بل والعمل على جمع المعلومات وتدبير الوسائل التي تسمح له بالدفاع عن نفسه، وهو مساس خطير بحرية الشخص وحقه في تهييء دفاعه وممارسته، مما يجعل هذا القانون مخلا بمقتضيات المادة 117 من الدستور وما تنص عليه من ضمانات وحقوق.

  ثالثا: خرق مقتضيات الفصل 118 من الدستور:

“حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون.”

” كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة.”

 

إن أهم ما ينص عليه هذا الفصل الدستوري هو مبدأين أساسيين:

أ‌)                  حق التقاضي.

ب‌)           حق الدفاع عن الحقوق والمصالح التي يحميها القانون.

وسيلاحظ من خلال مقارنة بسيطة أن هذا القانون المصادق عليه يعد إخلالا كبيرا بالمادة 118 من الدستور، وذلك كما يلي:

أ‌)     حق التقاضي:

إن التقاضي مبني بالأساس على تبادل المعلومة والوسائل ومناقشتها من وجهتي نظر مختلفة، ثم يصدر القاضي حكما يقضي بالحسم في الخلاف حول هذه المعلومة، أي الجريمة، وحول الوسائل المستند عليها، ولأن قاضي التحقيق بصفته قاض يصدر أوامره القابلة للطعن أمام الغرفة الجنحية، إضافة إلى أنه ملزم قانونيا ومهنيا ليس فقط بالبحث والتحقيق من أجل التأسيس لاتهام مواطن ولكن كذلك من أجل إبراز حجج براءته، علما أن هذا الدور تلزم به كذلك النيابة العامة أخلاقيا وقانونيا، غير أنه لا يمكن القبول بهذا العمل موضوعيا إلا إذا استهدف الوصول إلى الحقيقة الواقعية التي تتحول إلى حقيقة قانونية بمقتضى حكم.

ولأن المواطن طرف في عملية التقاضي، فإن حياته وأفعاله وتصرفاته وما يحيط بها تكون مصدر المعلومة التي يعتمد عليها لمتابعته قضائيا، فإنه لا يمكن مطلقا أن تقوم عملية التقاضي إلا استنادا على مبدإ التواجهية، سواء تعلق الأمر بإثبات  الأفعال أو تقديم المستنتجات أو الاستدلال بالنصوص القانونية المعمول بها، بحيث لا يمكن أن يتم ذلك إلا على أساس العلم المشترك بكل ما أشرنا إليه.يبقى أن دحض وسائل الاتهام والحكم عليها فرع عن تصورها، ولكي يتصور الشخص الواقع، عليه ليس فقط أن يعلم بها ولكن كذلك أن يدرك مفاصلها وطريقة تحليلها من طرف الخصم ومستنتجاته، وكذلك لابد من إضفاء مزيد من الصفة القضائية على دور النيابة العامة لتصبح فعلا طرفا يجسد الحق العام.

غير أن القانون المطعون فيه حينما نص على إمكانية عدم تقديم الملف إلى المعني بالأمر فإن عملية التقاضي ستصبح مستحيلة، بحيث سيبقى المعتقل ودفاعه في حالة سلبية ومعزولة لعدم إلمامهما بالمعطيات ومكونات الملف، الأمر الذي سيؤدي حتما إلى إفراغ مبدأ التواجهية من محتواه، أي إعدام أساس عملية التقاضي.

ب‌)
    الدفاع عن حقوق المواطن ومصالحه التي يحميها القانون:

من المفترض أن يقوم الشخص بالدفاع عن نفسه، لكونه هو الأصل والمحامي هو المؤازر، وإذا كان الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فكيف يمكن للشخص أن يحكم على نفسه وعلى أفعاله قبل أن يمارس دفاعه في غياب أي إلمام بمعطيات الملف.

إن مهمة الدفاع تبتدئ في أول لحظة عندما يقف فيها الشخص أمام قضاء التحقيق، أو لنقل أمام سلطة الاتهام بشكل عام، ومهمة الدفاع تكمن في شرح وتوضيح معطيات الملف للمتقاضي والوسائل المواجه بها، إضافة إلى تصور عملي لممارسة حقه في الدفاع عن حقه، هذا الحق الذي لا يعترف سوى  للمواطن بامتلاك سلطة تفويضه للمحامي أو من يؤازره. كما يجب تعزيز دور الدفاع باعتباره طرفا إيجابيا ولا غنى عنه لمواجهة إشكالية كشف الحقيقة، فالاتهام ليس عدوا للدفاع بل يجب أن يشارك معه من أجل إثبات الحقيقة لضمان عدالة فعالة.

وحيث إن القانون المطعون فيه نص في مقتضياته على أنه يمنع على المحامي تسليم نسخة من المحضر أو الوثائق لأي كان، بحيث لم يستثن مطلقا المتهم أو المواطن المعني بالأمر، علما أنه هو صاحب الحق الأصلي، فيصبح المحامي ملزما بمراقبة موكله عند الإطلاع على الملف، بل يصبح القانون المطعون فيه مشوشا على علاقة مقدسة تربط المحامي بموكله تتسم بالسرية وبالتعاون والثقة وتبادل المعلومة، لذلك فحرمان المحامي من تسليم المواطن نسخة من الملف هو خرق لحقه في الدفاع عن نفسه، بل خرق للمصالح التي يحميها القانون وتكمن في ممارسته لسلطة التفويض التي هي حق مطلق يملكه المواطن في مواجهة المحامي وليس العكس؛ وعليه، فقد جاء هذا الفصل كذلك مخالفا لجميع الالتزامات المغربية تجاه الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، كما جاءت خرقا للفصل 118 من الدستور.
 

رابعا: خرق الفصل 119 من الدستور:

“يعتبر كل مشتبه فيه أو متهم بارتكاب جريمة بريئا، إلى أن تثبت إدانته بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به.”

 

إن أهم ما نص عليه الفصل 119 من الدستور هو التأكيد على مبدأ قرينة البراءة، وقرينة البراءة تقتضي الحد من استعمال الشخص لبعض حقوقه استثنائيا وفي إطار مقيد جدا حماية للحقوق والحريات. ويبقى الأصل هو حق المواطن في إعمال جميع حقوقه ولا يمكن الحد منها إلا إذا كان ذلك يتضمن ما يمس بحقوق الغير، علما أنه لا يجوز أن تكون الوضعية مبنية على مجرد احتمال ولكن على اليقين، فوضع المتهم رهن الاعتقال يعتبر وبلا جدال حالة استثنائية، أما المبدأ الأساس فيكمن في حماية حق المواطن في ممارسة حريته، ومن ثمة فإن حرمان الشخص من الإطلاع على ملفه بشكل مطلق، إنما يكرس موقفا شاذا يجعل من افتراض الإدانة بارتكاب الأفعال أصلا، مع أن المنطق السليم يقتضي اعتبار الشخص بريء لكونه لم يلم بعد بما ينبغي أن يطلع عليه، ومن ثم لا يجوز منطقيا وقانونيا حرمانه من هذا الحق الذي سيسمح له بتكوين فكرة واضحة حول ملفه دون خوف عليه أو خوف منه، أما القول بخلاف ذلك فهو إدانة واضحة له حتى قبل أن تدينه المحكمة، بل وقبل  أن يعمد إلى التعبير عن تصوره وإبداء موقفه أمام القضاء.  إن القانون المطعون فيه يعتبر إخلالا بالفصل الدستوري المكرس لحق المواطن في الدفاع عن نفسه، إذ لا يمكن للمواطن ولا للمحامي أن يواجه وسائل الإثبات إلا عند العلم بها وبجزئياتها، وإلا أصبح المحامي والمتقاضي مجرد متفرجين محرومين من حقوق دفاعهما.

إن بقاء الشخص رهن الاعتقال دون اطلاعه على ملفه يكون في وضعية سلبية يعجز فيها عن الدفاع عن نفسه، وتصبح مخابرته بمحاميه غير ذات موضوع لكون أهمية الملف لا تنصب على التهم المرتبطة بالجريمة المعتقل بسببها، ولكن تبرز بالأساس في تفاصيل وطريقة ربط المعطيات وتحليلها، واستنتاجات سلطة الاتهام وتكييفها. وهنا يكون قد انتاب النص المطعون فيه اختلالا كبيرا مادامت حرية الشخص وأمنه وطمأنينته تعتبر وكما ذكرنا من الحقوق الأساسية التي يستوجب معها فسح المجال له للاطلاع على ملفه.

إضافة إلى ذلك فإن المواطن هو صاحب الحق إذ أنه في الممارسة العملية كثيرا ما نسمع أن حرمان المواطن أو دفاعه عن الملف هو حماية للآخرين أو حماية لوسائل الإثبات وغيرها من العناصر الأخرى، وهذا ينطلق من موقف إدانة مسبقة في مواجهة المواطن، حتى ولو افترضنا في بعض الأحيان إمكانية حصول هذا الاحتمال، فالمنع لا يكون مطلقا، لأن فيه إخلالا خطيرا بالحق في الدفاع واحترام مبدأ قرينة البراءة، لأن هذه الأخيرة تنطوي على حق المعاملة وفقا لهذا المبدأ، ومن ثمة من واجب من يملك سلطة الاتهام أن يمتنع عن الحكم بصورة مسبقة على نتيجة المحاكمة، لذلك يجب أن يعطى المتهم الوقت والتسهيلات ما يكفي لإعداد دفاعه، وهذه التسهيلات يجب أن تشمل الوصول إلى الوثائق وغيرها من الإثباتات التي يستوجبها إعداد الدفاع. فالحكم يهدف إلى تأمين إقامة العدالة على وجه صحيح ولن يتأتى ذلك إلا بالمساواة أمام القضاء وبضمان حق كل فرد في أن تكون قضيته محل نظر منصف يكون أساسه قرينة البراءة التي هي أساسية لحماية حقوق الإنسان، وحجب المعلومة والمستند عن المتهم وتكريس لقرينة الاتهام لا لقرينة البراءة. كما أن المطلق يجب أن يكون في ممارسة الحرية وحق الدفاع وليس في الإخلال بها ومن ثمة فإن الفصل 119 من الدستور قد تم الإخلال به.

إن متابعة المواطن من طرف سلطة الاتهام أو قاضي التحقيق إضافة إلى كونه يصطدم بمبدأ الحرية هي الأصل وقرينة البراءة هي الأصل، فإن عدم تمكين الشخص من معطيات ملفه ومكونات التهم الموجهة إليه ومنحه حقه في تهييئ دفاعه من خلال ما وجه إليه من وقائع تجعل هذا الأخير يعيش حالة نفسية سلبية حادة وحالة من الانفعال القصوى لعدم قدرته على الإطلاع على الملف، مما يجعله يعيش تحت وطأة هواجس وتساؤلات متعددة تتشابك فيها الأسئلة حول العقوبات ومصيره الإنساني، ويزيد من حدة الضغط النفسي الناتج عن الجهل بتفاصيل التهم الموجهة إليه. وهذا يكون له انعكاس نفسي ومساس بالسلامة المعنوية للشخص التي يمنعها الفصل 22 من الدستور من أي جهة خاصة أو عامة، وقاضي التحقيق وسلطة الاتهام جهات عامة.

إن وضع الشخص رهن الاعتقال وتحت وطأة الاتهام في غياب شامل لأي معلومة ومنع في اللجوء إليها يعد معاملة قاسية ولا إنسانية، لكون المواطن في ظل دولة القانون لا يمكن أن يعيش إلا بإدراكه بحقوقه والتزاماته، ومن حقوقه العلم بالتهم والأفعال الموجهة إليه.

إن الشعور النفسي بالإقصاء والتهميش والعزلة يعتبر من أكبر أنواع التعذيب، مما يتعين معه القول أن القانون المطعون فيه حين نص بعدم تمكين المتقاضي من ملفه يعتبر مساسا بالسلامة المعنوية ومعاملة قاسية ولاإنسانية ونوع من أنواع التعذيب.

خامسا: خرق مقتضيات المادة 120 من الدستور:

لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول.”

” حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم.”

 

لقد نص الفصل 120 على ثلاث مبادئ أساسية :

أ‌)     الحق في المحاكمة العادلة .

ب‌)         صدور الحكم في أجل معقول.

ج)         حقوق الدفاع مضمونة.

 أ ) الحق في المحاكمة العادلة:

 

إن من أهم شروط المحاكمة العادلة هو التوازن في الوسائل   “principe de l’égalité des armes ”  وأهم هذه الوسائل هي المعلومة التي رجحتها سلطة الاتهام لتكون فعلا قابلة لتوجيه الاتهام وهي معلومة عن فعل معين تثبتها بمعطيات مادية وتصرفات تنسب إلى المتهم وهو ما يستخلص به ذلك الفعل المستوجب للعقوبة .

غير أن قيام سلطة الاتهام بتوجيه هذا الاتهام هو تقدير وهذا التقدير يستند على سلطة التكييف الذي يحال على سلطة قضائية تبت في مدى احترام سلطات ألغتها للقانون أولا، ثم مدى قيام الفعل ووجوده ثم ثالثا مدى نسبته إلى الشخص الماثل أمام القضاء وحدود مسؤوليته ولأن المحاكمة العادلة تقوم أساسا على مبدأ حماية حقوق المتهم فإنه كان من الأجدى أن نضع بين يدي هذا المتهم جميع الوسائل للدفاع عن نفسه وأولها الاطلاع على المعلومة ومستنداته وذلك في أقرب الآجال حتى يستطيع أن يتحرك بسرعة لدحض التهم الموجهة إليه وحماية حقوقه، في حين أن هذا الفصل من خلال منع المتهم من الاطلاع على محضره أو تأخير هذا الاطلاع يعد مساسا بحقه في الدفاع عن نفسه بل إن اعتقاله يعتبر بداية لتنفيذ عقوبة لكون العقوبة النهائية تخصم منها مدة الاعتقال الاحتياطي، وإنه والحالة هذه فإن المحاكمة العادلة ستغيب ونصبح أمام محاكمة سلطة الاتهام.

 ب ) صدور الحكم في أجل معقول:

 

إن الأجل الذي يتحدث عنه هذا الفصل الدستوري يستند على مبدأ آخر وهو مبدأ الفورية، وحيث أن لقاضي التحقيق حق إبقاء المتهم رهن الاعتقال لمدة عشرة أشهر كما أن القانون في حالة وجود المتهم في حالة سراح لا يحدد أجل انتهاء التحقيق الذي قد يدوم لسنوات.

وحيث إنه في غياب قدرة المعني بالأمر في الاطلاع على الملف يجعل الإجراءات تطول أكثر لكونه بعد أن يقرر قاضي التحقيق بدء التحقيق التفصيلي يكون قد انصرم أجل زمني كبير يضطر فيه المتهم بعد السماح له بالاطلاع على المحضر إلى إجراء بحثه الخاص وهذا يكون على حساب الآجال المعقولة أو على حساب حقوق الدفاع إذا كان معتقلا.

ج ) حقوق الدفاع مضمونة:

 

لا يمكن للمواطن ولا لمحاميه أن يمارس حقوق الدفاع المضمونة استنادا على هذا الفصل الدستوري إلا بالاطلاع على المحاضر وجميع الوثائق المكونة لملف القضية أمام قاضي التحقيق في اليوم الأول، في حين أن القانون المطعون فيه يسمح بشكل غريب أن يظل الشخص متهما ومتابعا قضائيا وهو جاهل للمعطيات عاجز عن تأسيس وسائل دفاعه فإن حقوق الدفاع تكون غير مضمونة أساسا.

وما يؤكد ذلك أن المحكمة الجنائية الدولية تلزم النيابة العامة، أن تحيل جميع الوسائل المثبتة للإدانة أو المؤكدة للبراءة على محامي المتهم وذلك في أقرب الآجال التي تتوصل فيها بالمعلومة أو الوسيلة لأن أساس ضمانة حقوق الدفاع هو العلم بالشيء.

سادسا: خرق الفصل 23 من الدستور:

لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته،إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون.”

“الاعتقال التعسفي أو السري والاختفاء القسري من أخطر الجرائم، وتعرض مقترفيها لأقسى العقوبات.”

“يجب إخبار كل شخص تم اعتقاله، على الفور وبكيفية يفهمها بدواعي اعتقاله وبحقوقه، ومن بينها حقه في التزام الصمت. ويحق له الاستفادة، في أقرب وقت ممكن، من مساعدة قانونية، ومن إمكانية الاتصال بأقربائه، طبقا للقانون.”

“قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان.”

“يتمتع كل شخص معتقل بحقوق أساسية، وبظروف اعتقال إنسانية. ويمكنه أن يستفيد من برامج للتكوين وإعادة الإدماج.”

“يحظر كل تحريض على العنصرية أو الكراهية أو العنف.”

“يعاقب القانون على جريمة الإبادة وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وكافة الانتهاكات الجسيمة والممنهجة لحقوق الإنسان.”

 

نص الفصل 23 من الدستور على مجموعة من الضمانات والحقوق حماية لسلامته البدنية والجسدية وكذلك حماية لحقوقه عند امتثاله لقرار يمس حريته الخاصة، إذ في فقرته الثالثة ينص على وجوب إخبار كل شخص تم اعتقاله على الفور، وبكيفية يفهمها، بدواعي اعتقاله.

إن الإخبار الذي ينص عليه الفصل 23 من الدستور يتناقض وما ينص عليه القانون المطعون فيه الذي يعطي لقاضي التحقيق الحق في عدم تمكين المواطن من الملف إلا قبل عشرة أيام من الاستنطاق التفصيلي علما أن قاضي التحقيق هو الذي يملك السلطة المطلقة لتحديد تاريخ القيام بإجراءات هذا الاستنطاق.

ومن غير المعقول أن يظل المواطن ينتظر شهورا أن يعلم بدواعي اعتقاله، علما أنه يجب ربط كلمة الدواعي التي نص عليها الفصل الدستوري بمبدأ قرينة البراءة وربطها بمبدأ حق الدفاع، مما يجعل مصطلح الدواعي ليس هي الفصول القانونية موضوع المتابعة ولكن بالأساس هي التفاصيل التي تسمح بشعوره بأمنه القضائي.

إن الإخبار لا يمكن تجزئته لكونه سيفقد هدفه الأسمى وغاية المشرع الدستوري، بل هو تمكين المواطن من جميع المعطيات التي تهمه خاصة وأنها ستقرر مصيره وحقه في الاستمتاع بحريته المنصوص عليها دستوريا.

ملتمسات:

 

وبناء عليه، فإن النواب الموقعين أسفله يلتمسون من مجلسكم الموقر:

شكلا:

 قبول طلب الطعن لاستيفائه لكافة الإجراءات القانونية الشكلية وللنصاب القانوني لعدد الأعضاء المسموح لهم بتقديم الطعن أمام مجلسكم الموقر وفقا للمادة 132 بفقرته الثالثة من الدستور، وكذلك لعدم صدور أمر بتنفيذ قانون موضوع الطعن.

موضوعا:

القول بعدم مطابقة القانون 129.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية والقاضي بتغيير المادة 139 بالفصول الدستورية 110، 117، 118، 120 و23 من الدستور، مع ترتيب النتائج القانونية عن ذلك بما فيه إعمال الفقرة الأولى من الفصل 134 من الدستور.

 

 

لائحة الطاعنين وتوقيعاتهم المشكلين للنصاب القانوني المنصوص عليه وفقا للمادة 132 في فقرته الثالثة من الدستور:

 

-      فريق التجمع الوطني للأحرار: الرئيس رشيد الطالبي العلمي.

-      فريق الأصالة والمعاصرة: الرئيس عبد اللطيف وهبي.

-      الفريق الاشتراكي: الرئيس أحمد الزايدي.

-      الفريق الدستوري: الرئيس الشاوي بلعسال.

            

المرفقات:

-      تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب المتعلق بمناقشة نص القانون المطعون فيه.

-      تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين المتعلق بمناقشة نص القانون المطعون فيه.



السبت 27 يوليوز 2013
2648 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter