Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية





تفسير القواعد الدستورية


     


الإسم جابر لبوع
الصفة: باحث في القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس السويسي



تفسير القواعد الدستورية

 
يعتبر التفسير الدستوري من أهم المواضيع التي استقطبت اهتمام مختلف الفقهاء الدستوريين والقانونيين، كما مختلف الباحثين والكتاب في القانون الدستوري خصوصا الغربيين منهم، لا من حيث مفهومه وتعريفه ولا من حيث تحديد مصادره وطرقه، وتمييزه عن باقي المفاهيم المتشابهة.

إن أول ما يعرض عند تطبيق القاعدة القانونية بصفة عامة هو وجوب وضرورة تعيين نطاق هذا التطبيق بتحديد المدى الذي يبلغه سريانها سواء من حيث المكان أو من حيث الزمان. وإذا كان تحديد مدى سريان القاعدة الدستورية من حيث المكان لا يثير أي خلاف، فإن هذا التساؤل يثار بالنسبة للقاعدة القانونية بصفة عامة، عما إذا كان مكان سريانها هو الإقليم الصادرة والنافذة فيه، أم هو محل وجود الأشخاص الموضوعة من أجلهم هذه القاعدة. لكن مثل هذا التساؤل لا يثار بالنسبة للقاعدة الدستورية، ومرد ذلك هو أن القاعدة الدستورية تتناول تنظيم السلطة السياسية في الدولة متمثلة في السلطة التشريعية من حيث تشكيلها واختصاصها، والعلاقة بينها وبين السلطة التنفيذية...
[1]

إضافة إلى ذلك فإن صدور الدستور ودخوله حيز النفاذ، يستدعي لتطبيق قواعده في مجال العمل تفسيرها، والوقوف على معنى ما يتضمنه من أحكام والبحث عن الحكم الواجب إعطاؤه لما قد يعترض في العمل من فروض لم تواجهها هذه القاعدة الدستورية بصريح النص.

وإذا كانت الدساتير دائما ما تأتي مقتضاياتها عامة ولا تدخل في التفاصيل، فإن الأمر يستدعي تفسيرها تفسيرا يكشف الفحوى الحقيقي لها.

في المغرب منذ دخول دستور 2011 سيحاول مختلف الفاعلين رفع شعار "التأويل الديمقراطي للدستور" و "التنزيل الديمقراطي للدستور"، كشعار للمرحلة الراهنة، والذي حاولت الحكومة إدراجه في البرنامج الحكومي الذي عرضته على البرلمان لتنال تنصيبها، كما رفعه مختلف الفاعلين السياسيين، والفاعلين الأكاديميين من خلال الندوات والأيام الدراسية التي تم عقدها
[2]. بالموازاة مع ذلك لم يحاول أحد أن ينظر نظرة نقدية لمدى صحة مصطلح "التأويل" المنعوت " بالديمقراطي"، وعلى أي، فبعد مرور أزيد من سنة على دخول الدستور حيز التنفيذ سيتم من جديد طرح سؤال " التأويل الديمقراطي للدستور" وما زال يطرح هذا التساؤل. وهو الأمر الذي جعلنا نبحث في مختلف النظريات الدستورية والقانونية التي حاولت أن تتناول مفهوم التفسير الدستوري بالشرح والتحليل، لنتأكد من مدى صحة هذا المفهوم، ولكي نضعه في قالبه الصحيح(إن أمكن ذلك طبعا)، كما تناوله الفقهاء الدستوريين والقانونيين، لنجعل من تفسير القواعد الدستورية إشكالية مركزية سنحاول الإجابة عليها من خلال الفرضية التالية:

  •  أن تفسير القواعد الدستورية لا يمكن أن يكون إلا تفسيرا صائبا وتفسيرا خاطئا، وليس هناك في نظريات التفسير ما يسمى بالتفسير الديمقراطي وغير الديمقراطي، بل هناك دستور ديمقراطي في جوهره وغير ديمقراطي في جوهره.
 
وعليه سنحاول أن نجيب على مجموعة من التساؤلات التي ستنير وتوضح مسار معالجتنا للموضوع، على الشكل التالي: لماذا يلزم قانونا العمل وفق الدستور؟
ولماذا تفسير الدستور؟ وكيف حاول الفقهاء الدستوريين معالجة موضوع التفسير؟ وما معنى تفسير الدستور؟ وهل يختلف التفسير الدستوري عن باقي التفسيرات الأخرى وبالأساس التفسير القانوني؟

وهكذا سنعتمد مقاربة تستقي من النظريات الفقهية في القانون الدستوري بصفة خاصة ونظرية القانون بصفة عامة، والتي تناولت مسألة التفسير. وعلى هذا الأساس سنحاول أن نقسم هذا الموضوع إلى محورين:

  • مفهوم التفسير الدستوري  (أولا)
  • حالات تفسير القواعد الدستورية (ثانيا)
 

 
أولا: مفهومه التفسير الدستوري

يقصد بالتفسير تحديد معنى القاعدة القانونية وبيان مداها وذلك بواسطة عدم الوقوف على المعنى الظاهر المباشر الذي يخلص من ألفاظ النص، وإنما يكشف المفسر عن المعنى الحقيقي للقاعدة القانونية، محاولا الوصول إلى روح التشريع حتى يقف على مختلف العناصر التي صاحبت إرادة المشرع الدستوري عند وضع الوثيقة الدستورية.
[3] فعبارة التفسير الدستوري تقود إلى مختلف المعاني الواجبة في عدم تحديدها[4]، ففي البداية يجب أن يكون هناك وضوح بما يعني من التفسير، فبالنسبة لقاموس الأكاديمية الملكية الإسبانية للغة، يعني التفسير توضيح أو تصريح بمعنى الشيء وبالأساس النصوص التي تفتقر إلى الوضوح ضمن أمور أخرى، ومن ناحية أخرى فإن الموسوعة القانونية تعرف التفسير بأنه تصريح وشرح بل وإتمام للمقصود، للنصوص الغامضة أو غير الكافية[5]. فعندما يكون القانون موضع تطبيق من طرف هيئة قانونية، فيجب عليها أن تنشئ المعيار أ القاعدة التي تود تطبيقها، يجب عليها حسب تعبير هانس كلسن أن تفسر هذه القواعد[6]، فالتفسير حسب كلسن هو عملية ذهنية ترافق عملية تطبيق القانون من خلال نقله من الدرجة العليا إلى الدرجة الدنيا[7]. وحسب الأستاذ ميشيل تروبير، فإن عبارة التفسير تعني في آن عملية إعطاء معنى لشيء والذي يمكن أن يكون موضوعا ماديا أو نصا، وهو نتاج هذه العملية[8]. ويذهب ميشيل تروبير بالقول، على أنه ثمة في أدب نظرية القانون حول التفسير مفاهيم جد مختلفة، هذه النظريات هي إما وضعية وإما قاعدية، وهي تتعارض في أكثر من نقطة، وخاصة حول طبيعة المعنى المعطى للشيء، حول طبيعة عملية التفسير، حول طبيعة موضوع التفسير ومناهجه أو أيضا حول نتائج هذه المفاهيم فيما يتعلق بفهم المنظومة القانونية[9]، فهو يميز في طبيعة التفسير بين نوعين: الأول وبحسب المفهوم التقليدي، التفسير هو وظيفة معرفية[10]، فمن هذه الزاوية ليس ثمة فارق بين التفسير القانوني والتفسيرات الأخرى مثل التفسير الأدبي أو الديني، وهذا المفهوم يرتكز على بعض الافتراضات: أن التفسير يتم على النصوص والعبارات التي لها معنى، وهذا التفسير واحد، بفعل العلاقة الضرورية بين الكلمات ومعانيها، وهكذا لكل نص معناه الخاص الذي تكفي صياغته، إلا أن هذه الصياغة ليست تفسيرا حقيقيا، فالتفسير يجب اللجوء إليه فقط عندما يكون المعنى مخفي بفعل الغموض، فالتفسير له دور الكشف عن المعنى المخفي، فالتفسير يمكن أن يعبر عن نية صاحب النص، كما يفهم التفسير أيضا باعتباره الوظيفة الموضوعية التي يجب أن تملأها القاعدة في المنظومة القانونية أو المنظومة الاجتماعية بما أنها وظيفة في المعرفة فإنها يمكن أن تنجح أم لا ونتاجها يمكن أن يكون صحيحا أو يكون خاطئا، ولكن لكل نص معين تفسيرا جيدا واحدا، وكل التفسيرات الأخرى تكون خاطئة[11].
الثاني: بحسب المفهوم المقابل والذي يطلق عليه أحيانا بالمفهوم الواقعي، فإن التفسير هو وظيفة إرادية فكل نص يحمل ليس فقط معنى واحدا بل عدة معان يجب الاختيار بينها، وهذا الخيار لا يعكس حقيقة موضوعية بل فقط الأفضليات الذاتية لمن يعبر عنها، هكذا لا يمكن أن يكون نتاج التفسير صحيحا أو خاطئا
[12].
إن تفسير الدستور لا يقتصر على جهة واحدة فكل شخص يستطيع أن يفسر نصوصا دستورية، غير أن تفسيره لا يمكن أن يكون له أي تأثير على المنظومة الدستورية والقانونية القائمة في الدولة
[13]، وهكذ فيما يخص التفسير يميز كلسن[14] وبعده ميشيل تروبير[15]، بين التفسير الأصلي(الصحيح) والتفسير غير الأصلي (الفقهي) والذي يطلق عليه أحيانا بالتفسير العلمي، ويستخدم كلسن عبارة أصيل بمعنى مختلف عن معناها الكلاسيكي الذي يعني التفسير الذي يعطيه من وضع النص، أما مفهوم كلسن التفسير الأصيل ليس ذلك الذي يصدر عن صاحب العمل بل بصورة عامة هو التفسير الذي تقدمه سلطة فوضت لها سلطة التفسير أو سلطة لم تفوض لها سلطة التفسير بصورة رسمية ولكن النظام القانوني يقر بمفاعيل أعمالها. فالتفسير الأصلي هو إذا قرار يضع حدا للسجال[16]. أما التفسير غير الأصيل أو الفقهي فهو حسب هانس كلسن عمل  معرفي لا يتيح إمكانية اكتشاف المعني الخفي والوحيد وهذا التفسير لا يهدف سوى إلى وصف المعاني الممكنة للنص حيث يستطيع المفسر الأصلي أن يختار بينهما[17]. وقد انتقد الفقيه تروبير هذه الأطروحة عبر سوقه مجموعة من الحجج، حيث اعتبر في الأول أنه لا يمكن الاكتفاء بوصف كلمة او نص معين، لأنه لا شيء يمنع المفسر الأصيل من إعطائها معنى خاصا مختلف عن احتياجات التطبيق، ثم أنه يستحيل وصف جميع المعاني الممكنة، لأن العلاقة بين النص ومعناه هي علاقة ظرفية ويمكن دوما أن يعمد المفسر الأصيل إلى فرض معنى لم يفكر به أحد وبصورة تعسفية، كما أنه لا يمكن ضبط كل الاقتراحات التي يؤدي إليها التفسير فإذا اعطى القاضي معنى معينا لنص بحيث لم يفعل أحد ذلك قبله، فهذا ليس بخطأ فقهي ولا يعني أن الفقه أخطأ بل يعني أن هذا القاضي أطلق قاعدة بحسب مفاضلاته الشخصية[18]. وهكذا يذهب ميشيل تروبير بالقول إلى أنه إذا كان ثمة فارق كبير بين التفسيرين الأصلي وغير الأصلي، فهو لا يكمن في كون الأول هو فعل معرفي والثاني عمل إرادي بل فقط في أن النظام القانوني يمنح فعالية للأول ولا يمنحها للثاني.
وتماشيا مع كل سقناه، يجب ألا يتم الخلط هنا بين التفسير الدستوري والقانوني، وإذا كانت نظريات التفسير قد ولدت أصلا بغرض تفسير قواعد القانون الخاص وتم تعميمها لتشمل تفسير الدستور، والمشاكل الناتجة عن النص الدستوري، رغم كونها متشابهة، فإنها ليست متطابقة
[19] مع إشكالات تفسير القانون[20]، فالفرق بين تفسير القانون وتفسير الدستور هو أن الأول يهدف إلى تحقيق العدالة في قضية معينة، في حين أن تفسير الدستور يهدف إلى تحديد المعنى الحقيقي للقاعدة الأساسية[21]. وإذا كان هذا التميز يركز على الغاية، فهناك من ذهب في إبراز الفرق بالتركيز على مضمون كل منهما وعليه فإذا كان القانون يدخل في التفاصيل التي تتطلبها إدارة قطاع أو نشاط محدد، فالدستور يقتصر عموما على مبادئ يعبر عنها بكلمات مقتضبة وموجزة وعلى أحكام عامة، لذلك يختلف تفسير الدستور على تفسير القانون[22] على الرغم من وجود أمور أخرى مشتركة بين التفسيرين ففي تفسير الدستور كل كلمة يجب أخذها بعين الاعتبار نظرا لندرة الكلمات وغناها في آن معا، فللكلمات معنا وللصمت معنى أيضا، الأحكام المصاغة لها معنى وغير المصاغة لها معنى أيضا، لأنها بمثابة الإسمنت الذي يدخل في الشقوق بين قرميد الجدران ويؤدي إلى تماسك المبنى وصلابته بكامله.[23]

ثانيا: حالات تفسير القواعد الدستورية

إن تفسير الدستور ونظرا لطبيعة النصوص الدستورية، يمكن أن يقود إلى تطوير المنظومة الدستورية كما يمكن أن يؤدي إلى تقهقرها، فللطرف المعتمد في تفسير الدستور أثر كبير على المنظومة الدستورية.
[24]
فتفسير النص الدستوري يتطلب تحديد المفاهيم بشكل دقيق والأخذ بالاعتبار التوجهات الفكرية التي يقوم عليها الدستور، وتحديد الاتجاه الذي يربط نصوصه بعضها ببعض، وبتعبير آخر الرؤية التي أدت إلى صياغة النص الدستوري، ولايمكن فهم نص بمعزل عن النصوص الأخرى فهده الرؤية لايمكن أن نفصلها عن الواقع السياسي حيث يوضع الدستور في ضوء معطياته الاجتماعية والسياسية والثقافية الاقتصادية، بهدف تحقيق الانتظام العام والاستقرار.[25]
وعموما فالنصوص الدستورية عادة ما تصاغ بجمل مقتضبة وموجزة فيها الكثير من العموميات وأحيانا الغموض وتبتعد عن التحديد القاطع وتستند إلى خلفيات إيديولوجية لمن صاغها[26]. ولهذا ينبغي بالضرورة لاستخراج الحكم الدستوري من دليله الدستوري يستدعي الأمر اللجوء إلى التفسير لإزالة الغموض والإبهام وتبيان القصد الدستوري الحقيقي للنص. لكن التفسير لا يرتبط فقط بالنصوص الغامضة وحدها، فقد يتجاوز الأمر ذلك ليطال حتى النصوص الواضحة، لأن التأكد من وضوحها لا يتأتى إلا بعد تفسيرها غير أن هذا التفسير لا يكون بعامة موضع خلاف، فالتفسير لا يكون فقط عند غموض النص وإنما عند وضع النص موضع التطبيق[27].
إن الدستور مصاغ بهدف تنظيم المجتمع السياسي، بشكل مستديم، وهو لذلك مصاغ بلغة غامضة وعامة بما يكفي لإتاحة تكييفه مع الزمن السياسي الذي يعيش على التوالي داخل المجتمع
[28]، فغموض وعمومية اللغة الدستورية تفيد بأن النص الدستوري يستطيع أن يتعامل " مع حالة الطوارئ والدورات المستقبلية (las contingencias y cursos futuros ) التي لا يمكن التنبؤ بها في زمن المصادقة، على حد قول الأستاذ نينيو سانتياغو كارلوس[29]. وهكذا يميز بين العديد من أنواع الغموض ويحددها على الشكل التالي[30]:

  • الغموض المتدرج: ويحدث عندما يحيل الدستور إلى الأشياء أو الظواهر التي تحدث في الواقع ولكن دون تحديد بعض خصائص التغير، مثل التي تكون في الأنواع والكميات والمساحات إلخ.
 
  • الغموض التركيبي: يحدث عندما يستخدم الدستور التعبيرات التي تفتقر إلى الإشارة إلى تلك الصفات والخصائص الضرورية والكافية، وفي كل الأحوال يشير إلى بعض الخصائص ذات الصلة، ولكن دون أن يؤدي إلى تحديد دلالتها.
 
  • الغموض الذي يكتنف النص المفتوح(textura abierta): ويحدث ذلك عندما يستخدم الدستور التعبيرات التي تحمل صفات أو مميزات ضرورية وكافية ليميزها عن غيرها، والتي يوظفها مع ذلك في داخل النص الذي يولد الشكوك حول مجالات التعربف.
 
ومن وجهة نظر فقهية يتم التمييز بين أربعة أنواع من التفسير الدستوري[31]: 1- تفسير الدستور، 2- التفسير من خلال الدستور، 3- التفسير المجرد والمفاهيمي العام، 4- التفسير الدقيق والملموس.
  1. تفسير الدستور: وهو عبارة عن تحديد لمعنى الدستور، من أجل الإسهام في تطبيقه الصحيح مع الواقع. هذا التعيين يستلزم مسبقا تدقيق وضبط وتحديد وجود القيم والمبادئ الدستورية الموجودة في داخل الدستور.
  2. التفسير من خلال الدستور: وهو الذي يتم على التشريعات دون الدستور من خلال الإجابة الهيرمينوطيقية (التأويلية) التي يتم الحصول عليها من الدستور، بحيث تكون متسقة ومنسجمة، وذلك بتشريح النص الأساسي( الدستور).
  3. التفسير النظري والمفاهيمي العام: ويكون عندما يتم فهم النص الدستوري نظريا دون ربطه بحقائق الحياة السياسية.
  4. التفسير الدقيق والملموس للدستور: ويتعلق بفهم سريان (انطباق) النص الدستوري بحالة أو طارئة فعلية نابعة من الحياة السياسية[32].
ووفقا للأستاذ نيستور بيذرو ساجيس، فإن التفسير الدستوري يستحضر فيه مجموعة من التحديدات المتميزة وهي على الشكل التالي[33]:
  • التحديد الأجدى:  يهدف التفسير الدستوري تحديدا تطبيق قاعدة أساسية لحل قضية سياسية قانونية. ووفق هذا المعنى يقتضي تحديد معنى ونطاق نص دستوري، والذي يجب أن يكون وظيفي ومفيد وقادر على إعطاء إجابات معقولة ومفيدة للمجتمع والنظام السياسي. وفي هذا الإطار يجب أن يكون هدف حصيلة الصراع  السياسي القانوني هو إيجاد حل وسط عن طريق تطبيق الحكم الدستوري، وترتيبا على ذلك فإن التفسير الدستوري يتعارض ويختلف عن التحديدات النظرية الصرفة المتبقية...
  •  
  • التحديد الإبداعي: يتجلى في كون تفسير الدستور، يقوم بوظيفة التوضيح والإظهار والملاءمة والإدماج والتكييف مع الدستور (إن لم يكن إعادة الصياغة). لذلك ففي بعض الأحيان تكون هناك حاجة لإلقاء الضوء على مختلف الخيارات التفسيرية، وفي أحيان أخرى توسيع وتطوير نطاق القاعدة الدستورية، أو حتى تبيين الفرضيات التي لا يغطيها المشرع الدستوري. إضافة إلى أن التفسير يعزز الاتفاق الغائي لقاعدتين أو أكثر من القواعد الدستورية التي تبدو متناقضة، وفي غيابها يتم ترجيح القاعدة الأقرب إلى المبادئ والقيم الدستورية الأكثر أهمية من الناحية السياسية القانونية[34].
  •  
  • التحديد التوقعي: التفسير الدستوري يكون هو المسؤول عن التحديد المسبق لكل الآثار السياسية القانونية لأي نشاط، وبهذا المعنى فنتائجه يجب أن تكون معروفة مسبقا، وبضمان واضح، لتفادي الوجود المسبق السيء، وليس إنشاء تصرف آخر بفعل تطبيق القاعدة التي تخضع للتأويل. فالتفسير الدستوري يجب أن يتضمن التكهن (el augurio) والتوقع والتنبؤ بالواقع السياسي القانوني وعلى نحو أفضل.
  •  
  • التحديد السياسي:  التفسير الدستوري يتحمل مسؤولية تأكيده على المبادئ والقيم السياسية الموجودة في الدستور. إنه يساهم بشكل حاسم في إنشاء الإيديولوجية والمذهب والبرنامج السياسي الذي أدرج في النص. وبهذا المعنى، تعريف وإعادة تعريف أو دمج للدستور، وعلى وجه الدقة، تحقيق النشاط السياسي، لأن النشاط التفسيري يؤثر تأثيرا مباشرا على الحوكمة وإدارة الكيان السياسي، أضف إلى ذلك دوره في تفعيل الأحكام الدستورية والملاءمة بين مهارات العاملين السياسيين-الإداريين(político-administrativo) والحقوق المدنية، إضافة إلى دوره المبطل للصراعات بين الهيئات(interorganicos)[35].
ليس من الصعب وضع الخطوط العريضة للتفسير الدستوري، فعند الاطلاع على الأعمال الفقهية والقرارات الدستورية يمكن صياغة ووضع الفرضية التي يجب أن تخضع للبحث، وهي التي يستخدمها المفسرين الدستوريين عادة، وبأكثر بساطة فإن تقنيات التفسير الدستوري هي نفسها التي تستخدم في تفسير القانون[36]. وعموما فإنه عندما تسند لجهة ما مهمة التفسير فإنها لا تقوم بذلك بدون قواعد وضوابط، كما أن هناك مذاهب للتفسير تمخضت عنها قواعد أو طرق للقيام به[37].  وحتى لا نطيل في الحديث عن الاتجاهات العامة في التفسير[38] والطرق الفنية في التفسير والتي غالبا ما يتم استعمالها واللجوء إليها من طرف المفسرين[39]  والتي تمت معالجتها من طرف الفقهاء فإننا سنكتفي بهذا القدر في هذا المحور، الذي كان الهدف منه وضع القارئ في الإطار العام النظري المتعلق بالتفسير الدستوري على أن نتطرق في المحور الثاني، إلى كيفية تطبيق وتفسير بعض المقتضيات الدستورية في دستور المملكة لسنة 2011، خصوصا في الشق المتعلق منه بالجانب المؤسساتي والعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، والتي أثارت جدل الباحثين الأكادميين حول ما أصبح يصطلح عليه " بالتأويل الديمقراطي". وبتتبع أراء الفقهاء حول معنى ذلك فإننا نجدهم لم يتحدثوا عن التأويل الديمقراطي للدستور وليس هناك أي إقحام لهذا المصطلح الجديد، وإنما هناك تفسير صائب وتفسير  صحيح لنصوص الدستور، كما ان تفسيرات القاضي حسب الفقه ليست دائما صحيحة أو خاطئة، ولكن المفسر يضع أمامه مجموعة من الخيارات التفسيرية ويعطي معنى لنص معين حسب ما يراه هو أفضل ومناسب وهذا لا يعني أن جميع التفسيرات خاطئة.
 
 

الهوامش

[1] - طه رمزي الشاعر، النظرية العامة للقانون الدستوري، مطبعة جامعة عين شمس، القاهرة، 1979، ص: 275.
[2] - إذا حاولنا البحث عن المصدر الذي حاول جل الفاعلين أن يستمدوا منه عبارة "التأويل الديمقراطي للدستور" فلا يسعنا إلا أن نرجع إلى نص الخطاب الملكي الذي وجهه إلى الأمة بمناسبة عيد العرش لسنة 2011 والذي جاء فيه ما يلي: " إن نهوضنا بأمانتنا الدستورية  في ضمان سير المؤسسات الدستورية يتجسد قبل كل شيء  خلال هذه المرحلة الهامة، في حرصنا على حسن إقامتها في أقرب الآجال وفق المرتكزات الثلاثة التالية:
- أولا: الالتزام بسمو الدستور روحا ومنطوقا، كنهج قويم ووحيد لتطبيقه، ومن ثم نعتبر أي ممارسة أو تأويل، مناف لجوهره الديمقراطي يعد خرقا مرفوضا مخالفا لإردتنا ملكا وشعبا."
[3] - طه رمزي الشاعر، م.س، ص: 279.
[4] - Tomas Bustante Bahorquez; " La interpretación constituciónal"; Fecha de recepción , 24 de Marzo de 2006; Universidad estud.Bogota (colombia) N°3; p: 125.
[5] - Pamela Andrea; " La interpretación constituciónal: un régimen especial", Revista del derecho y humanidades, N°11, 2005, P:311.
[6] - Hans Kelsen, la teoría pura del derecho, traducción: Roberto.J.Verningo, Universidad nacional autónoma de México, segunda reimpresión 1982, P:349. 
[7] -Ibídem. P: 349.
[8] - ميشيل تروبير، فلسفة القانون، ترجمة جورج سعد، دار الأنوار للطباعة والنشر، 2004، ص: 99.
[9] - نفس المرجع، ص:99.
[10] - لقد ذهب في هذا الاتجاه كذلك الفقيه هانس كلسن قبل ميشيل تروبير، واعتبر بان التفسير هو فعل معرفي وإرادي في نفس الوقت. أنظر في ذلك:
- Hans Kelsen, Teoria pura del derecho, op.cit, P: 353.
[11] - ميشيل تروبير، م.س، ص: 100.
[12] - نفس المرجع، ص: 101.
[13] - عصام سليمان، تفسير الدستور، الكتاب السنوي للمجلس الدستوري اللبناني، 2009/2010، المجلد الرابع، ص:372.
[14] - Hans Kelsen, op.cit. P: 349.
[15] - ميشيل تروبير، مرجع سابق، ص: 101 وما بعدها.
[16] - نفس المرجع، ص: 101.
[17] - Hans kelsen, op.cit, P: 353.
[18] - ميشيل تروبير، المرجع السابق، ص: 102.
[19] - للمزيد حول الفرق بين التفسير الدستوري والتفسير القانوني انظر في ذلك:
- Reccardo Guastini, Teoría y ideología de la interpretación constitucional, prologo Miguel Carbonel, Editorial Trotta S.A, 2008, Madrid, P: 54-58.
[20] -  Diego Eduardo Lopez Medina, " Interpretación constitucional", 2ª  edición, Marzo de 2006, Universidad nacional de Colombia, P:22. 
[21] - Pamela Andrea, op.cit. P: 314.
[22] - إن التفسير الدستوري نوع من التفسير القانوني غير أنه يتميز عن التفسير القانوني وتفسير المعاهدات والقرارات الادارية والعقود في القانون الخاص، وهو تمايز يعود إلى طبيعة الدستور، فلا يجوز تفسير أحكام تؤسس لمجتمع سياسي له كيان حقوقي بالطريقة نفسها التي تفسر بها أحكام قانون السير أو القانون المالي. فأحكام الدستور تنظوي على إرادة عليا جامعة، وعلى رؤية شاملة، تجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل، يجب أن يأخذها المفسر بالاعتبار ويغوص في مكنوناتها وينظر إلى الأمور في شموليتها وبعد نظر، لكي يتمكن من توضيح النص الدستوري واستخراج المعايير منه.
- انظر: عصام سليمان، تفسير الدستور، المجلد الرابع، م.س، ص: 367.
- Hans Kelsen, Op.cit. P: 349-350.
[23] - عصام سليمان، تفسير الدستور، الكتاب السنوي للمجلس الدستوري اللبناني 2009-2010، المجلد4، ص:367.
[24] - عصام سليمان، تفسير الدستور وأثره على المنظومة الدستورية، الكتاب السنوي 2002، م6، ص:15.
[25] - عصام سليمان، تفسير الدستور، المجلد الرابع، م.س، ص:365.
[26] - نفس المرجع، ص: 368.
[27] - نفس المرجع، ص: 369.
[28] - Victor Garcia Toma, Op.cit, P: 192.
[29] - Carlos Santiago Nino, Fundamentos de derecho constitucional, Análisis filosófico, jurídico y politológico de la partica constitucional, Editorial Estrea, Alfredo y Recardo de Palma, 1992, P: 89 y más.
[30] - أنظر في ذلك:
- victor Garcia Toma, Op.Cit. P: 193.
- Carlos Santiago Nino, Introducción Al Análisis del derecho, 2ª edición, ampliad y revisad,  12ª reimpresión, Editorial Astrea, 2003, P: 248-260.
[31] - vector Garcia Toma, OP.Cit. P: 189.
[32] - Ibídem, P: 190.
[33] - Néstor Pedro sagùes, Elementos de derecho constitucional, tomo 1, 2ª edición actualizada y ampliada, Editorial Astrea, impreso en al argentina, 1997, p: 50-61.
[34] - victor Garcia toma, OP.cit. P: 191.
[35] - ibídem, P:192.
[36] - Riccardo Guastini, Teoría e idiologia de la interpretación constitucional, Prologo de Miguel Carbonell, Editorial Trotta, S.A Madrid 2008, P: 67.
[37] - رجاء ناجي المكاوي، علم القانون – ماهيته، مصادره، فلسفته وتطوره، طبع بدعم من جامعة محمد الخامس والمركز المغربي للبحث العلمي والتقني، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، طبعة 2013، ص: 605-612.
[38] - لقد اختلفت اتجاهات الفقه في تفسير القواعد القانونية بصفة عامة، نتيجة لاختلاف مذاهبهم في أساس القانون، ولا شك أن هذا الاختلاف ينعكس أثره على تفسير القواعد الدستورية، وعلى ذلك ظهر أو اتجاه في التفسير متأثرا بتقديس النصوص وما جاء فيها. ثم ظهر بعد ذلك اتجاه آخر يؤمن بعض أنصاره بتطوير القواعد القانونية بتطوير الظروف الاجتماعية ويؤمن البعض الآخر بانطلاق بوحي من أسس علمية أخرى أو ما يطلق عليهم أتباع منهج البحث العلمي الحر في التفسير. انظر في ذلك:
- رجاء الناجي المكاوي، م.س، ص: 609-611. - طه رمزي الشاعر، م.س، ص: 328-334. زيدي قدري الترجمان، المدخل إلى علم القانون، الجزء الأول.
[39] - يلخص الباحثين المصادر العامة في التفسير، في القضاء كمصدر تفسيري ثم الفقه ودوره في تفسير القواعد الدستورية، ثم التفسير التشريعي. فاالاول يثار أمام القاضي الدستوري عندما يتعلق الأمر بالمنازعات الدستورية، والثاني هو الذي نجده في الكتابات ومؤلفات الفقهاء وأبحاثهم لشرح القواعد أو النصوص الدستورية أو القانونية، كما يتضمن فتاويهم ونقدهم للتفسير القضائي، ومواجهاتهم للحالات التي لم يجد القضاء لها حلا. والثالث التفسير التشريعي، وهوالذي يحصل عندما يقوم المشرع نفسه بإصدار تشريعات تفسيرية لتحديد معنى حكم وارد في تشريع سابق ثار حول تفسيره الخلاف في القضاء أو أخذ القضاء في تفسيره بمعنى ينافي قصد المشرع منه. كما يمكن أن يحدث التفسير التشريعي أثناء تطبيق القواعد الدستورية كما يحدث مثلا داخل المؤسسة البرلمانية....


الخميس 9 يناير 2014
4672 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter







Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter