Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



تفسير العقود في القانون المغربي


     

ياسين العيوض
ماستر القانون المدني
كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية
أكادير



تفسير العقود في القانون المغربي

مقدمة

 
 
تعتبر نظرية العقد من أهم النظريات التي استرعت انتباه العديد من فقهاء القانون،وذلك نظرا لأهميتها من الناحيتين العلمية والعملية.
وقد حدا المشرع المغربي حذو العديد من التشريعات المقارنة فيما يتعلق بإعطاء تعريف للعقد،إذ الملاحظ أنه أحجم عن وضع تعريف للعقد،وإنما اكتفى بتحديد أركانه وشروطه وذلك من خلال الباب الأول من قانون الالتزامات والعقود
[1].
غير أن الملاحظ أن معظم تعريفات العقد هي من صنع الفقه والقضاء،ويمكن تعريف العقد بأنه "توافق إرادتين أو أكثر على إنشاء الالتزام أو تعديله أو نقله"وبعبارة أخرى "توافق إرادتين أو أكثر على إحداث أثر قانوني"
[2].
ويعتبر العقد من أهم مصادر الالتزام ذلك لأنه يرتب التزامات على عاتق المتعاقدين فهذه الالتزامات لا يمكن التهرب منها أو العدول عن الإرادة التي جسدت في العقد على أساس أنه شريعة للمتعاقدين فلا يجوز نقضه أو تعديله إلا باتفاق الطرفين وبذلك فإن العقد يمر بمراحل هي :
مرحلة التكوين؛ وفيها يقوم الأطراف بتبادل إرادتهما ومناقشة جميع نقاط العقد حتى الوصول إلى اتفاق يرضي الأطراف ويجد كل إيجاب قبولا من الطرف الآخر. ويصبح بذلك عقدا تاما .وينتقل العقد بعد ذلك إلى مرحلة ثانية،وهي مرحلة التنفيذ؛والتي تعد من أهم مراحل العقد حيث يحقق من خلالها العقد الأهداف التي وجد من أجلها و يجد الأطراف أنفسهم ملزمين بالسهر على تنفيذ ما يريده الأطراف وفقا لحسن النية فيحرص كل طرف على أن يتعاون ويبذل جهدا لتنفيذ كل ما ورد في العقد. ولكن قد يحصل أن يتعذر على الأطراف تنفيذ العقد أي تنفيذ التزاماتهم وذلك بسبب ما يعتريه من غموض يحول دون تنفيذه ،حيث يتجه كل واحد من المتعاقدين إلى فهم يخالف ما وصل إليه الطرف الآخر، ويدعي اختلاف التعبير لما اتجهت إليه إرادته.
وهنا يأتي دور القاضي الذي يكون ملزما بفض النزاع عن طريق تفسير العقد ورفع الغموض واللبس عنه بالبحث عن النية المشتركة للمتعاقدين، ذلك أن الالتزامات الناشئة عن العقد تتحدد وفقا لما اتجهت إليه الإرادة المشتركة للمتعاقدين . فالعقد كما أشرنا هو توافق إرادتين ومن ثم فالالتزامات الناشئة عنه تتحدد بما اتجهت إليه هاتان الإرادتان معا. لا وفقا لما اتجهت إليه إرادة أحدهما دون الآخر. وإن عملية تفسير القاضي للعقد ليست بمعزل عن البحث في تكوينه فعلى القاضي أولا وقبل البدء في عملية التفسير أن يقف على مرحلة تكوين العقد ، إذ أن مهمة القاضي لا تقتصر على تحديد مضمون العقد بإيضاح الغامض منه تمهيدا لتنفيذه ، بل تبدأ من التأكد أولا من وجوده باشتماله على أركانه الأساسية من رضا ومحل وسبب وشكلية في العقود التي تتطلبها و شروطه الضرورية.
وقد تناول المشرع المغربي تفسير العقود من خلال الفرع الأول من الباب الثاني من القسم السابع من قانون الالتزامات والعقود.
وتكمن أهمية الموضوع، في دور عملية التفسير، كونها العملية التي تمكن القاضي من تحديد مضمون العقد ، والوقوف على الالتزامات التي تولدها لكي يتسنى تطبيقه. وان تحديد ما التزم به المتعاقدين لا يكون إلا من خلال مجموعة من العناصر التي يجب أن تتوفر لديه فعليه أن يعطي للعقد التكييف المعين  ذلك أن التكييف يرتبط ارتباطا وثيقا بتفسير إرادة الطرفين ، فالقاضي لن يصل إلى تكييف العقد إلا عن طريق تفسير إرادة الطرفين ، فغالبا لا يتيسر بدون التفسير الوصول إلى تكييف العقد تكيفا صحيحا . واجتماع عمليتي التفسير والتكييف يمكن القاضي من الوصول إلى تحديد مضمون العقد.
إلا أنه رغم الأهمية البالغة التي يلعبها دور التفسير في تحديد التزامات المتعاقدين برفع الغموض واللبس عن العقد ، وتحديد مضمون العقد في جملته ،لم ينل حقه من الدراسة ،فنجده عبارة عن إشارات فقط في كتب مصادر الالتزام ، ولكن لم يدرس الموضوع بصفة منفصلة و مفصلة وموسعة لما له من أهمية بالغة. وعليه اغتنمنا الفرصة لنتطرق في هذا الموضوع لأهم الإشكاليات التي يطرحها موضوع تفسير العقود،من قبيل ما المقصود بتفسير العقود.
وإن الحديث عن تفسير العقد يدفعنا إلى طرح مجموعة من الإشكاليات التالية:
ما معنى تفسير العقود وما الفرق بينه وبين بعض المصطلحات المشابهة؟
ما دور الإرادة الظاهرة والباطنة للوصول إلى النية المشتركة للمتعاقدين؟
ماهي حالات التفسير وقواعده؟
وللإجابة عن هذه التساؤلات اعتمدنا منهجا تحليليا مقارنا وذلك وفق التصميم التالي:
المبحث الأول: ماهية تفسير العقد وتمييزه عن بعض المؤسسات المشابهة
المبحث الثاني: حالات تفسير العقد وقواعده


المبحث الأول: ماهية تفسير العقد وتمييزه عن بعض المؤسسات المشابهة

 
إن تحديد موضوع أي التزام عقدي يتوقف على ضرورة معرفة حقيقة ما اتجهت إليه إرادة الأطراف، ويكون ذلك عن طريق تفسير العقد،
ومتى تعرفنا على إرادة الأطراف كان حريا بعد ذلك تحديد مضمونه وتحديد مضمون العقد يقتضي تحديد ماهيته، أي تفسيره لتكملة إرادة الَطرفين، وعليه سنعمد إلى تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين نتناول في الأول تعريف التفسير وخصائصه ، في حين سنخصص المطلب الثاني لتمييز تفسير العقد عن بعض المؤسسات المشابهة.


المطلب الأول: تفسير العقد وخصائصه

 
سنحاول من خلال هذا المطلب التطرق إلى تعريف تفسير العقد (الفقرة الأولى(، وكذا الإشارة إلى بعض خصائصه (الفقرة الثانية(

الفقرة الأولى: تعريف تفسير العقد

اختلف الفقهاء حول تفسير ألفاظ العقد فمنهم من جعل العبرة بالمعاني لا بالمباني أي الألفاظ ومنهم من غلب ظاهر اللفظ على المعنى المقصود من سياقه، فإذا قال اشتريت منك ثوباً صفته كذا بهذه الدراهم فقال بعتك فهو ينعقد بيعاً اعتباراً باللفظ ورجح السبكي من الشافعية أنه ينعقد سلماً اعتباراً بالمعنى وإذا وهب بشرط الثواب فهل يكون بيعاً اعتباراً بالمعنى أو هبة اعتباراً باللفظ، والأصح الأول عند الشافعية [3].
وصرح فقهاء الحنفية في بعض المواضع بأن الاعتبار للمعنى لا للألفاظ
[4]فالكفالة بشرط براءة الأصل تعتبر عند الحنفية حوالة تغليباً للمعنى على المبنى، وإن كانت بشرط عدم البراءة فهي كفالة، ولو وهب لمن عليه الدين له كان إبراء فلا يتوقف على القبول ومن فروع هذه القاعدة عندهم أن الإجارة تنعقد بلفظ الهبة والتمليك وبلفظ الصلح عن المنافع وبلفظ العارية، ولو شرط رب المال للمضارب كل ربح كان المال قرضاً ولو شرط الربح لرب المال كان بضاعة وقد صرح بهذا الحنابلة [5]والحنفية [6]وهو تطبيق لقاعدة الاعتبار للمعاني لا للألفاظ والمباني ولكنهم استثنوا من هذه القاعدة مسائل منها: لا تنعقد الهبة بالبيع بلا ثمن ولا العارية بالإجارة بلا أجرة ولا البيع بلفظ النكاح والتزويج.
ويقصد بتفسير العقود (interpretation des contrats (
[7]   أو بتأويلها حسب التعبير الذي اعتمده المشرع المغربي التعرف على مراد المتعاقدين المشترك وبقصدهم من خلال العبارة التي استخدموها في التعبير عن الإرادة" [8].
فالتفسير إذن عملية ذهنية يسترشد بها القاضي للوقوف على المعنى الحقيقي لعبارات العقد الغامضة منها والواضحة والذي يحتاج لضوابط كما سيأتي معنا لاحقا.
ويقابله ما جاء به المشرع الجزائري في القانون المدني من خلال المادة 111 التي تنص على أنه"إذا كانت عبارة العقد واضحة فلا يجوز الانحراف عنها عن طريق تأويلها للتعرف على إرادة المتعاقدين.
[9]
أما إذا كان هناك محل لتأويل العقد فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ مع الاستهداء في ذلك بطبيعة التعامل ،وبما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين وفق العرف الجاري في المعاملات".
وللإشارة فإن البحث في تفسير العقد يأتي بعد البحث في انعقاده ومدى صحته إذ لا جدوى من تفسير العقد إلا إذا كان صحيحا حتى يكون قابلا للتنفيذ
[10]


الفقرة الثانية: خصائص تفسير العقد

 
 
يتميز تفسير العقد بمجموعة من الخصائص تتمثل في كونه يعد أكثر استعمالا لتفسير الألفاظ والمفردات الموجودة في العقد وذلك
لتوضيح ما غمض منها وإعطاء المعنى الحقيقي لكل عبارة واردة فيه، إضافة إلى كون مهمة التفسير تتجلى في بيان وضع اللفظ إما حقيقة أو مجازا بحيث إذا كان يراد به معناه الذي يفهم من السياق الذي جاء فيه حمل على ها المعنى وإذا كان المقصود منه استعماله على وجه المجاز تحتم على القاضي الوقوف على مغزى العاقدين منه، كذلك فغاية التفسير تنحصر في كشف معاني العقد وبيان المراد منه ، وهي كلها خصائص تجعل مهمة المفسر )القاضي( محددة ومنضبطة، فلا يملك أن يخرج عن حدود مهمته، سواء من حيث ارتباطه بالإتباع والسماع أو من حيث وقوفه عند حدود بيان معاني الألفاظ والمفردات، وظاهر هذا التقييد يفيد أن المهمة البيانية للمفسر لا تؤهله لدور الاستنباط الذي يتطلب جهدا يتجاوز حدود البيان، والاستنباط هو غاية المفسر، وبخاصة فيما يتعلق بمراد الأطراف من العبارات المضمنة بالعقد، لمعرفة قصد المتعاقدين ، وتجدر الإشارة إلى انه لا يكون للتفسير موجب من الناحية العملية إلا إذا كانت ألفاظه غامضة أو مبهمة تحتمل أكثر من معنى ما يدل معه على أن التفسير ينصرف إلى العقد الغامض العبارة أكثر منه في العقد الواضح العبارة.
[11]

المطلب الثاني: تمييز تفسير العقد عن بعض المؤسسات المشابهة

 
ارتأينا تناول هذا المطلب من خلال فقرتين أساسيتين،إذ سنخصص الفقرة الأولى لتمييز تفسير العقد عن التكييف، وفي فقرة ثانية نميز بين تفسير العقد وتكملته و تحوله.

الفقرة الأولى:تمييز تفسير العقد عن تكييفه

 
إن تمييز التكييف [12]عن التفسير راجع للعلاقة الوطيدة بين الاثنين، ذلك أنه لا يمكن تفسير العقد دون تكييفه. وطالما أن تكييف العقد يرمي إلى إعطاءه الوصف الصحيح بتصنيفه وتعيين نوعه من بين العقود المسماة هل هو عقد بيع أو إيجار أو مقايضة[13].
ويقصد بتكييف العقد تلك العملية التي يهدف القاضي من ورائها إضفاء الوصف القانوني على التصرف الذي صدر عن المتعاقدين
[14].
فتكييف العقد مرحلة سابقة لتفسيره،إذ أن تكييف العقد لا يتأتى من الناحية القانونية إلا بعد استنفاذ مرحلة التفسير،وهو-التكييف- يساعد على معرفة طبيعة التعامل ، وهذا يساعد القاضي في عملية التفسير على اكتشاف المعنى الحقيقي للعبارة الغامضة ويسمح التكييف أيضا بتحديد الغرض الخاص بهذه العملية،وإن القاضي ملزم بتكييف العقد طالما ثار نزاع حول وصفه.
وعليه فإن التكييف يهدف بالأساس إلى معرفة طبيعة ما أراد الطرفان إبرامه، والقواعد القانونية التي تطبق عليه والآثار التي ترتب على هذا التصرف، في حين أن التفسير فيستعمل لمعرفة حقيقة ما أراده الطرفان من خلال الألفاظ التي استعملها.


الفقرة الثانية: تمييز تفسير العقد عن تكميل العقد و تحوله

 
 
سنحا ول من خلال هذه الفقرة تمييز تفسير العقد عن تكملة العقد(أولا)، وعن تحوله (ثانيا).

أولا: تمييز تفسير العقد عن تكملته

 
إن التفسير يختلف عن تكميل العقد من حيث الأساس ، و ذلك أن التفسير أساسه الأول هو غموض التعبير للمتعاقدين . أما أساس تكملة العقد فهو النقص في تنظيم العقد[15]. فالمقصود بتكميل العقد هو سد نقص فيه لا الوصول إلى النية المشتركة للمتعاقدين ومن ثمة لا ينصب التكميل على مضمون العقد بقدر ما ينصب على أثاره.
ويقوم التفسير على إرادة المتعاقدين، إذ يفترض التفسير تعبيرا صدر عن المتعاقدين ولو كان هذا التعبير غير موفق. أما التكميل فيفترض نقص في تنظيم العقد تتعين تكملته
[16].فالقاضي يرجع إلى الأحكام التكميلية في المسائل التي تركها المتعاقدون ولم يتفقوا عليها إذ أنه كثيرا ما يصعب على المتعاقدين تنظيم العلاقة بينهم في جميع التفاصيل.

ثانيا: تمييز تفسير العقد عن تحوله

 
إذا كان تفسير العقد يعنى به البحث عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين من خلال الألفاظ التي تم استعمالها في العقد. فإن تحول العقد حسب منط وق الفصل 309 من قانون الالتزامات والعقود المغربي يكون في حالة بطلان الالتزام الأصل وإمكانية أخذ هذا الالتزام مكان الالتزام الأصلي[17].
كما أن تحول العقد يكون بالذات صورا من صور تكييف العقد إذا ما رأى القاضي بطلان العقد وإمكانية تحوله، عملا بالقاعدة التي تقول أن إعمال العقد أولى من إهماله ،والتي ينصرف مدلولها إلى ضرورة إعمال الكلام وعدم إهماله، بحيث أن الكلام جاء للدلالة على معنى معين،وليس لغرض آخر.
ومن المعلوم أن الكلام ليس مقصودا لذاته،بل باعتباره وسيلة يعبر بها الإنسان عن مقصوده ومكنونات نفسه.
كما أن اللفظ الصادر في مقام التشريع أو التصرف إذا كان حمله على أحد المعاني الممكنة لا يترتب عليه حكم، وحمله على معنى آخر يترتب عليه حكم
[18].
ونظرا للأهمية التي تحظى بها هذه القاعدة، فلا بد للقاضي أو المجتهد الأصولي معرفتها وإعمالها وهو بصدد دراسة نص تشريعي أو شرعي، أو في الحالة التي تستدعي الضرورة فهم وتفسير مضامين اتفاقات وتصريحات الأطراف.
ومدلول هذه القاعدة الفقهية، هو جعل الكلام يفيد معنى وترتيب الأثر القانوني أو الحكم الشرعي على ذلك،أفضل من إهمال الكلام،مع الإشارة إلى أنه يتوجب لإعمال الكلام توافر شرطين أساسيين؛الأول هو عدم تعذر إعمال الكلام تعذرا شرعيا أو عرفيا أو عقليا،والشرط الثاني هو أن يكون اللفظ مشتركا بين معنيين أو أكثر دون وجود مرجح لأحد المعنيين،وذلك إما لغموض النص أو وجود جهالة تعتري الكلام
[19].
على نفس المنوال سار المشرع المغربي ويتضح ذلك من خلال الفصل 465 من ق ل ع
[20].
أما على مستوى الاجتهاد القضائي نشير إلى إحدى قرارات المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) والذي جاء في حيثياته :
"وحيث إن الفصل 465 من قانون الالتزامات والعقود ينص على أن بنود العقد يؤول بعضها بعضا بأن يعطي لكل منها المدلول الذي يظهر من مجموع العقد.
وحيث إن قضاة الاستئناف لم يكن في وسعهم والحالة هاته أن يرتبوا أي مفعول على الاتفاق المبرم في 09 يونيو 1960 الذي يثبت أنه منعدم الأساس إلا بتحريفه وخرق الفصل 464 من قانون الموجبات والعقود"
[21] .

 

المبحث الثاني: حالات تفسير العقد وآلياته

 
من المعلوم أن عملية تفسير العقد لا يكون لها موجب إلا إذا كانت ألفاظ العقد غامضة ومبهمة، بحيث تحتمل أكثر من معنى، إلا أن هذا لا يمنع من تفسير العقد حتى ولو كانت عباراته واضحة، وذلك كلما تطلب الأمر ذلك.
وعليه سنحاول من خلال هذا المبحث التطرق لحالات تفسير العقد(المطلب الأول)، وكذا آليات تفسير العقد (المطلب الثاني).


المطلب الأول:حالات تفسير العقود

 
عادة ما يقوم القاضي بتفسير العقد للتعرف على إرادة الطرفين،ويتم التمييز في ذلك بين حالة العقد واضح العبارة(الفقرة الأولى( ،وحالة العقد غامض العبارة(الفقرة الثانية(.

الفقرة الأولى: حالة العقد غامض العبارة

 
يتحقق الغموض في العقد عندما تكون العبارات المستعملة غير معبرة عن النية المشتركة للمتعاقدين،أو عندما يكون لها أكثر من معنى،الأمر الذي يحمل الشك في الغرض المقصود [22].
وبالتالي فإذا كانت عبارة العقد غير واضحةأي تحتمل أكثر من معنى- فإنما تكون بحاجة إلى تفسير، وقد تكفل المشرع المغربي من خلال الفصل 462 من ق ل ع بتبيان الحالات التي يكون فيها العقد غامضا، ومن ثم ينبغي تفسيره على النحو التالي:
إذا كانت الألفاظ المستعملة لا يتأتى التوفيق بينها وبين الغرض الواضح المقصود عند تحرير العقد.
إذا كانت الألفاظ المستعملة غير واضحة بنفسها أو كانت لا تعبر تعبيرا كاملا من قصد صاحبها.
إذا كان الغموض ناشئا عن مقارنة بنود العقد المختلفة. بحيث تثير المقارنة الشك حول مدلول تلك البنود.
وسرد هاته الحالات من قبل المشرع ليس على سبيل الحصر وإنما يكون الغموض كلما كانت عبارات العقد تحول دون استخلاص النية المشتركة للمتعاقدين وفي جميع الحالات يتوجب على القاضي أن يبين في تعليله لعملية التفسير العناصر التي اعتمدها في العدول عن المعنى الظاهر لعبارة العقد وهذا ما تبناه المجلس الأعلى (محكمة النقض) في إحدى قراراته والذي جاء فيه:
" ذلك أنه وإن كانت لمحكمة الموضوع السلطة في تفسير العقود المعروضة عليها وفق مقصود العاقدين ، فان ذلك مشروط بأن تبرز في قرارها العناصر التي على أساسها عدلت عن مدلول العقد الظاهر للعقد إلى خلافه
[23]."...
وهو نفس الاتجاه الذي سار عليه المشرع الجزائري، من خلال الفقرة الثانية من المادة 111 من قانونه المدني
[24]والتي تقضي بأنه إذا كانت عبارات العقد غير واضحة وتحتاج لتفسير،فإنه يتعين على القاضي البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين،دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ،استنادا على قاعدة العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني،إذ يتعين على القاضي التقيد بهذه القاعدة عند تفسيره للعقود وتحديده لمرامي الأطراف المتعاقدة،دون الحاجة للوقوف على ألفاظ العقود،وهذا ما سار عليه المشرع المغربي ويتضح ذلك من خلال الفقرة الأخيرة من الفصل 462 من ق ل ع حين نص على أنه:
"يلزم البحث عن قصد المتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ ولا عند تركيب الجمل".
وفي السياق ذاته ركز المشرع على هذه القاعدة في كل من الفصلين 101 و
[25]102 من ق ل ع حينما رتب جزاءات مختلفة في حالة ما إذا كان الحائز حسن النية أو سيء النية رغم أن الحيازة تبقى هي ذاتها،إلا أن الاختلاف يكمن في نية وقصد الحائز.
كما نجد أيضا تطبيقات لهذه القاعدة من خلال مدونة الأسرة،حيث نصت المادة 90 على أنه:"لا يقبل طلب الإذن بطلاق السكران الطافح والمكره وكذا الغضبان إذا كان مطبقا".أي أن المشرع المغربي يرفض الإذن بالطلاق المقدم من طرف كل من السكران والمكره وكذا الشخص الغضبان،ذا كان غضبه مطبقا ومرد ذلك إلى أن نية كل من هؤلاء لا تنصرف إلى إحداث الطلاق،فالعبرة تكون إذن بالقصد لا بالألفاظ،فالنية هي التي تحدد أساس الفعل أو القول وتجعله معتبرا أو غير معتبر شرعا.وبالتالي فالقصد والنية في الشريعة هي مناط الحكم على أفعال وأعمال المكلف
[26].
وعموما نشير إلى أنه إذا لم يهتد القاضي إلى استخلاص النية المشتركة للمتعاقدين بغرض تأويل العبارات الغامضة، والتي قد يعتبر أن من شأنها احتمال عدة تأويلات، فقد خول له المشرع السلطة في تأويل الشك لمصلحة الطرف المدين بالالتزام وهذه القاعدة أخذت بها معظم التشريعات
[27]،ومن ضمنها التشريع المغربي والذي يعتبر تفسير عبارات العقد الغامضة من مسائل الواقع التي تندرج ضمن السلطة التقديرية لقاضي الموضوع،ولا يخضع فيها لمراقبة المجلس الأعلى(محكمة النقض حاليا)[28].

الفقرة الثانية:حالة العقد واضح العبارة

 
يتضح من خلال قراءتنا لمقتضيات الفصل 461 من ق ل ع [29]،أنه يمنع صراحة القاضي من تفسير عقد واضح، فالمفروض أن عبارة العقد الواضحة مطابقة لحقيقة المقصود، وتعبر تعبيرا صحيحا وصادقا عن إرادة المتعاقدين المشتركة، وهو ما ذهب إليه معظم الفقه وسار عليه القضاء الفرنسي منذ مدة طويلة، حيث ذهبت محكمة النقض الفرنسية إلى أن التفسير في مثل هذه الحالة يعتبر تحريفا للعقد وتؤسس ذلك على المادة 1134 من القانون المدني الفرنسي [30]،لفرض رقابتها على قضاة الموضوع في هذا الباب، وهو نفس ما اتجهت إليه المحاكم المغربية إبان الحماية حيث صدر عن محكمة الاستئناف بالرباط قرار ذهبت فيه إلى أن :
" قاضي الموضوع يملك سلطة مطلقة في البحث عن قصد الأطراف وتفسير البنود الغامضة للعقد وحكمه في ذلك لا يخضع لرقابة محكمة النقض، إلا أنه لا يسمح له عند قيامه بالتفسير بتحريف عبارات العقد محل النزاع".
[31]
ولكن مع ذلك يصادف أن تكون عبارة العقد واضحة لكن لا تعبر تعبيرا صريحا عن إ رادة المتعاقدين وفي هذا الصدد يحق للقاضي أن يستغني عن المعنى الظاهر، ويركن إلى المعنى الحقيقي في العقد شريطة تعليل ذلك، وإلا كان حكمه معرضا للنقض [32] ، وهذا ما أكده أحد القرارات الصادر عن محكمة الاستئناف بالرباط حيث جاء فيه ما يلي:
" عند تفسير العقد يجب على القضاة البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين بدل الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ"
[33]وأيضا ما ذهب إليه المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا)في أحد قراراته الذي جاء فيه :
"...فإن صراحة ألفاظ العقد لا تحول دون تأويله إذا تعذر التوفيق بينها وبين الغرض المقصود من العقد..."
[34]
وهو نفس ما ذهب إليه التشريع المصري أيضا،حيث أن التفسير قد ينصب أيضا على عبارات العقد الواضحة،على الرغم مما نصت عليه المادة 150 والتي تنص على أنه:
" إذا كانت عبارة العقد واضحة ، فلا يجوز الانحراف عنها من طريق تفسيرها للتعرف على إرادة المتعاقدين".
غير أن القاضي قد يجد نفسه في أمس الحاجة غلى تفسير العبارة الواضحة للوصول إلى الإرادة الحقيقية للمتعاقدين
[35]على الرغم من كون العبارة واضحة،إلا أن الظروف تدل على أن المتعاقدين أساءا استعمال التعبير بحيث قد يقصد المتعاقدان معنى ويعبر عنه بلفظ معين،إلا أنه قد ينصرف إلى معنى آخر ويكون فيه أكثر وضوحا.
وبالتالي فالقاضي لا يأخذ بالمعنى الواضح للفظ،وإنما يتعداه إلى أبعد من ذلك وهو ما يصطلح عليه في الفقه الإسلامي بالاستحسان؛ ويقصد به عدول المجتهد عن مقتضى قياس جلي إلى مقتضى قياس خفي،أو عن حكم كلي إلى حكم استثنائي انقدح في عقله ورجح لديه هذا العدول
[36].غير أن القاضي لا يجوز له فعل ذلك إلا بتوافر شرطين اثنين؛أولاهما أن يفترض أن المعنى الواضح من اللفظ هو نفسه الذي قصده المتعاقدان،فلا ينحرف عنه إلى معنى غيره،إلا إذا قام أمامه ظرف أو دليل في الدعوى يبرر ذلك.
وثانيهما؛ضرورة تعليل القاضي لعدوله عن المعنى الواضح إلى غيره من المعاني،ويبين في حكمه أسباب هذا العدول
[37]
وعموما يتضح أن المشرع المصري منح للقاضي سلطة تقديرية في تفسير العقود،إلا أنه ألزمه بضرورة التقيد بالمعنى الحقيقي لما اتجهت إليه إرادة الأطراف،وذلك من خلال تعليله لأحكامه.

المطلب الثاني: آليات تفسير العقد

 
سنحاول طي هذا المطلب التطرق إلى الآليات التي من شأنها أن تسعف القاضي من تفسير العقد،وهي عبارة عن عوامل إما داخلية أو خارجية وكذا موضوعية ) الفقرة الأولى)،إضافة إلى ضرورة الوقوف عند كل من الإرادة الظاهرة والباطنة ودورهما في تفسير العقد (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: العوامل المساعدة على تفسير العقد

 
يستعين القاضي أثناء قيامه بعملية التفسير بمجموعة من الضوابط تتمثل في:

أولا:العوامل الداخلية

 
وهي العبارات والألفاظ التي استعملها الأطراف في العقد،للتعبير عن إرادتهما ،فالقاضي يتعين عليه مراعاة نص العقد ذاته آخذا بعين الاعتبار جميع الظروف والملابسات التي صاحبت اللفظ وذلك على اعتبار أن بنود العقد يؤول بعضها بعضا،ومن الضروري مراعاتها جملة للوقوف على ما غمض من العقد بفعل التناقض الحاصل بين هاته البنود طبقا لمقتضيات الفصل 464 من ق.ل.ع.

ثانيا:العوامل الخارجية

 
وهي إما عوامل ذاتية مرتبطة بشخص العاقدين من مهنة او لغة او غيرها مما يولد اختلافا بين الأطراف المتعاقدة ،فالتاجر المحترف ليس كالتاجر المبتدئ ،كما أن لهجة الأشخاص أو لغتهم تختلف باختلاف البيئة أو الأسلوب اللفظي اللغوي الخاص في التعامل.

ثالثا: العوامل الموضوعية

 
 
وتجد أساسها في الفصل 231 من ق.ل.ع ،وهي القانون ،وذلك بتحديد الطبيعة القانونية للعقد وتصنيفه ضمن فئة من الفئات القانونية لمعرفة أي التدابير التي يعتمد عليها في تحديد أثار العقد .
ثم العرف كما جاء في الفصل 463 و 470 من ق ل ، والذي و الذي يعتمد عليه القاضي في تحديد آثار العقد.
وأخيرا قواعد العدالة التي يلجأ إليها القاضي في حالة عدم وجود نص قانوني منظم ،أو عرف عام أو خاص يتم الركون إليه في تفسير العقد محل النزاع.
ينضاف إلى ذلك أيضا ما يتعلق بالخبرة وشهادة الشهود ،ثم التنفيذ اللاحق للعقد من قبل أحد طرفيه دون اعتراض من الطرف الآخر،ما يكشف هن النية الحقيقية والمشتركة للعاقدين،إذ أن التنفيذ والسكوت عنه من الطرف الآخر المستفيد منه لدليل على أن طريقة التنفيذ ونتيجته هي القصد الحقيقي من وراء إبرام العقد.


الفقرة الثانية: دور الإرادة الظاهرة و الباطنة في تفسير العقد

 
إن العقد كما نعلم جميعا هو توافق إرادتين على إحداث أثر قانوني معين ومن تم فالالتزامات الناشئة عنه تتحدد بما اتجهت إليه الإرادتين معا،وبالتالي فالنص العام هو الذي يكون له الدور المهم باعتباره المرجع الأساس لتمييز كل العقود ،بحيث يتعين على القاضي أن يأخذ بالمعنى المألوف الذي يؤدي إليه اللفظ الوارد في العقد ولا يجوز له إذا كان اللفظ واضحا صريحا تأويله أو تمييزه وترك معناه الحقيقي إلى معنى غيره فإرادة العاقدين لا يمكن معرفتها إلا من عبارة العقد ذاتها. فإذا كانت هذه العبارة واضحة وجب أن تعد تعبيرا حقيقيا عن الإرادة المشتركة ولا يجوز الانحراف عن هذا التعبير عن طريق التأويل والتفسير. أما إذا كانت عبارة العقد غامضة بحيث تحتمل أكثر من معنى فيتعين اللجوء إلى التمييز لكشف الإرادة المشتركة للعاقدين لا الإرادة الفردية لكل منهما.
غير أنه قد يعجز القاضي من خلال بحثه عن الكشف عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين بحيث يبقى الشك قائما حول حقيقة هذه الإرادة لذلك لا مناص من أن يعمد القاضي إلى حل هذا الإشكال،وبالتالي قد يستعين القاضي في تفسيره للعبارات والألفاظ المستخدمة من قبل طرفي العلاقة التعاقدية للتعبير عن إرادتهما على إرادتهما الظاهرة )أولا( ، وأخرى باطنة (ثانيا( في تفسيره للعقد.


أولا:دور الإرادة الظاهرة في تفسير العقود

 
تنص مقتضيات الفصل 461 من قانون الالتزامات والعقود المغربي الذي ينص على أنه:
 "إذا كانت ألفاظ العقد صريحة امتنع البحث عن قصد صاحبها" وبناءا عليه متى كانت شروط العقد واضحة وصريحة تعين على القاضي الالتزام بهذه المعاني الظاهرة دون الانحراف إلى غيرها من الاحتمالات كتفسير النصوص القانونية فكلما كانت العبارات الواردة في العقد واضحة كلما اهتدى القاضي إلى الحكم الذي يرتضيه الأطراف وهو نفس الاتجاه الذي سار عليه أنصار نظرية_الأخذ بالإرادة الظاهرة لاستنباط النية المشتركة للمتعاقدين_ والتي هي من نتاج المدرسة الألمانية التي ظهرت منتصف القرن العشرين والتي تعتبر أن القانون يهتم بالمظاهر الاجتماعية لا بالمظاهر النفسية. وعليه فالإرادة الباطنة غير جديرة بالحماية القانونية والعبرة تكون بالإرادة الظاهرة
[38]
ويعلل أنصار هذا المذهب رأيهم في أن التفسير لا يكون إلا في العقد الصحيح، مادام العقد صحيحا فلابد أن تكون الإرادة الظاهرة مطابقة للإرادة الباطنية. إذا اعترى العقد عيب من عيوب الرضا أدى إلى البطلان.
غير أن هذه النظرية تعرضت للعديد من الانتقادات حين افترضت حتما اتحاد ومطابقة الإرادة الظاهرة بالإرادة الباطنة في العقد. وبالتالي يكون موضوع التفسير هو الإرادة الظاهرة. الشيء الذي جعل أصحاب هذه النظرية يدافعون عنها بحجج أهمها أن الإرادة الباطنة مكنون نفسي يستحيل الوصول إليها، وعليه فالإرادة التي يمكن الوصول إليها بسهولة هي الإرادة الظاهرة علاوة على أن الغير لا يستطيع أن يعلم أو يتعرف إلا على الإرادة الظاهرة وهي التي يعتد بها لأنها تبعث في نفوس المتعاقدين الثقة
[39]

ثانيا: دور الإرادة الباطنة في تفسير العقود

 
إن غموض عبارات العقد تدفع مبدأ سلطان الإرادة للترخيص للقاضي لممارسة دوره في ميدان التأويل فعادة ما تكون الشروط التعسفية غامضة في العقود المحررة سلفا حتى لا ينبته إليها المتعاقد الآخر.
وتبقى الأوضاع التي تتطلب تدخل القضاء لتفسير مقتضيات العقد هي التي يكون الهدف من وراءها إظهار النية الحقيقية لطرفي العلاقة التعاقدية في حال غموض عبارات العقد ووضوح الإرادة وحالة غموض الإرادة ووضوح العبارة ثم حالة غموض العبارة والإرادة معا وهو ما تنص عليه مقتضيات الفصل 462 من ق ل ع. هذه الحالات التي تبقى الإطار الواسع لتفعيل سلطة القاضي في التفسير أخدا بعين الاعتبار النية المشتركة للمتعاقدين معتمدا على التأويل للبحث عن هذه الإرادة المشتركة دونما حاجة للتقيد بالمعنى الحرفي للألفاظ ولا بتكوين الجمل، لنخلف إلى القول بأن تفسير شروط العقد الغامضة يدخل ضمن سلطة القاضي المطلقة.وقد تبنى المشرع المغربي آراء أصحاب هذه النظرية والتي تعد وليدة المدرسة الفرنسية، التي استمدتها من المذهب الفردي ومبدأ سلطان الإرادة، والتي يرى أصحاب هذه النظرية أن الإرادة النفسية أي الكامنة في النفس هي الأصل، بل هي الروح وما وسائل إظهارها والكشف عنها إلا مجرد ثوب يرتديه للتعرف عليها
[40]
ونعتقد أن الاعتداد بالنية الباطنة للمتعاقدين يعد ضمانة لاستقرار المعاملات والحيلولة دون استعمال بعض الوسائل الاحتيالية كالصورية في العقود .
 
 
 

خاتمة

 
لقد حاولنا قدر المستطاع التطرق إلى موضوع تفسير العقود وخلصنا إلى نتيجة مفادها أن تفسير العقد من أهم المسائل التي تثار عند تنفيذه،وذلك للوقوف عند المعنى الحقيقي لما أراده العاقدان في حال نشوء خلاف على العقد من حيث ألفاظه ومعانيه ، فالقاضي وهو يفسر العقد يجد عمله لا يقتصر على عملية التفسير فحسب وإنما يرجع أيضا للبحث في مرحلة تكوين العقد ، فبحثه في النية المشتركة للعاقدين يتطلب منه التحري في مدى صحة رضاهما ، فإذا كان الرضا مشوبا بعيب من العيوب ،فذلك يعني أن القاضي لن يصل إلى مراده من تفسير العقد.
وعليه فيمكن أن نخلص إلى أن القواعد العامة لم تعد لوحدها قادرة على إعانة القاضي في عملية تفسير العقود ،حيت أن استجلاء النية الحقيقية يتطلب إعمال مجموعة من العناصر والظروف المحيطة بالعقد ،سيما في ما يتعلق بعقود يعتبر فيها المستهلك طرفا ضعيفا على نحو يستوجب تدخل القضاء لحمايته.
وعليه نعتبر بأن ما ذهب إليه المشرع المغربي بخصوص تخويل القاضي السلطة التقديرية للبحث في النية الحقيقية للأطراف المتعاقدة،إنما ينم عن رغبة المشرع في ضمان استقرار المعاملات،والحيلولة دون استعمال العديد من الوسائل الاحتيالية التي تعمد الأطراف إلى استعمالها.
 

لائحة المراجع

الكتب:
  1. أحمد شكري السباعي، نظرية بطلان العقود في القانون المدني المغربي والفقه الإسلامي والقانون المقارن،منشورات عكاظ، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، 1987
  2. الطيب الفصايلي، النظرية العامة للالتزام، الجزء الأول: مصادر الالتزام،الطبعة الثانية، نشر البديع مراكش، 1997
  3. الإمام محمد أبو زهرة.الملكية ونظرية العقد في الشريعة الإسلامية.دار الفكر العربي.ط غ م.س غ م.
  4. جلال الدين الرياض عبد الرحمن السيوطي.الأشباه والنظائر.الجزء الأول.الطبعة الثانية.مكتبة نزار مصطفى الباز.مكة المكرمة. 1997
  5. زين الدين بن ابراهيم بن محمد(المعروف بابن نجيم).دار الكتب العلمية.الجزء الأول.الطبعة الأولى.بيروت لبنان. 1999
  6. عبد الرزاق السنهوري،الوسيط في شرح القانون المدني،الجزء الأول : مصادر الالتزام ،دون الإشارة إلى الطبعة ودار النشر والسنة.
  7. عبد الرزاق السنهوري.الوسيط في شرح القانون المدني.الجزء الثاني:آثار الالتزام.دون الإشارة إلى الطبعة ومكانها والسنة.
  8. عبد القادر العرعاري.مصادر الالتزامات الكتاب الأول.نظرية العقد.الطبعة الثالثة.مطبعة الأمنية.الرباط. 2013
  9. عبد القادر العرعاري ، النظرية العامة للالتزامات في القانون المدني المغربي، الجزء الأول، مصادر الالتزامات، الكتاب الأول نظرية العقد في مبادئها القانون ومظاهرها التطبيقية - دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي، دون الإشارة إلى الطبعة والسنة
  10. عبد الحكيم فودة.تفسير العقد في القانون المدني المصري. مقارن منشأة المعارف الإسكندرية.طبعة 1993
  11. علي عبد الكافي السبكي.الإبهاج في شرح المنهاج.الجزء الأول. الطبعة الأولى .مكتبة الكليات الأزهرية. 1981
  12. مأمون الكزبري. نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي. الجزء الأول: مصادر الالتزامات. مطبعة النجاح الجديدة.الدار البيضاء. 1968
  13. محمد البوشواري.المدخل لدراسة الشريعة.الطبعة الخامسة.مكتبة قرطبة.أكادير. 2013
  14. أستاذتنا نورة غزلان الشنيوي.العقود المسماة في ظل ظهير الالتزامات والعقود المغربي.مطبعة الورود.إنزكان. 2009/2010
الرسائل والأطروحات:
  • حميد بن شنيتي.سلطة القاضي في تعديل العقد.أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون.جامعة الجزائر.معهد الحقوق بن عكنون. 1996
  • فاطمة عاشور، تفسير العقود في القانون المدني الجزائري، رسالة لنيل درجة الماجيتسير في القانون الخاص، جامعة الجزائر، كلية الحق وق بن عكنون، السنة الجامعية 2004
  • منال جهاد أحمد خلة.أحكام عقود الإذعان في الفقه الإسلامي.رسالة لنيل الماجستير.كلية الشريعة والقانون.الجامعة الإسلامية.غزة. 2008
  • Gilles WALERS.Entre esprit et lettre: Le juge et l’interprétation du contrat en droit français et en droit américain (une étude comparative). Université Paris I Panthéon-Sorbonne.Master 2 _Recherche – Études Juridiques Comparatives. Juin 2010
  • sébastien grammound.interprétation des contrats.université ottawa.septembre 2012   
المقالات:
  • عبد الرزاق أيوب.تكييف العقود في القانون المغربي.مجلة الفقه والقانون                     www.majalah.new.ma
المجلات:
  • محمد بن حمد بن عبد الحميد- سيرين بنت عيسى الباز.قاعدة العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.دراسة تحليلية تطبيقية مقارنة بالقانون المدني الأردني.مجلة أم القرى لعلوم الشريعة والدراساتالإسلامية.العدد 1433.55 هجرية
  • أحمد ياسين القرالة.قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله دراسة تحليلية تطبيقية.مجلة المنارة.جامعة آل البيت.المجلد 10 .العدد 2004.1
القرارات والأحكام القضائية:
  • الحكم المدني عدد 127 الصادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 09 ذي الحجة 1388 هجرية الموافق ل 26 فبراير ·1969منشور بمجلة المجلس الأعلى.الإصدار الرقمي.دجنبر 2000 .العدد 14 .مركز النشر والتوثيق القضائي .
  • قرار 499 مؤرخ في 11 يونيو 1925 منشور بمجموعة قرارات محكمة الاستئناف بالرباط، الجزء الثالث. 1925/1926.
  • قرار عدد 5062 ، بتاريخ 07 يناير 1976 ، منشور بمجلة المعيار، العدد 1 ، سنة 1978 ·
  • قرار عدد 502 منشور بالمجلة المغربية للقانون العدد 15 بتاريخ 15 ابريل 1963 ·
  • قرار عدد 5486 بتاريخ 24 أكتوبر 2007 ، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 69 ، مطبعة الأمنية .الرباط 2009.
 
 
الهوامش

[1]  ظهير شريف 09 رمضان 1331 موافق ل 13 غشت 1913 كما تم تتميمه وتعديله
[2]  مأمون الكزبري، نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي، الجزء الأول: مصادر الالتزامات، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء .1968. ص 30
 
[3] جلال الدين الرياض عبد الرحمن السيوطي.الأشباه والنظائر.الجزء الأول.الطبعة الثانية.مكتبة نزار مصطفى الباز.مكة المكرمة. 1997 ص 200
[4] زين الدين بن ابراهيم بن محمد(المعروف بابن نجيم).دار الكتب العلمية.الجزء الأول.الطبعة الأولى.بيروت لبنان. 1999 ص 207.
[5] المغني لابن قدامة.ط غ م.كتاب الشركة.الجزء الخامس.مكتبة القاهرة.1968.ص 35
[6] ابن نجيم.م س.ص207/208
[7]  L'interpretation d'un contrat vise à déterminer la portée des obligations qui en découlent, en se fondant en premier lieu sur l'intention des parties ,mais aussi sur les principes généraux du droit ,les usages ,les attentes ou la conduite des parties et le bon sens.
sébastien grammound.interprétation des contrats.université ottawa.septembre 2012.p 6
 
[8] مامون الكزبري.م س.ص 246
[9] كما أن المادة 112 من القانون المدني الجزائري أشارت أيضا إلى أنه:"يؤول الشك لمصلحة المدين".
[10] عبد الرزاق السنهوري،الوسيط في شرح القانون المدني،الجزء الأول : مصادر الالتزام ،دون الإشارة إلى الطبعة ودار النشر والسنة.ص 182/183.
[11] عبد القادر العرعاري ، النظرية العامة للالتزامات في القانون المدني المغربي، الجزء الأول، مصادر الالتزامات، الكتاب الأول نظرية العقد في مبادئها القانون ومظاهرها التطبيقية - دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي، دون الإشارة إلى الطبعة والسنة .ص 204
 
[12] للمزيد عن التكييف يراجع مقال أستاذنا الدكتور عبد الرزاق أيوب.تكييف العقود في القانون المغربي.مجلة الفقه والقانون                      www.majalah.new.ma                                                                                                                                                              
[13] فاطمة عاشور، تفسير العقود في القانون المدني الجزائري، رسالة لنيل درجة الماجيتسير في القانون الخاص، جامعة الجزائر، كلية الحق وق بن عكنون، السنة الجامعية  2004.ص 26
[14] عبد القادر العرعاري.مصادر الالتزامات الكتاب الأول.نظرية العقد.الطبعة الثالثة.مطبعة الأمنية.الرباط. 2013 ص 326
[15] عبد الحكيم فودة.تفسير العقد في القانون المدني المصري. مقارن منشأة المعارف الإسكندرية.طبعة 1993.ص 15
[16] عبد الحي حجازي.النظرية العامة للالتزام وفقا للقانون الكويتي.دراسة مقارنة.طبعة جامعة الكويت.1982. أوردته فاطمة عاشور.م س.ص 22
[17] أحمد شكري السباعي، نظرية بطلان العقود في القانون المدني المغربي والفقه الإسلامي والقانون المقارن،منشورات عكاظ، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، 1987.ص 379
[18] أحمد ياسين القرالة.قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله دراسة تحليلية تطبيقية.مجلة المنارة.جامعة آل
البيت.المجلد 10 .العدد 2004..ص 3
[19] علي عبد الكافي السبكي.الإبهاج في شرح المنهاج.الجزء الأول. الطبعة الأولى .مكتبة الكليات الأزهرية. 1981.ص 273/274
[20] الفصل 465 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على ما يلي:"إذا أمكن حمل عبارة بند على معنيين،كان حمله على المعنى الذي يعطيه بعض الأثر أولى من حمله على المعنى الذي يجرده من كل أثر".
[21] الحكم المدني عدد 127 الصادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 09 ذي الحجة 1388 هجرية الموافق ل 26 فبراير ·1969منشور بمجلة المجلس الأعلى.الإصدار الرقمي.دجنبر 2000 .العدد 14 .مركز النشر والتوثيق القضائي ص 19
[22] عبد القادر العرعاري.م س.ص 322
[23] قرار عدد 5486 بتاريخ 24 أكتوبر 2007 ، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 69 ، مطبعة الأمنية .الرباط 2009.ص 42
 
 
[24] " أما إذا كان هناك محل للتأويل العقد فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ مع الاستهداء بطبيعة التعامل وبما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين وفقا للعرف الجاري في المعاملات".
[25] ينظر الفصلين 101 و102 من قانون الالتزامات والعقود.
[26] أستاذنا محمد البوشواري .المدخل لدراسة الشريعة.الطبعة الخامسة.مكتبة قرطبة.أكادير. 2013.ص 123
[27] حميد بن شنيتي.سلطة القاضي في تعديل العقد.أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون.جامعة الجزائر.معهد الحقوق بن عكنون. 1996ص 76
[28] أستاذتنا نورة غزلان الشنيوي.العقود المسماة في ظل ظهير الالتزامات والعقود المغربي.مطبعة الورود.انزكان.2009/2010.ص 55
[29] الفصل 461 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أنه :"إذا كانت عبارة العقد صحيحة امتنع البحث عن قصد صاحبها".
[30] هذه المادة مطابقة للفصل 230 من قانون الالتزامات والعقود
  [31] قرار 499 مؤرخ في 11 يونيو 1925 منشور بمجموعة قرارات محكمة الاستئناف بالرباط، الجزء 3 ·.121
[32] الطيب الفصايلي.النظرية العامة للالتزام.الجزء الأول:مصادر الالتزام.الطبعة الثانية.نشر البديع.مراكش.1997.ص 167
[33] قرار عدد 502 منشور بالمجلة المغربية للقانون العدد 15 بتاريخ 15 ابريل 1963 ·.ص 169
[34]  قرار عدد 5062 ، بتاريخ 07 يناير 1976 ، منشور بمجلة المعيار، العدد 1 ، سنة 1978 ·.ص 47/48
[35] Gilles WALERS.Entre esprit et lettre: Le juge et l’interprétation du contrat en droit français
et en droit américain (une étude comparative). Université Paris I Panthéon-Sorbonne.Master 2 Recherche – Études Juridiques Comparatives. Juin 2010.page19
 
 
[36] أستاذنا محمد البوشواري.م س .ص 61 وما بعدها   
[37] عبد الرزاق السنهوري ج1 .م س.ص 490/491
[38] فاطمة عاشور .م س.ص 31
[39] فاطمة عاشور .م س.ص 31
[40]  فاطمة عاشور.م س.ص 32
 



الجمعة 22 غشت 2014


عناوين أخرى
< >

السبت 16 نونبر 2019 - 14:25 تأمين العمال غير الأجراء


تعليق جديد
Twitter