Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية





تعليق على قرار المجلس الدستوري رقم 14/ 943 م. د المتعلق بالقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية 066.13 في شقه المتعلق بضمان تمثيلية النساء بالمحكمة الدستورية[1]


     



أنوار عشيبة
حاصل على شهادة الماستر في العدالة الجنائية والعلوم الجنائية
بكلية الحقوق ظهر المهراز بفاس
برسم الموسم الجامعي 2013/2014



تعليق على قرار المجلس الدستوري رقم 14/  943 م. د المتعلق بالقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية 066.13 في شقه المتعلق بضمان تمثيلية النساء بالمحكمة الدستورية[1]
 
أصدر المجلس الدستوري قراره رقم 14/943  بتاريخ 25 يوليوز 2014 بمناسبة نظره في مدى دستورية القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية المغربية ، وقد قضى المجلس في قراره المذكور بعدم دستورية الفقرة الرابعة من المادة الأولى من القانون التنظيمي المذكور ، إضافة إلى الفقرة الأخيرة من المادة 33 والفقرة الأولى من المادة 35 ، وقضى بدستورية باقي مواد وفقرات القانون التنظيمي واعتبر الأجزاء غير الدستورية غير مؤثرة على القانون التنظيمي لذلك ارتأى فصلها ، والأمر بتنفيذه ونشره بالجريدة الرسمية ،لينتهي بذلك مسلسل القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية ويكون المجلس الدستوري قد وضع حدا لمسيرة عمرت لأزيد من 22 سنة ، ومنهيا كذلك النقاش المتعلق بإخراج القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية إلى حيز الوجود بعد أن استفاذت الحكومة من هذا التأخير بتمريرها لمختلف مشاريع القوانين والقوانين التنظيمية التي ترغب في تمريرها مستغلة استمرارية عمل المجلس الدستوري بعد دستور 2011 طبقا للفصل 177 من الدستور  ، إذ انه كان من الأفضل إخراج القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية قبل أي حادث أو حديث ، لكن يشاء المواطن والباحث والحقوقي وتشاء الحكومة غير ذلك في ظل الحياد السلبي للسلطة التشريعية وامتناعها عن الخوض فيما يحق لها دستوريا التشريع فيه ] 2[.

وما يهم من القرار المذكور أعلاه ، ما قضى به المجلس من عدم دستورية الفقرة الرابعة من المادة الأولى من القانون التنظيمي والتي تنص على : " يراعى ضمان تمثيلية النساء في كل فئة من الفئات الثلاث المنصوص عليها في الفقرة السابقة " ] 3[
وهو ما رأى فيه المجلس على مستوى الفقرة الرابعة المتعلقة بضمان تمثيلية النساء بالفئات الثلاث ، أي المعينين من طرف الملك والمنتخبين بمجلس النواب ونظريهم بمجلس المستشارين ، معتبرا أن في ذلك مساسا بتصدير الدستور الذي ينص على مكافحة كل أشكال التمييز بما فيها التمييز بين الجنسين ، وأيضا ما تنص عليه الفقرة الأولى من الفصل 19  ، وكذلك الفصل 130 منه.

والتبريرات والمسوغات التي قدمها المجلس الدستوري للقضاء بعدم دستورية الفقرة المذكورة تقودنا إلى مناقشة عدة جوانب نراها محل خلاف في النظر بل وتصل لحد التناقض بين قرارت المجلس وقراءاته لبعض مضامين الدستور ، وهو الأمر الذي سنعمل على توضيحه ومناقشته على ضوء الفقرة الرابعة المقضي بعدم دستوريتها ، وكل ذلك من خلال محورين ، يهم الأول تحليل المقصود بالفقرة الرابعة أي المقصود بضمان تميثلية النساء وذلك على ضوء مقتضيات الدستور والمواثيق الدولية خاصة الإتفاقية المتعلقة بحظر مختلف أشكال التمييز ضد المرأة ، وما تنص عليه من ضرورة تكريس ما يصطلح عليه بآليات التميييز الإيجابي ، ويهم المحور الثاني مناقشة الحيثيات التي ارتكز عليها قرار المجلس للقضاء بعدم دستورية الفقرة المذكورة ومدى اعتبارها مسوغات دستورية تكرس المساوات الفعلية بين الجنسين وتحقيق الأهداف الدستورية ؟ .

المحور الأول : التأطير النظري لمفهوم ضمان تمثيلية النساء على ضوء الدستور والمواثيق الدولية  .

حتى نتمكن من تحديد الجوانب المنطقية التي تحيط بالإشكالية محل النقاش  ، ومراعاة لسياقها القانوني والحقوقي ، سننطلق من العبارة التي اعتبرها المجلس الدستوري غير دستورية ،  والتي تنص على أنه :

 " يراعى ضمان تمثيلية النساء في كل فئة من هذه الفئات "  والمقصود من هاته الفئات كما سبقت الإشارة تلك التي يعينها الملك (الأعضاء الستة بمن فيهم الرئيس) والأعضاء الثلاثة المنتخبين على مستوى مجلس النواب ونفس الأمر بالنسبة لمجلس المستشارين ، أي بشكل عام ضمان تمثيلية للمرأة على مستوى المحكمة الدستورية، وقبل التطرق لقرار المجلس الدستوري نطرح سؤالا مؤطرا للمحور حول كيفية الوصول على المستوى التشريعي والحقوقي للعبارة محل الذكر ، أو بعبارة أخرى ما هي دواعي إدراج تلك الفقرة  بالتنظيمي للمحكمة الدستورية ؟.

للإجابة عن التساؤل ننطلق من المرجعية الدولية ، وحتى نكون أكثر دقة من الإتفاقية الخاصة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة الصادرة بتاريخ 18دجنبر 1979 ، والتي صادق عليها المغرب بتاريخ 21 يونيو 1993 ] 4[ ، حيث تشير الإتفاقية في مادتها الثانية ، البنذ (أ) إلى ضرورة " إدماج مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها الوطنية أو تشريعاتها المناسبة الأخرى ، إذ لم يكن هذا المبدأ قد أدمج فيها حتى الآن ، وكفالة التحقيق العلمي لهذا المبدأ وكفالة التحقيق العملي لهذا المبدأ من خلال التشريع وغيره من الوسائل المناسبة" .

وإذا كان المغرب قد أدرج مجموعة هامة من هاته المقتضيات خاصة على المستوى الدستوري كما هو الأمر بالنسبة لتصدير الدستور وباقي الفصول خاصة الفصل 19 منه والذي وبعد التنصيص على المساواة بين الجنسين في فقرته الأولى منه عاد ليؤكد في الفقرة الثانية من نفس الفصل على بلوغ غاية عملية متمثلة فيما عبر عنه ب" تسعى الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء " ، وبالمقارنة بين هاته العبارة يبدو وما سبقها من البنذ (أ) من الإتفاقية المشار إليها أن سعي الدولة إلى تحقيق المناصفة ما هو في الأصل إلا تطبيق لما أشار إليه البنذ في عبارته الأخيرة عندما أكد على كفالة التحقيق العملي للمبدأ ، وبالتالي فإلى جانب الآلية التشريعية المثقلة بمبادئ المناصفة تبدو الآليات الأخرى على جانب كبير من الأهمية وهي التي عبرت عنها الإتفاقية في البنذ المذكور بالوسائل المناسبة ، وأكدت عليه المادة الثالثة من الإتفاقية بعد ذلك] 5[،

والغاية التي ترومها المواثيق الدولية في شقها المتعلق بالمساواة بين الجنسين هو تيسير سبل وصول المرأة إلى مختلف المجالات والقطاعات كيفما كانت مثل ما هو الأمر مع الرجال، لذلك تخاطب الدول التي لازالت تعرف مظاهر التمييز والإقصاء والغياب القسري أيضا عن مراكز القرار ، بإدماج مجموعة من الآليات ذات الطابع التشريعي التي تسمى بتدابير التمييز الإيجابي بغية تحقيق هذا الهدف ، أي أن يتم وضع نسبة معينة مثلا أو شروط تمييزية خاصة بالمرأة من أجل ضمان وصولها لمجالات وقع تغييبها قسرا عنها نتيجة طبيعة القوانين والأعراف السائدة لفترة زمنية كبيرة ، لكن ما يميز هاته التدابير أنها لا تبقى لكل الوقت ولكن ينتهي مفعولها بتحقيق غاية أسمى وهي المساواة والمناصفة النهائية ، كما تنص على ذلك المادة الرابعة من الإتفاقية : " لا يعتبر اتخاذ الدول الأطراف تدابير خاصة مؤقتة تستهدف التعجيل بالمساواة الفعلية بين الرجل والمرأة تمييزا بالمعنى الذي تأخذ به هذه الإتفاقية ،ولكنه يجب ألا يستتبع، على أي نحو الإبقاء على معايير غير متكافئة أو منفصلة ، كما يجب وقف العمل بهذه التدابير متى تحققت اهداف التكافؤ في الفرص والمعاملة " ، وهو ما يعني أنها تدابير ذات طابع مرحلي يميز دولة في طور الإنتقال من مرحلة التمييز والإقصاء إلى مرحلة المساواة والحضور .

وبالتالي نصل إلى القول أن العبارة التي ضمنت بالقانون التنظيمي جاءت لتجسد مضمون الفصل 19 من الدستور ، وكذلك تطبيقا لمواد اتفاقية حظر أشكال التمييز ضد المرأة المشار إليها ، وليس هذا المقتضى بالجديد إذا ما عدنا إلى القانون التنظيمي لمجلس النواب ومادته الثالثة والعشرون الخاصة بإحداث لائحة وطنية خاصة  بالمرأة والشباب والتي تستهدف وضع إجراء تمييزي لفائدة هاته الفئات المغيبة عن المجال السياسي ] 6[، والتي كانت محل قبول من المجلس الدستوري في أحد قراراته الخاصة بهذا الشأن والتي سنشير إليها بالتفصيل في المحور الثاني ، إذن فعبارة ضمان تمثيلية النساء ما هي في الواقع إلا نتيجة منطقية للواقع المغربي ولإفرازاته على مستوى التمييز بين الجنسين أو لنقل تغييب حضور المرأة ، وأنه لا يمكن ضمان هذا الحضور حالية إلا بهذا الإجراء ، ولا ضير في حذفه مستقبلا عندما تحقق أهداف التكافؤ في الفرص والمعاملة كما تشير إلى ذلك المادة الرابعة المشار إليها سابقا من الإتفاقية ، وهنا يحق لنا التساؤل : هل المجلس الدستوري المغربي وجد أن المغرب يعيش حالة التكافؤ هاته حتى يقضي باستبعاد المقتضى المذكور واعتباره غير دستوري ؟ أم أنه استند على أسس ومعايير مغايرة ؟ وهل بدا قراره منطقيا من وجهة الواقع والتشريع الدستوري ؟ ، سنعمل على توضيح هاته التساؤلات بالمحور الثاني أثناء تحليل الحيثيات التي استند عليها المجلس الدستوري لبناء قراره .
 
المحور الثاني : تقييم حيثيات قرار المجلس الدستوري ومدى صواب النتيجة التي توصل إليها .

استند المجلس الدستوري في اعتباره للفقرة الرابعة من المادة الأولى من القانون التنظيمي 066.13 غير دستورية ، على عدة اعتبارات وأسس أغلبها منطلقات دستورية لأن عمل المجلس الدستوري هنا هو النظر في مدى مطابقة القانون التنظيمي المذكور للدستور خاصة وأنه مجبر على الإطلاع على كافة مضامين القانون التنظيمي في ظل إلزامية الإحالة بالنسبة للقوانين التنظيمية ، ومن بين الأسس أو الحيثيات التي تضمنها قرار المجلس أن الفقرة المعنية تتضمن تحديدا مسبقا لنسبة حضور النساء بالمحكمة ، وهو ما يتعبر مساسا بتصدير الدستور الذي ينص على حظر ومكافحة كل  أشكال التمييز بسبب الجنس وأيضا مساس بالفقرة الأولى من فصله 19 من كون الرجل والمرأة يتمتعان، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والبيئية، وهو ما يعني في نظر المجلس عدم السماح للمشرع بضمان نسبة مسبقة لأحد الجنسين في الوظائف العمومية .

وأضاف المجلس الدستوري في معرض استدلاله على عدم دستورية الفقرة المذكورة بأنها تخالف أيضا الفصل 130 من الدستور والذي ربط العضوية بالمحكمة الدستورية بشروط ومعايير جوهرية، حددتها الفقرة الأخيرة من فصله 130 في توفر أعضاء المحكمة الدستورية على تكوين عال في مجال القانون وعلى كفاءة قضائية أو فقهية أو إدارية، والذين مارسوا مهمتهم  لمدة تفوق خمس عشرة سنة، والمشهود لهم بالتجرد والنزاهة، وأخضعها لشروط شكلية ومسطرية حددتها الفقرة الأولى من نفس الفصل.

ويضيف المجلس أن تحقيق الأهداف الدستورية يلزم ألا يقترن بالإخلال بمبادئه ، وأن من شأن تخصيص نسبة مسبقة للنساء ينافي الشروط الجوهرية والمسطرية سالفة الذكر . وبالتالي فتقييم ما توصل إليه المجلس الدستوري من النتيجة المحددة تفرض مناقشة نقطتين أساسيتين استند عليهما في حيثياته :
 
 
أولا : مدى صحة المنطق المعتمد من المجلس في تأويله للفصل 19 من الدستور وخاصة فقرته الأولى.

قبل الإعتماد على الفقرة الأولى من الفصل 19 التي تنص على المساواة بين الجنسين أورد المجلس ما تضمنه تصدير الدستور المعتبر جزءا لا يتجزأ من الوثيقة الدستورية ، مرتكزا على حظره لمختلف أشكال التمييز بين الجنسين ، تم عززها بالفقرة الأولى من الفصل 19 التي تؤسسس للمساواة الحسابية حسب الفهم الأرسطي ، وهنا وقبل الخوض في مناقشة هذا التعليل ، أود الإشارة في البدء إلى تمييز أراه مربط الفرس في فهم العديد من فصول الدستور ومبادئه ، إذ أنه بقراءة متأنية وبمقارنة لفصول الدستور نجد أنه في حده الأدنى يقبل على الأقل بنوعين من المبادئ :

  • المبادئ الدستورية غير القابلة للتعديل ، وهي ما يسميها هنري روسيون بالمافوق دستورية ] 7[ ونجد بعض تطبيقاتها في الفصل175 من الدستور الذي يجعل من الملكية والدين الإسلامي وبالإختيار الديموقراطي للأمة ، وبالمكتسبات في مجال الحقوق والحريات الأساسية في الدستور .
  • المبادئ الدستورية القابلة للتعديل والمناقشة وهي على نوعين :
 
مبادئ مرحلية ذات أهداف انتقالية : مبادئ التمييز الإيجابي، الشروط المرتبطة بالممارسة السياسية ، هيئات الحكامة ...
المبادئ التابثة ذات المرجع الكوني : حقوق الإنسان الأساسية والتي لا تقبل التجزيء أو التراجع ، لكنها تقبل التعديل على المستوى الدستور عبر تعزيزيها بمزيد من الحقوق أو مزيد من آليات التدعيم.

وبالتالي فما أشار إليه المجلس الدستوري مما تضمنه تصدير الدستور وأيضا عززه بالفقرة الأولى من الفصل 19 يمكن وبالملاحظة الأولى إدراجه مختلف المبادئ المتضمنة به ضمن الفئة المتعلقة بالمبادئ التابثة والتي لا تميز مرحلة بعينها وإنما تهم الحاضر والمستقبل بشكل متواز ، ولا تتضمن قواعد إجرائية مرحلية ، فهي إذن أهداف نهائية ، لا يمكن الوصول إليها وتحقيقها إلا عبر المرور بمرحلة انتقالية ، وهي ما دعا إليه الفصل 19 في فقرته الثانية من أن الدولة تسعى إلى تحقيق المناصفة بين الرجال والنساء ، وهذا الأمر يتعلق بصنف المبادئ المرحلية المميزة لفترة انتقالية ، أي أن المشرع الدستوري  بعدما رسم الهدف المرجو بلوغه وهو المساواة النهائية عاد ليؤكد أن الأمر يتطلب سعيا من الدولة لتحقيقه ، وهو ما يعني أن قراءة المجلس الدستوري للفصل 19 جانبت الصواب ولم تأخد بمفهوم الفقرة الأولى منه على ضوء الفصل كاملا ، وأيضا على ضوء الإتفاقية المشار إليها سابقا ومادتها الرابعة السالفة الذكر ، وهكذا فالمقصود بالفصل 19 كهدف هو المساواة ، لكن بلوغها على مستوى الإجراء يتطلب تدخل من الدولة ، ويبدو أن فهم المجلس الدستوري توقف عن الهدف دون مسعى بلوغه ،  أو رأى أننا على مرمى حجر من بلوغه مما لم يعد معه متطلبا أي إجراء تمييزي.

ثانيا : حدود فهم الشروط المضمنة بالفصل 130 من الدستور في تعليل المجلس الدستوري .

استند المجلس الدستوري أيضا على الفصل 130 من الدستور والذي يحدد الشروط المتطلبة في أعضاء المحكمة الدستورية ، واعتبر أن ضمان نسبة مسبقة للنساء من شأنه الإخلال بهاته الشروط ، فإلى أي حد يمكن التسليم بحصول هذا الإخلال ؟

من المعلوم أن الدستور عندما ينص على مؤسسة معينة ويحيل على قانون تنظيمي ينضمها ، فهو لا يرسم تفاصيلها الدقيقة لأن الدستور في الأصل لا ينص إلا على المبادئ العامة ويحدد الأهداف المرجوة ، حتى لا تكثر تعقيدات تأويل مقتضياته وحتى تبقى ديموقراطية الفهم، لذلك فتقنية القوانين التنظيمية ذات اهمية بالغة في تفصيل ما أجمله الدستور ، لكن هل يعتبر ما تحدث عنه الدستور بصفة عامة وأجمله في قاعدة او إثنتين بمثابة شروط نهائية مقيدة ؟ ، يطرح هذا التساؤل لأن الإجابة عنه هي المفصل في تقييم مدى صواب المجلس الدستوري فيما قصده بإقحامه للفصل 130 .

من مقاصد الفهم في فقه القانون الدستوري أن القانون التنظيمي له أن يفصل ما شاء من الإجراءات والشروط ، شريطة عدم المساس بالقاعدة الدستورية لأنها أسمى منه ، لأن القانون التنظيمي ما وجد في الأصل إلا ليخرج الدستور من حرج التفصيل والإنسياق وراء تعقيد الجزئيات ، وأيضا وهذا ما قد يغيب عن ذهننا ، أن المشرع الدستوري ليس هو المشرع العادي الذي له من الإمكانيات ما يمكنه من التفصيل حسب كل مؤسسة دستورية على حدة ، وبالتالي فتمكين المرأة من الحضور على مستوى أعضاء المحكمة الدستورية ، وحتى إذا كان الفصل 130 لم ينص على ذلك المقتضى ، فإنه لا يصح القول أولا بأن الدستور أجمل وفصل في نفس الوقت في الشروط المتطلبة ، وإنما ما حدده من شروط تعتبر أهداف لا يصح تجاوزها ، وأن ضمان حضور المرأة لا يشكل إخلال بمبادئ المساواة لأن فهم هذا الفصل يلزم أن يتم على ضوء الدستور ككل وما أراده من وضع متميز للمرأة إلى أن يصل للمساواة المتكافئة كهدف استراتيجي، وثانيا يتميز القانون التنظيمي بسهولة تغييره بقانون تنظيمي آخر على عكس الدستور الذي يتميز تغييره بالجمود الكبير لاعتبارات تخرج عن نطاق الحديث هنا ، لذلك فلا ريب في أن يضيف القانون التنظيمي بعض الشروط ذات الطابع المرحلي التي لا تمس بالقواعد التابثة للدستور بل تهدف إلى تحقيق ما أراده( الفقرة الثانية من الفصل 19) ، وإذا تغيرت الأوضاع وزال مفعول الطابع المرحلي وتحقق الهدف المنشود ، يكون من السهل تعديل القانون التنظيمي وتضمينه مقتضى أكثر مساواة .وحتى لو سلمنا بالفرضيات المسوغة هنا من طرف المجلس الدستوري فكيف إذن لم يلتفت المجلس إلى أحد المقتضيات بالقانون التنظيمي المذكور والتي تخالف الفصل 130 في نصها على أنه في حالة غياب رئيس المحكمة يعوضه العضو الأكبر سنا ، فبدعة السن هاته والتي يجري العمل بها في العديد من القوانين ، تعتبر أكبر مخالفة للدستور ، لأن المشرع نص على الكفاءة والنزاهة وغيرها مما عدده الفصل المذكور  وأعاد ترديده المجلس الدستوري ، فأين إذن موقع الكفاءة من السن؟. أوليست تمييزا غير دستوري ، لماذا إذن لم يراها المجلس كذلك واعتبرها دستورية ، ولم يعتبر ضمان حضور الأمر كذلك ؟

وليس هذا وجه التناقض الوحيد ، إذ أن المجلس وفي أحد قراراته ] 8[، اعتبر إحداث دائرة انتخابية وطنية تدخل ضمن ".. التدابير التي تروم تحقيق الأهداف الدستورية التي منها تستمد أصلا مبرر وجودها وأن لا تتجاوز في ذلك حدود الضرورة ، عملا بمدأ  تطابق القواعد القانونية المتخدة مع الأهداف المرجوة منها" ، فكيف إذ تراجع المجلس عن قراره هذا ؟ أم أنه قصد أمرا آخر ؟، وهو ما جعله يميز في تعليله الأخير بين مرحلة الإقتراح والترشيح والتي لا ضير في أن تتميز بضمان تمثيلية النساء ، وبين مرحلة الإختيار النهائي التي يلزم ألا تتضمن نسبة مسبقة لا للرجال ولا للنساء ، وهنا يبرز التناقض في قرارات المجلس الدستوري رغم هذا التمييز ، إذ أنه اعتبر في وقت سابق التدابير ذات الطابع التمييزي (بشكل إيجابي)  تروم تحقيق الأهداف الدستورية ، لكن عندما تعلق الأمر بالعضوية بالمحكمة الدستورية اعتبرها تمس بهاته الأهداف وأنه يلزم اقتصارها على المرحلة الأولى المتعلقة بالإقتراح والترشيح ، علما أنه على مستوى اللائحة الوطنية بالنسبة للإنتخابات البرلمانية فإنها تفضي بشكل محسوم إلى ضمان وجود النساء والشباب .

وهكذا نخلص إلى التساؤل على ضوء ما توصل إليه المجلس من خلال تأويله للعديد من النصوص الدستورية، هل فعلا وصلنا مرحلة المساواة الفعلية التي يلزم أن تضع حدا لأي تمييز إيجابي، وأن المجلس الدستوري نظر إلى الواقع وعمل على تقييمه ، فوجد أن المرأة أضحت تحتل المؤسسات التي يحق لها التواجد فيها إلى جانب الرجل ، بعد الغياب الذي طالها ، وأن تأويل الدستور والنصوص الخاصة بالمساواة يلزم تأويلها في هذا السياق ؟ ، أم أن المجلس الدستوري لم ينظر إلى الواقع وإنما استشرف المستقبل ، فرأى أن المراة ستبلغ في القريب العاجل هذا المبتغى ، فقرر عدم دستورية الفقرة المذكورة ليعفي مشرع القانون التنظيمي في المستقبل من تعديل هاته الفقرة أو حذفها ، رغم أنها مرحلة ستخلو من ذكر المجلس الدستوري؟، أم أن المجلس كانت له رؤية أخرى لنصوص الدستور ، وبالتأكيد رؤية خلت من أي تفسير يرتكز على الإتفاقيات الدولية المقصودة، والتي يلزم أن يعزز أي تفسير للدستور على ضوئها.
 
 
لائحة المراجع مع بعض الشروح  والإضافات :

  1. قرار المجلس الدستوري المغربي رقم 14/  943 م. د الصادر بتاريخ 25 يوليوز 2014 منشور على الموقع الإلكتروني للمجلس الدستوري: http://www.conseil-constitutionnel.ma/AR/Decision/detail_recherche.php?mot=sdfsdfsdff&id_discour=2014/943
  2. عدد مقترحات القوانين المقدمة من المجلسين بلغت سنة 2013 ، 64 مقترح ، في حين بلغ عدد مشاريع القوانين المقدمة من طرف الحكومة 113 ، ومشاريع الظهائر الملكية 108 ، وهو ما يفسر الضعف الكبير الذي يميز عمل البرلمان في مجال التشريع رغم اتساع المجالات الخاصة به كما حددها الدستور وأهميتها ( الأرقام المبينة أعلاه صادرة عن الأمانة العامة للحكومة المغربية ضمن تقريرها السنوي لسنة 2013 المعنون ب : نشاط الأمانة العامة للحكومة لسنة 2013 وآفاق المستقبل ، ص 19 ، منشور على موقعها الإلكتروني : http://www.sgg.gov.ma/arabe/Accueil.aspx
  3. تجدر الإشارة إلى أن الفقرة الرابعة المشار إليها بالمادة الأولى من القانون التنظيمي 066.13 لم تكن مضمنة بهاته المادة عند وضع المشروع لأول مرة على مستوى مجلس النواب ، أي أن المشروع كما صاغته الحكومة لم يكن يهدف إلى ضمان هاته التمثيلية، رغم أن وزير العدل أبدى ارتياحه أثناء عرض تقديمه بمناسبة القراءة الثانية لمشروع القانون التنظيمي بمجلس النواب ، كما أشار مختلف النواب المتدخلين على مستوى اللجنة إلى أهمية هذا المقتضى (أنظر ملخص المناقشة العامة وجواب السيد الوزير عليها ، المضمنة بتقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان حول مشروع قانون تنظيمي 066.13 يتعلق بالمحكمة الدستورية – قراءة ثانية ) ، ولم تتم إضافة هاته الفقرة إلا أثناء مناقشة المشروع على مستوى مجلس المستشارين والذي تميزت مناقشته بهاته الغرفة بجدية كبيرة مقارنة مع الغرفة الأولى للمزيد من التفاصلي حول مناقشة المشروع بمجلس المستشارين يمكن الإطلاع على تقرير لجنة العدل وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين الخاص بالقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية ومقارنته بالتقرير الصادر عن لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب .
  4. اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ، اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والإنضمام بموجب قرار الأمم المتحدة 34/180 ، المؤرخ في 18 دجنبر 1979 ، دخلت حيز النفاذ في 3 شتنبر 1981 وفقا لأحكام المادة 27 .
قام المغرب بإيداع وثائق المصادقة على الإتفاقية بتاريخ 21 يونيو 1993 وذلك بظهير رقم 2.93.4 الصادر في 14 يونيو 1993 ، نشرت بالجريدة الرسمية عدد 4866 سنة 2001 .
يمكن الرجوع للمزيد حول الإتفاقية ومضامينها ل: محمد فتوحي ، المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب في مجال حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني ، ص 156 وما بعدها .

الهوامش
  1. تنص المادة الثالثة من الإتفاقية المذكورة على : " تتخذ الدول الأطراف في جميع المياديين ، ولا سيما الميادين  السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية ، كل التدابير المناسبة ، بما في ذلك التشريعي منها ، لكفالة تطور المرأة وتقدمها الكاملين . وذلك لتضمن لها ممارسة حقوق الإنسان وحرياتها الأساسية والتمتع بها على أساس المساواة مع الرجل".
  2. المادة 23 من القانون التنظيمي رقم 27.11 الخاص بمجلس النواب الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.165الصادر في 13 ذي القعدة 1432  الموافق ل14 أكتوبر 2011، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5987 بتاريخ 17 أكتوبر 2011، ص 5053.
  3. هنري روسيون ، المجلس الدستوري ، ترجمة محمد وطفه ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، الطبعة الأولى ، بيروت ، 2001، ص74.
  4. قرار رقم 2011-817 صادر في 15 ذي القعدة 1432 الموافقل 13 أكتوبر 2011 ،منشور بالجريدة الرسمية عدد 5987 بتاريخ 17 أكتوبر 2011، ص 5084.
 

الاثنين 22 سبتمبر 2014
2175 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter







Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter