Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية





تعليق على قرار المجلس الدستوري بشأن القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا


     

قرار منشور بالجريدة الرسمية عدد 6066 الصفحة 4235 بتاريخ 19 يوليوز 2012


ذة نوال المفتاحي

باحثة جامعية

ماستر قانون المنازعات العمومية



تعليق على قرار المجلس الدستوري بشأن القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا








من الصعب القيام بتعليق على قرارات مؤسسة دستورية كالمجلس الدستوري، اعتبارا لما لهذه المؤسسة من موقع دستوري ووقار قضائي، وذلك بالنظر لبعض الثغرات التي تتخلل دستور2011[1]  في بنيته القانونية وما يثيره من تجاذبات سياسية حول حقيقة معاني مقتضياته، ولاسيما نتيجة تباين مفهوم الديمقراطية والاختلاف حولها لدى الاطراف السياسية، وهذا ما يضع هذا المجلس في موقع الحكم الحاسم للخلاف السياسي في بعده الدستوري، أي يجعل منه حارسا أمينا لمعبد الدستور، وإن كان المستهدف في العملية السياسية في المغرب ملائمة مؤسساتها للدستور، لذا فمن الطبيعي أن يعرف الخلاف السياسي حدته وينعكس جليا على العملية القانونية.

وقبل الخوض في التعليق على قرار المجلس الدستوري بشأن القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا لابد من استعراض وقائع وحيثيات ومنطوق القرار موضوع التعليق:


الوقائع
 
تتلخص الوقائع المرتبطة بالقرار بإحالة القانون التنظيمي المتعلق بالتعيين في المناصب العليا على أنظار المجلس الدستوري بمقتضى رسالة السيد رئيس الحكومة المسجلة بالأمانة العامة للمجلس في 31 مايو 2012، وذلك من أجل البت في مطابقته للدستور عملا بأحكام الفقرة الثانية من الفصل 132 من الدستور، على وجه الاستعجال طبقا للفقرة الرابعة من نفس الفصل.
والملاحظ أن الحكومة استعملت حقها في إعلان الاستعجال الذي يلزم المجلس الدستوري بإصدار قراره داخل أجل 8 أيام عوض أجل الشهر المخول له في الحالة العادية
[2].
إن مثل هذا التصرف يمكن اعتباره بالطبيعي نظرا لما تعيشه البلاد من انتظارية في فترة انتقالية تتميز بصعوبة الظرف الاقتصادي.
إن الرغبة في إصدار قانون تنظيمي حيوي يخص التعيين في أهم مؤسسات الدولة يفسر هذا الاستعجال الذي يمكن في كثير من الأحيان أن ينعكس على منتوج القاضي الدستوري المغربي.


الحيثيات
 
تتلخص أبرز حيثيات القرار فيما يلي :
حيث تنص المادة الثانية في بندها I على أن المسؤولين عن المؤسسات العمومية الاستراتيجية يعينون بظهير بعد المداولة في المجلس الوزاري، في حين تنص في بندها II على أن تعيين المسؤولين عن المقاولات العمومية الاستراتيجية "يصادق" عليه في المجلس الوزاري، وذلك بناء على اقتراح من رئيس الحكومة وبمبادرة من الوزير المعني.
 وحيث إن المقطع الأول من المادة الثالثة من هذا القانون التنظيمي، ينص على أن التعيين في المناصب العليا المشار إليها في البندين (أ) و (ج) من الملحق رقم 2 التي تكون موضوع مداولة في مجلس الحكومة، يتم بموجب مرسوم، في حين ينص مقطعها الثاني على أن المسؤولين عن المقاولات العمومية "يصادق" على تعيينهم في مجلس الحكومة.
 لكن، حيث إن الدستور ينص في فصله 49 على أن تعيين المسؤولين عن المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية ـ إلى جانب مناصب عليا أخرى- يتم في المجلس الوزاري باقتراح من رئيس الحكومة وبمبادرة من الوزير المعني، وفي الفقرة الأولى من فصله 91 على أن رئيس الحكومة يعين في الوظائف المدنية في الإدارات العمومية وفي الوظائف السامية في المؤسسات والمقاولات العمومية، دون إخلال بأحكام الفصل 49 من الدستور، وفي الفصل 92 على أن القانون التنظيمي المشار إليه في الفصل 49 المذكور أن يتمم لائحة الوظائف التي يتم التعيين فيها في مجلس الحكومة.
 وحيث إنه يستفاد من أحكام الفصول آنفة الذكر، أن الدستور لم يقم أي تمييز في مسطرة وشكل تعيين المسؤولين عن المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية التي يتم التعيين فيها في المجلس الوزاري، كما لم يقم أيضا أي تمييز في كيفية وشكل تعيين المسؤولين عن باقي المؤسسات والمقاولات العمومية الذي يتم في مجلس الحكومة.
 وحيث إن كانت المقاولات العمومية تخضع، في كثير من أوجه نشاطها، لتشريعات خاصة ولاسيما القانون رقم 95-17 (30 أغسطس 1996) المتعلق بشركات المساهمة، إلا أنه، في ما يخص طريقة وشكل تعيين المسؤولين عن هذه المقاولات، يتعين تطبيق أحكام الدستور الذي له السمو الكامل على كل ما سواه من المقتضيات القانونية، وهو ما أكده الدستور نفسه في فصله السادس.
 وحيث إنه، تبعا لذلك، فإن ما تضمنته المادة الثانية في بندها II والمادة الثالثة في مقطعها الأخير من هذا القانون التنظيمي من أنه "يصادق" على تعيين المسؤولين عن المقاولات العمومية، غير مطابق لأحكام الفصلين 49 و 92 من الدستور اللذين ينصان على التعيين دون المصادقة.
كما أضاف المجلس الدستوري:
 " حيث إنه إعمالا لأحكام الفصل 92 من الدستور، تحدد مبادئ التعيين في المناصب العليا، والمتمثلة إجمالا في تكافؤ الفرص والاستحقاق والشفافية والمساواة في وجه جميع المرشحات والمرشحين، وفي عدم التمييز بجميع أشكاله فيما بينهم، وفي المناصفة بين النساء والرجال، كما تحدد هذه المادة أيضا معايير التعيين في هذه المناصب العليا والمتمثلة في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، والتحلي بالنزاهة والاستقامة، والتوفر على مستوى عال من التعليم والكفاءة اللازمة وعلى تجربة مهنية بإدارات الدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات أو المقاولات العمومية أو في القطاع الخاص، داخل الوطن أو خارجه.
    وحيث إن هذه المبادئ والمعايير مستمدة عموما من أحكام الدستور الواردة على وجه الخصوص في التصدير وفي الفصول 16 و19 و154 و155، فليس في مقتضيات المادة المذكورة ما يخالف الدستور.


المنطوق
 
صرح المجلس الدستوري :

 أ ـ بأن ما ورد في القانون التنظيمي رقم 12-02 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا تطبيقا لأحكام الفصلين 49 و92 من الدستور في البند  من المادة الثانية منه أنه "يصادق" على تعيين المسؤولين عن المقاولات العمومية الاستراتيجية، وفي المقطع الأخير من المادة الثالثة منه أنه "يصادق" على تعيين المسؤولين عن المقاولات العمومية، غير مطابق للدستور.

 ب ـ  بأن باقي أحكام هذا القانون التنظيمي مطابقة للدستور.
   
و تنفيذا لأحكام القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الدستوري
[3]، أمر بتبليغ نسخة من قراره هذا إلى السيد رئيس الحكومة، وبنشره في الجريدة الرسمية.

التعليق:

مقدمة:

ينص الدستور على ضرورة سن مجموعة من القوانين التنظيمية
[4] التي تعتبر بطبيعتها مكملة للدستور لذلك فهي تكتسي أهمية قصوى و يحتاج تنزيلها إلى الكثير من الحكمة و التوافق السياسي[5].
في هذا الصدد فقد قامت الحكومة بتقديم مشروع قانون تنظيمي يخص التعيين في الوظائف السامية على أنظار البرلمان قصد المصادقة
[6].
يعد القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا تطبيقا لأحكام الفصلين 49 و92 من الدستور، الذي صادق عليه البرلمان، أول قانون تنظيمي يعرض على أنظار البرلمان من طرف الحكومة، وهو قانون تنظيمي يكتسي دلالة وأهمية سياسيتين بالغتين أولا باعتباره نصا مهيكلا في تدبير الشأن العام، لارتباطه بالتعيين في المناصب العليا الذي يشكل المدخل الرئيسي لتكريس مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والفعالية في التدبير العمومي القائم على النتائج، حيث عزز صلاحيات الحكومة في مجال التعيين في المناصب العليا، التي أصبحت تشمل 1181 منصبا عوض 17 منصبا في السابق.
كما يعد لبنة أساسية في مسلسل الإصلاحات التي ستباشرها الحكومة، والتي تهم أساسا ترشيد تدبير المجالس الإدارية للمؤسسات والمقاولات العمومية، وتفعيل كافة آليات الرقابة المالية، واعتماد التعاقد داخل الإدارة على نطاق واسع والتدبير القائم على النتائج، وتعميم اعتماد مدونات الأخلاقيات بالمرافق العامة.
إضافة إلى كونه كذلك  يعد أول نص يكرس مبادئ ومعايير الاستحقاق، وتكافؤ الفرص، والكفاءة، والشفافية، وعدم التمييز، والسعي إلى المناصفة في مجال التعيين في المناصب العليا، مما يعكس عزم الحكومة على جعل المواطن في صلب اهتماماتها وأولوياتها في مختلف المجالات، ووضع الإدارة والمنشآت العامة في خدمته.
في هذا الصدد فقد أصدر المجلس الدستوري القرار 854-12
[7] الخاص بمدى مطابقة القانون التنظيمي للتعيين في المناصب السامية للدستور.
انطلاقا من كل ما ذكر سوف نعمد على التعليق على قرار المجلس الدستوري في ملف عدد 1362.12 قرار رقم 854.12 م.د.

المبحث الأول: قرار المجلس الدستوري من حيث الموضوع

لقد قام المجلس الدستوري قبل الخوض في مراقبة مطابقة مواد القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا للدستور، بالبث في مسألة اختصاصه.

المطلب الأول: من حيث الاختصاص

إن الدستور هو الذي يحدد قواعد تنظيم المجلس الدستوري واختصاصاته الأساسية وصحة قراراته، كما أنه يخضع كذلك للقوانين التنظيمية ولاسيما القانون التنظيمي الذي أحال إليه الدستور فيما يخص القواعد التي تتعلق بمختلف جوانب تنظيمه وتسييره.
تشتمل اختصاصات المجلس الدستوري أساسا من جهة، على مراقبة كل من المطابقة للدستور وتطبيق قواعد توزيع الاختصاصات التشريعية والتنظيمية، ومن جهة أخرى على مراقبة صحة الانتخابات التشريعية وعمليات الاستفتاء، وتنضاف إلى ذلك اختصاصات أخرى .
وقد ارتكز المجلس الدستوري من خلال هذا القرار في بثه في مسألة اختصاصه على مجموعة من النصوص الدستورية:
الفصل 132 من الدستور والذي ينص في فقرته الثانية على أن القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها تحال إلى المحكمة الدستورية لتبت في مطابقتها للدستور.
الفصل 177 من الدستور والذي ينص:"يستمر المجلس الدستوري القائم حاليا في ممارسة صلاحياته، إلى أن يتم تنصيب المحكمة الدستورية المنصوص عليها في هذا الدستور"، مما يكون المجلس الدستوري بموجبه مختصا بالبت في مطابقة القوانين التنظيمية للدستور.
ينص الفصل 176 من الدستور على أنه "إلى حين انتخاب مجلسي البرلمان، المنصوص عليهما في هذا الدستور، يستمر المجلسان القائمان حاليا في ممارسة صلاحياتهما، ليقوما على وجه الخصوص، بإقرار القوانين اللازمة لتنصيب مجلسي البرلمان الجديدين، وذلك دون إخلال بالأحكام المنصوص عليها في الفصل 51 من هذا الدستور"، الأمر الذي يكون معه مجلس المستشارين القائم حاليا مختصا بحكم هذا الفصل ـ إلى جانب مجلس النواب المنتخب في 25 نوفمبر 2011 ـ بإقرار القانون التنظيمي المتعلق بالتعيين في المناصب العليا تطبيقا لأحكام الفصلين 49 و92 من الدستور.

المطلب الثاني: من حيث الجوهر

ركز المجلس الدستوري في قراره على مسألتين أساسيتين: الأولى تتعلق بمبادئ ومعايير التعيين، أما المسألة الثانية فترتبط بعبارة المصادقة الواردة في صلب مشروع القانون التنظيمي محل التعليق.
فيما يتعلق بالمبادئ والمعايير المعتمدة للتعيين في المناصب العليا فإن ما يمكن إثارته بخصوص هذا القانون هو ما يلي:

أ: عدم دقة المعايير المعتمدة في التصنيف

بالرجوع إلى القانون التنظيمي رقم 12-02 نجد أنه يميز بين المؤسسات الاستراتيجية التي يبقى فيها التعيين من اختصاص الملك وحده ـ والتي تم تضمينها في الملحق الأول، الخاص بالمناصب العليا التي يتم التداول بشأنها في المجلس الوزاري، وتلك التي لا تعتبر استراتيجية ويتم التداول فيها خارج المجلس الوزاري، لكن ما يلاحظ هو أن هذا القانون لم يحدد المعايير التي تم اعتمادها للتمييز بين النوعين، الشيء الذي فرض نقاشا بين الأغلبية والمعارضة أثناء عرض المشروع على مجلس النواب حول الأسس المعتمدة في تصنيف المؤسسات والمقاولات بين ما هو استراتيجي وغير استراتيجي، ولحسم هذا النقاش اعتبر السيد وزير الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة أن التمييز بين اللائحتين يعود إلى الطبيعة الإستراتيجية لأنشطة بعض المؤسسات والمقاولات والأدوار المحورية التي تضطلع بها في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والأوراش الكبرى المهيكلة التي تتولى إنجازها، وهو ما يجعلها تتصف بالصبغة الاستراتيجية وبالتالي يكون الاختصاص في التعيين فيها من اختصاص الملك وحده.
وعلى فرض التسليم بهذه المعايير التي حددها السيد الوزير، فإن بعض المؤسسات التي اعتبرت "استرتيجية " لا تنطبق عليها المواصفات التي تجعلها تندرج في هذا الإطار
[8].
ومن جهة أخرى فإن ثمة مؤسسات تخص فئة محدودة لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار تدبير شؤونها من الأمور الاستراتيجية كما هو الحال بالنسبة لمؤسسة المغاربة المقيمين بالخارج.
إن هذه المؤسسات والمقاولات لا ترقى إلى اعتبارها مؤسسات استراتيجية ، بل إنها تندرج في صميم التدبير الحكومي اليومي، وبالتالي يبقى التعيين فيها من الأنسب أن يكون من اختصاص المؤسسة الحكومية.

ب : ارتفاع عدد المؤسسات "الاستراتيجية"

إذا كنا نتفق أن القانون التنظيمي موضوع الدراسة يعتبر انعكاسا لدولة المؤسسات التي أراد الدستور الحالي تكريسها، فإن المنطق كان يفترض ألا يتجاوز عدد المؤسسات الاستراتيجية التي يعين فيها الملك رؤوس الأصابع، لتبقى باقي المؤسسات خاضعة لرقابة الحكومة التي تعتبر مسؤولة مسؤولية سياسية ومعنوية عن تدبير الشأن العام ، وبالتالي فلا يمكن أن تخرج عن 39 مؤسسة عن مجال رقابتها وتدبيرها لا سيما أن هذه المؤسسات تؤثر في الاقتصاد الوطني ولها تأثير على الأداء الحكومي.
ومن جهة أخرى فإن وجود هذا الكم الكبير من المؤسسات التي يتم التعيين فيها من قبل الملك لا يتماشى مع المرحلة السياسية التي يعيشها المغرب والتي تريد التكريس لمنطق ربط المسؤولية بالمحاسبة
[9].
وعلى كل حال فإن الملاحظات السالفة الذكر لا تبخس أهمية القانون التنظيمي الحالي الذي يعد ولا شك لبنة أساسية في التطور الديمقراطي، والذي يعكس تكريسا لبناء دولة المؤسسات.
أما فيما يتعلق بعبارة "المصادقة / التعيين"، يرى المجلس الدستوري بأن ما ورد في القانون التنظيمي رقم 12-02 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا تطبيقا لأحكام الفصلين 49 و 92 من الدستور في البند II من المادة الثانية منه أنه "يصادق" على تعيين المسؤولين عن المقاولات العمومية الاستراتيجية، وفي المقطع الأخير من المادة الثالثة منه أنه "يصادق" على تعيين المسؤولين عن المقاولات العمومية، غير مطابق للدستور، كما يرى بأن باقي أحكام هذا القانون التنظيمي مطابقة للدستور.
في هذا الصدد يرى المجلس الدستوري بأن الدستور ينص في فصله 49 على أن تعيين المسؤولين عن المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية ـ إلى جانب مناصب عليا أخرى- يتم في المجلس الوزاري باقتراح من رئيس الحكومة وبمبادرة من الوزير المعني، وفي الفقرة الأولى من فصله 91 على أن رئيس الحكومة يعين في الوظائف المدنية في الإدارات العمومية وفي الوظائف السامية في المؤسسات والمقاولات العمومية، دون إخلال بأحكام الفصل 49 من الدستور، وفي الفصل 92 على أن للقانون التنظيمي المشار إليه في الفصل 49 المذكور أن يتمم لائحة الوظائف التي يتم التعيين فيها في مجلس الحكومة دون تمييز في مسطرة وشكل تعيين المسؤولين عن المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية التي يتم التعيين فيها في المجلس الوزاري، أو في مجلس الحكومة.
تبعا لذلك، يرى المجلس الدستوري أن ما تضمنته المادة الثانية في بندها II والمادة الثالثة في مقطعها الأخير من هذا القانون التنظيمي من أنه "يصادق" على تعيين المسؤولين عن المقاولات العمومية، غير مطابق لأحكام الفصلين 49 و92 من الدستور اللذين ينصان على التعيين دون المصادقة.
من الواضح أن القاضي الدستوري المغربي قد ركز على احترام الدستور ليس فقط من حيث المضمون و إنما أيضا من حيث الشكل أو حتى من حيث العبارات.
في هذا الصدد "فالمصادقة" التي نص عليها القانون التنظيمي لا تخالف الدستور و إنما فقط تكمله من حيث العبارات، فالفصل 49 يتحدث بوضوح عن مسطرة تبتدئ بمبادرة من الوزير المعني بالأمر وتنتهي بمصادقة
[10] المجلس الوزاري مرورا باقتراح رئيس الحكومة[11].
إن التشديد على عبارة " التعيين" لا تعدو أن يكون شكلانية زائدة من لدن قضاة المجلس الدستوري .

المبحث الثاني: قرار المجلس الدستوري من حيث الشكل

بعد استعراض أهم الشكليات والإجراءات التي قدم من خلالها القانون التنظيمي المتعلق بالتعيين في المناصب العليا ، لابد من مناقشة مناهج وتقنيات هذا القرار.
 
المطلب الأول: شكليات القرار

يتعلق القانون 02.12 بتحديد لائحة بعدد المناصب العليا في المؤسسات العمومية والمقاولات الإستراتيجية التي يتم تعيين مسؤوليها من قبل الملك بعد المداولة في اجتماع مجلس الوزراء بناء على اقتراح من رئيس الحكومة، وبمبادرة من الوزير المعني، الذي يمارس وصاية على هذه المؤسسات والمقاولات، إضافة إلى المؤسسات والمقاولات التي سيتم التداول في شانها في المجلس الحكومي.
ولتنظيم هذه المناصب فقد وضع القانون التنظيمي، ست مواد تتعلق بمبادئ ومعايير التعيين فيها واقتراح المترشحات والمترشحين لشغل هذه الوظائف، فضلا عن ملحقين يتضمنان لائحة بالمؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية ولائحة بتتميم الوظائف التي يتم التداول بشأنها في مجلس الحكومة.
 
ولقد اعتبر هذا القانون انعكاس للتصور الجديد للعمل الحكومي الذي أصبح بموجب الدستور الحالي أكثر فاعلية بحكم الاختصاصات المخولة إلى رئيس الحكومة، وفي هذا الإطار فقد تم تقليص اختصاصات الملك في مجال التعيين في المناصب العليا ، وانحصرت بموجب القانون التنظيمي 12-02 في 39 منصبا، وصفت بأنها استراتيجية، في الوقت الذي أصبح بإمكان مجلس الحكومة أن يتداول في أكثر من 1181  وظيفة، وذلك خلافا لدستور 1996 الذي لم يكن يسمح للحكومة بالتداول إلا في 17 وظيفة عليا.
وحسب القانون التنظيمي المشار إليه أعلاه فإن الوظائف التي يتم التعيين فيها من قبل مجلس الحكومة تشمل 51 مؤسسة حكومية بالإضافة إلى 17 منصبا ساميا، في حين أن لائحة المؤسسات والمقاولات الحكومية التي يعود فيها قرار التعيين إلى الملك فتتوزع ما بين 20  مؤسسة حكومية استراتيجية و19 مقاولة حكومية استراتيجية ، في حين أن باقي المؤسسات التي لم يشر إليها القانون توكل صلاحيات التعيين فيها إلى إداراتها الداخلية.
لقد قام المجلس الدستوري قبل الخوض في مراقبة مطابقة مواد القانون التنظيمي للدستور بمراقبة الشكل والإجراءات المتبعة لإقرار هذا القانون التنظيمي، وهو ما يتضح جليا من خلال الحيثيات التالية :
حيث يتبين من الوثائق المدرجة في الملف أن القانون التنظيمي المحال إلى المجلس الدستوري تداول المجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 7 فبراير2012 في مشروعه طبقا لأحكام الفصل 49 من الدستور، وقام السيد رئيس الحكومة بإيداعه بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب بتاريخ 14 مارس 2012.
 وحيث إن القانون المذكور ورد في شكل قانون تنظيمي وفقا لأحكام الفصلين 49 و92 من الدستور، وتم عرض مشروعه للمداولة بمجلس النواب بتاريخ 8 مايو 2012، أي بعد مضي عشرة أيام على تاريخ إيداعه بمكتب هذا المجلس، كما تداول في شأنه مجلس المستشارين وصادق عليه بتاريخ 29 ماي 2012، والكل وفق أحكام الفصلين 84 و85 من الدستور.
بعد البحث في الشكل و الإجراءات التي قدم من خلالها القانون التنظيمي قام المجلس الدستوري بالتأكيد على اختصاصه في هذا الصدد قبل الخوض في مدى مطابقة مواد القانون التنظيمي للدستور.
 
المطلب الثاني : مناهج و تقنيات القرار

   إن أول ما يسترعي الانتباه هو أن المجلس الدستوري في هذا القرار كما هو الشأن في باقي قراراته المتعلقة بمطابقة القوانين أو القوانين التنظيمية للدستور
[12] أو حتى فيما يخص مطابقة النظام الداخلي للبرلمان بمجلسيه للدستور[13]، لم يقم بالحديث عن مخالفة أو مطابقة القانون التنظيمي كله للدستور.
على العكس من ذلك قام المجلس الدستوري بدراسة مواد هذا القانون التنظيمي مادة مادة لإعلان مطابقتها أو مخالفتها للدستور
[14].
       إن استعمال هذه الآلية
[15] أدى إلى اعتبار البند II من المادة الثانية منه أنه "يصادق" على تعيين المسؤولين عن المقاولات العمومية الاستراتيجية، والمقطع الأخير من المادة الثالثة منه أنه "يصادق" على تعيين المسؤولين عن المقاولات العمومية، غير مطابق للدستور و بالتالي إلى إلغاء هاتين المادتين مع اعتبار باقي أحكام هذا القانون التنظيمي مطابقة للدستور.
إن استعمال مثل هذه التقنية يقود إلى ملاحظتين أساسيتين :


  • فائدة هذه التقنية بالنسبة للبرلمانيين و التي تحدد بدقة مكامن الخلل الدستوري مما يسهل إعادة صياغة القانون التنظيمي بشكل يضمن مطابقته للدستور.
  • عدم ثقة في قدرة الجسم البرلماني على تحديد مكامن الخلل الدستوري بدقة مما يجعل المجلس الدستوري يقوم بهذه المهمة ضمانا لمطابقة القانون التنظيمي للدستور عند إحالته مرة أخرى على أنظاره.
  • تقديم المجلس الدستوري دروس للبرلمانين في تقنيات صياغة القوانين و القوانين التنظيمية لضمان مطابقتها للدستور.
 
    إن استعمال المجلس الدستوري عبارة ".... وهي صلاحية ليس للمجلس الدستوري التعقيب عليها طالما أن ممارستها لا يعتريها خطأ بين في التقدير" في معرض حديثه عن معايير تحديد المقاولات والمؤسسات العمومية الاستراتيجية  يدل على أمرين أساسيين :
  • نأي المجلس الدستوري - كعادته- عن الخوض في النقاشات السياسية الدائرة بشأن بعض المواضيع التي تكتسي أهمية كبرى ولو من الناحية القانونية، فالجدير بالذكر هو أن تقديم مشروع هذا القانون التنظيمي لمجلس النواب رافقه نقاش سياسي واسع حول اختصاصات كل من المجلس الوزاري و المجلس الحكومي في مسألة التعيين[16].
 
في هذا الصدد يرى المجلس الدستوري أنه لا يملك صلاحية للتعقيب على المعايير التي جاء بها هذا القانون التنظيمي فيما يخص معايير التمايز بين المؤسسات و المقاولات العمومية الاستراتيجية و باقي المقاولات و المؤسسات الاسترتيجية التي يتم التعيين فيها في المجلس الحكومي.
بالمقابل فإن المجلس الدستوري من الناحية القانونية هو المخول بحماية الدستور والسهر على تطبيقه لذلك كان حريا بهذه المؤسسة أن تساهم في التأويل الديمقراطي للوثيقة الدستورية من خلال وجهة نظرها.


  • تأكيد المجلس الدستوري على استعمال تقنية " الخطأ الواضح في التقدير" وهي تقنية تمكن المجلس الدستوري من الانتقال من منطق رقابة المشروعية إلى رقابة الملاءمة وهو ما يتضح جليا في عبارة "وحيث إنه، مع استحضار ما سبق، يتبين من فحص لائحة المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية الواردة في (أ) و (ب) بالملحق رقم 1(المادة الثانية) التي يتم تعيين المسؤولين عنها بعد المداولة في المجلس الوزاري، ولائحة المؤسسات والمقاولات العمومية المشار إليها في (أ) و (ب) بالملحق رقم 2 (المادة الثالثة) التي يتم تعيين المسؤولين عنها في مجلس الحكومة، وذلك تطبيقا، على التوالي، للفصلين 49 و 92 من الدستور، أنهما معا غير مشوبتين بخطإ بين في التقدير...."
 
خاتمة:

من الواضح أن تفوق الدستور وقواعده يفقدان معناهما إذا أمكن للسلطات المؤسسة وبصورة خاصة السلطة التشريعية أن تخالف أحكامه بدون رادع، لذلك لا بد من قيام سلطة تتولى الحكم على مدى انطباق القوانين العادية مع أحكام الدستور أو مخالفتها لها حتى يتم بذلك انتظام سير الدستور المقيد لسلطة القوانين العادية، وهذه الرقابة لا تتناول سوى أعمال السلطة التشريعية، لأن أعمال السلطة التنفيذية على اختلافها تخضع للرقابة والإبطال عند الاقتضاء من جانب القضاء، سواء أكان هذا القضاء قضاء إداريا، أو قضاء عاديا.
     ومجمل القول أن هذا القرار لا يخرج عن دائرة القرارات العادية أو النمطية للمجلس الدستوري الذي تمرس على هكذا تمارين منذ 1994
[17].
 

الهوامش

[1] - الصادر بتنفيذه الظهير الشريف 1.11.194 بتاريخ 29 يوليوز 2011.
[2] - انظر الفصل 132 من دستور 2011.                   
[3]  -القانون التنظيمي رقم 29-93 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.94.124 بتاريخ 14 من رمضان 1414 ( 25 فبراير 1994) كما وقع تتميمه و تغييره بالقانون التنظيمي رقم 49-07.
[4] 24 قانون تنظيمي تم إنجاز 4 منها فقط إلى غاية نهاية الدورة الثانية من سنة 2012 بالنسبة للبرلمان .
[5] - كما هو الشأن بالنسبة للقانون التنظيمي للإضراب على سبيل المثال (الفصل 29 من الدستور).
[6]  -هذا القانون التنظيمي يأتي تطبيقا للفصلين 49 و 92 من الدستور.
[7] - قرار صادر بتاريخ 3 يونيو 2012 ملف عدد 12/1362 . 
[8] - وكمثال على ذلك نجد مثلا وكالة الأنباء المغربية، والقنوات التلفزيونية الرسمية الثلاث، وشركات أخرى تهم مجالات السياحة والنقل والثقافة، ومؤسسة التكوين المهني والمؤسسة الوطنية للمتاحف، ومؤسسات التقنين بل إن بعض هذه المؤسسات لا تفتقد الصبغة الاستراتيجية فقط بل إنها مؤسسات ذات طبيعة محلية، أو تهم مجالات خاصة يمكن تدبيرها على المستوى المحلي او على المستوى القطاعي.
 
[10] - تجدر الإشارة إلى أن الدستور لم يشر إلى عبارة "المصادقة" و هو ما اعتبره المجلس الدستوري مخالف للدستور.
[11]  -على اعتبار أن دور المجلس الوزاري يقتصر على المصادقة أو رفض المقترح الذي تقدم به رئيس الحكومة.
[12] - الفصل 132 من دستور 2011.
[13] - الفصل 69 من دستور 2011.
[14]  - يتكون هذا القانون التنظيمي من 6 مواد و من ملحقين يحددان لائحة المقاولات المؤسسات العمومية الاستراتيجية التي يتم التعيين فيها في المجلس الوزاري و تلك التي يتم التعيين فيها في المجلس الحكومي.
[15] - تسمى هذه التقنية بتقنية الإلغاء الجزئي annulation partielle.
[16]  -حيث يحدد القانون التنظيمي لائحة من 37 مؤسسة ومقاولة عمومية يتم فيها التعيين بالمجلس الوزاري وهو ما اعتبرته بعض الأحزاب السياسية خاصة من المعارضة تأويلا غير ديمقراطي للدستور و فشلا للحكومة ولرئيسها في أول اختبار لتحديد الاختصاصات بين القصر و رئيس الحكومة.
[17]  تجدر الإشارة إلى أنه تم إحداث المجلس الدستوري بتاريخ 21 مارس 1994 بمقتضى المادة 77 من دستور 4 شتنبر 1992.

الاربعاء 27 نونبر 2013
2430 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter







Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter