Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




تعليق على حكم المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 21-06-2012


     

في الملف رقم 5-62-2012
منشور في مجلة العلوم القانونية
www.marocdroit.com


خالد علامي

طالب باحث في سلك الدكتوراه: القانون العام و العلوم السياسية
كلية الحقوق جامعة القاضي عياض مراكش



قاعدة الحكم موضوع التعليق

لا لزوم للبت في حكم مستقل في الدفع بعدم الاختصاص النوعي في حالة صيرورة القضية جاهزة- نعم.



تعليق على حكم المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 21-06-2012


 
 
أولا: الحكم

الوقائع
 
بناء على المقال الافتتاحي للدعوى المسجل بكتابة ضبط هذه المحكمة بتاريخ 22/3/2012 ،المعفى من أداء الرسوم القضائية بقوة القانون، والذي يعرض فيه الطاعن بواسطة نائبه أنه يعمل كمستثمر في المجال الفلاحي  بمدينة سيدي قاسم ويتوفر على ضيعات فلاحية كبرى  وبهذه الصفة تقدم بطلب ترشيحه بعد إعلان طلب العروض من أجل استغلال الأراضي الفلاحية التي كانت بين يدي شركتي صوديا وضوجيطا بجهة الغرب الشراردة وباقي المناطق الأخرى في إطار طلب الاهتمام رقم 5-2010 ،وقدم ملفا متكاملا مستوفيا لكافة الشروط الإدارية والتقنية من أجل الظفر بنتائج طلب إعلان العروض الخاصة بالمشاريع المشار إليها غير أنه فوجئ برفض طلبه ورسو النتائج على نفس الاشخاص الذين سبق لهم أن استفادوا من نفس الصفقات  
ويعيب على قرار لجنة الفرز العيوب التالية:
-
عدم موضوعية اللجنة التقنية التي عهد إليها بدراسة ملفات المترشحين  وخاصة في تقدير المؤهلات التقنية والمالية التي يتوفر عليها المترشحين  والزيارة الميدانية لها طبقا للمادة الرابعة من نظام طلب إبداء الاهتمام المتعلق بالمشاريع الكبرى .
-
انعدام الشفافية وتكافؤ الفرص بين المترشحين الذين سبق لهم الاستفادة من الضيعات الفلاحية في الشطرين الأول والثاني ولم تطلع اللجنة على المشاريع المنجزة
-خرق شروط بنود نظام إعلان العروض  لإعلان الصفقة بعد شهر من التاريخ المحدد الذي هو 25-6-2010
-رفض ملف الطاعن خلال شهر أبريل 2011 دون أن يمر إلى المرحلة الثالثة المتعلقة بالانتقاء النهائي وفقا للفصل 11 من نظام طلب إبداء الاهتمام المتعلق بالمشاريع الكبرى دون معرفة أسباب الإقصاء والنقط التي حصل عليها ومدة عدم مطابقتها مع ملفات المشاركين الفائزين،لأجله يلتمس الحكم بإلغاء نتائج الصفقة الخاصة بالمشاريع الفلاحية الكبرى والمتوسطة من أجل تنمية الشراكة بين الدولة الملك الخاص موضوع طلب الاهتمام رقم 5-10 و 6-10 للتجاوز في استعمال السلطة من قبل اللجنة المشرفة على الصفقة مع ما يترتب عن ذلك من آثار قانونية،و ألحق الطلب بمذكرة مرفقة بوثائق  .
وبناء على المذكرة الجوابية المدلى بها من طرف المدعى عليه بواسطة نائبيها  والمودعة بكتابة ضبط هذه المحكمة  بتاريخ 7-5-2012 والذي تعرض فيها أن المحكمة غير مختصة نوعيا للبت في الطلب لكون مسطرة فرز تأهيل المترشحين وإعادة نتائج الصفقة لا تدخل في حيز القرارات الإدارية الخاضعة لاختصاص القضاء الإداري  ومن حيث الموضوع فاللجنة هي صاحبة الصلاحية في تقدير مؤهلات المترشحين والتمس أساسا عدم الاختصاص واحتياطيا رفض الطلب.
وبناء على المذكرة التعقيبية المدلى بها من طرف المدعى بواسطة نائبه  والمودعة بكتابة ضبط هذه المحكمة  بتاريخ 6-6-2012 والذي يعرض فيها أن المحكمة مختصة نوعيا للبت في الطلب لكون طلب الاهتمام يعتبر عقد إداري والتمس الاستجابة للطلب ورد دفوعات المدعى عليها
وبناء على عرض القضية بجلسة 7-6-2012،حضر خلالها نائب المدعي   وأكد الطلب وتخلف نائب الجهة المدعى عليها  رغم التوصل  ،فاعتبرت المحكمة القضية جاهزة وأعطيت الكلمة للسيد المفوض الملكي الذي أكد مستنتجاته الكتابية التي بسطها بالجلسة ، فتقرر وضع القضية في المداولة قصد النطق بالحكم الآتي بعده.
 
 

وبعد المداولة طبقا للقانون

حول الاختصاص النوعي:

حيث دفع  نائبا المدعى عليها بعدم اختصاص المحكمة نوعيا للبت في الطلب لكون طلب إلغاء نتائج الصفقة الخاصة بالمشاريع الفلاحية الكبرى والمتوسطة من أجل تنمية الشراكة بين الدولة الملك الخاص موضوع طلب الاهتمام لا يدخل في اختصاص القضاء الإداري.
حيث أجاب نائب المدعى عليه  بكون الدعوى تتعلق بعقد إداري يدخل ضمن اختصاص المحاكم الإدارية
وحيث إن المادة 13 من قانون إحداث المحاكم الإدارية وسيرا على ما جرى عليه قضاء محكمة النقض ( القرار عدد 70 الصادر بتاريخ 16-7-1998 ملف عدد 49-4-2002 ،القرار عدد 155 الصادر بتاريخ 24-2-2009 ملف عدد 302-4-1-2006 ،القرار عدد 229 الصادر بتاريخ 25-3-2010 في الملف عدد 175-4-1-2010 ،نشرة قرارات المجلس الأعلى المتخصصة ،الغرفة الإدارية السلسلة 2 سنة 2011 الجزء 6 ) لم  ترتب جزاء على  عدم البت بحكم مستقل في الدفع بعدم الاختصاص النوعي  ،لاسيما و أن مبدأ حسن سير العدالة يقتضي البت في الدفع العارض  والموضوع بحكم واحد متى كانا جاهزين للبت  انسجاما مع الحق في محاكمة سريعة باعتبارها من مقومات المحاكمة العادلة.
وحيث إن تعلق المنازعة الحالية بطلب إلغاء نتائج صفقة خاصة بالمشاريع الفلاحية يندرج ضمن النزاعات المتعلقة بالعقود الإدارية طبقا للفصل الثامن من القانون رقم 41.90 المتعلق بإحداث المحاكم الإدارية مما يتعين معه رد الدفع بانعدام الاختصاص والتصريح باختصاص المحكمة نوعيا للبت في الطلب.

من حيث الشكل:

حيث قدم الطلب وفقا للشروط المتطلبة قانونا مما يتعين معه قبوله شكلا
 
من حيث الموضوع:
 
حيث يهدف الطلب إلى الحكم بإلغاء نتائج الصفقة الخاصة بالمشاريع الفلاحية الكبرى والمتوسطة من أجل تنمية الشراكة بين الدولة الملك الخاص موضوع طلب الاهتمام رقم 5-10 و 6-10 للتجاوز في استعمال السلطة من قبل اللجنة المشرفة على الصفقة مع ما يترتب عن ذلك من آثار قانونية،
حيث دفعت المطلوب في الطعن  بكون اللجنة هي صاحبة الصلاحية في تقدير مؤهلات المترشحين المتنافسين.
وحيث إن المشرع منح الإدارة أكبر قدر من الحرية  تبعا لسلطتها التقديرية لاختيار التعاقد الأنسب والأصلح انطلاقا من عدة معطيات أهمها حقها في تقييم وتغليب الجانب الاقتصادي والمالي والكيفي والاعتبارات التي وضعتها لاعتبارات المصلحة العامة طالما لم يثبت خرق الإجراءات الشكلية للصفقة أو الانحراف في استعمال السلطة مما يتعين معه القضاء برفض طلب الطاعنة.

المنطوق
 
و تطبيقا للفصول 12 و  117 و 118 من الدستور ، ومقتضيات القانون رقم 90-41 المحدثة بموجبه محاكم إدارية،  ومقتضيات قانون المسطرة المدنية و مقتضيات نظام طلب إبداء الاهتمام المتعلق بالمشاريع الفلاحية الكبرى

لهذه الأسباب

حكمت المحكمة الإدارية علنيا ابتدائيا وحضوريا:
 

في الشكل:بقبول الطلب
 
وفي الموضوع:برفض الطلب .
 
        
بهذا صدر الحكم في اليوم والشهر والسنة أعلاه .
 

ثانيا: التــــــعليق

يشكل حكم المحكمة الإدارية موضوع التعليق، أحد أوجه الاجتهاد القضائي المغربي الذي يكرس حماية حقوق المتقاضين و مفهوم التقاضي بحسن النية،حيث لازال  موضوع الدفع بعدم الإختصاص  النوعي  يثير عدة إشكالات ، خاصة بعد إحداث المحاكم المتخصصة (المحاكم الإدارية و التجارية)، يصعب فيها تحقيق التوازن بين النص القانوني الذي هو أصلا متناقض و غير واضح في تطبيقاته العملية التي قد تطول فيها مسطرة الدفع بعدم الاختصاص النوعي لسنوات متعددة، غالبا ما تضر بحقوق الأطراف و تشكك في مصداقية القضاء المغربي.

و الدفع بعدم الاختصاص النوعي هو طلب عارض يتمسك به أحد أطراف الدعوى من أجل الحصول على  حكم القاضي بأن الطلب الموضوع أمامها والموجه ضد المدعى عليه لا يدخل ضمن نطاق ولايتها القضائية[[1]]url:#_ftn1 ، أو هو التمسك بعدم اختصاص المحكمة نوعيا للنظر في النزاع المطروح امامها[[2]]url:#_ftn2 .
ولفهم و تحليل قضية الدفع بعدم الاختصاص النوعي التي بتت فيها المحكمة الإدارية بالرباط في حكم واحد مادامت القضية جاهزة، يجب التطرق أولا إلى الطبيعة القانونية للدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم الإدارية،وثانيا إلى إشكالية البت  في الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم الإدارية.

الطبيعة القانونية للدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم الإدارية:

على خلاف القواعد التي تنظم الدفع بعدم الإختصاص النوعي في قانون المسطرة المدنية والقانون المحدث للمحاكم التجارية، والتي تتأرجح بين اعتبار الاختصاص النوعي من النظام العام أو تجرده منه، جاء المشرع على غير عادته بقواعد مباشرة تعتبر الاختصاص النوعي من النظام العام، ويتضح ذلك من خلال المواد التالية:
ففي المادة 12 " تعتبر القواعد المتعلقة بالاختصاص النوعي من قبيل النظام العام وللأطراف أن يدفعوا بعدم الاختصاص النوعي في جميع مراحل إجراءات الدعوى، وعلى الجهة القضائية المعروضة عليها القضية أن تثيره تلقائيا".
وقد نصت المادة 13 على ما يلي:" إذا أثير دفع بعدم الاختصاص النوعي أمام جهة قضائية عادية أو إدارية وجب عليها أن تبت فيه بحكم مستقل ولا يجوز أن تضمه إلى الموضوع"
وللأطراف أن يستأنفوا الحكم المتعلق بالاختصاص النوعي، أيا كانت الجهة القضائية الصادر عنها، أمام المجلس الأعلى، الذي يجب عليه أن يبت في الأمر داخل أجل ثلاثين يوما تبتدئ من تسلم كتابة  الضبط به لملف الاستئناف".
أما المادة 14 فجاء فيها: "تطبق أحكام الفقرات الأربع الأولى من الفصل 16 وأحكام الفصل 17 من قانون المسطرة المدنية على الدفوع بعدم الاختصاص المحلي المثارة أمام المحاكم الإدارية"
 
 
من خلال هذه المواد نستنج ما يلي:

1  أن قواعد الاختصاص النوعي من النظام العام ،بحيث للأطراف إمكانية الدفع بعدم الاختصاص النوعي في سائر مراحل الدعوى عكس الدفع بعدم الاختصاص المحلي الذي يبقى خاضعا لأحكام الفصل 16 من قانون المسطرة المدنية الآنف الذكر.

2   إمكانية إثارة الدفع المتعلق بالاختصاص النوعي أمام أية جهة قضائية عادية كانت أو إدارية، ابتدائية أو استئنافية، وعلى كل هذه الجهات القضائية أن تثير الدفع المشار إليه أعلاه تلقائيا، كما يمكن إثارته في سائر مراحل الدعوى ولو عند أول مرة أمام المجلس الأعلى.

3   إجبارية بت الجهة القضائية كانت أو إدارية بحكم مستقل في الدفع بعدم الاختصاص النوعي، دون إسناده للجوهر.

4   تستأنف الأحكام الباتة في الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المجلس الأعلى، ويجب عليه البت فيها داخل أجل 30 يوما من تسلم كتابة الضبط به لملف الاستئناف.
 
5 إحالة المادة 14 من قانون المحاكم الإدارية على الفقرات الأربع الأولى من الفصل 16 وأحكام الفصل 17 من قانون المسطرة المدنية فيما يخص الدفوع بعدم الاختصاص المحلي المثارة أمام المحاكم الإدارية، يعطي تفسيرين: الأول الجزم بأن الاختصاص النوعي المنظم في قانون المحاكم الإدارية يعتبر من النظام العام، والثاني أن أحكام الفقرات الأربع الأولى من الفصل 16 الآنف الذكر والفصل 17 ، تفيد بأنها غير متصلة بالنظام العام، ما دام فيها إمكانية الخيار بين البت في الدفع بعدم الاختصاص بحكم مستقل أو ضمه للجوهر[[3]]url:#_ftn3 .
وفي رأي الأستاذ محمد الكشبور أن المادة 12 من القانون 90-41  صريحة في القول أن الدفع بعدم الاختصاص النوعي في المادة الإدارية هو من صلب النظام العام، مع كل ما يترتب على ذلك من آثار قانونية أشار إليها النص نفسه عندما سمح للأطراف التمسك به في كل مراحل الدعوى، وعندما سمح للمحكمة بأن تثيره تلقائيا[[4]]url:#_ftn4 .
وقد أصدرت المحكمة الإدارية بأكادير حكما بتاريخ 11-02- 1999، يزكي هذا الاتجاه الفقهي، حيث جاءت في إحدى حيثياته " وحيث إن الاختصاص من النظام العام وهو من ثمة محدد تحديدا دقيقا بمقتضى المادة 8 من قانون 90-41 المحدث للمحاكم الإدارية[[5]]url:#_ftn5 ".
ونفس المسار اتخذته الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) في قرار رقم 102 بتاريخ 17/10/2002[[6]]url:#_ftn6 ملف عدد 1468  4/1/2002  وورد فيه "حيث إن مؤدى ذلك أن القاضي الإداري لا يتوفر على أية صلاحية لتقييم هذه الشهادة والبحث عما إذا كانت قد أضرت أم لم تضر بمصالح المدعي المستأنف بعد أن بت في نزاع أمام جهة القضاء العادي على ضوئها مما تكون معه المحكمة الإدارية مخطئة في حكمها الذي تضمن تقييما لمضمون الشهادة الإدارية المشار إليها على ضوء الواقع لمعرفة هل هناك مجال للتعويض عن الضرر أم لا والحالة أنها غير مختصة للبت في أمرها مما يتعين معه إلغاء الحكم المستأنف لأن الأمر يتعلق بنقطة الاختصاص في مادة القضاء الإداري وهو أمر متصل بالنظام العام".
وفي حكمين حديثين، نحيا منحى الغرفة الإدارية، الأول الصادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء[[7]]url:#_ftn7 ، جاء فيه" وحيث إن الاختصاص النوعي من النظام العام، وعلى المحكمة إثارته تلقائيا طبقا للمادة 12 من القانون 90-41 المحدث للمحاكم الإدارية..."
والثاني الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط[[8]]url:#_ftn8 والذي تضمن ما يلي: "حيث إن الاختصاص النوعي من النظام العام، وعلى المحكمة المعروض عليها النزاع أن تثيره تلقائيا".
ويرى بعض الفقه أن مقتضيات الفصلين 16 و17 من ق.م.م. قد ألغيت أو نسخت بمقتضى المادتين 12 و13 من ق.م.م. لا سيما فيما يتعلق بالاختصاص النوعي، على اعتبار أن المادتين السالفتين الذكر تحددان القواعد المشتركة لجهتين قضائتين، والمحاكم الابتدائية جزء منها[[9]]url:#_ftn9 وبتمحيص في هذه المقتضيات الجديدة التي أتى بها المشرع في قانون المحاكم الإدارية، سيتأكد حينئذ أن الفصل 16 من ق.م.م قد نزعت منه القواعد المتعلقة بالاختصاص النوعي وحلت محلها الأحكام المشتركة المنصوص عليها في المادة 12 وما يليها وبالتالي فإن الفصل 16 من ق م م وخصوصا الفقرات الأربع الأولى منه أصبحت تتعلق فقط بالاختصاص المكاني، لذا يجب أن ييتبدل من فهم واعتقاد البعض، أن الفقرات الأربع المذكورة من الفصل 16 لا تزال ممكنة التطبيق على الدفع بعدم الاختصاص النوعي المثار أمام المحاكم العادية[[10]]url:#_ftn10 .
وعكس الاتجاه الأول ذهب جانبا من الفقه إلى القول أن الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم الابتدائية لا يزال خاضعا لمقتضيات الفصلين 16 و17 من ق م م وأن قواعده ليست من النظام العام، وبالتالي فلا داعي لتمديد أحكام المادتين 12 و13 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية ليطبق على الدفع بعدم الاختصاص النوعي للمحاكم الابتدائية، فكل ما هناك أن هذه الأخيرة في حالة تنازع الاختصاص بينها وبين المحاكم الإدارية تكون مقيدة باحترام مقتضيات المادتين 12 و 13 من ق م م باعتبارهما  نصين استثنائيين، ويترتب على ذلك أن هاتين المادتين تنسخان جزئيا مقتضيات الفصين 16 و17 من ق م م الذين يبقى العمل بهما ساريا أمام القضاء العادي في جميع الحالات التي لا يتعلق فيها الدفع بعدم الاختصاص النوعي باختصاص المحاكم الإدارية[[11]]url:#_ftn11 .
ما يمكن الخروج به من هذه الاتجاهات الفقهية والقضائية، أن المادة 12من القانون المحدث للمحاكم الإدارية كانت واضحة وصريحة فيما يخص اعتبار أن الدفع بعدم الاختصاص النوعي لصيق بالنظام العام، وكذلك توسيعها إلى جهات قضائية عادية أو إدارية، مما يؤكد أن الدفع بعدم الاختصاص النوعي يختلف عن الدفع بعدم الاختصاص المحلي الذي يبقى خاضعا لمقتضيات الفصلين 16 و17 من ق م م .
2-إشكالية البت الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم الإدارية:
إذاكان المشرع المغربي، جاء بمسطرة خاصة للفصل في الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام الجهات القضائية، عندما نص في المادة 13 من قانون إحداث المحاكم الإدارية على أنه "إذا أثير دفع بعدم الاختصاص النوعي أمام جهة قضائية عادية أو إدارية، وجب عليها أن تبت فيه بحكم مستقل، ولا يجوز لها أن تضمه إلى الموضوع، وللأطراف أن يستأنفوا الحكم المتعلق بالاختصاص النوعي أيا كانت الجهة القضائية الصادر عنها..."
فإنه يستنتج أن مقتضيات الأحكام المشتركة الواردة في المادة 13 السالفة الذكر تخاطب كلا من الجهتين القضائيتين العادية والإدارية، وصريحة في وجوب البت في الدفع بعدم الاختصاص النوعي بحكم مستقل، حيث أن هذا المقتضى القانوني أثار جدلا فقهيا وقضائيا تمحور حول ما إذا كانت المحاكم العادية ملزمة تبعا لذلك بتطبيق مقتضيات المادة 13 من قانون المحاكم الإدارية؟ أم أنها تطبق الفصل 17 من قانون المسطرة المدنية، الذي يخاطبها ممثلا في القانون الإجرائي العام في الوقت الذي تطبق فيه المحاكم الإدارية القانون المنظم لها[[12]]url:#_ftn12 ؟
أمام هذا النقاش الدائر اتخذت المحاكم الإدارية موقفا موحدا من الموضوع، ظهر في البت في الدفع المثار أمامها بحكم مستقل من دون أن تضمه للجوهر[[13]]url:#_ftn13 ، وهذا ما عبر عنه صراحة الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء[[14]]url:#_ftn14 ، والذي جاء فيه "حيث أثارت المدعى عليها الدفع بعدم الاختصاص المحكمة الإدارية نوعيا بنظر النزاع...
وحيث يتعين استنادا إلى مقتضيات المادة 13 من قانون إحداث المحاكم الإدارية البت في الدفع بعدم الاختصاص النوعي بحكم مستقل ولا يجوز ضمه إلى الجوهر...".
وأمام هذا التوجه الذي اتخذته المحاكم الإدارية، والذي نتج عنه أن الأحكام المستقلة عن الأحكام الباتة في الموضوع تشكل عبئا، أدركت المحاكم الإدارية ضرورة التصدي لمسألة التوفيق بين وجوب التقيد بمقتضيات المادة 13 من قانون 41/90 وبين ضرورة تفادي تطبيقاتها غير المجدية، وقد تجلت محاولة التوفيق هذه من خلال اعتبار عنصر الجدية في التمسك بالدفع بعدم الاختصاص النوعي بحكم مستقل لا تحول دون الفصل في جوهر القضية متى كانت جاهزة للبت فيها، سيما إذا كان هذا الدفع معوزا لعنصر الجدية[[15]]url:#_ftn15 .وهذا الإتجاه هو الذي سلكه حكم المحكمة الإدارية موضوع التعليق،وذلك انسجاما مع اجتهادات محكمة النقض التي أشار إليها في تعليله للحكم، وكذا العديد من المحاكم الإدارية[[16]]url:#_ftn16 ،حيث جاء في إحدى أحكام المحكمة الإدارية للرباط[[17]]url:#_ftn17 "وحيث لئن كانت المادة 13 من القانون رقم 41/90 قد نصت على ضرورة البت في الدفع بعدم الاختصاص النوعي بحكم مستقل، فإنها لم ترتب من جهة أي جزاء على مخالفة تلك القاعدة، أما والحال أن الاجتهاد القضائي قد تواتر بما لا يترك أدنى شك على إقرار اختصاص جهة القضاء الإداري للبت في النزاع موضوع النازلة، فلا يبقى مجال لإعمال تلك العلة مما يجعل مقتضيات المادة 13 دون فائدة ترجى، فلا حرج من ضم الدفع بعدم الاختصاص النوعي إلى الجوهر، سيما وأن القضية جاهزة للبت فيها بعدما أجري بحث فيها حول وقائعها".
وما يمكن ملاحظته في الأخير على هذا الحكم موضوع التعليق  وغيرها من الأحكام الإدارية، هوأن لها توجه جديد ،يخالف نص المادة 13 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية، التي أكدت على عدم جواز ضم الدفع المتعلق بالاختصاص النوعي إلى الجوهر،وذلك بانتقالها من التفسير الحرفي للنص، إلى التفسير المقصدي وذلك من أجل تحقيق هدفين:
-الهدف الأول يتعلق بالتخفيف من كثرة الأحكام المتعلقة بالدفع بعدم الاختصاص النوعي، مادامت أن المادة 13 السالفة الذكر لم ترتب جزاءا قانونيا، وهذا هو توجه الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى[[18]]url:#_ftn18 ، حيث عللت ذلك بأن "المشرع لم يرتب أي جزاء على عدم تقيد المحكمة الإدارية بالبت في الدفع بعدم الاختصاص بحكم مستقل".
- أما الهدف الثاني، فيبرز في توحيد الاجتهاد القضائي، وتوضيح الرؤية لدى المتقاضي وعدم التناقض بين الأحكام الفاصلة في الدفع بعدم الاختصاص النوعي، والأحكام المتعلقة بجوهر النزاع.
وفي ختام هذا التعليق ، يمكن القول أن مسطرة الدفع بعدم الاختصاص النوعي لا زالت تثير إشكالات على مستوى الجهات التي لها حق إثارة هذا الدفع وطريقة البت فيه أمام القضاء والإحالة كنتيجة نهائية للدفع بعدم الاختصاص النوعي، ويمكن تلخيص أهمها في مايلي:
  • استمرارية الغموض والتناقض في مسطرة الدفع بعدم الاختصاص النوعي (الخضوع لمقتضيات قانون المسطرة المدنية أم الوقوف عند قانون المحاكم الإدارية، والمحاكم التجارية، رغم الإحالة إلى القانون الأول).
  • تكريس الاجتهادات القضائية لمنطق الاختلاف عوض توحيد نفس الموقف من مسطرة إثارة الدفع بعدم الاختصاص النوعي.
  • عدم توحيد مسطرة الإحالة بعد التصريح بعدم الاختصاص النوعي.
  • غياب التنصيص على الإحالة في القانون المحدث للمحاكم الإدارية (المواد 12 و 13).
  • انعدام جزاء قانوني على غياب احترام الإحالة.

 
 
الهوامش

[[1]]url:#_ftnref1 - Jean paul Raurole « les institutions juridiques et la procédure civile au Maroc », édition Najah Rabat, 1998, p : 169
[[2]]url:#_ftnref2    محمد الكشبور: "أثر الحكم بعدم الاختصاص: دراسة على ضوء القوانين الاجرائية المغربية، مجلة المنتدى عدد 1، الدار البيضاء 1999، ص: 22.
[[3]]url:#_ftnref3  [3] - محمد محجوبي، إشكالية الدفع بعدم الاختصاص النوعي بعد إحداث المحاكم الإدارية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، عدد 9، 1996 ، ص: 85.
 
[[4]]url:#_ftnref4 - محمد الكشبور، مرجع سابق، ص: 24.
[[5]]url:#_ftnref5 - حكم عدد 24/99 بتاريخ 11/02/1999، ألمان محمد ومن معه ضد دار الطالب لأكلو، منشور بالمجلة المغربية للإدارية المحلية والتنمية، سلسلة دلائل التسيير، عدد 16، 2004، ص: 31-32.
[[6]]url:#_ftnref6 - منشور في مجلة رسالة المحاماة، غشت 2005، العدد 25، ص: 107.
[[7]]url:#_ftnref7 - حكم رقم 06 بتاريخ 4/1/2006 في الملف رقم 1372/2005، ش- ت، غير منشور
[[8]]url:#_ftnref8 - حكم رقم 831 بتاريخ 24/04/2007 في الملف رقم 316/07، ش- ت، غير منشور
[[9]]url:#_ftnref9 - عمر آزوكار، لا تداخل للاختصاص النوعي بين الغرفة الإدارية وبين محاكم الاستئناف، مقال منشور بجريدة العلم، العدد 17507، بتاريخ 4 ابريل 1998.
[[10]]url:#_ftnref10 - مصطفى التراب، مدى الموافقة والمفارقة بين القانون المحدث للمحاكم الإدارية، وقانون المسطرة المدنية، مقال منشور بالمجلة المغربية، للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، العدد 9، سنة 1996  ص: 73.
[[11]]url:#_ftnref11 - عبد العزيز حضري، القانون القضائي الخاص، دار النشر بوجدة، ط 2002-2003، ص: 126.
[[12]]url:#_ftnref12 - وفاء زويدي، الدفع بعدم الاختصاص النوعي بين مختلف المحاكم، رسالة نهاية التدريب بالمعهد الوطني للدراسات القضائية بالرباط، سنة /2000/2002، الفوج: 30، ص:58.
  • [[13]]url:#_ftnref13  محمد محجوبي، "القانون القضائي الخاص"، الكتاب الأول، الطبعة الأولى، دار القلم، الرباط 2005 ص 93
[[14]]url:#_ftnref14 - حكم رقم 587 بتاريخ 22/5/2006، في الملف رقم 1987/2005، غير منشور.
[[15]]url:#_ftnref15 - الجيلالي أمزيد، أحكام الدفع بعدم الاختصاص النوعي بين قانون المسطرة المدنية وقانون المحاكم الإدارية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسة مؤلفات جامعية، العدد 47، سنة 2006ذ3، ص: 32-36.
[[16]]url:#_ftnref16  من بينها - حكم المحكمة الإدارية بمراكش عدد 129 بتاريخ 12-12-1995  منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية عدد 16- 1996 ص 131.- حكم المحكمة الإدارية بوجدة عدد 38-98 بتاريخ 2-12- 1998 منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية عدد 27 – 1999 ص 195
 
[[17]]url:#_ftnref17 - حكم رقم 1146، بتاريخ 14/9/2006، في الملف رقم 360/1/5 غير منشور.
[[18]]url:#_ftnref18 - القرار رقم 1146، بتاريخ 28 نونبر 2002، في الملف عدد 1220/4/2، أورده الجلالي أمزيد، أحكام الدفع بعدم الإختصاص النوعي بين قانون المسطرة المدنية وقانون المحاكم الإدارية،منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية،سلسلة مِؤلفات جامعية، العدد47، سنة 2006ص 34.

الخميس 13 يونيو 2013
2113 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter