Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




تذكير الغفلان بخطأ ما جاء على لسان السيد عبد الإله بن كيران


     

نضال القاضي
عضو نادي قضاة المغرب




كنت قد آليت على نفسي أن أكتب لنادي قضاة المغرب موضوعا في الأسبوع اعترافا له بالجميل الذي أسداه إلي كما لباقي قضاة المغرب قاطبة ، و قد كان لي من العهد أن كتب ما كتبت لهذا الأسبوع من أمور مست القضاء من قريب أو بعيد، و لكن ما إن وقع سمعي على قول من رأت عيني خلال برنامج " بلا حدود " و وقع من ذلك هول في نفسي حتى جال نظري في فحوى ما سمعت من نطق خرج عن طبيعة العقلاء بميزان الدين ، و الحكماء بميزان العقل و السير الظاهرة.

أطال فكري النظر ، فرأى ما رأى من استنهاض الهمم في أن مهمة القاضي صون العرائض و الذمم ، و حماية الحق و ما أصابها من لمم . فكان أن استشعرت الرهبة تغذي أوصال بدني و تستشري بين أضلعي ، صادعة في دواخلي أن قد حان الوقت للصدع بالحق ، فما أتمنت عليه ما كان ليخطئك و ها هو قد أصابك ، فانظر ما أنت ناظر ، إما أن تتجلد بالصبر و تنبه الخلق بخلل ما جاء من قول ، أو أنت في الهالكين ممن قال فيهم الأثر أن " الساكت عن الحق شيطان أخرس " ، فاستحضرت قول الإمام أبي القاسم القشيري و مما جاء في رسالته في باب الصمت من أن : " السكوت في وقته من صفة الرجال ، كما أن النطق في موضعه من أشرف الخصال" فدانت نفسي للحق في الشهادة ، و للتبيان و الإفادة فقلت راجيا المولى أن يكون في قولي إجادة :

جاء في الحديث عن قُتَيْبَةُ عن اللَّيْثُ عن ابْنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ , فَقَالُوا : مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا : مَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ " , ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ : " إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ , أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ , وَايْمُ اللَّهِ , لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا " حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .

المخزومية امرأة من وجهاء القوم لابد من تذكير السيد عبد الإله بن كيران بمكانها الاجتماعية ووجاهة مركزها ، فهي على الأرجح من أقوال الفقهاء و المحدثين فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومي و هي بنت أخي أبي سلمة ابن عبد الأسد الصحابي الجليل الذي كان زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه و سلم ، فهي المرأة ذات الوجاهة و ذات الحظوة و القرب . دلالة ذكر نسبها أنها قريبة من بيت رسول الله صلى الله عليه و سلم لقربها من الزوج السابق لأمنا سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم ، و كان قد تزوجها و هو نبي .

هذه المرأة المخزومية قيل فيها أنها سرقت قطيفة من بيت رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و القطيفة في لسان العرب و في أصل الوضع قطعة من الثوب يتخذ لباسا يواري به المرء سوءته ، و قيل إنها سرقت حليا ، فذكر العلماء أن الروايتين قد تصحا لاحتمال وجود الحلي في القطيفة و ما تعدد الروايات فيها إلا من باب الجمع الذي يريد به صاحبه ذكر القطيفة و يقصد ما فيها من حلي . و قيل أنها خانت الأمانة لذكر الأثر في إحدى رواياته أن امرأة استعارت على ألسنة ناس يُعرفون و هي لا تُعرف حليا فباعته و أخذت ثمنه ، و ما في الروايتين من تضارب فمن جهل بنا إذ يجوز القول إما أن كلا المرأتين قامتا بفعل واحد ، أو لعلها الواحدة التي سرقت و خانت الأمانة كما ذكر ذلك العلماء ، و في فتح الباري شرح لذلك و تفصيل .

امرأة كان فعلها قد وقع عام الفتح في السنة الثامنة للهجرة ، عام عم فيه الرخاء على المسلمين بعد الشدة ، وكان أن جاءت المرأة المخزومية بما جاءت به ، فحز ذلك في نفس قريش رأس المضارب و من لهم في الإسلام سابقة خير من أية سابقة . فتشاروا بينهم على مثل عوائدهم ؛ و بعد إسلامهم غلبت عليهم عصبية الدم و الجاه بعد أن نور الإيمان قلوبهم ، فاستقر لهم الرأي على وفادة حب رسول الله صلى الله عليه و سلم أسامة بن زيد لرسول الله صلى الله عليه و سلم للشفاعة ؛ اختاروه على رشد منهم لقوله صلى الله عليه و سلم فيه : " اللهم إني أحبه فأحبه " . اختيار ينم عن فطنة و دهاء ، لكن أمرا من عمل الشيطان كان قد دنسه بميزان الشرع الذي ساد قريشا حينها ، فما كان إلا أن رغب القوم في أن يشفع أسامة بن زيد عند رسول الله صلى الله عليه و سلم للمرأة المخزومية نأيا بها عن وقوع الحد عليها .

القصة معلومة من أن النبي الأكرم صلى الله عليه و سلم ، غضب من شفاعة أسامة في حد من حدود الله تعالى ، فاستنكر عليه ذلك استنكارا دلت عليه صيغة الذكر الذي ذكر به رسول الله صلى الله عليه و سلم أسامة : " أتشفع في حد من حدود الله " ؛ ألف جاءت في نطق العرب للاستفهام الإنكاري ، و في سياق القول تذكير بأن رسول الله صلى الله عليه و سلم سبق له أن منع الشفاعة في إقامة الحد . فلم يمنع قرب أسامة منه صلى الله عليه و سلم من إقامة الحد ، و لم يفتأ صلى الله عليه وسلم أن يفي بما سبق أن نهى عنه من عدم جواز الشفاعة في حد من حدود الله ، و منه قد استقر في عرف العلماء الراسخين أن حدود الله لا تنازل عنها .
رسول الله صلى الله عليه و سلم قام خطيبا في القوم عندئذ فسن لهم فيها أن ما أهلك من قبلهم هو أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه و إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ؛ عادة في الجاهلية و فيما تحرف من أديان سبقت الإسلام بعد أن خالطتها تعاويذ إبليس و الشيطان . فجاء ذكر أمر الأمم السابقة من باب النهي عنه بل الأمر بحرمته ، و أن فيه إغضاب لله تعالى من تعطيل لحدوده ، و هو ما يناقض ما جاء به الإسلام من كون القوم سواسية أمام الشرع الحنيف لا فرق بين عربيهم و أعجميهم و لا أبيضهم و أسودهم و لا غير ذلك من دواعي التفرقة الجاهلية إلا بالتقوى .

كان صادقا صلى الله عليه و سلم و ما جرب عليه قومه الكذب قط و شهدت المعجزات و التواريخ على صدقه ، و من صدقه أن أقسم بالله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها ، قسم يصدق سابق قول و نهي و يؤكد أن القصاص لا محالة على المرأة المخزومية واقع .

أثر و عبرة ؛

سقنا ما سقنا من تذكير بأمر المرأة المخزومية ، لنرى هل من شيء في ذلك نزن به ما صدر عن السيد عبد الإله بن كيران من قول بأنه يعفو عمن أفسد في الأرض من نهب لمال الشعب و عات فيه عتوا كبيرا بغير وجه حق أم أن السياق غير السياق و العرف غير العرف أم أن في الأمر نظر ؟
في عرف الناس أن من يتولاهم و يتولى أمرهم مسؤول عنهم و عن أحوالهم، و هو مسؤول عنهم ليس أمامهم فقط و لكن أمام الله تعالى يوم الحشر . إذ أن ذلك يدخل في نطاق القصد الأعظم المترجم في قول عمر : " لو أن دابة تعثرت في العراق لسئل عمر عنها لماذا لم تمهد لها الطرق " أصل في السياسة الرشيدة ذكر فيه لفظ الدابة من باب أن الأقل في الذكر دل على أن ما هو أعظم منه أجدر بالحماية و الصون .
إن انتخاب الناس لبعضهم البعض أمانة في أعناق من يُنتخبون قائمة على عقد يشمل الأمور كلها ، أصله عندنا نحن معشر المسلمين حماية مصالح الله و العباد في الأرض ؛ و من خان فقد نكث عهده ، و حاد عن قول الله تعالى الآمر بالوفاء بالعقود، عقود في عمومها راعية لشؤون الخلق بدء من البيع و الابتياع إلى تحميل الأمانة فيما هو أعظم و أقوم ، أمانة الحكم بين الناس و رعاية مصالحهم . و من أجل ذلك نقول أن الناس لما انتخبوا من انتخبوا انتخبوهم على المكره و المفرح ، و على رأس ما انتخبوهم إقامة العدل في إزالة الفساد و هدر المال العام ، و ليس في ذلك أمر خير من الوفاء بالعهد ، و كل ما دون ذلك فمن باب قوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء من آيات المنافق من أنه إذا أتمن خان . قول يصدق فينا أحببنا أم كرهنا ما تحققت فينا شروطه و لا ينفعنا فيه تبرير أو شفاعة ، إذ لو فعلنا لكان أمام الخلق خزي و عند الله عذاب أليم .
الأمانة العظيمة التي قُلدتموها السيد عبد الإله بن كيران قامت على تعاقد بينكم و بين عباد الله على أن تردوا إليهم حقوقهم و تردوا عنهم المظالم . فكان حري بكم أن تكونوا من الصادقين في الوفاء بالعهد ، و قد جرت سنة الله في الخلق أنه ما من امرء دان للحق و عمل به إلا هفت إليه أفئدة الخلق و نصره الله تعالى نصرا عزيزا مؤزرا ، و في الذكر الحكيم أثر من قول قوم شعيب له : " قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول و إنا لنراك فينا ضعيفا و لولا رهطك لرجمناك و ما أنت علينا بعزيز"
خوف القوم من شعيب في أصله أمران ، التفاف للقوم من حوله لما دان للحق و عمل به ، و تأييد رباني بأن قيد الله تعالى لنبيه أهل خير أعانوه على تبليغ الرسالة و الوفاء بالعهد . فما كان منكم أيها السيد الذي عقدت عليكم الآمال إلا أن توفوا بعهودكم ، لا أن تجهدوا أنفسكم في تعطيل الحدود و الذود عن رجس العمل مما اقترفته أيادي العابثين بالوطن و مقوماته . حجتكم أيها السيد داحضة إن تعللتم بالعوائق و العراقيل ، لما فيها من بيان ضعف و قلة شكيمة و هوان بين الناس . فكيف لي أن أثق فيكم بعد الآن و ها قد خنتم العهد و تعللتم بما تعللتم به ، و عقدتم النية على ألا يعودوا و من عاد فينتقم الله منه .
انتقام الله تعالى أمر واقع لا محالة ، لكن خيانتكم للعهد قامت عليكم حجتها ما حييتم بما جناه لسانكم أمام الخلق ، فكن رعاك الله قائما بالحق آمرا بالقسطاس ، تدين نفسك لأمر الله و لأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و خذ العبرة من حديثه من أن ما تقوم به من عفو و تماطل عن إقامة الحد بما تقتضيه الشرائع الجارية إنما هو من سنة من سبقونا من الأمم ، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ، إلا تفعلوا كان منكم ظلما مؤذنا بالخراب كما قال ابن خلدون ، و حينها سيتذكر كل منا قوله تعالى : " و اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " فنندم إذ لم نعمل بها فيكون عليكم وزر ما تضررت به الأمة فأين مفرك من الله عندئذ ؟

بلغة القوم ؛

في الدولة و الحمد لله أناس موجودون ممن حسنت طويتهم ، و همهم أن يعلو شأن الوطن و يصير في مصاف الأمم الراقية في الدنيا و الآخرة ، و فيها أيضا مؤسسات قادرة على إعانتكم في أموركم ما أحسنتم استعمالها على وجهتها التي وضعت لها . ومما تتوفرون عليه أمور لم يسبقكم لها أحد من قبل ممن تعاقبوا على أمانة هذا الشعب من أحزاب و حكومات .
ليس في أيديكم 27 % من أصوات الشعب ، إذ سرعان ما ينفض من حولك متى ما رأى فيك خيانة للأمانة ، فلا تجد لك نصيرا كما وجد شعيب في قومه نصيرا، فتلك أمور زائلة متبدلة قد تزيد و تنقص بمقدار ما تكسب أياديكم . لكن بأيديكم أشخاص ممن يظنهم الناس متعففين عن الإساءة همهم قضاء حوائج الناس و انتظارهم أن يكونوا مع الأنبياء و الصديقين و الشهداء و هم ليسوا بأنبياء أو صديقين أو شهداء ، فهؤلاء عليهم الاتكال بعد المولى عز و جل كما اتكل موسى عليه السلام على هارون أخيه فاشتد به أزره و قويت به شوكته ، و لكم إن أحسنتم استعمالها و أجدتم حلفاؤكم ما إن أقنعتموهم استطعتم سن قوانين و تشريعات كانت حامية للعدل قاطعة لدابر الظلم ، فتمكنتم من خلالها من محاربة الفساد و استرددتم أموال الشعب المدفوعة من دم الفقراء ، و لكم في القضاء خير معين و قد همت ثلة من أخياره شباب و حكماء إلى مد يد العون لكم و لكل خير في هذا البلد استنقاذا لثروات الشعب من الضياع و اقتصادا لطاقات تهدر . لكم آليات متى أهملتموها دل ذلك على أمرين إما جهلكم أو خوفكم ، وكلاهما لا يستقيم معه حكم ، فخير من يستأجر القوي الأمين، و ها أنتم طلبتم الحكم في الانتخابات و قد صار لكم ما طلبتم ، لا نعاتبكم عما طلبتم فهو حقكم ، و قد نلتم منه ما نلتم و جعلت خزائن الأرض تحت أيديكم ، فكونوا كما كان يوسف عليه السلام لما طلب أن يكون عزيزا : " قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " الحفظ و العلم خاصيتان ما إن توفرتا فيكم إلا و ألهمتم الرشاد و سددت خطاكم . فكونوا أعزاء بمبادئكم أيها الرئيس الكريم و ابذلوا ما في وسعكم في محاربة الفساد و زجر ناهبي المال العام ، فهي أمانة قد طوقت أعناقكم وأنتم عنها مسؤولون .
أشخاص و مؤسسات بين أيديكم و طوع أمركم ، فما كان من صلاح فيها فمنكم و ما كان من فساد فيها فمنكم ، و قد قال حكماؤنا الأقدمين ؛ ما زالت الدول تتعاقب و تختلف باختلاف حكامها ، فمن صلح منهم صلحت به أمور الأمة و من فسد منهم فسدت به أمورها .
النصيحة النصيحة
إنكم أيها السيد الرئيس؛ عنوان الدار التي أنتم رؤساء عليها بموجب الدستور، فأنتم من اقترحتم الوزراء و أنتم من دافعتم عنهم ، فهم أشبالكم ، فادعهم لما فيه خير الأمة و اجعل أفئدة الناس تهوي إليهم ، وما سبيلك إلى ذاك إلا بأمور :
المواطن المواطن ، ففيه الخير كله ، وما خلق الله من امرء إلا و جعل في جوفه خير و شر ، فقو جانب الخير فيه و اضمر جانب الشر ، فهو لك عضد ، و ما إن أهملته حتى ينقلب عليك فتكون من الخاسرين ، و اعلم أن من أمور سياسته الرفق به و العمل على رفع الظلم عنه فذاك طريق الصلاح معه .
الأمانة الأمانة ، حافظوا عليها ، فهي قوام الأخلاق الذي تتزيلون به ، و هو ما دفع أعضاء حزبكم لتأكيد الثقة فيكم فكونوا في مستوى ما حُملتم ، فخيانتها أعظم خيانة ، و عواقبها إما لكم أو عليكم , و اعلم أن الشعب قد يصبر عليكم حينا من الدهر لكن صبره سينفذ متى ما رأى منكم العنت ، فلا تحملوه ما لا طاقة له به ، فإن النفس ضعيفة و سياستها خبيثة فهي ميالة للشر و ذلك رأس الفتنة حمانا الله تعالى منها و حمى وطننا الحبيب من تبعاتها .
المسؤولية المسؤولية ، فلتكن و وزراءك مسؤولون على ما أنتم على رأسه ، و اختاروا من الرشداء من يعينوكم على أداء رسالتكم ، و اجعلوا همكم إرضاء الله تعالى لا الانتصار لأهوائكم و الخضوع لمن قوي عليكم أو استقوى . فهلاككم في إطاعتهم و طاعتهم ، و كونوا خير مثال يقتدى به ، و ابتعدوا عن البهرجة فإنها مهلكة لكم ، ترهنون بها أنفسكم و تقيمون الدليل عليكم و ينتظر منكم غيركم ما تتظاهرون به أمامهم و أنتم عليه غير قادرين .
الحق الحق ، الزموه متى ظهر لكم ، و لا تحاولوا تبرير ما عجزتم عن القيام به ، فالحق أحق أن يتبع و لو ظهرت فيه مرارة ، و كونوا ممن يرجون أن يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله ، فالإمامة العادلة سبيل فلاح الدنيا و الآخرة ، بها تنشر السير و تعلم الأعلام ، و لكم في شهادة سيد الخلق للنجاشي خير مثال ، و كفى به مثال . فما لزومه للحق و العدل إلا دليل على حسن طويته التي استحق بها الشهادة الشريفة ، و اعلم أن الميل للحق يناقضه كثرة الكلام و الخوض في أمور يحسبها العقلاء عبثا ، فمن كثر كلامه كثر سقطه .
العلم العلم ، فإن تجهيل الناس من نواقض الاقتضاء بهديه صلى الله عليه و سلم ، أما علمتم أن من سيرته أنه الأمي الذي أمر الأسرى بتعليم ابناء المسلمين ، فكانت سيادة الأمة على طوع العلم ، فأكرموا العلماء و الأساتذة و المعلمين ، و كونوا لهم سندا فهم من يضمن لكم استمرار سيركم في الأنام ، و لا تبخسوهم حقهم فتضيعوهم و تضيعونا معهم . فالعلم أساس العبادة و العمل و قوامهما ، و هما من غيره ضرب من الجهل و تعطيل للطاقات النافعة و إهدار لها . فأكرموا النوابغ من أبناء الشعب يكونوا قدوة لغيرهم ، و لا تتهاونوا في إبراز مناقبهم فهم النبراس الذي يضيء مسيرة المغرب بين الأمم .
القضاء القضاء ، فهو عماد العدل ،و به تقوم الأمم و تموت ، فمن كان قضاءه عدلا فهو إلى الله أقرب ، و من حاد بالفساد عن العدل فإلى الهلاك أنسب ، و اعلموا أنكم ما إن تلكأتم في صون القضاء ، فإن ذلك في جبينكم باق ، سبة لكم و معرة تلاحقكم ، و ندم تصيبونه بأيديكم ، و حينها لا ينفع الندم و لا هو جائز فيكم التحصر على فرصة أضعتموها في حماية حقوق العباد و حرياتهم ، فلا تكونوا ممن يحرص على كل شيء و يفقد كل شيء ، فالقضاء نائل استقلاليته لا محالة ، فهي في الدستور مكتوبة و أملها منظور لا يتجاوز عمر ولايتكم ، فإنما هي فرصة بين أيديكم لا تضيعوها بالتمني ، و عجلوا بالدفع باستقلالية القضاء فإنه سلطة و لا تكابروا في ذلك . فإن دفعتم باستقلاليته حسبت لكم و كانت لكم سندا في أداء مهامكم و كفتكم شرا أنتم عنه في غنى . و إن استحللتم انتهاك حرماته و دفعتم بالأقاويل فيها بغير علم هلكتم و هلكت الأمة معكم . و اعلموا أن في القضاة من لو وزن بميزان الذهب لما وفى . إنما صلاح القضاء بأمرين استقلال و حرمة . فأما الاستقلال فعن السياسة التي هي منازعة على المصالح و هو ما يناقض القضاء الذي لا يرى إلا الحق فيحكم به و كلما دخلت السياسة في القضاء إلا و أفسدته كما فسد دهرا من الزمان . و اعلم أن القضاء قسمان ، أحدهما ينطق بالحق و يحكم به فهو قضاء جالس لابد له من أمن من خوف فلا تتحكم فيه أهواء و لا تخيفه أصوات و نفوذ ، و قضاء واقف فهو من الأول لكن شاءت مشيئة الإله أن تسند إليه أمور التصدي لخرق القانون و الحياد عن الشرع الجاري ، فلا تتحكموا فيه ، فإن تحكمكم فيه اليوم لا تأمنوا مكره ، فهو اليوم لكم و غدا عليكم . فاعلموا أن النيابة العامة قضاء واقف و هي سيف مسلط عليكم قبل غيركم ، و أداة تخرق بها الحقوق أو تصان ، فإن كانت صيانتكم لها هدف فلا تتمادوا في إخضاعها لنفوذكم فإن في ذلك تدخل في القضاء و سفور ما بعده سفور و مروق عن الحق و قواعده ، فإن بطشتم بها اليوم بطش بها غيركم غدا . و اعلموا أن الله تعالى ساق إليكم فرصة كما ساق إلى بني إسرائيل مائدة من السماء فأحسنوا الاستقبال و أوفوا الأمر حسن الوفادة . و اعلموا أن من سنن الله تعالى أن إذا قيد لامرء أمرا هيأ له سبله ، و لتكن منكم همة تعلو و إرادة لا تخبو و أعينوا القضاء على أداء رسالته فما فعلتم معه فإما سنة حسنة لكم أجرها و أجرمن عمل إلى يوم الدين أو سنة سيئة عليكم و زرها و وزر من عمل بها .
و اعلموا أن هذه شهادة ، شهد بها عليكم قاض ممن يهينه المواطنون و لا يبالي ، فقد شمل عفوه جهلهم ، و ترفعت نفسه عن الإساءة إليهم ، و تجاوزت همته الخوض في ما يخوضون فيه من ضروب القول في القضاء جهلا ، و تسامت بصيرته بأن نظر في أمور الخلق من باب الأمانة التي طوقت عنقه ، فتحمل عناء قول الحق فيكم أولا ، و ما يبتغي من ذلك إلا رضى الله تعالى و يشهد الخلق على ذلك ، فغذا يوم الحشر نتقابل فتكون لي الحجة عليكم فتزيد عند الله مكانتي إن ساهمت في إرشادكم فأنجو و تنجوا ، أو أبرأ ذمتي و أطلب من الله تعالى أن يجزيني خير الجزاء .
السيد الرئيس ، عبد الإله بن كيران ، قلت قولي هذا و ما لي عليكم من سلطان، وأستغفر الله تعالى في هذا الشهر الكريم من الذنوب و الخطايا ،و أدعو لكم بالتوفيق و السداد ، و أبارك لمولانا أمير المؤمنين ذكرى تربعه على عرش أسلافه الميامين ، و كل دعواتي له بالتمكين فإنه سبحانه بالإجابة قدير . و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين .
 
تذكير الغفلان بخطأ ما جاء على لسان السيد عبد الإله بن كيران

الجمعة 31 غشت 2012
864 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter