Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




تحويل طلب ملتمس الرقابة إلى ملتمس تقديم الاستقالة خرق فاضح للدستور


     


لزعر عبد المنعم
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري



تحويل طلب ملتمس الرقابة إلى ملتمس تقديم الاستقالة خرق فاضح للدستور
                                                                                                                     
        عندما أحالت الحكومة بين شهري يونيو وشتنبر 2014 مسودة القانون التنظيمي الخاص بالجماعات الترابية على الأحزاب السياسية لإبداء الرأي، ثارت ثائرة عدد من الفاعلين من بينهم الجمعية المغربية لرؤساء مجالس الجماعات، التي وصفت المسودة بأنها "مخيبة للآمال وتراجعا للخلف وانتكاسة" مبعث غضب لوبي رؤساء الجماعات المحلية حينها، كان تضمين مسودة المشروع لأول مرة لمقترحات تحظر الجمع بين العضوية البرلمانية ورئاسة المجالس الجماعية، والعودة مرة أخرى للعمل بمسطرة ملتمس الرقابة الذي كان منصوص عليه في الفصل السابع من الظهير الشريف رقم 1.76.583 الصادر بتاريخ 30 شتنبر 1976 بمثابة قانون يتعلق بالتنظيم الجماعي. تعاطي الحكومة مع ضغط معارضي فصل المجال المحلي عن المجال الوطني والعودة مجددا للعمل بملتمس الرقابة، تجسد في محاولة امتصاص الضغط الذي مورس على مقترحي المشروع، عبر مسك عصى تدبير النقط الخلافية من الوسط، حيث جاء مشروع القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات خاليا من الاجراءات الخاصة بحظر الجمع المذكور، مع الاحتفاظ بالمقتضيات الخاصة بملتمس الرقابة، حيث نصت المادة 70 من المشروع المحال على مجلس النواب بتاريخ 16 فبراير 2015 على أنه: "يجوز، بعد انصرام السنة الثالثة من مدة انتداب المجلس، لنصف أعضاء المجلس المزاولين مهامهم تقديم طلب بإقالة الرئيس من مهامه.

 ولا يمكن تقديم هذا الطلب إلا مرة واحدة خلال مدة انتداب المجلس.  يدرج طلب الإقالة وجوبا في جدول أعمال الدورة العادية الأولى من السنة الرابعة التي يعقدها المجلس. يعتبر الرئيس مقالا من مهامه بعد الموافقة على طلب الاقالة بتصويت ثلثي أعضاء المجلس المزاولين مهامهم".  

      هذه الصيغة المنظور إليها أحد مداخل برلمنة مؤسسات الفعل المحلي، تم التصدي لها هذه المرة من داخل لجنة الداخلية والجماعات الترابية من طرف لوبي رؤساء المجالس الجماعية الاعضاء بمجلس النواب، حيث وصف المقترح بأنه: "ردة في العمل الديمقراطي والعمل الجماعي" ومن شأن اعتماده أن يؤدي إلى " ابتزاز الرؤساء وعرقلت أشغال وسير المجالس"، ليستقر رأي غالبية اعضاء اللجنة سواء المحسوبين منهم على الأغلبية أو المعارضة على تعديل الصيغة المقترحة من طرف الحكومة، حيث تقدمت فرق الأغلبية بتعديل يهم إضافة فقرة رابعة للمادة 70، منطوقها أنه: " إذا لم يتمكن المجلس من المصادقة على مقرراته خلال ثلاث دورات عادية متتالية أمكن تطبيق مقتضيات الفقرتين السابقتين"، في حين طالبت فرق المعارضة بحذف المادة 70 بالمرة من نص المشروع، بعلة ضمان استقرار التدبير الجماعي والجهوي، ليتقرر بعد نقاش حاد بين اعضاء اللجنة، سحب كل طرف سياسي لتعديلاته، بعد الاتفاق على صيغة حظيت بتوافق وإجماع الجميع أغلبية ومعارضة.

      ومن خلال قراءة الصيغة المعتمدة من طرف لجنة الداخلية والجماعات الترابية والجلسة العمومية المنعقدة بتاريخ 14 ماي 2015، يلاحظ بأن المشرع لم يكتفي فقط بتغيير صيغة مسطرة إقالة رئيس المجلس الجماعي كما اقترحتها الحكومة بل قام بمسخ هذه الصيغة مسخا جعلها بدون هوية وبدون منطق وبدون معنى. حيث نصت المادة 70  في صيغتها  الجديدة، على أنه: " بعد انصرام أجل ثلاث سنوات من مدة انتداب المجلس يجوز لثلثي 3/2 الاعضاء المزاولين مهامهم تقديم ملتمس مطالبة الرئيس بتقديم استقالته، ولا يمكن تقديم هذا الملتمس إلا مرة واحدة خلال مدة انتداب المجلس" وأضافت المادة في فقرتها الثالثة، أنه: " إذا رفض الرئيس تقديم استقالته جاز للمجلس في نفس الجلسة أن يطلب بواسطة مقرر يوافق عليه بأغلبية ثلاثة أرباع 4/3 الاعضاء المزاولين مهامهم من عامل العمالة أو الاقليم إحالة الأمر على المحكمة الادارية المختصة لطلب عزل الرئيس".

      اعتماد هذه الصيغة بهذا المعنى وهذه الشروط، يثير ملاحظتين هامتين:
 
1 إن تلبيس الاستقالة لباس الاقالة الحكمية عبر آلية العزل، يجعل المادة 70 معيبة شكلا ومضمونا لأنها جمعت من المعاني ما لا يجتمع، وتضمنت من المساطر ما لا يقبله منطق تشريع ولا يفرضه روح دستورى أو عوائد عرف، فكيف يستقيم شرعنة بعض آليات التضييق على الاختيار الحر وتبييضها أو تبريرها بـنصاب "توقيع ثلثي 3/2 اعضاء المجلس"؟ والأصل أن الاستقالة هي قرار فردي واختيار حر، نابع من استقلال الارادة الفردية للفاعل، والتي تقوم على فكرة تحمل المسؤولية التي تعتبر من مفردات الحرية، وإلا فإنه لا معنى ولا اعتبار لتنصيص الدستور في الفصل 136 على أن التنظيم الجهوي والترابي يرتكز على مبادئ التدبير الحر وعلى التعاون والتضمان...قد نلتمس ألف عذر لتوظيف مثل هذه الملتمسات أو الطلبات من طرف المعارضة على المستوى الخطابي، كألية من آليات تجسيم حالة الاستياء على حد تعبير غوستاف لوبون، أما اعتمادها كآلية رقابية صورية عبر وثيقة يفترض فيها أنها مكملة للدستور، فإنني لا
أجد من الاوصاف ما يناسبها سوى أنها خرق فاضح لنص وروح الدستور.
 
2 إن التنصيص في هذه المادة على ملتمس تقديم الاستقالة بدل ملتمس الرقابة وجعله بوابة مسطرة طويلة وشاقة – موافقة أغلبية ثلاثة أرباع 4/3 الاعضاء على طلب عزل الرئيس- يستحيل أن تقود في نهاية المطاف إلى تحقيق الغاية من وجود المادة 70 من هذا المشروع، وهي حجب الثقة من رئيس المجلس الجماعي، يسائل جدية المؤسسات الدستورية في السير قدما نحو مأسسة مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه في الفصل الأول من الدستور، ويطرح سؤالا جوهريا حول جدوى تحصين مؤسسة الرئاسة على الصعيد المحلي من المحاسبة السياسية، ومبررات حرمان أعضاء المجالس الجماعية من إعمال حقهم في محاسبة الرئيس الذي انتخبوه سياسيا بعد مرور زمنية معقولة، كلما عاين هؤلاء الاعضاء تقصيرا أو تجاوزا في تدبير الشأن المحلي أو ضعفا أو وهنا مس مردودية أو أداء مؤسسة الرئاسة على الصعيد المحلي؟
 

الجمعة 22 ماي 2015
455 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter