Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



تأثير جائحة كرونا على الوصف القانوني لجنحة السرقة (تعليق على حكم )


     

د / العربي محمد مياد



تأثير جائحة كرونا على الوصف القانوني  لجنحة السرقة   (تعليق على حكم )
الوقائع

 
      أصدرت المحكمة الابتدائية بالقنيطرة بتاريخ 9 أبريل 2020 في الملف عدد 495_2103_ 20،  وهي تبت في القضية الجنحية التلبسية ، حكمها بعدم الاختصاص النوعي  للبت في القضية ، مع إحالة مقيم الدعوى العمومية  على من له حق النظر .
 وتتعلق أطوار القضية بأن شخصين قاما بسرقة كبش لتحصيل مبلغ 1000 درهم من المشتري . وبمجرد تسليم المسروق من هذا الأخير فاجأت عناصر الأمن الظنين  وألقت عليهما القبض في حالة التلبس بمعية عنصرين آخرين. فيما أعترف اثنان منهما بأنهما خرقا حالة الطوارئ الصحية رغم علمها بالتدابير المتخذة من طرف السلطات العمومية في هذا الشأن.
  وبعد عرض المسطرة على النيابة العامة تابعتهم بالمنسوب إليهم طبقا للفصل 505 من القانون الجنائي، الذي نص على أنه من اختلس عمدا مالا مملوكا للغير يعد سارقا، ويعاقب بالحبس من سنة إلى 5 سنوات وغرامة من 200 إلى 500 درهم.
 وبعد إدراج القضية بالجلسة واستنطاق المتهمين ومناقشة الملف من جميع جوانبه القانونية تقرر حجز الملف لأخر الجلسة حيث صرحت المحكمة بعدم الاختصاص بعلة أن الفعل المنسوب للمتابعين ذو طبيعة جنائية وليس جنحية ، وذلك بالنظر لعناصر تكوينها . وقد عللت المحكمة حكمها بأن الفعل المنسوب للمتهمين  تم تحت ظرف تعدد الفاعلين من جهة، ومن جهة أخرى قد ارتكب أثناء حالة  الطوارئ الصحية . وهو ما يكيف أنه اقترف في ظل كارثة بمفهوم الفصل 510 من القانون الجنائي ، وذلك لما أحدثه الفيروس من هلع في نفوس المواطنين ومنعهم من حماية ممتلكاتهم في ظل المنع من مغادرة محل سكناهم إلا في ظل شروط ضيقة محددة من طرف المرسوم رقم 2.20.293 بتاريخ 4 أبريل 2020 بإعلان حالة الطوارئ بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا_ كوفيد 19.
المناقشة
إن الحكم أعلاه يثير جملة من التساؤلات والملاحظات التالية :
_ على أي أساس تابعت النيابة العامة المتهمين بالفصل 505 من القانون الجنائي الذي يكيف السرقة على أنه جنحة عادية عوض جملة من الفصول التي تكيف الفعل المنسوب للمتهمين بأنه جناية وعقوبته تتجاوز 5 سنوات سجنا ؟
_ هل من حق المحكمة الابتدائية الجنحية إعادة تكييف الوصف القانوني للجريمة؟
_ وهل يمكن اعتماد جائحة كرونا – كوفيد 19 كظرف من ظروف تشديد العقوبة ؟
أولا : بخصوص المتابعة وتكييف الفعل المنسوب للمتهمين
 من أهم الاختصاص الممنوح للنيابة العامة  طبقا للمسطرة الجنائية  إقامة وممارسة الدعوى العمومية ومراقبتها وتطالب بتطبيق القانون، وبالتالي فإن وكيل الملك هو الذي يتلقى المحاضر والشكايات والوشايات ويعطيها التكييف القانوني الملائم.كم ا يمكن للوكيل العام للملك القيام بذلك حسب الظروف .
 وعليه إذا كان من اختصاص ضباط  الشرطة القضائية كذلك  تلقي الشكايات والوشايات وإجراء الأبحاث التمهيدية،  فإنهم ملزمون بإخبار النيابة العامة المختصة بما يصل إلى علمهم من جنايات وجنح ، كما أن عليهم بمجرد الانتهاء من عملياتهم أو يوجهوا  المحاضر التي حرروها إلى النيابة العامة  ، التي لها صلاحية  تكييف الوقائع الواردة فيها  طبقا للقانون. ويقصد بالتكييف القانوني،  إعطاء الفعل الجرمي الوصف القانوني المطابق له وبيان ما إذا كان يمثل جناية أو جنحة أو مجرد مخالفة . وفي الحالة التي لا تتضح معالم الجريمة، أو أن  القرائن والأدلة التي رافقت بها الشرطة القضائية المختصة إحالتها  غير دامغة  أو متناقضة ، يحق للنيابة العامة  المطالبة بتعميق البحث في هذا الشأن بشكل  يؤدي إلى كشف معالم الجريمة .
 وعلى هذا الأساس، وفي نازلتنا  بعد أن تأكدت النيابة العامة من حالة تلبس الاظناء بسرقة الكبش كيفت فعلهم على أنه سرقة طبقا للفصل 505 من القانون الجنائي ، وأحالت الملف على قضاء الحكم  ليقول كلمته .والنيابة العامة في مهامها هاته مقيدة بما ورد في الدستور ولا سيما الفقرة الثانية من الفصل 110 التي تنص على أنه " يجب على قضاة النيابة العامة تطبيق القانون ، كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون إليها."
 ثانيا : هل من حق المحكمة الجنحية الابتدائية إعادة تكييف الوصف القانوني للجريمة؟
 إذا كان طبقا للمادة 3 من القانون الأساسي للقضاة رقم 106.13 يتألف السلك القضائي للمملكة من قضاة الحكم وقضاة النيابة العامة، فإنه في المقابل وطبقا للفقرة الأولى من الفصل 110 من الدستور فإن قضاة الأحكام في منأى عن الإلزام بأي تعليمات من رؤسائهم حتى لو كانت قانونية. بل وإن من حق قاضي الحكم  إحالة الأمر على المجلس الأعلى للسلطة القضائية متى اعتبر أن استقلاله مهدد .وفي هذا ما يكفي للقول باستقلال القضاء .وبالتالي  ما يجعل قاضي الحكم سيد ملفاته، لا يقيده في سلطاته إلا التطبيق العادل للقانون. والحاصل أن قضاة الحكم  غير ملزمين  بالوصف القانوني للمتابعة  التي تحددها النيابة العامة، وبإمكانهم أن يغيروه . وقد قضى المجلس الأعلى (محكمة النقض) بأن محكمة الموضوع غير ملزمة بالوصف القانوني للمتابعة ، ولها أن تغيره من جنحة السرقة إلى محاولة السرقة إذا تبث لها ذلك من الوقائع ، طالما أن التكييف الجديد لم يشدد من وضعية الطاعن ، إذ أن جنحة محاولة السرقة التي أدين من أجلها معاقب عليها بنفس عقوبة الجريمة التامة .( القرار عدد 2732/3 بتاريخ 18 شتنبر 2009 في الملف الجنحي عدد 26529/6/3/2001 منشور بقضاء المجلس الأعلى عدد 63 ص 321 ).
 لكن في المقابل ، هل من حق الغرفة الجنحية الابتدائية التصريح بعدم الاختصاص النوعي بعد تكييفها للفعل المنسوب للمتهم بأنه جناية، كما هو في النازلة  ؟
 طبقا للمادة 252 من قانون المسطرة الجنائية تختص المحاكم الابتدائية بالنظر في الجنح والمخالفات ، غير أنه وطبقا للمادة 390 من نفس القانون،  إذا تبين  لها أن الفعل المنسوب للمتهم لا يعد مخالفة ولا جنحة تدخل ضمن اختصاصها ، تصرح بعدم اختصاصها وتحيل الطرف الذي أقام الدعوى على من له حق النظر.ويكون هذا الحكم قابلا للاستئناف طبقا للمادة 401 من قانون المسطرة الجنائية .وإذا تبين أن الفعل له حقيقة صفة جناية تصرح الغرفة الاستئنافية بالمحكمة الابتدائية بعدم اختصاصها كذلك . وهذا يعني أنه لا يحق للغرفة الجنحية الابتدائية إعادة وصف الجريمة والتصدي لها . وقد  سبق للمجلس الأعلى( محكمة النقض)  أن قضى بأنه " إذا كانت متابعة المتهم تمت على أساس أن الفعل يكتسي صفة جنائية وأحيل بنفس هذه الصفة على المحكمة الجنحية ، فليس من حق هذه المحكمة سواء أكانت ابتدائية أو استئنافية أن تغير الوصف وتنزل بالجناية إلى الجنحة ، وإنما ذلك لغرفة الجنايات التي لها حق النظر في الجرائم المحالة عليها كيفما كان وصفها الجنائي وتكييفها القانوني السليم ."( القرار رقم 1315 بتاريخ 15 أكتوبر 1981 في ملف جنائي رقم 71239، منشور بمجموعة قرارات المجلس الأعلى _ المادة الجنائية، سنة 1966 _ 1986 منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية سنة 1987 ص 177).
 وبذلك تكون المحكمة الابتدائية على حق عندما قضت بعدم الاختصاص النوعي في الجريمة. لكن في المقابل ألا يعد الوصف القانوني الذي أعطته النيابة العامة للفعل خطأ قانونيا في هذه الحالة ؟
 بقي علينا أن تساءل هل يمكن اعتماد جائحة كرونا – كوفيد 12 كظرف من ظروف تشديد العقوبة ؟
   إن الأفعال المنسوبة للمتهمين حسب وقائع النازلة، تقع تحت طائلة الفصل 510 من القانون الجنائي  الذي ينص على أنه " يعاقب على السرقة بالسجن من خمس إلى عشر سنوات إذا اقترنت بواحد من الظروف الآتية :
 _ استعمال العنف أو التهديد به أو تزي بغير حق بزي نظامي أو انتحال وظيفة من وظائف السلطة ؛
 _ وقوعها ليلا ؛
 _ ارتكابها من شخصين أو أكثر ؛
 _ استعمال التسلق أو الكسر أو استخدام نفق تحت الأرض أو مفاتيح مزورة أو كسر الأختام، حتى لو كان المكان الذي ارتكبت فيه السرقة غير معد للسكنى، أو كان الكسر داخليا؛
_ ارتكاب السرقة في أوقات الحريق أو الانفجار أو الانهدام أو الفيضان ، أو الغرق، أو الثورة، أو التمرد، أو أية كارثة أخرى ؛
 _ إذا وقعت السرقة على شيء يتعلق بسلامة وسيلة من وسائل النقل، الخاص أو العام ."
 وهنا نلاحظ أن المشرع لم يعاقب على السرقة بالعقوبة السجنية في حد ذاتها، وإنما نتيجة الاقتران بظروف خارجية قدرها خطيرة . وهكذا نص الفصل 152 من القانون الجنائي  بأن " تشديد العقوبة المقررة في القانون ، بالنسبة لبعض الجرائم ، ينتج عن ظروف متعلقة بارتكاب الجريمة أو بإجرام المتهم ."
 وبذلك جعل المشرع ظروف التشديد إما موضوعية متصلة بخطورة الجريمة أو شخصية متعلقة بخطورة المجرم . وفي قضيتنا نظرا لخطورة الجرم  غيرت وصف الجريمة من السرقة البسيطة إلى السرقة الموصوفة ، وقد اقترنت بظرفين: الأول هو تعدد المجرمين؛ والثاني ارتكابها خلال فترة مرور الوطن بجائحة كرونا – كوفيد 12، أي كارثة .
 وقد قضى المجلس الأعلى (محكمة النقض) بأن  "السرقة التي تقع بمحل غير مسكون أو معد للسكن وإن اقترنت بظرفين من ظروف التشديد لا تخضع إلا لمقتضيات الفصل 510 من نفس القانون.ويكون قرار المحكمة غير مصادف للصواب حين اعتبر السرقة الواقعة ليلا عن طريق الكسر في محل غير مسكون أو معد للسكنى مشمولة بمقتضيات الفصل 509 من القانون الجنائي. (قرار رقم   رقم 7/1092 المؤرخ في 1998/4/02 في الملف الجنحي رقم 97/32048.منشور على موقع محكمتي ).
 وبناء عليه ، فإن المحكمة  تكون على صواب عندما تصرح بعدم الاختصاص النوعي حتى لو أن الجريمة اقترفت خارج  جائحة كرونا – كوفيد 19، متى ارتبطت بتعدد المجرمين ، أو مع وجودها  حتى لو اقترفت السرقة من لدن شخص مفرد .إذ أن الوصف القانوني للسرقة يتغير بقوة القانون بارتباط  بظرف أو أكثر من الظروف المنصوص عليها في الفصل 510 من القانون الجنائي المذكور .
 

الاثنين 13 أبريل 2020


تعليق جديد
Twitter