Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




بحث ميداني حول الأعراف المنظمة لمؤسسة ايكودار - قراءة في دور العرف لدى القبائل الأمازيغية -


     

بقلم الباحثين بماستر القانون المدني بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية جامعة ابن زهر أكادير:

× ابراهيم غريب
× محمد أحتوش




           
مقدمة :

يعرف الفقه العرف بأنه قاعدة قانونية درج الناس على إتباعها في معاملاتهم زمنا طويلا حتى يكون لهم الشعور بإلزامها و بضرورة إحترامها خشية الجزاء الذي سيتعرضون له من مخالفتها.

و بإستقرائنا لهذا التعريف يتبين لنا أن العرف قانون غير مكتوب كما هو عليه الأمر في التشريع.

و للعرف ركنين أساسيين فالأول هو الركن المادي و الذي يتمثل في اتباع الجماعة لقاعدة من قواعد السلوك في علاقتهم على نحو معين أي تكرار السلوك بشكل ثابت و مستقر

 وأما الثاني  يتجلى في الركن المعنوي و هو عبارة عن إعتقاد الناس بإلزامية تلك القواعد التي درجوا على إتباعها زمنا طويلا فأصبحت قواعد ملزمة لهم. و بالتالي لا يستطيعون مخالفتها و إلا ترتب جزاء على تلك المخالفة.

و من خلال الركن المعنوي نستطيع التمييز بين العرف و باقي العادات الاجتماعية و العادات اللإتفاقية.

و للعرف العديد من الشروط و التي تتمثل في وجوب كونه عاما، بمعنى أن تكون القاعدة القانونية التي  ينشئها  عامة و مجردة و ملزمة، حيث تخاطب اللأشخاص بصفاتهم لا بذواتهم.

كما أنه يجب أن يكون العرف قديما و يقصد بذلك أن يطرد سلوك الناس على اتباعه زمنا طويلا، لدرجة يمكن معها القول أن اتباعه أصبح مستقرا.

بالإضافة لذلك يجب أن يكون العرف ثابتا و هذا يعني أن يتم اتباعه بطريقة ظاهرة لجميع الناس و بدون تقطع.

و أخيرا فالعرف يجب أن لا يكون مخالفا للنظام العام و الأخلاق الحميدة، و بالتالي  فالقواعد العرفية المخالفة للقواعد الأخلاقية و المناقضة للنظام العام في مجتمع معين لا يمكن أن ترقى إلى مرتبة العرف مهما طال عليها الزمن.

و بعد هذه الإطلالة المختصرة على العرف سنتحدث عن دور العرف لدى الأمازيغ في المغرب
و يستمد العرف قوته للتحول إلى مادة قانونية عند صموده و إستمراره، أما عند الأمازيغيين يلاحظ أن هذا التمييز بين العرف و القانون منعدم و يعتبر الأول مجرد مرادف للثاني .

كما أن الأعراف الأمازيغية قد شكلت بالنسبة للهوية الأمازيغية أحد عناصرها البنيوية التي كانت تؤدي وظيفة التعبير عن الهوية و تسمح للخاضعين لها امكانية التمايز، و تعد مدخلا أساسيا من أجل الدفاع عن  هذه الهوية  

و تجد الأعراف الأمازيغية قوة لها في تنظيم المخازن الجماعية المعروفة بإسم "إيكودار" و هذه الأخيرة تتميز بالتعدد و التنوع في المغرب و التي تنتشر بالخصوص في السفح الجنوبي للأطلس الصغير، و رغم إختلافها في وحدات كبرى إلا أنها تنسجم مع طبيعة المكان، و الظروف الإقتصادية و الإجتماعية و السياسية، و رغم  هذا الإختلاف إلا أنه لا يؤثر في وظيفتها الأساسية و التي تتجلى في التخزين و الحماية.

و تتجلى أهمية الموضوع في التعرف على الدوافع لبناء هذه المخازن و الوقوف على أهميتها و وظائفها الأساسية و معرفة هندسة و تصميم ايكودار.

     و يطرح هذا الموضوع إشكالية رئيسية تتمثل في :

ما هي أهمية المخازن الجماعية "اكودار" و أهم وظائفها ؟ و هذا ما سنحاول الإجابة عنه ، و ذلك وفق التصميم التالي :

المطلب الأول : التعريف بمؤسسة اكودار
المطلب الثاني : تسيير مؤسسة إكودار ووظائفه                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                            
 المطلب الأول : التعريف بمؤسسة اكودار 

تقتضي منا طبيعة هذا المطلب تقسيمة إلى أربع فقرات حيث سنعرف في الفقرة الأولى بمؤسسة إكودار بينما سنقوم في فقرة ثانية بالحديث عن نبذة تالريخية حول مؤسسة اإكودار وهندسته .

الفقرة الأولى تعريف اكودار

     يعتبر ايكودار جمع كلمة أكادير، و هي كلمة أمازيغية تدل على الحصن أو المخزن الجماعي، و ينتشر اكودار في الجنوب الغربي للمغرب أي الأطلس الكبير الغربي و سهل سوس و الأطلس الصغير. و تظل أهم الوظائف التي أنشأ اكودار من أجلها تلك المرتبطة بالتخزين.
   كما يطلق عليه كذلك إسم "إغرم"  في الأطلس الكبير الأوسط و الشرقي و الأطلس المتوسط و الجنوب الشرقي من تازناخت إلى تافيلالت.
   و يمكن تعريفه حسب التمثل الإجتماعي لاكودار من طرف الساكنة بأنه "أكادير تم إنشاءه لخزن الثروات من حبوب و زيوت و غيرها ، و يتم اللجوء إليه في حالة الحرب و الأزمات، ، كما يوظف اكودار منزلا للمهاجرين أو التجار و عموما ما هو ملك جماعي للقبيلة بأكملها، و بالإضافة لذلك فأكادير مكان أمين تحفظ فيه الحلي و المصنوعات و كل ما خف وزنه  وغلا ثمنه بعيدا عن السرقة أو الضياع.
    كما أن اكادير من الأماكن التاريخية المهمة و المشهورة لحفظ الودائع في ربوع سوس، و أكادير عبارة عن مخزن أو بنك لحفظ الأشياء الثمينة و كذلك المحاصيل الزراعية من قمح و ذرة حتى يتم حمايتها من السرقة و النهب خصوصا أثناء فترة الإستعمار و التي قسم فيها الغرب إلى بلاد المخزن و بلاد السيبة.

الفقرة الثانية نبذة تاريخية حول إكودار و هندسته

أولا نبذة تاريخية حول إكودار

يختزل إكودار ذاكرة سوس المنسية، و التي تؤرخ لتقاليد و أعراف توضح مدى قدم و عراقة المنطقة و تجذرها في عمق التاريخ، كما تكشف عن حضور قوي لثقافة العمل الجماعي خصوصا أثناء تخزين المحصول الزراعي، حيث يتجند رجال القبيلة و يتعاونون في عملية تجميع المحاصيل في الأماكن المخصصة لها بأكادير.   
  وقد ظهرت هذه المخازن الجامعية في حقبة كانت تتميز بضعف الاستقرار والأمن وبالتالي فكل قبيلة تسعى للحفاظ على مخزوناتها الغذائية وغيرها  ، من كل اعتداء قد يطالها من طرف قطاع الطرق والعصابات .

ثانيا هندسة إكودار و تصميمه :

لاشك أنك عندما تكون أمام هذه البنايات ستستحضر شموخ اليد العاملة و قوة  إبداعها في التصاميم المعتمدة، و المواد التي تنتقيها و أشكال الزخارف ذات الطبييعة الفنية الموظفة فيها، و التي تدل على ذوق راق في العمران  فالمواد المعتمدة في البناء تكون كلها محلية، كالأحجار و القصب و الخشب و الطوب و الماء و الطين و الجير، و يتم حملها عن طريق الدواب.
و يتحمل العمال و الحرفيين مشقة كبيرة في سبيل إيصال تلك المواد، خصوصا في فترات من الزمن كانت الصراعات و الحروب منتشرة، كما أن المسالك الوعرة التي تميز تلك المناطق تحتاج لمجهود إضافي من أجل المرور فيها.
و تتم طريقة البناء باستخدام الطين و الحجر، و ذلك عبر إستخدام طريقة اللوح حيث يتم تثبيت تابوت خشبي فوق أساس الجدار، و يملأ الثابوت بالطين ثم يحك جيدا و يترك حتى يجف، و بعد ذلك تزال الألواح الخشبية المكونة للثابوت و تثبت في مكان مجاور،
 و يتم تكرار هذه العملية إلى أن يصل الجدار إلى الطول و الإرتفاع المطلوبين، أما في عملية التسقيف نجد العديد من المواد، و منها الأخشاب حيث يتم وضع الأعمدة الخشبية بحيث تكون المسافة فيما بينهما ما بين المترين  أو ثلاثة أمتار بعد ذلك توضع عليها الأعمدة الخشبية الصغيرة،

 و يوضع فوقها القصب المشدود بخيوط أوراق النخيل، و فوقه يوضع الطين المبلل و المخلوط بالتبن و الملح، و يكون سطح الغرف مائلا و ذلك لتسهيل خروج مياه الأمطار. هذا فيما يخص طريقة بناءه، أما فيما يخص طريقة هندسة اكودار فسنتحدث في بند أول عن الهندسة الخارجية، بينما سنتحدث في بند ثان عن الهندسة الداخلية.

أولا الهندسة الخارجية لاكودار :

تكون مؤسسة اكودار محاطة بسور أولي طبيعي و شوك الصبار و هذا المعطى الطبيعي تكون له وظيفة أمنية لأنه يحمي المخزن من أي هجوم محتمل قد يتعرض له، ثم يليه جدار ثان سميك ذو شكل هندسي دفاعي تنتصب فوقه أبراج في زواياه الأربع.
كما أن الصور الخارجي لإيكودار يتوفر على العديد من الثقوب الصغيرة والمخصصة لرجال القبيلة المسلحين الذين سطلقون النار على كل م يحاول اقتحام الحصن من الخارج .
فهذا الشكل الهندسي البديع يساعد على حماية الأشياء و الأموال الخاصة بالقبيلة من أي سرقة أو سطو عليها، كما أن هذا الحصن يتوفر على باب واحد له وظيفة تنظيمية و أمنية حتى يمكن تنظيم عمليات التخزين و تسهيل المراقبة داخل أكادير.

ثانيا الهندسة الداخلية :

تتخذ الهندسة الداخلية لايكودار على العديد من الغرف و كل غرفة تتوفر على نوافذ و شرفات صغيرة من أجل التهوية، و كل غرفة تكون مخصصة لحفظ منتوج معين، و قد يكون توزيع الغرف على حسب عدد أفراد العائلات، وكل غرفة يكون لها قفل خاص بها وبالنسبة للغرفة التي تتشاركها عائلتان يكون لها قفلان يكون مفتاح كل واحد منهما لدى عائلة .
كما أن المخزن يتوفر على غرفة للحارس الرئيسي للباب بالإضافة إلى بهو واسع في الوسط، و نجد كذلك مكانا مخصصا لجماعة إنفلاس يسمى أسقيف و الذي يتخذ كمجلس لمناقشة أحوال المؤسسة و كيفية تدبيرها،
و نلاحظ أن هذا الشكل الهندسي يروم تحقيق وظيفة إجتماعية تتجلى في العمل التشاركي بين أفراد القبيلة ، كما يبين على مهارة وحنكة الأشخاص الذين قاموا بإنشاءه خصوصا إذا ما علمنا أن هذه الحصون بنيت في زمن لم يعرف كل هذا التطور التقني الذي عرفه اليوم .
 
 
المطلب الثاني: تسيير مؤسسة إيكودار ووظائفها 

الفقرة الأولى :تسيير مؤسسة إيكودار

تضع الساكنة لأكادير نظام خاص به وقوانين تنظم معاملاته، وهذا القانون يسمى بأزرف؛ ويعني القانون العرفي الأمازيغي، ويقول محمد شفيق في المعجم العربي الأمازيغي اكرس أزرف أي قنن ومن انكرس وانكروس القانون(وجمعه انكروسن:القوانين)، وذلك سنة 1989 وأزرف عبارة عن القوانين والضوابط التي تتضمن إجراءات تتعلق بعقوبات يعاقب بها كل من صدرت منه مخالفة تمس شرف الإنسان أو بدنه أو ماله أو تمس الأمن الداخلي أو الخارجي للقبيلة وقد بين أزرف كل مظاهر الجريمة مع بيان جزائها في جميع تطوراتها.
ومن المصطلحات للكلمة اللوح، ويبدو أنها كلمة عربية الأصل إلا أنها ترجمت ألى الأمازيغية، وهناك أيضا "تلوح" ويقصد به العرف الأمازيغي وقد ترجع التسمية إلى  أن العرف كان يكتب قديما في الألواح الخشبية وهذا المصطلح يستعمل كثيرا في الأطلس الكبير وسهل سوس إلى حدود الأطلس المتوسط. ومن أهداف أزرف؛ ضبط شؤون مخازن إيكودار، وتكون ملكية أكادير إما للقبيلة أو للقرية أو لمجموعة قرى متجاورة كما يمكن لها أن تضع مخزوناتها عند قبائل أخرى؛ وفق مجموعة من الأعراف ينظمها أزرف، وأكادير مؤسسة ذات شخصية معنوية تنظم شؤونها بمجموعة من الأعراف إما مكتوبة أو شفوية كما تحاط مؤسسة إكودار باحترام خاص فلا يتجرأ أحد على مخالفة هذه الأعراف والقوانين، وهي بمثابة حرم محاط بقدسية خاصة في نفوس الأفراد، ويسهر على تدبير وتسيير شؤونها إنفلاس، ويقصد بهم أؤلئك الأشخاص الذين يتحملون مسؤولية التسيير في المجتمعات الأمازيغية التقليدية قبل الاستعمار، ويرى علي صدقي أزايكو (مؤرخ مغربي أمازيغي) أن كلمة أنفلوس تختزل في جزء دلالتها على معنى في القدم يعود إلى عهد الديانات الزراعية، إذ كانت تطلق على أناس يعتقد أنهم يتوفرون على قو خارقة، وجماعة إنفلاس تنظيم سوسيوسياسي اعتمد في القدم من أجل التنظيم والسهر على تدبير شؤون مؤسسة إكودار من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، بمعنى انفلاس مثل القاعدة الأساسية التي يخول لها النظر في جميع مشاكل تسيير إكودار.
وإلى جانب جماعة انفلاس هناك ألواح تتضمن أحكام التنظيم و التدبير عن طريق اعتماد أحكامه التي تتضمن نصوص قديمة، تؤرخ لثقافة العمل التشاركي والتضامني بين أفراد القبيلة وعلاقتها التنظيمية، بدءا من مجلس انفلاس إلى توزيع الأدوار، ولغة التدوين مزيجة بين اللغة العربية وبعض المصطلحات الأمازيغية، وهو ما يكشف بساطة ثقافة الساهرين على خطها؛ إذ عندما يجد كاتب اللوح صعوبة في إيجاد مرادف لكلمة أمازيغية بالعربية الفصحى لا يتردد في توظيف الكلمة الأمازيغية.
بالإضافة كذلك إلي شخصية تدعى محليا ب: لامين ويسهر على تطبيق قوانين أكادير التي غالبا ما تكون متضمنة في ألواح قانونية يحتفظ بها مجلس إنفلاس الطاقم المسؤول عن تدبير شؤون أكادير وتسيير أموره وينتخب هذا المجلس للنيابة على القبيلة في تسيير وتدبير أُمور وشؤون البناية ، ويعهد إلى إلي الأمين بمهام الحراسة، وهو مقيم داخل مؤسسة اكودار ، و يفرض على الأسر المستفيدة تعيين فرد منها للقيام بالحراسة وبالتناوب لمدة يوم واحد «توالا » وتوكل للأمين الذي يوظف بأجر عيني من المحصول للإشراف على تنظيم عملية الدخول والخروج ابتداء من طلوع الشمس إلي وقت غروبها لتسهيل عملية المراقبة. هذا كله عن تسيير مؤسسة إكودار فماذا عن الوظائف التي يؤديها؟

الفقرة الثانية : وظائف أكادير

    إن الغاية الأساسية من بناء أكادير تتمثل في أدائه لوظائف محددة سلفا من طرف القبيلة التي قامت بتشييده، ومن هذه الوظائف:
الوظيفة التخزينية: هناك من شبه مؤسسة أكادير بمؤسسات الأبناك حاليا التي تؤدي وظيفة ائتمانية، من خلال خزن ثروات القبيلة من(نقود ومواد غذائية كالحبوب والقطاني والزيت والسمن واللحوم الجافة والخضر والفواكه الجافة والصوف والأفرشة ، كادت كلها أن تقدس تحت وطأة المجاعات والأوبئة والجراد والجفاف ومختلف الكوارث الطبيعة والصعوبات الأمنية التي عاشها المغرب لفترات طويلة إلى حدود منتصف القرن العشرين(اعوام البون)، كرست معها سلوكات الحيطة والحذر وضرورة الادخار- دواير الزمان- لما تحتمله ظروف العيش من صعوبات جمة تواجهها القبائل آنذاك.وانتهاء بعقود البيع والشراء التي عادة ما توضع داخل القصب والأواني النفيسة .
     يختار البواب بشكل جماعي، ويجب أن يحظى بثقة الجميع وعادة ما يختار بالتناوب بين فخذات القبيلة سنويا، ويشترط عليه أن لا يتعامل إلا مع أرباب الأسر ويملك المفتاح الرئيسي لاكادير، ولا يحق لأي أجنبي الولوج إليه، ربما حماية لخبايا وأسرار اكادير التي لا يجب ان يطلع عليها إلا مرتاديه ومالكيه الحقيقيين.وتوضع رهن إشارته وسائل للدفاع عن أكادير. 
      ومن عادات هذه القبائل أن تقوم بأداء الزكاة من هذه المخزونات كما يتم منها أداء واجب « الشرط »للإمام، وأجرة البواب وأحيانا صدقة وعطاء للشرفاء والمرابطين »اكرامن »تيمنا ببركاتهم لتحظى تلك المخازن ببركة وحماية من الله.
الوظيفة الاجتماعية المتمثلة في التعاضد والتلاحم القبلي: ومن الملاحظ أن هندسة مؤسسة اكودار خصوصا الهندسة الداخلية تعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية المبنية أولا على التضامن و العمل الجماعي؛ وهذا ما يتجلى بالخصوص في شكل الأحجار المثبتة قرب الغرف المخصصة للتخزين التي تبين أن إيصال المخزون إلي مكانه يتطلب عملا تشاركيا .
      و المثير كذلك للانتباه في مجلس انفلاس المكلف بتدبير الشؤون الداخلية و الخارجية للمؤسسة هو استعماله لمجموعة من العقوبات في حق المتمرد على اكودار؛ مثلا (امزواك) أي اللص، ويتعاملون معه بعقوبة الطرد من المجتمع القروي ؛لكن هذه العقوبة تكمن شدتها في التصاق امزواك بشرف عائلته امزواك : مثلا (تروى ن امزواك.....) أي أبناء اللص،وبالتالي نادرا ما تجد لصا داخل المجتمع القروي الذي تتواجد به مؤسسة اكودار.
     بالإضافة إلى هذا نجد منطقا أخر أكثر إنساني الذي يطبع العلاقات الاجتماعية ؛ وهو وجود حقوق مثل حقوق المرأة و الطفل و الحيوان ؛وهذا الأخير له احترام خاص نظرا لدوره فمثلا القط الذي يؤدي وظيفة القضاء على الفئران، نظرا للنشاط الاقتصادي وطبيعة المخزون أي الحبوب وجزاء له يتم إعطاء مقدار خاص للأمين يسمى محيل ب:(أغنجا ن أومش).
   بالإضافة إلي كل هذا هناك شخصية يهودية تتعايش مع انفلاس، وهذا يبين منطق التعايش بين أفراد القبيلة وبغض النظر عن ديانتهم، بل أكثر من ذلك كان لهذه الشخصية اليهودية دور فعال في ربط أكادير بمناطق أخرى ،على اعتبار اليهود آنذاك لديهم خبرة في أمور التجارة بالمنطق التقليدي .
 
    ويمكن التنصيص على الوظيفة السياسية التي تقوم بها مؤسسة اكودار لفائدة المجتمع القروي بحكم تواجد مجموعة انفلاس التي تنظم أعراف وقوانين المؤسسة، واكودار ذو وظيفة قضائية و تحكمية تسيرها انفلاس التي كانت قادرة في أكثر القضايا إشكالية الوصول إلي حلول ترضي النسق القبلي للمجتمع بمعنى أخر انفلاس تؤدي دور سياسي يتجلى في تدبير شؤون اكودار من حقوق و عقوبات وواجبات تجاه المؤسسة وكذا تجاه أهل الدوار.
الوظيفة الأمنية: إن الطريقة الهندسية التي بنيت به اكودار عامة تراعي الجانب الأمني؛ فبجانب أكادير يوجد سور طويل يحيط به. وهذا السور له "هوش" ويكون بمثابة برج للمراقبة يتناوب عليه حارسان أو أكثر بالليل والنهار. ويشرف على تسيير شؤون اكادير "لامين" الذي يعينه أهل القرية لفتح وإغلاق أبواب اكادير مقابل اجر غالبا ما يكون من المحصول الزراعي قمح أو شعير. فالبنايات عادة ما نقرا منها تلك الأبعاد الأمنية التي تمت مراعاتها أثناء عمليات التشييد والبناء حيث أبراج المراقبة، منافذ للأسلحة وأبواب وحصون منيعة وألواح تابوت من طين لا يوضع في الألواح إلا بعد مدة طويلة قد تصل إلى شهر أو أكثر تختلط فيه الحصى والأتربة والتبن والجير حتى تختمر لتحقق درجة عالية من التماسك في الجدران، اغلب هذه المخازن-اكو دار تبنى بجدران من تراب مدكوك وأحجار مجففة، عادة ما تكون مزدوجة من الخارج تملأ وسطها برمال تنذر ساكنيها بخطر الحفر كلما تعرضت لذلك من الأعداء، مع مراعاة لون البناية الذي يجب أن ينسجم مع لون تربة المنطقة ضمانا لعنصر التمويه.
  إضافة إلى وظيفة التخزين والحماية، يقوم المخزن الجماعي بوظائف أخرى، وذلك من قبيل صون العلاقات الاجتماعية بين أفراد القبيلة، عبر اجتماعها في المخزن لإحياء المناسبات الدينية، والقيام بحفلات الأعراس داخله، إذ تلجه كل عائلات القرية في الفترة التي تكون فيها مناسبة معينة.
     
 
 
خاتمة
 
  وختاما، فالمعمار الثقافي الأمازيغي التقليدي وبالخصوص معمار إكودار يؤدي أدوارا مهمة جدا على جميع المستويات؛ إجتماعية؛ وبئية؛ وثقافية؛ وسياسية، إلا أن التحولات العميقة التي طرأت على المجتمع المغربي ساهمت في تفكيك هذه الأنماط المعمارية مما عجل في تراجع وتلاشي مجموعة من القيم والممارسات والطقوس التي كانت تحتضنها، وهذا ما يجعل سؤال الحفظ والصيانة والتدبير والتنمية يفرض نفسه الآن قبل أي وقت مضى، ولعل المتتبع لبعض أعمال الصيانة التي استفدت منها بعض هذه الأنواع المعمارية، سيلاحظ أنها لم تتعدى في عمومها المظاهر الشكلية، والخارجية والجمالية لهذه الأنواع المعمارية، إما بخلفية فلكلورية أو بدوافع نفعية وهو ما يحل بالمعمار التقليدي في كلتا الحالتين، وبمثل هذا العمل لن نعيد لهذا الترات مكانته ووظائفه التي كان يؤديها من قبل، فترميم بعض إكودار وجعلها دور وحدات سياحية إما على شكل فنادق أو دور للسياح غير كاف لهذا المعمار، وجعله مرتبطا بالتنمية، لذلك ينبغي التفكير في تصورات جديدة وآليات مستجدة تعيد الاعتبار لهذا الشكل المعماري بوصفه مؤسسة سوسيوثقافية.  
 
 
 
 



الجمعة 22 غشت 2014
1569 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter