MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية
plateforme des décideurs juridiques - Platform of Legal Decision-Makers




بحث أكاديمي: رسم السياسات العمومية في الأزمات - كورونا نموذجا

     

محمد آيت تمريرت

تحت إشراف د/ صالح النشاط



نسخة للتحميل

بحث أكاديمي: رسم السياسات العمومية في الأزمات - كورونا نموذجا
 
المقدمة

      ترتبطُ نشأةُ السياسة العامة والعمومية مع بدايةِ ظهور الدول، والنظام الحكومي الذي يعتمدُ على دور المؤسسات الحكوميّة في تطبيق السياسة، وخصوصاً بعد انتهاء الحرب العالميّة الثانية، وحصول العديد من الدول على استقلالها، وساهم ذلك في توفيرِ مجموعةٍ من الاستراتيجيات التي ساعدتْ على تطبيقِ الخطط الحكوميّة بنجاح، والتي ركزتْ على دورِ الحكومة في بناءِ مجتمعٍ حضاريّ يوفرُ أُسس الحياة المناسبة للأفراد.)[1] (
    نظريا تتعلق السياسة العمومية بعملية مستقبلية متصلة بالقرارات والنشاطات وتعتبر عمل مؤسساتي وعقلاني يرتكز على التخطيط والتنبؤ، وتستند في صناعتها إلى مرجعيات تتعلق بكل بلد (الثقافة، سياسية، علاقة السلطة، الهيئات الاجتماعية والاقتصادية…)، وعمليا تتخذ رسميا باسم جهاز الدولة، فإن لهذا الاعتبار تبعات مهمة وأساسية، وهذا ما يمنح للسياسات العمومية مميزات خاصة تنفرد بها وتعطيها أهمية بالغة. فالسياسة العمومية منطقيا وافتراضيا تعبر إلى حد ما على المصلحة العامة، التي تسعى الدولة إلى تحقيقها.
     تشكل "السياسات العامة والعمومية" موضوع اهتمام مجموعة من العلوم الاجتماعية، فيختلف بذلك تصور المفاهميي الذي يعطيه كل توجه علمي، مما مهد لتقديم مساهمات العلمية متخصصة، وتزايد المجلات والإصدارات المهتمة، وانتشار المراكز البحث والمؤشرات العلمية ذات العلاقة بالسياسات العمومية، قصد إخضاع العمل العمومي للشرط العلمي والموضوعي في القراءة والتحليل والتركيب وتقييم. وباعتبارها حقلا معرفيا يتداخل فيه مجموعة من المفاهيم، تتشعب لتشمل كل الحقول المعرفية الأخرى، كالعلوم الاجتماعية وكدى مجال الاقتصاد، وعلم الاجتماع، والاقتصاد السياسي، وتقييم البرامج، وتحليل السياسات، والإدارة العامة... على أن يتم تطبيق كافة تلك المجالات على المشكلات الخاصة بالإدارة والتسيير العمليات الحكومية، وعقلنة الفعل العمومي لدى الفاعل العمومي.
      وتختلف دراسة السياسات العمومية عن العلوم السياسية أو الاقتصاد، من حيث تركيزها على تطبيق النظرية من خلال وضعها في حيز الإطار العملي، كنتاج للتطور الحاصل في ميدان العلوم الاجتماعية. وشكلت جدلً كبيرًا بين الباحثين حول ماهيتها والموضوعات التي تتناولها، لذلك تعددت التعريفات حول فهم السياسة العامة أو العمومية والإحاطة بجوانبها المتعددة في كونها تمثل الجانب الأدائي للحكومة والفعل السياسي، أو أنها ترتبط بكافة جوانب النظام السياسي ولا تقتصر على الحكومة، فتشيـر السياسـات العموميـة إلى حصيلـة مـا ينتجـه النظـام داخـل مؤسسـة الدولـة، وارتباطها بشكل وتيق بالإدارة. من هذا المنطلق اختلفت التعارف والتي بلغت أكثر من أربعين تعريفًا مختلفًا. ([2])
     يعرف المعهد العالي للدراسات العمومية في فرنسا السياسة العمومية ـ على أنها: "هي مجموع القرارات والأعمال والتدخلات المتخذة من قبل الفاعلين المؤسساتيين والاجتماعيين لأجل إيجاد الحلول لمشكل جماعي ما". بينما يذهب الباحثون الفرنسيون ـ مينه وجون كلود ـ في كتابهما "السياسة العمومية" ويعرفانها على أنها "برنامج عمل حكومي في قطاع اجتماعي أو مجال جغرافي". ([3]) 
     كان التحدي الذي رفعته كل هذه الدراسات هو تجاوز العجز الموضوعي للعلوم الاجتماعية أمام تحدي رسم وتحليل السياسات، حيث بالرغم من أن اهتمامات علم الاجتماع والعلوم السياسية والاقتصادية والإدارية لا تجعلها بعيدة عن مضمون الفعل العمومي والسياسات، فإنها لأسباب منهجية لم تفلح في تجاوز محدودية المقاربات الي اقترحتها لفهم دقيق لسياقات إنتاج القرار العمومي، ولم تستطع بالتالي أن تنجح في تطوير الأدوات الملائمة للتأطر والتحكم العلمي في مسلسل صناعة السياسات العمومية، في الظروف العادية ولا سيما في الأوقات العصيبة.
    كما يبقى التحدي الأبرز هو كيف يمكن لسياسات أن تستجيب لحاجيت المواطنين في أوقات الشدة، المتمثل في أوقات الأزمات التي تعصف بالبشرية بشكل عام، كالكوارث الطبيعية والامراض المعدية والأوبئة...، والدولة والأمة بشكل خاص كالحروب والانقلابات...، إد يبقى رسم أو تنزيل سياسة عمومية ما، في مثل هذه الأوقات من أكبر التحديات.
 
    من الطبيعي جدا أن يستنجد الناس في أوقات الأزمـات والمحـن بقادتهم والمسؤولين ليفعلوا شيئا ما، وعندما ينجح القادة في تقليل خطر الأزمات والرجوع إلى الحالة الاعتيادية للأوضاع، فإن الناس يطلقون على قادتهم صفات القادة الحقيقيين، خاصة إذا استمر أداؤهم الناجح في أوقات الخطر. ولكن عندما لا يتم إنهاء الأزمات ولا يستطيع القادة إعادة الأمـور إلـى الوضـع الاعتيادي فإن القادة سيتحملون النتائج ويحاسبون على ذلك.... ومن الشائع أن الأزمات تولد نافذة لفرص حقيقة لإصلاح وتقويم الهياكل التنظيمية والـسياسات والخطـط الطويلة الأمد ... فإدارة الأزمة في نظر " أرجين وباول " لـم تكـن سـهلة أبـدا لأن الفوضـى المؤسساتية وضغط الإعلام والمعلومات غير الدقيقة، هي عوامل تجعل من الـصعب علـى قادة الأزمة اتخاذ القرارات ... ([4])
     والأزمات كالكوارث الطبيعية والحوادث الـصناعية والاضـطراب والتصادم والنزاعات السياسية كلها تستمر في تهديدنا وتشكل تحديا حقيقيا، خاصة الأزمات الحديثة فإنها تزداد تعقيدا، وتتحول الى أزمة عالمية. فعولمة الأزمـة يكون بطريقة مباشرو وحتمية نتيجة لعدة عمليات عـصرية مثـل العولمـة، المعلوماتيـة، الاتـصالات، التطورات، والتقدم التقني... ([5]) أتاحت تقنيات الاتصال الحديثة الكثير من الوسـائط والوسـائل التـي ألغـت الحـدود الجغرافية، وقربت المسافات، وسهلت إمكانية انتشار الأزمة في العالم.
     وكنموذج يمكن اعتبار أزمة كورونا، أزمة يتطلب الخروج منها وجود قادة حقيقيين، وتدبير عقلاني وفعال واستباقي، ومقاربة تشاركية وتعبئة شاملة لكافة الموارد الممكنة. وبنظر الى طبيعة هذه الأزمة التي أصبحت معولمة، وأضحت الشغل الشاغل للجميع، وأصبح تعامل معها والخروج منها مرتبط بمصير الجميع، ولم يسبق للعالم أن واجه مثل هذا التحدي، الأمر الذي حدا بدول العالم لإعلان حالة الاستنفار القصوى لمواجهة هذا التحدي، إذ لم يرتبط بقطاعٍ ما، بل بمسار الحياة اليومية الاعتيادية، فعلى إثره توقفت حركة العالم وأُصيبت كافة القطاعات الحيوية بحالة من الشلل التام.
وثمة خمسة عوامل يمكن أن تفسر لماذا كان تحدياً غير مسبوق:
 الأول: أنه مقارنةً بالأزمات التي شهدها العالم من قبل، كالحربين العالميتين الأولى والثانية، فإن دول العالم كانت تعرف من هي الأطراف المتحاربة ومدى ومسار هاتين الحربين، ولم تشمل كل الدول العالم. بينما في حالة هذا الوباء فإن العالم بأسره يحارب عدواً مجهولاً يضرب بلا هوادة كافة مناحي الحياة، وأجبر أكثر من نصف سكان المعمورة على ملازمة منازلهم.
 الثاني: أن دول العالم قد اعتادت على التعامل مع أزماتٍ أمنيةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ وبيئيةٍ واجتماعية، ولم يكن في حسبانها وقوع أزمةٍ صحيةٍ تتجاوز متطلبات مواجهتها إمكانات الدول كافة بما فيها الدول المتقدمة، وبالتالي كان عنصر المفاجأة – الذي يميّز الأزمات والكوارث – حاضراً وبقوة.
 الثالث: اختلاف درجة اهتمام الدول بالقطاع الصحي عموماً. عن طريق تسخير كل الإمكانيات المتاحة لم يكن في الحسبان أن تكون هناك حالة طوارئ يصبح فيها هذا القطاع هو المتصدر للمشهد ويتحمّل كل الأعباء.
 الرابع: اختلاف دول العالم فيما بينها بشأن الاهتمام بمسألة إدارة الأزمات عموماً، وفكرة الاجراءات الاحترازية، أو بالأحرى، عدم وجود سيناريوهات تم تصميمها مسبقاً للتعامل مع أزمات دولية من هذا النوع.
 الخامس: ضعف الآليات الدولية للعمل الجماعي. صحيحٌ أن هناك منظمات متخصصة، منها منظمة الصحة العالمية، ولكن ليست لها سلطة فوقية يمكن من خلالها إلزام الدول على انتهاج هذا المسار أو ذاك، خاصةً تحرّي الشفافية في تقديم المعلومات حول هذا الوباء.
    ومن هنا جاء هذا البحث قصد تناول إمكانية وكيفية رسم السياسات العمومية والعامة، من طرف صانعوا ومتخذي القرارات، وأصحاب السلطة الذين لهم كافة الصلاحيات في تدبير الموارد المتاحة، وترجمتها على شكل سياسات عامة وعمومية، تحوّي مشاكل وحاجيات المواطنين، المستمرة والتي لا يتوقف الطلب عنها في كل زمكان، خاصة في بعض الظروف الصعبة التي قد تعصف بدولتهم، ويكونون أكثر الأوقات حاجة لدولتهم ولقاداتهم.

إشكاليات البحث:

     وسأحاول تناول إشكاليات البحث على شكل التالي. فلا شك أن الاهتمام بالسياسات العمومية، يرجع أساسا إلى أهميتها وموقعها داخل بنية النظام أو الدولة، إد لا تقل أهمية عن باقي المفاهيم، كالديمقراطية والقانون والحرية... وتشكل جوهر وجود الدولة، بصفتها المسؤولة على تدبير الموارد والإمكانيات، وفق الحاجيات الأساسية للمواطنين. غير أنه في بعض الأحيان تعصف بالدولة أيام عصيبة، تلك التي تقع في الأزمات والكوارث الطبيعية... قد تحدث إضطرابا وخللا في السير العادي للمؤسسات، وبالتالي الخلل في التدبير.
   فإذا كانت الدولة قادرة على تدبير الموارد وترجمتها على شكل سياسات عمومية تلبية لحاجيات المواطنين في زمن ارخاء والازدهار، فكيف يمكنها أن تفعل ذلك في زمن الأزمات والكوارث؟ وكيف يمكنها أن تجتاز الأزمة بأقل الأضرار الممكنة وفق لإمكانياتها المتاحة؟
الدراسات السابقة:
    لم أقف على دراسة سابقة تتعلق برسم وتدبير السياسات العمومية في ظل الأزمة، وقد يكون الأمر يرجع إلى عدم وجدها بالأساس، أو عدم قدرتي على الوصول إليها بسبب إغلاق كافة المكتبات تطبيقا لإجراءات الحجر الصحي التي فرضتها السلطات المحلية، تفاديا للانتشار الفيروس. مما حتم عليّ الاعتماد على مواقع الالكترونية والمكتبات الرقمية، وقد وجدت جل الدراسات تتناول السياسات العمومية بكل ما يتعلق بها من المفاهيم، والتحليل، والتحديد ورسم... وبعض الدراسات تتعلق بالأزمات وآليات تدبيرها... وحاولت في موضوعي هذا توفيق بين هذين الموضعين، اعتمادا على بعض الدراسات "النظرية السياسية والسياسة المقارنة" و" إدارة الأزمات والكوارث" لمحمد نصر مهنا. كتاب "صنع السياسات العامة"، لجيمس أندرسون، ترجمه عامر الكبيسي. "مبادئ ومقاربات في تقييم السياسات العمومية وتموقعها من خلال دستور". لحسن طارق...
المنهجية العمل:
   استنادا الى توجيهات أستاذي الفاضل أ.د. صالح النشاط، فقد اعتمدت منهجية الاستقراء والتحليل للموضوع السياسات العمومية، وتتبعه في مضانه محاولا الإحاطة الإجمالية بقدر المستطاع وبقدر توفر والوصول إلى المصادر في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها المكتبات والجامعات بشكل خاصة، والبلاد والعالم بشكل عام.
  ومحاولا لتعويض هذا النقص حاولت الاعتماد على المكتبات الرقيمة التي توفر كتب مصورة بصيغة pdf، وقابلة لتحميل والتنزيل، والمواقع الإلكترونية، وبحكم طبيعة الموضوع " كورونا" الذي يتطلب مواكبة كل المستجدات المتعلقة به، فقد كنت مواكب للآخر المستجدات خاصة القانونية منها، لتتبع الإجراءات التي تتخذها السلطات. مما حدى بي الاعتماد على النصوص القانونية والقرارات والتوجيهات التي تصدر من الجهات الرسمية والمنشورة في المواقع الإلكترونية الرسمية.
خطة العمل:
  بعد الاطلاع على مجموعة من المصادر، وتتبع للموضوع استقر الأمر على هذه المنهجية، كتصميم عام للبحث.
    بداية بالمقدمة كإطار عام للبحث، تناولت فيها بعض المفاهيم الرئيسية في البحث، ثم ماهية البحث والإشكالية الأساسية للبحث.
   بعد ذلك قسمت البحث إلى فصلين رئيسيين، وتحث كل فصل مبحثين ينقسمان بدورهما إلى مطلبين، يتضمنان فقرات تفصيلية، ويختم كل فصل بخلاصة مركزة، ثم في الأخير خاتمة البحث وبعدها قائمة المراجع والمصادر. حسب الشكل التالي:
فصل الأول: السياسات العمومية: تناولت فيه الإطار المفاهيمي للسياسة العمومية من خلال توضيح السيرورة التاريخية للسياسة العمومية، وتعريفها وخصائصها... وجعلته مبحثين، المبحث الأول: الإطار العام لسياسات العمومية. ينقسم بدوره الى مطلبين، المطلب الأول: مفهوم السياسات العمومية والفرق المفاهمي. والمطلب الثاني: خصائص السياسة العمومية وصانعوها. وحاولت في المبحث الثاني تناول: رسم وتحليل السياسات العمومية. وما يتعلق بيها من مفاهيم والإشكالات... على شكل مطلبين، المطلب الأول: رسم السياسات العمومية، والمطلب الثاني: تحليل السياسة العمومية. ثم في الختام لهذا الفصل خلاصة مركزة لأهم الأفكار الواردة فيه.
 ثم الفصل الثاني: السياسات العمومية في ظل الازمات، تناولت فيه مفهوم الازمات، وتأثيرها على تحديد السياسات العمومية، ونقتصر على أزمة فيروس كورونا كنموذج، والإجراءات المتخذة لتخفيف من أطارها على المستويات الاساسية الاقتصادية والاجتماعية والصحية. على شكل مبحثين الأول: مفهوم وتدبير الأزمات. ينقسم الى مطلبين، الأول: مفهوم الأزمات والثاني: تدبير الأزمات. والمبحث الثاني: السياسة العمومية في ظل أزمة كورونا، يتضمن مطلبين، المطلب الأول: حالة الطوارئ والثاني: إعلان حالة الطوارئ واجراءات التنزيل. تحثه فقرات تتناول كل فقرت الإجراءات التنزيل حالة الطوارئ. محددة حسب المجال: على المستوى الصحي، الاقتصادي، الاجتماعي.
 وفي الأخير قائمة المراجع والمصادر، مقسمة إلى ثلاث فئات أساسية: أولها قائمة الكتب والمجلات، وثانيها قائمة النصوص القانونية التي تنشر في الجريدة الرسمية بالموقع الرسمي للأمانة العامة للحكومة المنشورة في الجريد الرسمية، وثالثها مجموعة من المواقع الإلكترونية.
 
 
فصل الأول: السياسات العمومية

    يحتوي هذا الفصل على الإطار المفاهيمي للسياسة العمومية من خلال توضيح السيرورة التاريخية للسياسة العمومية، وتعريفها وخصائصها، وأهدافها وعناصرها، بالإضافة إلى توضيح كل من الفواعل المؤثرة في عملية صنع السياسة العمومية، والمتمثلة في الفاعلين الرسمية (السلطة التنفيذية والتشريعية، والقضائية، وكذلك الجهاز الإداري (، وغير الرسمية متمثلة في (الأحزاب السياسية وجماعات الضغط، ووسائل الإعلام والرأي العام، والافراد المواطنين ... (. بالإضافة الى خلاصة عامة للفصل.

 المبحث الأول: الإطار العام لسياسات العمومية

      يُعد موضوع السياسات العمومية حديث التناول والتداول على غرار العلوم السياسية الأخرى من الجانب الدراسين، بالرغم من أن مجالاته في الواقع العملي قديمة التطبيق قدم وجود الدولة، فالإدارة العامة  كانت أقدم ممارسة الاجتماعية التي تقتديها القيام بشؤون الأمة أو الدولة، بحيث كانت من ضمن الدراسات الفلسفية التي تعد من أولويات معظم العلماء والفلاسفة والمفكرين والمحللين السياسيين، فهذا الاهتمام يبدو جليا في ذلك الجهد التقليدي الذي استمر قديما، إلى غاية منتصف القرن التاسع عشر، فمعظم الجامعات الأوروبية آنذاك كانت تدرس السياسة والحكم، كفرع من فروع الفلسفة الأخلاقية باعتبارها تكملة و تجويدا لإدارة الحكم.([6])
    إلاّ أن الحديث عن ظهوره علماً مستقلاً وحقلاً معرفياً قد كان وليدا للقرن العشرين منطلقاً من المؤسسات الأكاديمية والبحثية الأمريكية.
      وتأتي أهمية السياسات العمومية بمجاليها العلمي والعملي من حاجة الدولة والمجتمع لها، وعلى قدر اهتمام أي دولة بها وفقاً لمعطيات البيئتين الداخلية والخارجية للدولة، يمكن أن تحقق تنميةً مناسبةً وتطوراً يضمن للمجتمع ما يصبو اليه من أهداف وما تطمح اليه الدولة من الحاجيات الأساسية والرفاهية لمواطنيها.
      وتختلف السياسات العمومية من دولة إلى أخرى بحسب النظام السياسي القائم وما يرتكز عليه من أيديولوجية، والحال ينعكس على الفواعل الرسمية وغير الرسمية أو ما يطلق عن "الفاعل العمومي" بمختلف انواعه ودرجة التي يؤثر بها على عمليتي صنع وتنفيذ السياسات العمومية، وكذلك اختلاف صلاحيات ودور كل من هذهِ الفواعل من نموذج إلى آخر.
المطلب الأول: مفهوم السياسات العمومية والفرق المفاهمي
1 مفهوم السياسات العمومية:
      يتكون مصطلح "السياسة العمومية" من شقين:"سياسة" و"عمومية".
     فيحيل مصطلح Polityc "سياسة" على السياسة بمعناها العام أي شكل من أشكال السلطة يتميز باحتكار الإكراه البدني الشرعي وبتنفيذها على جماعة، بغرض فرض قواعد مشتركة للحياة والحيلولة دون وقوع نزاعات.
    أما الشق الثاني لمصطلح "العمومية"، فيشير إلى البعد المركزي للدولة، فما هو "عمومي" يرتبط بمجال الدولة، حيث أن وصف هيئة بعمومية يفيد امتلاكها لسلطة الدولة، في تراب معين، ويتيح لها فرض قراراتها على المواطنين. أي أن صفة العمومي ترتبط بكل ما يصدر عن المؤسسات والهيئات الحكومية والتابعة لأجهزة الدولة. ([7])
    لكن فعبر التاريخ كان من نتائج الجهود الفكرية خلال الخمسينات من القرن العشرين بروز مصطلح علم السياسة وطابعه الفكري والتجريبي، وتبلور هذا المفهوم من خلال الجهود الفكرية لعالم الاقتصاد السياسي بالأساس " هارولد لاسويل" من خلال كتابه " السياسة: من يحوز على ماذا؟ ومتى وكيف؟ "، واعتبرها أنها أساس للعمليات التبادلية والتوزيعية للقيم والمنافع المتضمنة في رسم السياسات العمومية وتنفيذ عملياتها. ([8])
    فبرغم من أهمية هذا المصطلح "السياسات العمومية" وتطوره التاريخي، والاهتمام الذي حضي به من قبل الباحثين والمفكرين، يبقى تحديد وحصر تعريفا جامعا ودقيقة له من الصعوبة بمكان.
ولا يختلف مفهوم "السياسة العمومية" عن كثير من المفاهيم الأخرى في حقل العلوم الاجتماعية من حيث عدم وجود تعريف واحد له، إذ تتعدد تعريفاته وتتداخل. وقد رصد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة حسنين توفيق إبراهيم حوالي أربعين تعريفا للمفهوم، لذا تبقى عملية تحديد تعريف جامع للسياسة العامة مسألة نظرية مستعصية نظرا لارتباط المفهوم بالعديد من الفروع العلمية المختلفة (علم الإدارة، علم الاجتماع، علم الاقتصاد والتدبير…).
    فعلاقتها بعلم الإدارة من الصعب القيام بسياسة عامة والعمومية دون أن يكون هناك جهاز إداري يأخذ على عاتقه مهمة تحقيق متطلبات العامة. لذلك أصبح يُنظر للعلاقة بين السياسة العمومية والإدارة على كونها تمثل مخرجًا أساسيًّا للحكومة في النظام السياسي، وهي في نفس الوقت مدخلا أساسي للجهاز الإداري داخل نفس النظام السياسي، فلا توضع سياسة العمومية إلا نتيجة جهد العديد من المؤسسات والإجراءات التي تختلف من نظام إلى آخر، إلا أنها في النهاية تمثل الاتجاه الأساسي للعمل أمام الجهاز الإداري. ([9])
   نورد هنا تعريفا كاريكاتوريا: "السياسة العمومية، تشبه إلى حد ما الفيل، تتعرف عليه عندما تراه، ولكنك لا تتمكن من وصفه بسهولة".  يحيل هذا التشبيه على صعوبة تحديد تعريف دقيق للسياسة العمومية وللفعل العمومي. ما يستدعي، بالضرورة تحديد تعريف إجرائي للسياسة العمومية أولا، قبل الخوض في عرض مقاربات تحليلها ودراستها ثانيا... ([10])
   وبناءًا على ذلك سنستحضر تعريفات تندرج كل واحدة منها ضمن حقل معرفي وزاوية معينة.
      فنجد تعريف السياسة العامة أو العمومية من منظور تحليل النظام، ما قدمه " قابريال آلموند": "السياسة العامة تمثل محصلة عملية منتظمة من تفاعل المدخلات (مطالب + دعم) مع المخرجات (قدرات وقرارات وسياسات)، للتعبير عن أداء النظام السياسي في قدرته (الاستخراجية، التنظيمية، التوزيعية، الرمزية، الاستجابية، الدولية)، من خلال القرارات المتخذة ". ([11])
    ومن منظور القوة التعريف "هارولد لاسويل" السياسة العامة على أنها: " من يحوز على ماذا؟ ومتى؟ وكيف؟ من خلال نشاطات تتعلق بتوزيع الموارد والمكاسب والقيم والمزايا المادية والمعنوية وتقاسم الوظائف والمكانة الاجتماعية، بفعل ممارسة القوة أو النفوذ، والتأثير بين أفراد المجتمع من قبل المستحوذين على مصادر القوة."
    ومن منظور الحكومة يعرفها " جيمس أندرسون" بأنها: " طريقة عمل هادفة يتبعها منفذ أو منفذون في تعاملهم مع مشكلة أو مسألة ذات اهتمام بارز تندرج في إطار ما هو واقع فعليا ". ([12])
    من خلال ما تقدم يمكن القول إن السياسة العمومية هي: مجموعة من النشاطات والتوجيهات الناجمة عن العمليات الحكومية، مقدمة على شكل مطالب أي مدخلات لتشكل قرارات أي مخرجات يقدمها النظام السياسي، لحل ظاهرة معينة، يتم ترجمتها على شكل قوانين وقرارات إدارية، أو لوائح وأحكام قضائية ... تصرف عبر المؤسسات الدستورية لدولة (التشريعية، التنفيذية، القضائية).
      كما يمكن القول إن السياسات العمومية "علم الفعل" أي الفعل المؤسساتي الذي يقوم على حصيلة عمل مجموعة من الفاعلين الذين يتدخلون في عملية صنع السياسات العمومية، وعملية مستقبلية متصلة بالقرارات والنشاطات وتعتبر عمل مؤسساتي وعقلاني يرتكز على التخطيط والتنبؤ، وتستند في صناعتها إلى مرجعيات (الثقافية، سياسية، علاقة السلطة، الهيئات الاجتماعية والاقتصادية…)، والسياسة العمومية تتخذ رسميا باسم جهاز الدولة. فإن لهذا الاعتبار تبعات مهمة وأساسية، وهذا ما يمنح للسياسات العمومية مميزات خاصة تنفرد بها وتعطيها أهمية بالغة. فالسياسة العمومية منطقيا وافتراضيا تعبر إلى حد ما على المصلحة العامة.
     فهي سلسلة طويلة من النشاطات المترابطة. إنها أكبر من مجرد قرار واحد، فعملية صنع السياسات يجب أن تفهم بصورة تشمل الإعداد والتنفيذ والتقييم والتغذية العكسية، وهنا بالرغم من الحياد الظاهر للكلمات والذي يعطي صورة ثابتة لهذه العملية، فإن السياسات العمومية ليست مسلساً بعيداً عن رهانات السلطة والمصالح والقيم والصراعات. ([13])
 
 
 2 المفارقة المفاهمية من خلال دستور المغربي 2011.
     يعتبر دستور 2011 دستور السياسات العمومية بامتياز، ففي إطاره تم فسح المجال أمام مشاركة العديد من الفاعلين في بلورة السياسات العمومية، كما تم اعتماد مفهوم التقييم المرتبط بمفهوم السياسات المذكورة. وأعطى للمجتمع المدني القدرة على تقييمها وتتبعها. وتكريس ثقافة المقاربة التشاركية في صنع السياسة العمومية. ([14])
    غير أن الملاحظ هو أن غالبا ما يقع الخلط ما بين مفهوم السياسات العمومية، مع مفهوم السياسة العامة، حيث يتم استعمال هذه المفاهيم كما لو كانت مترادفة لبعضها البعض. والحقيقة أن لكل مصطلح مفهومه الخاص، واطاره المتميز الذي يختلف بشكل جوهري عن المصطلح الآخر، وهذا ما سنحاول تبينه من خلال مقتضيات دستور 2011، وموقف القضاء الدستوري.
     الفقرة الأولى: المقتضيات الدستورية
    السياسة العامة والسياسات العمومية في دستور 2011
       قبل إقرار دستور 2011 في المغرب، لم يكن ثمة تمييز دستوري بين مجالي "السياسة العامة" و"السياسة العمومية" وكان الفرق بينهما يخضع لاختلاف منطق الترجمة بين أنصار المدرسة المغاربية التي تجنح إلى استعمال مصطلح السياسة العمومية كترجمة عن الفرنسية لـمفهوم "Politique publique" وبين المدرسة المشرقية التي تترجم المصطلح الإنجليزي" Public Policy" إلى " السياسة العامة" ومن ثم، كان التداول الأكاديمي للمفهومين يوظف على سبيل الترادف للدلالة على مجمل الفعل العمومي للدولة وهي في حركة. ([15])
يعتمد دستور 2011 في عديد من فصوله تعبير السياسات العمومية، كما يعتمد في، فصول أخرى تعبير السياسة العامة.
 فالفصول 13 و70 -ف2 و9 -ف1 و101 -ف2 و163 و168 – ف1. اعتمدت تعبير السياسات العمومية.
أما الفصل 92 -ف1 فاعتمد تعبير السياسة العامة والسياسات العمومية.
أما الفصول 100-ف3 و103 -ف1 و137 فاعتمدت تعبير السياسة العامة.
    ففي إطار الفصل 163 "يتولى مجلس الجالية المغربية بالخارج، على الخصوص، إبداء آرائه حول توجهات السياسات العمومية التي تمكن المغاربة المقيمين بالخارج من تأمين الحفاظ على علاقات متينة مع هويتهم المغربية، وضمان حقوقهم وصيانة مصالحهم، وكذا المساهمة في التنمية البشرية والمستدامة في وطنهم المغرب وتقدمه".
       وفي إطار الفصل 168 "يحدث مجلس أعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. المجلس هيئة استشارية، مهمتها إبداء الآراء حول كل السياسات العمومية، والقضايا الوطنية التي تهم التربية والتكوين والبحث العلمي، وكذا حول أهداف المرافق العمومية المكلفة بهذه الميادين وسيرها. كما يساهم في تقييم السياسات والبرامج العمومية في هذا المجال".
   إضافة إلى ذلك يولي المشرع الدستوري المواضيع التي اعتمد بشأنها تعبير السياسة العامة عناية خاصة.
    فطبقا لفصل 92 -ف1: يتداول مجلس الحكومة، تحت رئاسة رئيس الحكومة، في القضايا والنصوص التالية:" السياسة العامة للدولة قبل عرضها على المجلس الوزاري". "السياسات العمومية". "السياسات القطاعية"... وهنا يفرض المشرع الدستوري عرض السياسة العامة على المجلس الوزاري على خلاف السياسات العمومية والسياسات القطاعية التي تعرض فقط أمام أنظار المجلس الحكومي طبقا لنفس الفصل.
      وبالرجوع إلى منطوق الفصل 49: يتداول المجلس الوزاري في القضايا والنصوص التالية: "التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة"... من الدستور الذي يعرض القضايا والنصوص التي يتداول بشأنها المجلس الوزاري لا نجد ذكرا لتعبير عن السياسة العامة، ولكننا في المقابل نجد على أرس القضايا المذكورة: " التوجيهات الاستراتيجية لسياسة الدولة ". وبالجمع بين الفصلين نصل إلى أن السياسة العامة هي الإطار العام الذي تنعكس فيه التوجيهات الاستراتيجية لسياسة الدولة. ([16])
    يؤكد ذلك أن الأجوبة على الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة مجال خاص برئيس الحكومة طبقا للفصل 100 من الدستور "تُقدم الأجوبة على الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة من قبل رئيس الحكومة،"... "ولرئيس الحكومة أن يربط لدى مجلس النواب مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها بتصويت يمنح الثقة بشأن تصريح يدلي به في موضوع السياسة العامة أو بشأن نص يطلب الموافقة عليه". فصل 103 ف1.
     في مقابل ذلك لم يعمل المشرع الدستوري على فرض حضور رئيس الحكومة في الجلسة السنوية لتقييم السياسات العمومية الوارد ذكرها في إطار الفصل 101 من الدستور: "يعرض رئيس الحكومة أمام البرلمان الحصيلة المرحلية لعمل الحكومة، إما بمبادرة منه، أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب، أو من أغلبية أعضاء مجلس المستشارين. تُخصص جلسة سنوية من قبل البرلمان لمناقشة السياسات العمومية وتقييمها"، وهو الأمر الذي أكدته مقتضيات النظام الداخلي لمجلس المستشارين في إطار المادة 268 حين نصت على أن هو "تعطى الكلمة بالتوالي للفرق والمجموعات البرلمانية ثم للحكومة، ثم للفرق والمجموعات البرلمانية".
الفقرة الثانية: موقف القضاء الدستوري.
     أكد القضاء الدستوري المغربي للمفاهيم السياسة كما تم اعتمادها في دستور 2011، ففي قراره رقم 13 / 924 الصادر في 22 غشت 2013 ([17]) أكد المجلس الدستوري بشأن المادة 204 من النظام الداخلي لمجلس النواب على أنه لئن كان رئيس الحكومة، عملا بأحكام الفقرة الأخيرة من الفصل 100 من الدستور، يتعين عليه مبدئيا تقديم الأجوبة عن الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة في جلسة واحدة كل شهر أمام  المجلس الذي يعنيه الأمر، فإن ذلك يترتب عنه حضور رئيس الحكومة مرة واحدة أمام كل من مجلسي البرلمان، طالما أن المجلس المعني لديه أسئلة تتعلق، في طبيعتها بالسياسة العامة التي لا يمكن أن يجيب عنها إلا رئيس الحكومة، ويعود لمكتب كل مجلس من مجلسي البرلمان، بهذا الشأن، التحقق مسبقا بكون الأسئلة الموجية إلى رئيس الحكومة تكتسي بالفعل صبغة سياسة عامة.
   في نفس الاتجاه، قضى المجلس الدستوري بشأن المادة 205 ([18]) من النظام الداخلي لمجلس النواب بعدم إمكانية أن يطلب رئيس الحكومة إعطاء الكلمة لأحد الوزراء لتقديم بعض التوضيحات الإضافية التي تدخل في اختصاصه، باعتبار ذلك مخالفا لأحكام الفصل 100 من الدستور " تُخصص بالأسبقية جلسة في كل أسبوع لأسئلة أعضاء مجلسي البرلمان وأجوبة الحكومة. تُدلي الحكومة بجوابها خلال العشرين يوما الموالية لإحالة السؤال إليها. تُقدم الأجوبة على الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة من قبل رئيس الحكومة، وتخصص لهذه الأسئلة جلسة واحدة كل شهر، وتُقدم الأجوبة عنها أمام المجلس الذي يعنيه الأمر خلال الثلاثين يوما الموالية لإحالة الأسئلة إلى رئيس الحكومة". إد ميَّز الفصل بين الأسئلة التي، بمقتضى الفقرتين الأولى والثانية من هذا الفصل، يجيب عنها أعضاء الحكومة والأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة التي، بموجب الفقرة الثالثة من نفس الفصل المذكور، لا يجيب عنها إلا رئيس الحكومة.
   وصفوة القول يمكن اعتبار أن السياسات العامة، أعم من السياسات العمومية وتشكل الإطار العام لها. كما يستنتج من القراءة الدستورية بأن تحديد السياسة العامة للدولة وترتيب أولوياتها هو شأن ملكي سيادي، وأنّ الحكومة تسهم فيه بمقدار يتأثر بظروف الزمن السياسي، كما أنها تقوم في هذا الحقل السيادي بدور الوسيط المؤسساتي في شرح معطيات هذه التوجهات الدولة الكبرى للبرلمان بشكل دوري مستعينة بذلك بلغة الأرقام والإحصائيات، ويتجلى هذا الاختصاص الملكي في صناعة السياسة العامة للدولة -على سبيل الذكر لا الحصر-في سياسة الأوراش الكبرى "الموانئ، TGV ومحطة نور للطاقة الشمسية..." وفي المخططات المُهيكِلة في الصناعة والفلاحة والطاقات المتجددة وغيرها، وكذا في التوجهات الكبرى في السياسة الخارجية و الشأن الديني والعسكري والأمني والتعليم والفلاحة، وفي كلّ مجالات الفعل العمومي للدولة.
كما يحتفظ الملك في النظام السياسي المغربي بحق التدخل والتوجيه في مجال السياسات العمومية المتعلقة بالتدبير الحكومي والإداري اليومي. وإعطاء تعليمات وتوجيهات الضرورية للحكومة.
 
 
المطلب الثاني: خصائص السياسة العمومية وصانعوها

     يعتبر إعداد وصياغة السياسات العمومية من المراحل المحددة الحاسمة في نجاح أو عدم نجاح هذه السياسات، وذلك لما هي عليه من تعقيدات تتداخل فيه كل المجالات الاقتصادية منها والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ـ المالية... وكذلك لتعدد المتدخلين الرسمين والغير الرسمين والمؤثرين في صنع السياسات العمومية. لقد أدركت الحكومات والأنظمة السياسية على تباين اتجاهاتها ومرجعياتها الفكرية والفلسفية، أنها بحاجة إلى دعم ومساندة شعوبها لما تتخذه من قرارات، وما تقوم به من أعمال متنوعة في جميع الظروف والأوقات. وحتى يتحقق لها ذلك، فإنها أخذت تسعى جاهدة إلى حل مشاكلهم والاستجابة لمطالبهم المتنوعة من خلال مجموعة من الخطط والبرامج يطلق عليها "السياسات العمومية" الهادفة إلى تحقيق جملة من المنافع وتخفيف المعاناة عن الغالبية منهم.
     وما يميز السياسات العمومية هو شمولية نتائجها لشرائح واسعة من المجتمع إن لم يكن المجتمع كله، مما يحتم الاهتمام بصياغتها أو رسمها بشكل يؤدي الى زيادة فرص نجاحها وتحقيق المنافع المتوقعة عند تنفيذها، وتقليل احتمالات فشلها الى أقل نسبة ممكنة.
1 خصائص السياسات العمومية
  تتميز السياسة العمومية بعدة خصائص تتمثل فيما يلي: ([19])
.أ) السياسة عمل حكومي : ويعني ذلك أن السياسة العمومية و العامة عمل من اختصاص الحكومات و ممثليها وكل من يعبر عن إرادتها.
ب) السياسة العمومية ذات سلطة تشريعية: أي أن السياسة العامة أو العمومية لها بعدا هاما من خلال أبعاد الالتزامات التشريعية والقانونية، حيث بمجرد إقرار سياسة عامة معينة من قبل صانعيها، لا بد أن يصدر من شأنها مرسوم أو قانون يمنع بدوره أو يجيز ويسمح تصرفا أو سلوكا معينا.
ج) السياسة العمومية شاملة: أي أنها تمتد إلى عموم المجتمع المقصود بها، فالحكومات الحديثة تمارس أنواعا متعددة من السياسات العمومية في سبيل حماية المصلحة العامة، التي تشكل مضمون مصالح فئات المجتمع وشرائحه المختلفة.
د) السياسة العمومية إنجاز كفء للهدف: السياسة العمومية يمكن أن تتسم بالرشد، وذلك إذا وضعت على أساس تعظيم القيم المتحققة، أي بأن يكون المعدل بين ما تحققه من قيم وما تضحي به موجبا وأعلى مما هو بالنسبة لأية سياسة بديلة أخرى، فالقيم لا تقتصر على ما يعبر عنه برموز كمية، وإنما تشمل كل القيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
ه) يعتمد تحديد السياسة العمومية على الأساليب العلمية: فمن أجل صياغة أي سياسة عامة تستعين الحكومة بالخبرة والمشورة العلمية وخاصة في عصر التكنولوجيا الرقمية التي تعتمد على الحقائق والتخطيط السليم حتى تضمن فعالية السياسات الموضوعية.
ج) السياسة العامة كمخرج للنظام السياسي: تعد السياسة العامة بمثابة استجابات ومخرجات للنظام السياسي للمدخلات المتمثلة في الضغوط والمؤثرات الصادرة إليه من البيئة سواء البيئة الداخلية أو البيئة الخارجية.
ح) الوسط القراري للسياسات العمومية يتميز بتعدد الفاعلين المتدخلين في صنع قرار السياسات العامة منها:
مؤسسات الدولة المركزية:
  البرلمان: (مجلس النواب، مجلس المستشارين)
الحكومة: (المصالح الخارجية، الوزارات...)
  القضاء: (الدستوري، الإداري، العادي...)
مجموعات المصالح: المجالس، الجمعيات، المراكز، الغرف، اللجان، النقابات...
مؤسسات الدولة اللامركزية: الجماعات الترابية: (الجهات، العمالات والاقاليم، والجماعات الحضرية والقروية).
خ) السياسة العمومية استجابة واقعية ونتيجة فعلية: أي أن السياسة العمومية تعبر عن الأمور والمسائل التي تشكل مطلبا ملموسا أو محسوسا، أي أن السياسة العمومية ينبغي أن تكون عبارة عن نتائج ومخرجات يمكن معايشتها وإدراكها، ويجب أن تقوم الحكومة بعمل أو جهد حقيقي وفعلي.
 2-صانعو السياسات العمومية:
      لا بد من استحضار دور ودرجة التي يؤثر بها الفاعل أو "الفاعل العمومي" على عمليتي صنع وتنفيذ السياسات العمومية، وكذلك اختلاف صلاحيات ودور كل من هذهِ الفواعل -على درجة اختلافهم -والأفراد أو الجماعات والجهات (الرسمية وغير الرسمية) الذين يشاركون في رسم السياسات العمومية بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، وينقسمون إلى نوعين رئيسيين، هما: ([20])
  1. الجهات الرسمية الحكومية.
  2. الجهات غير الرسمية.
الفقرة الأولى: الجهات الرسمية الحكومية
     وهم الأفراد أو الجمعات الذين لديهم الصلاحيات التي تسمح لهم بالمشاركة في رسم السياسات العمومية، مثل أعضاء السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، والإداريين الآخرين من العاملين في الأجهزة الإدارية والحكومية، الذين يساهمون في اتخاذ القرارات وتنفيذ السياسات العمومية حسب تراتبية السلم الاداري ومراعة للاختصاصات. وعليه يمكن تقسيم الأطراف الرسمية إلى الآتي:
السلطة التشريعية:
   تعد السلطة التشريعية من أهم المنظمات الرسمية الحكومية التي تضطلع أساسًا بتشريع اللوائح والأنظمة والقوانين ووضع القواعد العامة التي تنظم مختلف أوجه الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية وغيرها في الدولة.
السلطة التنفيذية:
     وتضم الأفراد العامل من المؤسسات والهيئات واللجان والأجهزة الإدارية الحكومية المتنوعة، والتي غالبًا ما تضطلع بتنفيذ السياسات العمومية، غير أن دورها في رسم السياسات العمومية لا يمكن إخفاؤه بأي حال من الأحوال، إذ إن الشعوب تعيش عبر هيمنة السلطة التنفيذية بسبب الاعتياد بشكل كبير على القيادة التنفيذية في رسم السياسات العمومية وتنفيذها.
السلطة القضائية:
    المقصود بها المحاكم؛ سواء كانت على مستوى الدول أو على مستوى المحافظات أو الأقاليم أو الولايات. وهي تضطلع بمهمة صياغة وتفسير النصوص القانونية ومدى مطابقة الأنظمة واللوائح والقوانين مع دستور الدولة النافذ. ([21])
 الفقرة الثانية: الجهات غير الرسمية (غير الحكومية (
     إن عملية رسم السياسات العمومية لا تنحصر فقط في مشاركة الجهات والقوى الرسمية، بل هناك جهات أخرى تصنف على أنها غير حكومية (غير رسمية) تشارك هي الأخرى بحظ وافر في التأثير على صانعي السياسات العمومية ومنفذيها، ومن هذه الجهات، على سبيل المثال لا الحصر: الجماعات (الضاغطة)، الأحزاب السياسية، المواطنون، الرأي العام... وفيما يلي توضيح لكيفية تأثير هذه الجهات في صنع السياسات العمومية.
الجماعات الضاغطة:
     تعرف الجماعات الضاغطة بأنها مجموعة من الأفراد يلتقون في أهداف وصفات أو خصائص معينة، يسعون لإحداث التأثيرات المطلوبة في السلوك الذي يتخذه صناع القرار تجاه قضاياهم ومطالبهم، وتوجيهه لتحقيق مصالحهم المشتركة، مثل الاتحادات المهنية، اتحاد الصناعات، غرف التجارة، نقابة المحامين...إلخ.
     إن وجود قنوات مشتركة للاتصال الرسمي وغير الرسمي بين هذه الجماعات وبين راسمي السياسات العمومية يُعد مسألة أساسية لإيصال مطالبهم وقضاياهم بالسرعة والكيفية المطلوبتين، وإقناع راسمي السياسات العمومية بضرورة مطالبهم وقضاياهم، وأهميتها لإدراجها ضمن مشاريع ولوائح السياسات العمومية.
    أما أساليب الضغط التي تمارسها هذه الجماعات للتأثير على راسمي السياسات العمومية فإنها تتباين من نظام سياسي لآخر، ومن دولة لأخرى، منها:
وجود من يمثلها لدى الجهات الرسمية عند مناقشتها للوائح ومشاريع السياسات العمومية.
التأثير على الرأي العام واستمالته للضغط على السلطتين التشريعية والتنفيذية لصالحها، أو تحييدها على الأقل لتمرير مشاريعها دون الكثير من معارضة.
الأحزاب السياسية:
  يعرف " لاسير" الأحزاب السياسية بأنها: " تنظيمات مكونة من الفاعلين وأصحاب الوظائف و
الناشطين سياسيا والناخبين، الذين يعملون بشكل جماعي في سبيل تأمين أهداف السياسة العامة، وترتكز على قاعدة واسعة بغرض دفعها للفوز بمنصب انتخابي وللسيطرة على المؤسسات الحكومية
القائمة في المجتمع ". ([22])
     إن تأثير الأحزاب السياسية في رسم السياسات العامة والعمومية يمكن أن يتم خارج نطاق السلطة أو داخله؛ إذ أن الأحزاب السياسية تقوم بمجموعة من الوظائف، منها: بلورة المطالب والقضايا العامة التي تناقش عند رسم السياسات العمومية، وإثارة الرأي العام حولها، ومحاولة إقناع المواطنين بتبني المواقف التي تتخذها هذه الأحزاب للضغط على الحكومة، كما تعد وسيلة من وسائل الرقابة السياسية على النشاط الحكومي.
     أما الشكل الآخر للتأثير في صنع السياسات العمومية، فهو عندما تستلم هذه الأحزاب زمام السلطة، أو مقاليد الحكم، فإنها تقوم بتشكيل السلطة أو تجديد بنيتها أو تغييرها، وتحديد مساراتها، وتوجيه عملية رسم السياسات العمومية طبقًا للفلسفة التي تتبناها والتوجهات الفكرية (الاشتراكية، الشيوعية، ...) التي تؤمن بها. وبشكل عام فإن الأحزاب السياسية -سواء كانت خارج السلطة أم داخلها-تقوم بدور المراقب أو الرقابة على بعضها البعض.
 

المبحث الثاني: رسم وتحليل السياسات العمومية

المطلب الأول: رسم السياسات العمومية
       إن من أهم الصعوبات التي تواجه راسموا السياسات العامة او العمومية هي تلك التي تتمثل في إدراك مشاكل المواطنين وتشخيصها بشكل دقيق والإحاطة الإجمالية بها، وتحويلها الى حلول تستجيب بالكيفية التي تحقق أعلى درجات الرضا، وتقديم أفضل الخدمات الممكنة لهم، مع الاعتبار للأسبقيات، أو تقديم الأهم على المهم، عند التعامل مع حل المشاكل أو تلبية طلبات المواطنين، خصوصًا عند عدم كفاية الموارد المادية او البشرية او المالية وغيرها. ([23])
   وينطوي العنصر الأساسي لإعداد أوراق السياسات العمومية على التعامل مع العلاقة بين المشكلة والحل، وتشتمل خطواته على تحديد المشكلة، وإعداد حجج مقنعة ووافية لصالح حلول محددة، وإقناع الجمهور المستهدف باتخاذ القرارات وفقا لتلك الحجج. ([24])
      تتميز عملية رسم السياسات العمومية بعدم الوضوح المعالم، وعملية معقدة، تشارك في صياغتها أطراف وجهات متعددة داخلية وخارجية، لكل منها قيم ومبادئ ومصالح لا تنسجم مع الآخر كلّيًا او جزئيًا، كما أن طرق صناعة السياسات العمومية هي الأخرى متعددة ومتباينة بحسب تباين الاعتبارات والجهات المشاركة في صنعها.
     وواضعيّ السياسات يتبع أربع خطوات تتمثل في: تحديد المشكلة، وصياغة السياسة العمومية، وتنفيذها، ثم تقييمها. ويتفاوت مدى تأثير المؤسسات والعناصر الفاعلة على هذه العمليات، وفي بعض الأحيان تتخذ عملية وضع السياسات مساراً دورياً أكثر منه خطّاً طوليّاً متتابعاً. ([25])
  فعملية رسم السياسات العمومية لا يمكن فهمها ما لم يؤخذ بعين الاعتبار:
- معرفة وتحديد القضايا والمشاكل العامة الناجمة عن مطالب ورغبات المواطنين غير المشبعة.
- تحديد بدائل السياسات العمومية : بعد جمع المعلومات والحقائق واستشارة الجهات المعنية أو ذات المصلحة الحقيقية بالمشكلة قيد الدراسة، وتشكيل لجان على مستوى الجهاز التشريعي "البرلمان"، أو الجهاز التنفيذي "الحكومة" لتقي المعلومات وسماع آراء الخبراء والمختصين من فنيين وإداريين وقضاة، ويتم تحديد مجموعة من البدائل المحتملة لتحقيق الأهداف العامة الموضوعة لها، وتلبية حاجات ورغبات المواطنين في حدود الموارد المتاحة والمخصصة لكل منها.
- اختيار السياسة المناسبة : في هذه المرحلة تجري عملية ومناقشة كل بديل من بدائل السياسات العمومية المقترحة التي قد تكون على شكل برامج أو مشاريع للخدمات العامة، أو مسودات ولوائح للأنظمة والقوانين التي يراد إصدارها لمعالجة موضوع معين، أو استثمار فرصة ما أو تجنب تهديد معين، وغير ذلك. إذ تخضع بدائل السياسات العمومية المقترحة للنقاش داخل المؤسسة الحكومية وفق دساتير الدول، والمبادئ أو القواعد المتعارف عليها، فضلاً عن المناقشة التي تجرى حولها في المؤتمرات العامة، أو الخاصة بالأحزاب والجماعات المصلحية، والحملات الانتخابية، ووسائل الإعلام المتنوعة. إذ يؤدي هذا التفاعل إلى اختيار أحد البدائل المطروحة، بوصفه معبرًا عن السياسة العمومية الأكثر قبولً من قبل الأطراف المستفيدة والمعنية برسم السياسات العمومية. ([26])
       إن عملية صنع السياسات العمومية ليست بالأمر اليسير، فقد وُجد أن هناك العديد من الجهات التي تشارك في هذه العملية؛ كالأحزاب السياسية، والجماعات المتنفذة، والنخب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والشخصيات الدينية، والقانونية والسياسية وعامة المواطنون، بالإضافة إلى القيادات الإدارية بمستوياتها المتنوعة المتواجدة في جميع أجهزة الدولة ذات الصلة بصنع السياسات العامة او العمومية، كالجهاز التشريعي والتنفيذي والقضائي. حيث إن عملية صنع السياسات العامة تمر بالعديد من المراحل؛ منها: معرفة مطالب ورغبات المواطنين غير المشبعة أو الكامنة، ومن ثم تحديد البدائل أو الأولويات، أو وضع جدولة زمنية لهذه المطالب بحسب المتاح من الموارد المتنوعة والإمكانات المتوفرة لأجهزة الدولة ذات الصلة بهذه المطالب والرغبات، وصولً إلى الخطوة الأخيرة التي تتمثل في اختيار السياسة أو السياسات العامة التي ينجم عنها حل المشكلة أو إجابة واحد أو أكثر من مطالب المواطنين.
 
 
المطلب الثاني: تحليل السياسة العمومية
     إن تحليل سياسة عمومية يختلف باختلاف رؤى الدارسين وانتماءاتهم الفكرية، كما يختلف بسيادة مقاربة تحليلية على أخرى خلال فترة معينة لأسباب قد تكون بنيوية أو ظرفية.  
     وظهرت البوادر الأولى لتحليل السياسات العمومية، خلال عقد الثلاثينات من القرن الماضي، في الولايات المتحدة الأمريكية، عبر بعض الأعمال المؤسسة التي حاولت إخضاع العمل العمومي للشرط العلمي والموضوعي في القراءة والتحليل والتركيب. )[27](
     بعد ذلك وفي الستينات، سيتجسد الانتقال الناضج من الإرهاصات التأسيسية إلى حالة الحقل العلمي الذي يدرس السياسات العمومية في إطار مناهج ومقاربات العلوم السياسية، وسيرتبط ذلك بطبيعة التغيرات الأساسية التي حدثت في وظيفة الدولة والحكومات خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
    من حيث الأصول المعرفية لحقل تحليل السياسات العمومية، فإنه من الضروري العودة على الأقل إلى ثلاثة تيارات فكرية كبرى ساهمت كل واحدة منها بطريقتها في بناء الخلفية الأساسية لهذا الحقل المعرفي الحديث: ([28])
أولا: الأبحاث المتعلقة بالبيروقراطية كشكل من أشكال التطور المجتمعي المبني على التنظيم العقلاني للوسائل حسب طبيعة الغايات والأهداف.
ثانياً: نظرية التنظيمات من خلال بنائها المعتمد على مفاهيم مركزية مثل الفاعل، الاستراتيجية، السلطة، النسق.
ثالثا: مقتربات التدبر العمومي المنشغلة بمجموع آليات ووسائل التنظيم والتنشيط ومراقبة المنظمات العمومية في اتجاه تطوير قدراتها انطلاقاً من معاير الدقة والجودة. ([29])
 
1 مفهوم تحليل السياسة العمومية ونظريات التحليل
الفقرة الأولى: مفهوم التحليل السياسات العمومية
   ساهم العديد من المفكرين في إعطاء تعريف شامل عن تحليل السياسات العمومية نذكر من بينها:([30])
    توماس داي Thomas Dye يعرفها على أنها: تتضمن وصف وتحليل وتفسير أسباب ونتائج النشاط الحكومي، حيث تتضمن وصف محتوى السياسة العمومية، وتقييم تأثير القوى البيئية على مضمونها وتحليل أثر الترتيبات القانونية المتنوعة أو العمليات السياسية عليها، وفحص نتائجها المتنوعة على النظام السياسي، ثم تقييم تأثير نتائجها على المجتمع.
  وليام دان William Dunn: تحليل السياسة العامة أو العمومية بأنها بحث علمي يتجه نحو تطبيق العلم الاجتماعي من خلال استخدام المناهج المتعددة في البحث لإنتاج المعلومات الأساسية ذات العلاقة بسياسة معينة، وهذه المعلومات تؤدي إلى معرفة السلوكيات المرتبطة بالفعل السياسي.
   ويرى “السيد يسين” أن تحليل السياسة العامة أو العمومية هو ذلك الجهد الهادف إلى توضيح الآثار، التي يمكن أن تترتب عن اختيار حل واحد أو عدة حلول، سواء تم ذلك بطريقة قبلية أو بعدية، أي أن تحليل السياسات العامة، يتنبأ في حالة التحليل القبلي بالآثار المتوقعة، وقد يحدد في حالة التحليل البعدي آثار هذه السياسات العامة.
   كما يعرفها “أحمد رشيد” بأنها وظيفة قد أصبحت من إحدى سمات التنظيم الإداري الحديثة للجهاز الإداري للدولة وتختص هذه الوظيفة بعناصر المشورة وبمجموعة حيوية من الأنشطة المساندة لقرارات القيادة والتنفيذ. ([31])
 
 
 
الفقرة الثانية: نظريات التحليل السياسات العمومية
      تتعدد الإطارات النظرية والمنهجية لتحليل السياسات العمومية، وتتوزع بين مقتربات مرتبطة بعلم الاجتماع (سيسيولوجيا التنظيمات، سيسيولوجيا القرار، سيسيولوجيا الفاعلين...) أو بالاقتصاد السياسي، أما من زاوية علم السياسية، فيمكن الوقوف سريعاً على المقتربات التالية: ([32])
- النظرية النسقية : التي تتعامل مع السياسات كإحدى مخرجات النظام السياسي، محاولة استثمار إمكانيات وأدوات هذا الإطار النظري، لتفسر طريقة اشتغال النظام السياسي في معالجته للمطالب العامة وتحويلها إلى قرارات، وتأثر المدخلات على طبيعة النظام، وأهمية البيئة العامة للقرار، وتأثير النظام نفسه على طبيعة السياسات.
- نظرية الجماعات : التي تنطلق من جذورها الليبرالية، لتطوير فرضيتها الأساسية المتعلقة بكون التفاعل بن الجماعات كجوهر للحياة السياسية، وبالتالي كمحدد للسياسات العمومية، فكل شرائح المجتمع قادرة على التأثر في مسلسل السياسات كلما نظمت نفسها أكثر، لذلك تقوم الحكومات عادة بتوجيه سياساتها وفقاً لمنطق التسوية والتحكيم بن الجماعات المتنافسة.
- نظرية النخبة : حيث تبدو السياسات العمومية من خال استثمار شبكة القراءة التي تمنحها هذه النظرية المعروفة في علم السياسة، كمنتوج خالص للقيم السائدة داخل النخبة، إذ يظل تأثر غالبية المواطنين على مسار السياسات العمومية جد محدود.
- النظرية المؤسسية : التي تعطي دوراً كبيراً في التحليل لدور المؤسسات في صياغة السياسات، بهياكلها ومعاييرها القيمية، لذلك فالسياسات العمومية تتبنى وتنفذ وتفرض من طرف المؤسسات التي تمنحها طابع الشرعية والعمومية والإلزامية.
- نظرية الاختيار العقلاني : التي تماثل بين القرار الاقتصادي الفردي للمواطنين وبين القرار السياسي للحكومات، من حيث طبيعته العقلانية في حساب الأثار والكلفة وبالتالي فمجال السياسات يصبح مرتبطاً بمنطق السوق، حيث تختار الحكومات في النهاية السياسة العمومية الرشيدة؛ أي التي تحقق أكبر المكاسب الاجتماعية مقارنة بما تكلفه من أعباء.
 
 
يقدم الجدول التالي الأدوات الواجب استخدامها لتحليل السياسات العمومية:
المراحل المرحلة 1
أجندة السياسة
المرحلة 2
بلورة السياسة
المرحلة 3
تبني السياسة
المرحلة 4
تطبيق السياسة
المرحلة 5
تقويم السياسة
 
التعريف توضع فيه المشاكل التي تثير انتباه الرأي العام تطوير برنامج عمل مقبولة للتعامل والتصدي للمشاكل العامة حسب خطورتها وأهميتها تجميع الدعم والمناصرة للمشروع المقترح والتصديق عليه وإقراره تطبيق الحل متابعة مراحل التنفيذ للتأكد من كون السياسة مؤثرة ومعرفة ما إذا كانت السياسة فعالة أم لا؟  
 
المنطلق العام
 
جعل الجهة الحكومية مقتنعة ومهيأة للتحرك
 
ما الذي يمكن عمله إزاء المشكلة في ضوء المقترحات المطروحة
 
تهيئة الحكومة لتقبل الحل المناسب لمعالجة المشكل
 
تطبيق السياسة من قبل الحكومة
 
هل السياسة كانت عملية أم لا؟
 
 
   المصدر: الجدول مقتبس من كتاب جيمس أندرسون، صنع السياسات العامة، ترجمه عامر الكبيسي 1998.
 
 
 
 
 
 الفقرة الثالثة: إعداد بطاقة تقنية حول السياسة العمومية
    يمكن اعتبار طريقة إعداد بطاقة تقنية حول السياسة العمومية موضوع التحليل، وسيلة منهجية يستند في إعدادها الدقة والوضوح والاختصار والإحاطة المركزة للمشكلات، وتتضمن أربع عناصر هي:
   السياق: الظروف التي واكبت إعداد السياسة العمومية، ويميز فيها بين السياق العام والسياق الخاص، فالأول يشير إلى الظروف الدولية والإقليمية والثاني إلى الأحوال الداخلية الخاصة بالدولة أو بقطاع بعينه، ويمكن استخراج سياق الوثيقة من خلال تصريحات الفاعلين ذات الشأن أو من التعبيرات المختلفة والمتنوعة التي تعكسها النقاشات العمومية.
  الأهداف: المقاصد التي تروم السياسة العمومية تحقيقها ومدى تقابلها مع المطالب المجتمعية التي أدت إلى صياغة تلك السياسة.
  الفاعلون او الفاعل العمومي: يقصد بهم المساهمين في صنع السياسة سواء الفاعلين الرسمين أو غير الرسمين وتباين اقتراحاتهم وتوجهاتهم. واعتماد مقاربة الفعل العمومي في صياغة السياسات باعتباره عنصر حاسم في تحديدها وتفعيلها ورسمها. ([33])
   الأثر: له صلة وثيقة بطور تنفيذ السياسة العمومية بعكس العناصر السابقة التي لها صلة بمرحلة الإعداد فالأخير ينصب على تقييم السياسات العمومية وينبني على شرط الوصول إلى المعلومة لملامسة جوانب هذا الأثار. ([34])
 
 
 
 
خلاصة الفصل:
 من خلال ما تقدم يمكن إجمال الفصل في نقط أساسية متمثلة فيما يلي:
  أولا: بخصوص التعريف، فالسياسات العمومية يمكن اعتبارها: "علم الفعل" أو مجموعة من النشاطات والتوجيهات والافعال والقرارات الناجمة عن العمليات الحكومية، تلخص إشكالات أو المشاكلات، مقدمة على شكل مطالب أي "مدخلات" لتشكل قرارات أي "مخرجات" يقدمها النظام السياسي بواسط مجموعة من الفاعلين الذين يتدخلون في عملية صنع السياسات العمومية، تتحكم فيها مرجعيات (الثقافية، سياسية، علاقة السلطة، الهيئات الاجتماعية والاقتصادية…)، لحل ظاهرة معينة، أو مشكلة يتم ترجمتها على شكل قوانين وقرارات إدارية، أو لوائح وأحكام قضائية ... تصرف عبر المؤسسات الدستورية لدولة (التشريعية، التنفيذية، القضائية).
  ثانيا: وضعيّ السياسات العمومية يواجه مشكلتين أساسيتين:
  1.  السياسات العمومية والفاعلين: فقد يكون هناك تضارب وتداخل بين مصالح المواطنين وما يطلبونه ومصالح "الفاعل العمومي"، الرسمي وغير الرسمي (الأحزاب السياسية، والجماعات المتنفذة، والنخب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والشخصيات الدينية، والقانونية والسياسية وعامة المواطنون، إضافة إلى القيادات الإدارية بمستوياتها المتنوعة المتواجدة في جميع أجهزة الدولة ذات الصلة بصنع السياسات العمومية، كالجهاز التشريعي والتنفيذي والقضائي). أو تضارب وعدم توافق بين المتدخلين أنفسهم.
  2.  السياسات العمومية والإمكانيات العمومية: قد يكون سقف المطالب متجاوزا الحد المسموح به أو الإمكانات المادية والبشرية المتوفرة من جهة، ومن جهة أخرى صعوبة تكيف المطالب وصيغتها على شكل سياسة عمومية، بسبب طبيعة المطالب التي لا تتمشى وتوجهات وأولويات النظام أو الدولة أو الحكومة، فتواجه هذه المطالب برفض كلي أو جزيء. حتى قبل إدراجها في جدول الأعمال السياسات العمومية.
ثالثا: تحليل السياسات العمومية: تتعدد الإطارات النظرية والمنهجية المرتبطة بالتحليل السياسات العمومي من قبيل النظرية النسقية، نظرية الجماعات، نظرية النخبة، النظرية المؤسسية، نظرية الاختيار العقلاني. والتي تسعى في مجملها الى إخضاع العمل العمومي للشرط العلمي والموضوعي في القراءة والتحليل والتركيب. وتحليل العلمي لكل ما يتعلق بمراحل تحديد وصياغة وتنفيذ وتقييم السياسات العمومية. تماشيا مع طبيعة التغيرات الأساسية التي حدثت في وظيفة الدولة والحكومات عبر مراحل زمنية. لتصحيح الاختلالات والوصول في نهاية الأمر الى سياسة عمومية راشدة وأكثر فعالية في الاستجابة للمطالب.
 
الفصل الثاني: السياسات العمومية في ظل الازمات

     يتضمن هذا الفصل مفهوم الازمات، وتأثيرها على تحديد السياسات العمومية، ونقتصر على أزمة فيروس كورونا كنموذج، والإجراءات المتخذة لتخفيف من أطارها على المستويات الاساسية الاقتصادية والاجتماعية والصحية. بالإضافة الى خلاصة عامة للفصل.

المبحث الأول: مفهوم وتدبير الأزمات

      تصنف الأزمات حسب معالجتها إلى صنفين الأول لا دخل للإنسان بحدوثها، كالزلازل والبراكين...، ولا يعرف متى تحدث ويقتصر معالجته لآثارها بعد حدوثها. أما الصنف الثاني من الأزمات فيكون الإنسان هو الطرف الرئيسي في حدوثها كالحروب أو الأزمات البيئية الناتجة عن الاستغلال المفرط لموارد الطبيعة، أو الناتجة عن التلوث البيئي...
   ومما لا شك فيه أن الأزمات في الوقت الحالي أصبحت تشكل مصدر قلق للرؤساء والمرؤوسين على السواء، وذلك لصعوبة السيطرة عليها بسبب التغيرات الحادة والمفاجأة في البيئة الاقتصادية والاجتماعية والقانونية والتكنولوجية، ومن هذا المنطلق يمكن طرح التساؤل حول مفهوم الأزمة وكيفية تدبير الإمكانيات المتاح لتغلب على الأزمة وتخفيف من أطارها.
المطلب الأول: مفهوم الأزمات
       الأزمة من جهة هي: حالة غير عادية تخرج عن نطاق التَّحكُّم والسيطرة، وتؤدي إلى توقّف حركة العمل أو هبوطها هبوطا غير معهود، وبالتالي إعاقة تحقيق الأهداف المطلوبة في الوقت المحدد لها. ([35])
     ومن جهة أخرى يمكن وصف الأزمة على أنها "هي موقف طارئ يحدث ارتباكا في تسلسل الأحداث اليومية ويؤدي إلى سلسلة من التفاعلات ينجم عنها تهديدات ومخاطر مادية ومعنوية للمصالح الأساسية، مما يستلزم اتخاذ قرارات سريعة في وقت محدد، وفي ظروف تسودها التوتر نتيجة لنقص المعلومات، وحالة عدم التيقن التي تحيط بأحداث الأزمة".
   فغالبا ما تمر الأزمة من المراحل التالية:
مرحلة الميلاد:
    وفي هذه المرحلة تبدأ الأزمة الوليدة في الظهور لأول مرة في شكل مبهم يعبر عن وجود شيء ما يلوح في الأفق، وينذر بخطر غير معلوم المعالم أو الاتجاه أو الحجم أو المدى الذي سيصل إليه.
مرحلة النمو والاتساع:
  وتنشأ نتيجة لعدم معالجة المرحلة الأولى " الميلاد" في الوقت المناسب، حيث تأخذ الأزمة في النمو والاتساع من خلال نوعين من المحفزات هما:
مغذيات ومحفزات ذاتية مستمدة من ذات الأزمة تكونت معها في مرحلة الميلاد.
مغذيات ومحفزات خارجية استقطبتها الأزمة وتفاعلت معها وبها.
مرحلة النضج:
    تعد من أخطر مراحل الأزمة، ومن النادر أن تصل الأزمة إلى مثل هذه المرحلة، وتحدث عندما يكون متخذ القرار الإداري أو الفاعل السياسي أو الحكومي على درجة كبيرة من الجهل أو سوء التقدير... وبذلك تصل الأزمة إلى أقصى قوتها وعنفها، وتصبح السيطرة عليها مستحيلة ولا مفر من الصدام العنيف معها. مما يترتب عن ذلك نتائج وخيمة.
مرحلة الانحسار والتقلص:
    تبدأ الأزمة بالانحسار والتقلص نتيجة للصدام العنيف مع التدابير والإجراءات المتخذة والتي تفقدها جزءاً هاماً من قوتها. غير أن هناك بعض الأزمات تتجدد لها قوة دفع أخرى، عندما تفشل التدابير أو لم تكن كافية بالحجم والشكل المطلوبين في تحقيق أهدافها وتصبح الأزمات في هذه الحالة كأمواج ارتدادية.
مرحلة الاختفاء:
    وتصل الأزمة إلى هذه المرحلة عندما تفقد بشكل شبه كامل قوة الدفع المولدة لها أو لعناصرها حيث تتلاشى مظاهرها وينتهي الاهتمام بها والحديث عنها. ([36])
المطلب الثاني: تدبير الأزمات
     في كل أزمة وطنية أو دولية ينتظر المجتمع قرارات التي ستشرع الدولة في اتخاذها باعتبارها صاحبة السلطة والمتحكمة في القرارات الإدارية والمالية وتنفيذية، ويصبح دور المجتمع دور الرقيب والحسيب، ويقيم درجة تلك القرارات والإجراءات المتخذة، ويمارس سلطته " الرقابية" على الدولة. ويختلف ذلك بشكل متوازي مع طبيعة النظام أو الدولة، حسب درجة الديمقراطية الممارسة ووعي المجتمعي.
      فإدارة الأزمات تعني كيفية التغلُّب على الأزمات بالأدوات العلمية والإدارية المختلفة وتجنُّب سلبياتها والاستفادة من إيجابياتها، وتحويلها من خطر الى فرص، عن طريق الرجوع الى علم إدارة الأزمات، وهو علم إدارة التوازنات ورصد حركة (واتجاهات القوة والتكيف مع المتغيرات المختلفة وبحث آثارها في كافة المجالات). ([37])
    وتدبير الازمة يعتمد أساسا على منهج " علمي يستند على الثوابت ولا يهمل ولا يتجاهل المتغيرات المرتبطة بالأزمة، وهو منهج تفاعلي ابتكاري يعتمد على الإبداع الفردي والإبداع الجماعي... ويرتكز هذا المنهج على وصف عام وشامل ومتكامل للأزمة، يتناولها من كلّ الجوانب وبجميع متغيراتها توابيتها، ويوّفر لصنّاع القرار كلّ البيانات والمعلومات والمعرفة المتعلقة بالأزمة وبيئتها والتي تمكنهم من تشخيص الأزمة تشخيصاً سليماً ودقيقاً وصحيحاً، وتمكنهم في تحديد القرارات المناسبة للتعامل مع هذه الأزمة بكفاءة عالية". ([38])
    يجب التعامل مع الأزمات بطريقة تتناسب ترديا مع خطورة الأزمة وحجمها من خلال وضع مجموعة من القواعد، أهمها:
الاختراق:
  ويتم ذلك من خلال اعداد قراءة الأزمة، والانفتاح على التجارب الأخرى.
التمركز والدراسة:
   من خلال تكوين قاعدة بشرية أو خلية الأزمة أو متخذ القرار داخل الأزمة، وذلك لجمع ودراسة المزيد من البيانات، وفهم أكبر لكل عناصر وقوى الأزمة.
التوسيع:
   البدء الفعلي في مقاومة الأزمة ويتم بعدة طرق أهمها: كسب مزيد من التلاحم والتعاون مع مختلف الفاعلين والاطياف الاجتماعية، ايجاد مراكز جديدة داخل الأزمة، ادخال أطراف جديدة في الموقف في إطار المقاربة التشاركية، معرفة الاسس والمبادئ التي تعتمد عليها الازمة، معرفة أسباب الأزمة لتقويضها.
الانتشار:
  يعني الانتشار بالتأثير واستخدام الإعلام والتواصل مع القوى المختلفة. فيكون على متخذ القرار الحسم في كافة التدابير المناسبة لضرب القوى والعناصر المؤثرة في الأزمة.
السيطرة:
  تتسم هذه المرحلة بفرص العلاج وفق التدابير واستخدامه في إنهاء الأزمة، وتتم السيطرة بعدة طرق منها:
إقناع المعارضين، وفرة الموارد، استخدام محفزات، حصر الخسائر، توفير الاحتياجات...
التوجيه:
  بعد عملية العلاج تصبح مقاليد الأمور في يد متخذ القرار، وهنالك ثلاث طرق لتوجيه الأزمة هي: تصدير الأزمة إلى الخارج، ركوب الموجة الى نهايتها، تحويل الطاقة السلبية أو النفس السلبي الى نفس ايجابي. ([39])
 
المبحث الثاني: السياسة العمومية في ظل أزمة كورونا

     يهتم الباحثون في علم السياسة بتصرف المؤسسات السياسات في مرحلة الأزمات ويحددون ذلك على شكل دراسات علمية، تمكن من التعرف على كيفية اتخاذ القرارات في جحيم الفعل الأزمة، كما أن هذه الدراسات تمكن كذلك من معرفة مدى قدرة الفاعلين السياسيين على تعامل بحنكة في مراحل الأزمات.
    فإذا كانت الأزمة تعرف على أنها "موقف طارئ يحدث ارتباكا في تسلسل الأحداث اليومية للمنظمة ويؤدي إلى سلسلة من التفاعلات ينجم عنها تهديدات ومخاطر مادية ومعنوية للمصالح الأساسية للمنظمة، مما يستلزم اتخاذ قرارات سريعة في وقت محدد، وفي ظروف تسودها التوتر نتيجة لنقص المعلومات، وحالة عدم التيقن التي تحيط بأحداث الأزمة" ([40]) فإن فيروس كورونا لا يقل خطورة ولا يحيد عن هذا التعريف.
      فأزمة "فيروس" كورونا العدو الخفي والقاتل الذي أرعب العالم، جاء ليختبر الجاهزية للمؤسسات السياسية والادارية ويضع الفاعل السياسي امام اختبار حقيقي، إد أطل علينا أول مرة في مدينة "ووهان " الصينية يوم 26 يناير 2020، وأبى إلا أن يطيل مقامه، مسجلا أرقاما قياسية في عدد الوفيات والمصابين بمجموعة من البلدان من قبيل الولايات المتحدة الأمريكية وايطاليا وإسبانيا وفرنسا وإيران والهند، وغيرها، ليثبت للعالمين أنه أزمة حقيقة تهدد البشرية في مختلف المجالات، لتعلن المنظمة العالمية للصحة عن تحول الفيروس إلى جائحة عالمية.
    ونظرا لعولمة النظام العالمي الذي أصبح قرية واحدة مصغرة، أصبحت الأمور تتطور بشكل سريع عبر الدول، من خلال الاستهانة بهذا الفيروس وبعدم اخذ الاحتياطات اللازمة من جهة، ومن جهة أخرى نتيجة للرحلات الرابطة بين مختلف بقاع المعمور سواء من أجل السياحة أو العمل أو الدراسة أو التبادل الاقتصادي أو غيرها من دوافع التنقل والسفر.
     عشية إعلان المنظمة العالمية للصحة عن تحول الفيروس إلى جائحة، سارعت السلطات العمومية المغربية باتخاذ مجموعة من الإجراءات بدءا بمبادرات ملك البلاد ودعوته إلى الحرص على اتخاذ كافة الإجراءات والحيلولة دون انتشار هذه الجائحة بالمغرب، والعمل على التقليل ومعالجة آثارها السلبية اجتماعيا واقتصاديا من خلال إنشاء صندوق خاص بذلك. ([41])
     وبعد أن تم يوم 2 مارس 2020 الإعلان عن أول حالة إصابة مؤكدة بفيروس كورونا لمواطن مغربي مقيم بإيطاليا جاء للمغرب، قررت وزارة الصحة رصد الفيروس عبر المنظومة الوطنية للمراقبة الوبائية وتفعيل المراقبة في المطارات الدولية، كما تم إحداث " للجنة الوطنية للقيادة لرصد فيروس كورونا".
    وهكذا تم الاستباق باتخاذ إجراءات جد متقدمة منها ما هو سيادي مرتبط بالعلاقات الخارجية كتعليق السفر وغلق الأجواء والحدود البرية والبحرية في إطار التشاور مع بعض الدول المجاورة للمغرب، أو تلك الإجراءات الداخلية التي دعت المواطنين إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات الاحترازية، من خلال المعيش اليومي ووفق متطلبات مضبوطة هي من صلاحيات السلطات العمومية، كالدعوة إلى إلغاء بعض التجمعات، وطلب تأجيل مجموعة من التظاهرات، ومنع الجمهور من حضور مباريات كرة القدم... وغيرها، لترتفع الوتيرة بإلغاء الدراسة في مختلف المؤسسات التعليم ولكل الأسلاك والدرجات، وإلغاء المواسم الدينية وإغلاق المساجد بناء على قرار للمجلس الأعلى العلمي المخول لاتخاذ هكذا قرارات مع إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على تنفيذه، ثم إغلاق المقاهي والمطاعم وكل أماكن الترفيه والاجتماع، مع الترخيص للمؤسسات الإنتاجية والصناعية المرتبطة بالمعيش اليومي للمغاربة لمواصلة العمل وفق إجراءات صارمة ومقننة وصولا الى رفض الحجر الصحي على المواطنين والإبقاء عليهم في المنازل.([42])
     فما يمكن ملاحظته في هذه المحطات أنها توخت التدرج والمرونة والتخصص من الجهة ذات الصلاحيات المحددة لذلك. لكن بعد بضعة أيام، ونظرا لصعوبة الوضع وعدم أخذ الأمر على محمل الجد من طرف بعض المواطنين. ونتيجة لتسارع وتيرة العدوى واكتشاف الحالات الأولية، ثم النظر على سبيل المقارنة لبلدان أوروبية محترمة وكيفية الانتشار المخيف لهذا الوباء كإجراء استباقي، سارعت الحكومة من خلال وزير الداخلية إلى إصدار بلاغ يعلن حالة الطوارئ الصحية التي دخلت حيز التنفيذ ابتداء من الساعة السادسة مساء يوم الجمعة 20 مارس 2020، هذا البلاغ أكد على تقييد الحركة في البلاد، كـوسيلة لا "محيد عنها لإبقاء هذا الفيروس تحت السّيطرة"، واشترطت وزارة الداخلية مغادرة المواطنين مقرات سكنهم بـ"استصدار وثيقة رسمية لدى رجال وأعوان السّلطة المحلية" في حالات التنقل للعمل للأشخاص الذين من الضروري حضورهم بمقرات عملهم شريطة تسليمهم شهادة بذلك موقّعة من رؤسائهم في العمل، والتنقل من أجل اقتناء المشتريات الضرورية للمعيش اليومي في محيط مقرّ السكنى، واقتناء الأدوية من الصيدليات.
ويمكن أنتساءل جميعا، ما هو التعريف القانوني أو الأكاديمي لحالة الطوارئ؟ وما هو السند القانوني والدستوري لفرض حالة الطوارئ في أرجاء البلاد؟
المطلب الأول: حالة الطوارئ ([43])
1-تعريف حالة الطوارئ:
      تعرف حالة الطوارئ على أنها " نظام استثنائي شرطي مبرر بفكرة الخطر المحدق بالكيان الوطني"، أو " أنها تدبير قانوني مخصص لحماية كل أو بعض أجزاء البلاد ضد الأخطار الناجمة عن عدوان …". نفهم من هاته التعاريف أن حالة الطوارئ هي حالة استثنائية تقوم على فكرة الخطر المحدق بهيئة وبنية الدولة من عدو قد يكون معلوم أو مجهول يهدد المؤسسات الدستورية وأمن وسلامة البلاد، ويهدف هذا النظام إلى اتخاذ كافة الإجراءات الازمة لحفاظ على النظام العام والسكينة عامة والصحة العامة، وحماية الأرواح والممتلكات وتأمين السير الحسن للمرافق العمومية.
  ويتطلب ذلك مجموعة من الشروط أهمها:
  1. واقعية السبب:
    إن تنصب حالة الطوارئ على أخطار محققة الوقوع أو وقعت فعلا، وليس لمجرد الظن أو الوقاية البعيدة الأمد، فلا يمكن تعطيل مصالح الأفراد والمؤسسات وتقييد الحريات لمواجهة مواقف محتملة الوقوع أو لم تقع أصلا.
  1. شمولية الخطر:
   إذ يتوجب لإعلان حالة الطوارئ أن تكون على قدر من الجسامة الذي يهدد حياة الأمة ككل. وبالتالي فإن الخطر أو التهديد أو الوباء الذي يمكن معالجته أو التحصين ضده لا يمكن اللجوء إلى فرض حالة الطوارئ بسببه. ([44])
   2: المقاربة القانونية لإعلان حالة الطوارئ
أ) المرجعيات الدستورية والقانونية
      فقرار اعلان الطوارئ الذي نص عنه مرسوم قانوني رقم 2 -20 -292 بتاريخ 23 / 03 / 2020 المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها. ومرسوم رقم 2 -20 -293 بتاريخ 24 / 03 / 2020، ([45])  بإعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا كوفيد– 19. اللدين جاء بشكل مفاجأ في بلد لم يعهد شعبه تطبيق مثل هذه الإجراءات الاستثنائية منذ عقود، بالنظر إلى حالة الاستقرار السياسي الذي يعرفه، طرح عدة نقاشات قانونية، تتمحور بالأساس حول طبيعة حالة الطوارئ المعلن عنها وسندها الدستوري، والسند القانوني لتدخل السلطة القضائية لزجر بمخالفيها.
 فما هو سندها الدستوري والقانوني؟
    لا يتضمن الدستور المغربي لسنة 2011، داخل طياته أي فقرة أو عبارة لحالة الطوارئ، لكنه نظم نوعين من الحالات الاستثنائية، وهي حالة الاستثناء (الفصل 59)، وحالة الحصار (الفصل 74). فالحالة الأولى لا يمكن إعلانها إلا من طرف الملك بظهير في حال ما إذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة، أو وقع ما يعرقل السير العادي للمؤسسات، بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس المحكمة الدستورية ورئيسي مجلس النواب والمستشارين وتوجيه خطاب للأمة.  والحالة الثانية فتحدد في 30 يوما عن حالة الحصار، بمقتضى ظهير، ولا يمكنه تمديده إلا بقانون، وبالتالي نجد أن الدستور المغربي لا يتطرق إلى حالة الطوارئ سواء العادية أو الصحية.
    وبالرجوع الى القانون، نجد أن هناك مرسوما ملكيا رقم: 65.554 بتاريخ: 26 / 06 / 1967صادر في 26 يونيو 1967، ([46]) بمثابة قانون يتعلق بوجوب التصريح ببعض الأمراض واتخاذ تدابير وقائية للقضاء على هذه الأمراض، وقرار وزير الصحة العمومية رقم: 65.511 بتاريخ: 27 / 06 / 1967 بتحديد كيفيات تطبيق المرسوم الملكي رقم: 65.554. هما الإطار القانوني للحجر الصحي للمصابين بالأمراض المعدية بالمغرب. ويتكون هذا المرسوم من ثمانية فصول، ويحدد فصله الأول الإطار العام للأمراض الجاري الحجر عليها والأمراض ذات الصبغة الاجتماعية والأمراض المعدية أو الوبائي بقرار لوزير الصحة، كما حدد الآجال والشروط بموجب نفس القرار، كما تضمن مقتضيات زجرية لكل مخالف لفصول هذا القانون بالحبس لمدة تتراوح بين ستة أيام وشهرين وبغرامة يتراوح قدرها بين 40 د و2400 د أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.
     ويبقى النقاش حول الإشكال التالي:
    ما هو السند القانوني لتدخل السلطة القضائية للزجر في حالة عدم احترام قرار الطوارئ الصحية؟
يرى د. أنس سعدون*، أن الجواب عن هذا الإشكال يقتصر على ثلاثة توجهات أساسية: ([47])
   ذهب أصحاب الاتجاه الأول: إلى أن النص المجرم لخرق قرار "حالة الطوارئ الصحية"، موجود، ويتمثل في مرسوم ملكي بمثابة قانون، يتعلق بوجوب التصريح ببعض الأمراض واتخاذ تدابير وقائية للقضاء على هذه الأمراض، ويسند الاختصاص في تدبير الأوبئة إلى وزير الصحة بمساعدة السلطات العمومية، وقد نص في مادته السادسة على عقوبات زجرية للمخالفين، بالسجن لمدة تتراوح بين ستة أيام وشهرين، وبغرامة يتراوح قدرها بين 40 درهما و2.400 درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، استنادا لما جاء في المرسوم الملكي ذاته.
      لكن بالرجوع الى مضمون هذا المرسوم، في فصله الأول "إن حالات الأمراض الجاري عليها الحجر الصحي والأمراض ذات الصبغة الاجتماعية والأمراض المعدية أو الوبائية الموضوعة قائمتها بقرار لوزير الصحة العمومية يجب التصريح بها على الفور من طرح أصحاب المهن الطبية الذين أثبتوا وجودها إلى كل من السلطة الإدارية المحلية والسلطة الطبية للعمالة أو الإقليم. ويتعين على أصحاب المهن الشبيهة بالطبية المأذون لهم قانونيا بمزاولة المهنة كلما ارتابوا في وجود حالة من حالات الأمراض المذكورة أن يصرحوا بها فورا إلى السلطة الطبية للعمالة أو الإقليم التي تعمل على التأكد من هذه الحالة بواسطة أحد الأطباء" فحسب "د. أنس السعدون" يتبين أنه هذا الفصل موجه بالأساس للأطباء والأطر الشبيهة لهم الذين يكتشفون بحكم ممارستهم لمهامهم حالات الأمراض المعدية، ويلزمهم بواجب إخبار السلطات بها، كما أنه يلزم السلطة الطبية للعمالة أو الإقليم بواجب تطهير الأماكن المسكونة والأثاث المستعملة من طرف كل شخص مصاب ببعض الأمراض المحددة بموجب قرار لوزير الصحة. وأي تطبيق على المواطنين سيعتبر من قبيل التوسع في تفسير النص الجنائي، وهو ما لا يتلاءم مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية. ([48])
كما حدد الفصل الرابع من المرسوم المذكور أعلاه أنه:" في حالة وجود خطر جسيم على الصحة العمومية يستوجب اتخاذ تدابير مستعجلة فإن الطبيب الرئيس للإقليم أو العمالة الموكول إليه مهمة تقدير درجة خطورة الحالة واستعجالها يؤهل للأمر بأن يدخل إلى المستشفى حتما كل شخص مصاب بأحد الأمراض المنصوص عليها في الفصل الأول أو كل شخص قابل لنشر هذا المرض".
    التوجه الثاني: يعتبر أن خرق قرار الطوارئ الصحية بمثابة جريمة العصيان، ويقع الجزاء تحت طائلة الفصل 308 من القانون الجنائي الذي ينص على أن: "كل من قاوم تنفيذ أشغال أمرت بها السلطة العامة أو صرحت بها يعاقب بالحبس من شهرين إلى ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن مائتي درهم ولا تتجاوز ربع مبلغ التعويضات". ([49])
 أما الاعتراض جهرا أو عمدا على تنفيذ هذه الأشغال بواسطة التجمهر أو التهديد أو العنف... فإنهم يعاقبون " بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين وبالغرامة المشار إليها في الفقرة السالفة".
     وتبريرهم حسب "د. أنس سعدون" هو خطورة فيروس كورونا وما يمكن أن يترتب عن مخالفة الاجراءات والتي تقتضي التزام الجميع بقرار الحجر الصحي، والزجر الصارم لكل مخالفيه، وهو ما يستوجب تشديد العقاب، بما في ذلك تطبيق العقوبات السالبة للحرية. ([50])
    لكن هذا الرأي يصطدم بالتفسير الذي أعطاه المشرع الجنائي لجريمة العصيان، والتي تقتضي استعمال "هجوم أو مقومة، بواسطة العنف أو الإيذاء ضد موظفي أو ممثلي السلطة العامة القائمين بتنفيذ الأوامر أو القرارات الصادرة من تلك السلطة أو القائمين بتنفيذ القوانين أو النظم أو أحكام القضاء أو قراراته أو الأوامر القضائية"، كما يصطدم بصعوبة تكييف الأمر المتعلق بالحجر الصحي على أنه بمثابة أشغال أمرت بها السلطة العامة، مما يعني عدم إمكانية تطبيق هذا المقتضى بسلاسة في حالات كثيرة لا ينجم عن خرق قرار الطوارئ الصحي استعمال عنف أو هجوم ضد الأشخاص المكلفين بإنفاذ القانون.
التوجه الثالث: يميل إلى تطبيق البند 11 من الفصل 609 من القانون الجنائي الذي ينص على أنه: "يعاقب بغرامة من عشرة إلى مائة وعشرين درهما من ارتكب إحدى المخالفات الآتية...-من خالف مرسوما أو قرارا صدر من السلطة الإدارية بصورة قانونية، إذا كان هذا المرسوم أو القرار لم ينص على عقوبات خاصة لمن يخالف أحكامه..." ([51])
  واستند أصحاب هذا الرأي إلى أن قرار "حالة الطوارئ الصحية" يعتبر من الناحية القانونية قرارا إداريا صادرا عن سلطة إدارية ممثلة في كل من وزارة الداخلية ووزارة الصحة.
    وأمام هذا الجدل الفقهي في تفسير النص القانوني يرى "د. أنس سعدون" أن الحكومة تدخلت في إطار الفصل 81 من الدستور، وأعدت مرسوما بمثابة قانون يتعلق بحالة الطوارئ الصحية، عاقب بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وبغرامة تتراوح بين 300 و1300 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين على مخالفة الأوامر والقرارات الصادرة عن السلطات العامة تنفيذا لحالة الطوارئ الصحية، كما عاقب بنفس العقوبة كل من عرقل تنفيذ هذه القرارات عن طريق العنف أو التهديد أو التدليس أو الإكراه، وكل من قام بتحريض الغير على ذلك. ولاسيما أن مبدأ الشرعية الجنائية يقتضي اعتماد التفسير الضيق للنص الجنائي وعدم قابلية اعمال القياس لتأويل النصوص، وأمام غموض المقتضيات الزجرية المنظمة لحالة الطوارئ. ([52])
ب) ـ الضوابط والـمـرجعـية الـدولـية لإعلان حـالـة الطـوارئ
    بالرجوع إلى العديد من المواثيق الدولية نجدها أطرت حالة الإعلان عن حالة الطوارئ كالتي تعيشها بلادنا في الوقت الراهن المتخذة لمكافحة والوقاية من فيروس كورونا، وللحفاظ على سلامة المواطنين وصحتهم وأمنهم. كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث نصت المادة 29 منه على مشروعية إقرار حالة الطوارئ التي يفرضها القانون وما يترتب عنها من تقييد الأفراد في جزء من حرياتهم الأساسية متى ارتبط ذلك بضرورة حفظ النظام العام وأساسا المصلحة العامة في حالتنا هاته. ([53])
     والسند القانوني الدولي الذي يدعو إلى إصدار القانون المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها حسب المادة الرابعة التي تنص على: "في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسميا، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد…". ([54])
    والمادة 12 من الفقرة الثانية فتنص على "...لا يجوز تقييد الحقوق المذكورة أعلاه بأية قيود غير تلك التي ينص عليها القانون، وتكون ضرورية لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم، وتكون متمشية مع الحقوق الأخرى المعترف بها في هذا العهد".
    وبالرجوع الى الوثيقة الدستورية لسنة 2011 والتي تشكل أسمى قانون بالبلاد، نجدها تجعل من الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف المملكة المغربية تسمو على التشريعات الوطنية. وجاء في ديباجته: "جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملائمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة". ([55])
ج) ـ حالة الطواري والمقاربة الحقوقية:
      أصبحت الحقوق والحريات قناعة راسخة لدى الجميع كونها الركيزة الأساس وعماد إقامة المجتمع المتحضر في إطاره العصري، فقاد عانت البشرية الويلات في سبيل تشييدها، وسالت دماء كثيرة وتضحيات ضخمة في سبيل تحقيقها، كانت الحرية تسبق الكرامة وتسبق الخبز. لذا فصيانة هذه الحقوق والحريات أصبحت حقا مقدسا ولا مناص للنكوص عنه، وأضحت مكرسةً في كل دساتير العالم. ([56])
      غير أنه قد تعصف ظروف استثنائية من كوارث وأوبئة تعرقل السير العادي للمؤسسات وتغير نمط حياة المواطنين، فتضطر السلطة التنفيذية عندئذ باعتبارها والمكلفة بحماية النظام العام، إلى تغيير في الأولويات، فتقدم حماية الدولة على صيانة الحقوق والحريات، ما يجبرها على القيام بإجراءات حاسمة قد تتجاوز حدود السلطة المخولة قانونا، ما يكون مقيدا لحقوق الأفراد وحرياتهم. ([57])
      مما جعل من جهة رواج في مواقع التواصل الاجتماعي لبعض صور وفيديوهات لتجمعات كبيرة من المواطنين غير مبالين لحالة الطوارئ الصحية رغم التوعية الواسعة التي قامت بها الحكومة، ومن جهة أخرى لبعض رجال السلطة بعدم الالتزام بالنصوص القانونية الجاري بها العمل، متجاوزين بذلك حدود ما يلزمهم به القانون، من خلال تجاوزات تمس بكرامة المواطنين بضرب والإهانة، في التعامل مع المواطنين الخارقين لهذا النظام.
 
 
 
المطلب الثاني: إعلان حالة الطوارئ واجراءات التنزيل
1 إعلان حالة الطوارئ:
      نص الفصل 21 و24 من الدستور المغربي على: "لكل فرد الحق في سلامة شخصه وأقربائه، وحماية ممتلكاته. تضمن السلطات العمومية سلامة السكان، وسلامة التراب الوطني، في إطار احترام الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميع". أما الفقرة الرابعة من الفصل 24 المشار إليها في هذا المرسوم بقانون، فإنها ترتبط بحرية التنقل عبر التراب الوطني وفق القانون، ومفادها أنه لا يمكن الحد منها إلا بقانون، وهو ما جاء في هذا المرسوم، في هذا الفصل ".... حرية التنقل عبر التراب الوطني والاستقرار فيه، والخروج منه، والعودة إليه، مضمونة للجميع وفق القانون".
      والإجراءات التي من شأنها حفظ السلامة والأمن الصحي وغيره، بناءا على ما نص عليه الفصل المذكور سلفا، هو من اختصاص السلطة التنظيمية أي الحكومة، وهو المتجسد في اتخاذ قرار حالة الطوارئ الصحية. وبرجوع الى الفصل 81 في هذه الحالة وعلى المواد 230-231-232 و233 من النظام الداخلي لمجلس النواب والمواد 252-253 و254 للنظام الداخلي لمجلس المستشارين. يشكل السند القانوني الذي بمقتضاه قامت السلطة التنفيذية بإصدار المرسوم بقانون المتعلق بإعلان حالة الطوارئ الصحية في البلاد، فهذا الأخير كان نتيجة تفاعل الدولة مع سرعة انتشار وباء كوفيد 19. فقد اعتمدت الحكومة على الصلاحيات المخولة لها من طرف الدستور والقانون. ([58])
      ومن خلال ما سبق قدمت وزارة الداخلية مذكرة لسن مرسوم القانون رقم 2.2.292 المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، أنه بناء على الفصول 21 و24 (الفقرة 4) والفصل 81 من الدستور 2011، وبناء على اللوائح التنظيمية لمنظمة الصحية العالمية، وباتفاق مع اللجنتين المعنيتين بالأمر بمجلس النواب وبمجلس المستشارين.
   كما قدمت وزارة الداخلية ووزارة الصحة مذكرة لسن مرسوم القانون رقم 2.2.293 المتعلق تفعيل أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها.
 
لكن ما هو الفرق بين حالة الطوارئ والحجر الصحي؟
    فمفهوم حالة الطوارئ الصحية، ومفهوم الحجر الصحي الذي عرفته منظمة الصحة العالمية:" الحجر الصحي هو تقييد حركة أو فصل الأفراد الأصحاء الذين لم يتعرضوا لعدوى فيروس كورونا عن البقية لفترة من الوقت حسب ما تحدده السلطات والجهات الطبية المتخصصة". والذي لا يعدو أن يكون إجراء من الإجراءات التي اعتمدتها السلطات المختصة في تدبيرها لجائحة فيروس كورونا المستجد. 
     قال المحامي بهيئة الرباط، عبد الله أسبري، إن «حالة الطوارئ الصحية تشكل وضعية قانونية لتأطير الحالة الصحية الناتجة عن التفشي العالمي لفيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)»، مضيفا أن «المشرع المغربي، من بوابة المرسوم القانوني بناء على الفصل 81 من الدستور بالنظر للوضعية التي كان يعرفها البرلمان المغربي، لجأ إلى تنظيم هذه الحالة الصحية عبر آلية المرسوم بقانون المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها». و«المرسوم بقانون أهلّ الحكومة المغربية لاتخاذ مجموعة من التدابير بناء على مقتضيات المادة الثالثة منه، ما يجعل إجراءات المتعلقة بتدبير حالة الطوارئ الصحية مرتبطة ارتباطا قانونيا بالحالة القانونية المعلن عنها رسميا وبشكل قانوني، وهو ما يجعل عدم تمديد حالة الطوارئ الصحية يفرض على الدولة إيقاف جميع التدابير المتخذة باستثناء تدابير الحجر الصحي بالمستشفيات لكونها مبنية على المرسوم الملكي رقم 65.554 لسنة 1967 بمثابة قانون يتعلق بوجوب التصريح ببعض الأمراض واتخاد تدابير وقائية»
2: الإجراءات التنزيل حالة الطوارئ:
     عمدت الحكومة من خلال المبادرة الملكية إلى خلق حساب خصوصي تطبيقا لمقتضيات المادة 26 القانون التنظيمي رقم 130.13لقانون المالية، والمادة 29 من قانون المالية للسنة المالية 2020، والمادة 25 من المرسوم المتعلق بإعداد وتنفيذ قوانين المالية، والفصل السبعين من الدستور المغربي. قصد الإحداث الفوري لصندوق خاص لتدبير ومواجهة وباء فيروس كورونا، تحث مرسوم رقم: 2 -20 -269 الصادر بتاريخ: 16 / 03 / 2020. يحمل اسم "الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا "كوفيد-19. ([59]) كنوع من المساهمة الطوعية والاختيارية، بدل طريقة الضريبة المفروضة والقسرية. وأوضح بلاغ للديوان الملكي، أن هذا الصندوق الذي ستوفر له الحكومة اعتمادات بمبلغ عشرة ملايير درهم، سيخصص من جهة، للتكفل بالنفقات المتعلقة بتأهيل الآليات والوسائل الصحية، سواء فيما يتعلق بتوفير البنيات التحتية الملائمة أو المعدات والوسائل التي يتعين اقتناؤها بكل استعجال.
    ومن جهة أخرى، سيرصد الجزء الثاني من الاعتمادات المخصصة لهذا الصندوق، لدعم الاقتصاد الوطني، من خلال مجموعة من التدابير التي ستقترحها الحكومة، لاسيما فيما يخص مواكبة القطاعات الأكثر تأثرا بفعل انتشار فيروس كورونا، كالسياحة وكذا في مجال الحفاظ على مناصب الشغل والتخفيف من التداعيات الاجتماعية لهذه الأزمة.
   وعلى إثر ذلك الجنة المالية والتنمية الاقتصادية تعقد اجتماعا بخصوص مشروع مرسوم بإحداث الحساب المرصد لأمور خصوصية تحت اسم " الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا covid 19"، ترأسه رئيس اللجنة، السيد عبد الله بو وانو بحضور وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة السيد محمد بنشعبون.
     وبعد فتح باب المساهمات في الصندوق أعلنت مجموعة من المؤسسات الوطنية والشخصيات والهيئات مساهمتها كسلوك يندرج ضمن البعد التضامني الوطني الذي بادر جلالة الملك إلى إطلاقه، وبلغت المساهمات الإجمالية لغاية نهاية شهر مارس 28 مليار درهم.
   ومن أجل تغطية الحكومة لمصارفها ثم الموافقة على المشروع المرسوم بقانون رقم 2.20.320 المتعلق بتجاوز سقف التمويلات الخارجية، ([60]) والذي بموجبه سيسمح للحكومة بتجاوز سقف المبلغ الاقتراض الخارجي المنصوص عليه في المادة 43 من قانون المالية لسنة 2020، والمحدد في 31 مليار درهم. ([61])
      وفي نفس لإطار وللحفاظ على صحة وسلامة العاملين بالإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات والمقاولات العمومية، والمرتفقين، أصدرت الحكومة في شخص وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة منشورا تنظيميا ([62]) ، ينص على ضرورة التقيد بالإجراءات الوقائية من تفشي وباء كورونا المستجد، والحرص على ضمان استمرارية المرافق العمومية كمرفق الأمن والقضاء والخدمات الإدارية... في تقديم خدماتها للمواطنين بما يضمن الحفاظ على صحة وسلامة الموظفين والمرتفقين على حد السواء، من خلال عملية " العمل عن بعد "وتوظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصال من أجل  ضمان استمرارية العمل الإداري ورفع نجاعة أداء المرفق العام والارتقاء به إلى مستوى المطلوب.
      وفي قطاع التعليم عملت الوزارة التعليم على تنزيل عملية التعليم عن بعد عبر إطلاق البوابة الإلكترونية " TIC Telmid " والتي توفر مضامين ومنصات رقمية مصنفة حسب الأسلاك والمستويات. وتوظيف جميع الوسائل الرقمية من أجل مواكبة التلاميذ والطلبة. كما تمت تعبئة قنوات القطب العمومي لبث الدروس المصورة، مما يمكن من تغطية جميع المستويات الدراسية في إطار ضمان الاستمرارية البيداغوجية لتلاميذ العالم القروي الذين لا يستطيعون الولوج للإنترنيت. كما تم إنشاء آلية العمل بالخدمة التشاركية" Teams " المدمجة في منظومة مسار من أجل تمكين الأساتذة من التواصل المباشر مع تلاميذهم في إطار أقسام افتراضية.
    وبالنظر إلى أن الأمر يتعلق بتدبير أزمة يتداخل فيها ما هو صحي بما هو اقتصادي واجتماعي وإداري وقانوني ومالي، فإن الضرورة وحالة الطوارئ قد تفرضان اتخاذ قرارات وإجراءات أخرى تصرف إلى معالجة التداعيات والآثار السلبية المترتبة على إعلان حالة الطوارئ الصحية، لاسيما بعد توقيف مجموعة من الأنشطة المهنية والتجارية، والحد من حرية التنقل داخليا وخارجيا نتيجة إغلاق المجال الجوي والحدود البرية.
  1. الإجراءات على المستوى الصحي:
    ترأس جلالة الملك محمد السادس، يوم الثلاثاء 17 مارس بالقصر الملكي بالدار البيضاء، جلسة عمل خصصت لتتبع تدبير انتشار وباء فيروس كورونا ببلادنا، ومواصلة اتخاذ مزيد من الإجراءات لمواجهة أي تطور. ([63])
   إد اطلع وزير الصحة جلالة الملك، عن آخر تطورات الوضعية الصحية ببلادنا، والطاقة الاستيعابية للمستشفيات والوحدات الصحية، بمختلف جهات المملكة، وكذا توفير جميع مستلزمات السلامة الصحية، بما في ذلك مواد التعقيم والأدوية.
     وبناء على المعطيات التي قدمها وزير الصحة، وحرصا من جلالة الملك، على الرفع من قدرات المنظومة الصحية الوطنية في مواجهة هذا الوباء، أصدر جلالة الملك، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، تعليماته السامية للمفتش العام للقوات المسلحة الملكية، قصد وضع المراكز الطبية المجهزة، التي سبق لجلالته أن أمر بإحداثها لهذا الغرض، بمختلف جهات المملكة، رهن إشارة المنظومة الصحية بكل مكوناتها، إن اقتضى الحال وعند الحاجة.
     ويوم 22 مارس 2020، أعطى جلالة الملك باعتباره القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، وبشكل رسمي تعليماته السامية للجنرال دو كوردارمي عبد الفتاح الوراق المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، والجنرال دو كوردارمي محمد حرمو قائد الدرك الملكي، ومفتش مصلحة الصحة العسكرية للقوات المسلحة الملكية الجنرال دو بريغاد محمد العبار، بتكليف الطب العسكري بشكل مشترك مع نظيره المدني بالمهمة الحساسة لمكافحة وباء كوفيد 19.
    وأوضح بلاغ للديوان الملكي، أنه، وبهدف التغلب على بعض أشكال الخصاص الذي تمت معاينته، في محاربة هذا الوباء، وتسهيل نقل وتبادل المعلومات بين مختلف المصالح المعنية، أعطى جلالة الملك تعليماته السامية لتعبئة وسائل الطب العسكري لتعزيز الهياكل الطبية المخصصة لتدبير هذا الوباء، من خلال الطاقم الطبي وشبه الطبي للقوات المسلحة الملكية، وذلك ابتداء من يوم الاثنين 23 مارس 2020. ([64])
  1.  الإجراءات على المستوى الاجتماعي:
    في ظل دخول قانون اعلان حالت الطوارئ حيز التطبيق أصبح العديد من المواطنين بين عشية وضحاها، دون مورد رزق نتيجة حالة الطوارئ وتقييد الحركة، وبسبب هذه الحالة الغير معهودة لم يستطع العديد تقبل فكرة الحجر الصحي كونه لا يتوفر على مورد قار يستطيع من خلاله الإنفاق على نفسه وعائلته، وبالتالي ما فرض على الحكومة تعويض هؤلاء، بدءا  بالمسجلين في الضمان  الاجتماعي كمرحلة أولى، ثم المسجلين او الحاملين بطاقة المساعدة الاجتماعية "راميد " هذه الفئة من المواطنين الذين يعملون في القطاعات غير المهيكلة ويشكلون فئات واسعة من الشعب كمرحلة ثانية، ثم في مرحلة الأخير الغير مسجلين ضمن الحالتين السابقتين، فقد عمدت الحكومة الى توفير طريقة مناسبة للاستفادة عن طريق إحداث نظام معلوماتي يسجل فيه المستفيد بطريقة إلكترونية عبر الهاتف النقال.
     قررت لجنة اليقظة الاقتصادية التي أحدثتها الحكومة بتعليمات ملكية منح تعويض شهري جزافي قدره 2000 درهم، بالإضافة إلى الاستفادة من خدمات التغطية الصحية الإجبارية والتعويضات العائلية، لفائدة الأجراء والمستخدمين بموجب عقود الاندماج والبحارة الصيادين المتوقفين مؤقتا عن    العمل المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي برسم شهر فبراير 2020، والمنتمين للمقاولات المنخرطة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي التي تواجه صعوبات.
    أما بالنسبة للأشخاص غير المسجلين في الضمان الاجتماعي وينتمون للقطاع غير المهيكل، فقد قررت لجنة اليقظة أن تتم العملية عبر مرحلتين، المرحلة الأولى، تهم الأسر التي تستفيد من
خدمة راميد وأصبحت لا تتوفر على مدخول يومي إثر الحجر الصحي، بحيث ستستفيد هذه الأسر من مساعدة مالية محددة على النحو التالي:
أولا: 800 درهم للأسرة المكونة من فردين أو أقل.
ثانيا: 1000 درهم للأسرة المكونة من ثلاثة إلى أربع أفراد.
ثالثا: 1200 درهم للأسرة التي يتعدى عدد أفرادها أربعة أشخاص.
  أما المرحلة الثانية، وتهم الأسر التي لا تستفيد من خدمة راميد وتعمل في القطاع غير المهيكل والتي توقفت عن العمل بسبب الحجر الصحي، بحيث سيتم منحها نفس المبالغ المذكورة سابقا، وخصصت لها منصة الكترونية لوضع تصريحات. ([65])
 
ج) الإجراءات على المستوى الاقتصادي:
      لقد تأثر المغرب من تداعيات فيروس كورونا كما هو حال العالم، حيث تضررت العديد من قطاعاته الحيوية نتيجة قرار إغلاق الحدود وفرض حالة الطوارئ الصحية، وتوقف قطاعات السياحة والأنشطة المرتبطة، وقطاع النقل الجوي، والنسيج وصناعة السيارات، كما أدت الأزمة إلى اضطرابات على مستوى قنوات الإنتاج وسلاسل التوريد، بالإضافة إلى تأثر تدفقات العملة الصعبة بسب توقف الصادرات بالمقبل استمرار استراد المواد الضرورية كالمحروقات والغاز.
  ولدعم وتقوية المقاولات المغربية في هذه الظرفية الصعبة، أصدرت وزارة الاقتصاد والمالية منشورا، تحث فيه القطاعات الوزارية والمؤسسات والمقاولات العمومية، على اتخاذ الإجراءات والضرورية والاستعجالية لتسريع صرف مستحقات المقاولات، وخاصة المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة وتخفيف الضغط على خزينتها وتمكينها من الوفاء بالتزاماتها المالية. وقامت الحكومة بتعليق أداء المساهمات الاجتماعية إلى غاية يونيو وتأجيل سداد القروض البنكية وتلك المتعلقة بشروط الايجار إلى غاية يونيو 2020 دون أداء الرسوم والغرامات؛ كما يمكن للمقاولات التي تقل معاملاتها لسنة 2019، عن 20 مليون درهم، من تأجيل وضع التصريحات الضريبية حتى نهاية يونيو.
     كما ثم تعليق المراقبة الضريبية، للشركات الصغرى والمتوسطة، حتى 30 يونيو 2020. بالإضافة ان وزارة الاقتصاد والمالية قامت بإحداث آلية جديدة للضمان على مستوى صندوق الضمان المركزي، لتمكين المقاولات التي عرفت خزينتها تدهورا بسبب انخفاض نشاطها، الحصول على موارد استثنائية للتمويل.
   كما ساهمت الأبناك من مد المقاولات بقروض استثنائية لتمويل احتياجات أموال الضرورية، في ظرف وجيز، وتغطي هده التمويلات البنكية التي تنضاف إلى القروض الأخرى المتاحة، إلى حدود ثلاث أشهر من المصاريف الجارية والمتعلقة على وجه الخصوص بالأجور، وواجب الكراء وتسديد أثمنة المشتريات الضرورية إلخ... ويمكن لهذه التمويلات البنكية أن تصل إلى 20 مليون درهم. ([66])
 
خلاصة الفصل:
من خلال ما سبق يمكن تلخيص أهم ما جاء في الفصل فيما يلي:
أولا: بخصوص مفهوم الأزمة يمكن اعتبارها " حالة غير عادية تخرج عن نطاق التَّحكُّم والسيطرة ينتج عنها ارتباكا في تسلسل الأحداث اليومية ويؤدي إلى سلسلة من التفاعلات، تسبب تهديدات ومخاطر مادية ومعنوية للمصالح العامة، مما يعجل باتخاذ قرارات تخفف من حدتها، استنادا الى مجموعة من الدراسات تخص الأزمة. وتمر بمراحل أساسية: ومرحلة الميلاد، ومرحلة النمو والاتساع، ومرحلة النضج، ومرحلة الانحسار والتقلص، ومرحلة الاختفاء.
ثانيا: في مواجهة الأزمة وتخفيف من أثارها لابد من اتخاذ منهجا علميا يعتمد أساسا على مجموعة من القواعد أهمها: الاختراق، ثم التمركز والدراسة، ثم التوسيع والانتشار، والسيطرة والتوجيه.
ثالثا: لا شك أن رسم سياسات العمومية من طرف الفاعلين يؤخذ بعين الاعتبار الصدمات أو الأزمات التي يمكن أن تقع بسبب ظرف من الظروف الطبيعية او غير طبيعية، كأن يكون الانسان طرفا فيها. فتحدث دراسات تمكن من التعرف على كيفية اتخاذ القرارات في جحيم الفعل الأزمة، وتكيف السياسات وفق ما تفرضه الأزمة لموجهتها وتخفيف من اثارها المحتملة لما بعد الأزمة.
رابعا: فأزمة كورونا كنموذج للأزمات التي عصفت بالعالم، لا شك ان الفاعل العمومي قد اتخذ مجموعة من الإجراءات اللازمة في موجهتها وعلى رأسها فرض حالة الطواري في أرجاء البلاد، وإغلاق الحدود جوا وبرا وبحرا، ثم فرض الحجر الصحي على المواطنين، كاحترازات لتفادي انتشار الوباء. ثم مجموعة من الإجراءات الاقتصادية والصحية والاجتماعية لتخفيف من أثار الجائحة. واحداث دراسات معمقة تتعلق بالقرارات الممكن إعمالها على شكل السياسات عمومية لما بعد الأزمة.
   إد يلاحظ أن حزمة التدابير والإجراءات والقرارات الاستعجالية المتخذة من طرف السلطات العمومية في نطاق حالة الطوارئ الصحية، فهي بقدر ما تهدف الى محاصرة الوباء من أجل الحفاظ على الصحة العامة، والتخفيف من تداعياته على بعض القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، بقدر ما يتعين التفكير في إجراءات على الأمدين المتوسط والبعيد. من أجل إعادة النظر في أولويات السياسات العمومية، ورد الاعتبار لقطاعات اجتماعية كالصحة والتعليم، التي لطالما وقع وصفهما بقطاعات غير منتجة أو مكلفة للتوازنات المالية لدولة وأثبتت الأزمة قصورهما وأهميتهما. في انتظار ما ستؤول إليه الأزمة، وما يمكن أن يستفاد منها كدروس وتحويل لإكراهاتها وإخفاقاتها إلى فرص للانطلاق حقيقي في مختلف المجالات.
   وتستدعي الرهانات المرتبطة بهذه الأزمة، مباشرةُ التفكير الاستراتيجي حول المسار السوسيو -
اقتصادي للمغرب، وذلك من زاويتين؛ أولهما تمكين المملكة من مواصلة إصلاحاتها مع التصدّي بحزم للأزمة وثانيهما انتهاز الفرص المتاحة وإدماج التغيرات الكبرى في عالم ما بعد الأزمة التي لن تخلو من انعكاسات استراتيجية على بلادنا، هذا من جهة ومن جهة أخرى تجاوز الأخطاء والإخفاقات التي واكبت تنزيل بعض الإجراءات المتخذة لمواجهة الأزمة، خاصة فيما يتعلق بصرف الدعم الاجتماعي على الفئات الهشة، وما صاحب ذلك من غياب إحصاء وتحديد الدقيق لتلك الفئة المستهدفة، مما ترتب عن ذلك حرمان فئة واسعة من الدعم رغم استحقاقها، بل اكثر من ذلك أنه تبت تسليمه لمن لم يكن في حاجة له. مما يتوجب على الحكومة مستقبلا أن تفعّل استراتيجية حقيقة لتجاوز مثل هذه الأخطاء لاسيما في مثل هذه الظروف الصعبة، ويمكن اعتماد سجل اجتماعي موحد الذي سبق للحكومة أن اشتغلت عليه، وهو مالم يرى النور بعد، وأتبت الظرفية الحاجة إليه.
    على الرغم من ذلك كله، فإن أزمة كورونا وما ولّدته من ضحايا وتعطيل لحركة العمران وسير المجتمعات، إلا أنها كانت بمثابة صدمة لازمة لإيقاظ الوعي الإنساني بحقيقة المخاطر الوجودية المحدقة، وطبيعة المتاهات التي انزلق نحوها المجتمع السياسي الكوني، بوعي أو من دونه. وأعاد هذا الوباء المعوْلم النقاش مجدّداً في قضايا الاقتصاد والصحة والبيئة، والدولة، والعولمة، والأسرة والعلاقات الحميمية، ودور العلم، ومسألة الوجود والمعنى، وثنائية الحياة والموت، وغيرها... ([67])
 
 
 
الخاتمة

   مما لا شك فيه أن تدبير ورسم سياسات العمومية في الأزمات يتطلب مهارة واستراتيجية متكاملة ومندمجة، يرعى فيها الظرفية وحساسيتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويرتكز فيها على نقط القوة، وتسخير كل المكونات الوطنية والإمكانات المادية والبشرية في إطار تعبئة شاملة، وتوجيه المجهودات الى هدف محدد وتجنب العشوائية والارتجالية في اتخاد القرارات، وخلق نوع من الاجماع الوطني والتضامن الاجتماعي.
     أصبح مؤكّدا أن وباء كورونا المستجد أحدث سلسلة من الصدمات والضربات التي زعزعت مجموعة من المنظومات الصحية والاقتصادية والاجتماعية القوية والعريقة في عدد من دول العالم المتقدم، وأفرز أسئلة مقلقة بشأن مصير البشرية، ومدى استعدادها لمواجهة جائحة عالمية، يقف وراءها فيروس مجهري غامض وكاسح وفتاك، ويمتلك سرعةً فائقةً في الانتقال والتفشّي، خصوصا في وقت، ما زالت الأبحاث الطبية والعلمية لم تتوصل إلى ضبط سلوكه وطرق انتقاله بالدقة المطلوبة وتخبط المنظمة الصحة العالمية في قراراتها، كان أخرها سحب ورقة علمية تشير الى خطورة استعمال  عقار كلوروكين (Chloroquine)  أعدها ـ بطريقة أثارت الكثير من الجدل في صفوف المختصين ـ مجموعة من الباحثين تحت رعايتها، لتؤكد نجاعته من جديد، والتنافس "الغير مشروع" بين شركات الكبرى لاحتكار إنتاج القاح للفيروس، الأمر الذي يجعل عملية اكتشاف للقاح معقدة وممتدة في الزمان. لتستمر خسائر على مستوى العالم في صفوف ضحايا وبلغ عدد المصابين الى حدود كتابة هذه الأسطر، ما مجموعه,591,124 7مصاب، وتوفي منها 4000وخلفت خسائر اقتصادية فادحة، وشملت كل مفاصل الاقتصادية خاصة على مستوى النقل بمختلف انواعه، وتضرر السياحة العالمية، وتوقف المصانع الإنتاجية بسبب اعتمادها على سلاسل التوريد.
     وعلى المستوى الوطني بلغ عدد حاملي الفيروس الى حدود هده الساعة 10167، وبلغ عدد الوفيات 216. بينما صرح وزير المالية بنشعبون أن المغرب يخسر قرابة مليار درهم يوميا، بسبب توقف الأنشطة الاقتصادية لاسيما الصناعات الثقيل كالسيارات والطائرات... وتوقف الكامل لبعض القطاعات كقطاع السياحة.
     وأمام هذه الكارثة كان المغرب قد اتخذ مجموعة من التدابر والإجراءات المناسبة لتخفيف من وطئت هذه الأزمة، وحسب رئيس الحكومة فإن هذه التدابير وما واكبها من إجراءات وقرارات، مكنت من تحقيق مكاسب كبيرة، صحيا واقتصاديا واجتماعيا ومجتمعيا وإداريا، حيث ساهمت هذه التدابير في التحكم في وتيرة انتشار الوباء، وتفادي الانتقال إلى المرحلة الثالثة، والحيلولة دون استنزاف القدرات الاستشفائية للبلد.
     كما ساهمت هذه الإجراءات، في تقوية المنظومة الصحية الوطنية، وتمكينها من رفع كفاءتها، ومن توسيع قدرتها الاستيعابية من حيث عدد الأسرة الخاصة بالحالات الحرجة، مع توفير آليات طبية جديدة، وتفعيل وتقوية منظومة الرصد الوبائي وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الكمامات ومواد التعقيم والمواد المطهرة، بل أصبح المغرب ثاني عالميا في تصدر الكمامات بعد الصين. وثم تصنيع بعض المستلزمات الطبية محليا بواسطة طاقات وقدرات وابتكارات مغربية خالصة.
  واعتبر إدريس قصوري، أستاذ العلوم السياسية، أن المغرب قطع أشواطا مهمة في سبيل القضاء على وباء وأكد أن بلادنا تفادت " كارثة صحية" متوقعة، بفضل اتخاذها مجموعة من الإجراءات الحازمة والاستباقية، وفي مقدمتها فرض الحجر الصحي، مبرزا أن الحديث اليوم يجب أن ينكب حول كيفية الخروج من الحالة الوبائية، والقضاء التام على الجائحة.
     قد يكون المغرب نجح الى حد كبير في الخروج من الازمة بأقل الخسائر الممكنة واجتاز مرحلة الخطر، لكن ما ترتب عن الجائحة ومالها من تداعيات اقتصادية واجتماعية، على المستويين العالمي والوطني تجعل سؤال ماذا بعد كوفيد 19؟ سؤالا مشروعا.
ما بعد أزمة كوفيد 19.
    يتوقع الخبراء في مجموعة من التقارير العلمية والاخبارية، أن العالم سيشهد تحولا عميقا على المستويين السياسي والاقتصادي، مندرين بضهور عالم يسير في اتجاه التعددية القطبية، بعدما كان يهيمن عليه القطب الغربي الواحد بزعامة الولاية المتحدة الأمريكية، لصالح القطب الشرقي الآسيوي الجديد بزعامة الصين وروسيا والهند. كما أن هذه الأزمة سيكون لها تأثيرٌ على منظومة العلاقات الدولية، وكذلك على الأمن الإقليمي، لكونها حدثٌ سوف يغيّر شكل العالم، على غرار التحولات الكبرى مثل الحرب العالمية الثانية أو أحداث 11 سبتمبر 2001م، والأزمة الاقتصادية 2008، أو ظهور تنظيم داعش عام 2014م ...
   كما يمكن أن تمس بجوهر وتهدد استمرار المنظمات الدولية، بعد إخفاقها في تعاملها مع الأزمة، وخير نموذج الاتحاد الأوروبي، الذي ظهر على شكل "التشرذم الأوروبي" في مواجهة الأزمة، سواءً من خلال إغلاق الدول الأوروبية للحدود فيما بينها، أو التنافس للحصول على المعدات الطبية من الصين، بالإضافة إلى عدم وجود خطة عاجلة لإنقاذ إيطاليا؛ الدولة الأكثر تضرراً من جراء الوباء، رغم أن الميثاق المؤسس للاتحاد الأوروبي ينص في إحدى مواده على تبادل الخبرات بين الدول الأعضاء، إلا أن الأزمة أظهرت سلوكياتٍ غير مسبوقةٍ بين دول الاتحاد، حيث أشارت التقارير إلى استيلاء التشيك على كمامات كانت قادمة من الصين نحو إيطاليا...، وقد كان واضحاً امتعاض المواطنين الإيطاليين من أسلوب تعامل الدول الأوروبية مع إيطاليا خلال الأزمة، الأمر الذي يجعل من بقائها في الاتحاد الأوروبي بعد انتهاء الأزمة محل تساؤل... وتخلي الولايات المتحدة عن شركائها الأوروبيين منذ بدايات انتشار الوباء، من خلال إغلاق حدودها مع الدول الأوروبية باستثناء بريطانيا.
   أما على المستوى الاقتصادي فقد أشارت بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن النمو الاقتصادي قد ينخفض إلى النصف في حال استمرار انتشار الفيروس. ووفقاً لتوقعات المنظمة، فإن الناتج المحلي العالمي سوف ينمو بنسبة 1,5% فقط خلال العام الحالي 2020م، ما يعني أن العالم سيشهد أزمة اقتصادية لم يشهدها منذ عام 2008م، وستكون آثارها أكثر وضوحاً في كلّ ٍ من اليابان والدول الأوروبية. من ناحية أخرى، ووفقاً لتقارير منظمة العمل الدولية، من المتوقع أن يخسر العمّال في جميع أنحاء العالم ما يصل إلى 3,4 تريليونات دولار من الدخل بحلول نهاية 2020م، كما توقعت منظمة العمل الدولية أن 25 مليون شخص سيفقدون وظائفهم، مقابل 22 مليون خلال الأزمة الاقتصادية عام 2008م، بالإضافة إلى تراجع قطاع السياحة العالمي بنسبة 30%، فضلاً عن فقدان برميل النفط 60% من قيمته منذ بداية العام الحالي، ليصل في الوقت الحالي إلى 25 دولاراً للبرميل. فضلاً عن التراجع الحاد في البورصات العالمية، وخسائر الطيران التي قدرها الاتحاد الدولي للنقل بحوالي 252 مليار دولار.
     في ظل هذه المتغيرات العميقة. لا شك أن الدول النامية أو الدول السائرة في طريق النمو، سترتب سياساتها الخارجية وتحالفات وشركات مبنية عن مصالحها، وإعادة تموقع في الخارطة السياسية العالمية الجديدة، مراهنة عن إمكانياتها الداخلية والخارجية، ومواردها البشرية والطبيعية.
     والمغرب ليس بمعزل عن هذا التوجه، مما يتوجب عليه الانخراط في هذه الدينامية العالمية وفق مصالحه العليا، وامكانياته المادية والطبيعية، وقوته في العنصر البشري الذي أتبث مؤشرات إيجابية في تعامله مع الأزمة وأدارها بكل احترافية، في الوقت الذي انهارت فيه دول عظمى. مما يتطلب إعادة ترتيب البيت الداخلي لا سيما في الجانب التنموي والاقتصادي، ويتعلق الأمر أساسا بقطاعات الصحة والتعليم والبحث العلمي والحماية الاجتماعية، إضافة إلى ورشين داعمين أساسيين، هما تسريع التحول الرقمي والحكامة الجيدة. متجها نحو تقوية الاقتصاد الدولة، من خلال زيادة حجم الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية الواعدة.
     ومن المعلوم أن حجم ونطاق النفقات العامة سيعرف تزايدا مطردا نتيجة تلك الإجراءات المتخذة من أجل التخفيف من وقع تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والصحية الناجمة عن تداعيات الوباء "كوفيد-19 " والتحويلات المالية من قطاع الى قطاع أخر، خصوصا القطاع الصحة، التي لم تكن ضمن التوقعات التي بنيّ عليها قانون المالية لسنة 2020. وحسب توقعات القانون المالية 2020، كان مبلغ الإجمالي للموارد المالية المتوقعة يصل إلى 264,51 مليار درهم. أما فيما يخص نفقات الدولة يتوقع إجمالي النفقات نحو 306,8 مليار درهم أي ما يشكل نسبة 25.3 في المئة من الناتج الداخلي. وكان من المتوقع ان تصل نفقات الاستثمار الى 78.2 مليار درهم لسنة 2020. ([68]) لهذا ونتيجة وضع الركود الاقتصادي العالمي والذي وصل تأثيره المغرب، وتراجع مرتقب على مستوى موارد الميزانية والتي تبقى الموارد الجبائية هي موردها الرئيسي، وتوقف عملية الاستيراد والتصدير اد تعتبر عائدات الجمارك إسهاما أساسيا في ميزانية الدولة، (ما يقرب من 40٪ سنويا). ([69])
      وبالإضافة الى ذلك يقول محمد زين الدين، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن "الدول الناشئة تواجه خمسة تحديات أفرزتها التداعيات الاقتصادية الصعبة التي مازال يخلفها فيروس كورونا، أولها تراجع الإيرادات الضريبية، وثانيها انخفاض صادرات المواد الخام، وثالثها ارتفاع أسعار الفائدة، ورابعها انخفاض أسعار الصرف، وخامسها تراجع عائدات السياحة". ([70])
     فأمام هذا كله لا بد من عقلنة التدبير المالي وتجنب الحلول "السهلة" والانجرار خلف إغراءات الاقتراض الخارجي لتمويل عجزها الميزانيتي لما له من تداعيات على مستقبل التوازن والأمن المالي للبلاد. ومن شأنه مفاقمة حجم التكاليف العامة وإخضاع السيادة الوطنية لشروط المؤسسات الدولية المانحة وإمكانية إعادة التجربة المريرة لبرامج إعادة التقويم الهيكلي، ورهن مستقبل الأجيال القادمة بتبعيات مالية لدى المؤسسات المالية الدولية.
     ومن ثم لا بد من تفكير في إصلاحات حقيقية تستجيب لمتطلبات الاقتصاد الوطني وفق سياسات عمومية تحقق حاجيات المواطنين، يقول نجيب أقصبي الخبير الاقتصادي المغربي، "إن جائحة فيروس كورونا المستجد توفر فرصةً لصناع القرار السياسيين لمباشرة بعض الإصلاحات الضرورية والشجاعة لتحقيق ازدهار اقتصادي جديد، كما تظهر مدى أهمية تحقيق الاستقلالية الاقتصادية". "جائحة كورونا تمثل مناسبة لتحقيق ازدهار اقتصادي جديد والتفكير في حلول واقعية تهدف إلى الاستجابة لحاجيات المواطنين". ([71])
    كما أنه لابد من التسريع في هيكلة وتنزيل النموذج التنموي الجديد، الذي كان الملك محمد السادس قد عين له لجنة وطنية، أنيطت لها مهمة صياغة نموذج تنموي عصري يستجيب لحاجيات المواطنين، ويتجاوز كل اعطاب النموذج التنموي الذي تشير كافة التقرير إلى فشله، وقصوره في استجابة ومواكبة الحاجيات اليومية للمواطنين، مما يحقق لهم الحد الأدنى للعيش الكريم. والمهام الموكلة لهذه اللجنة تكتسي أهمية بالغة ولن تكون سهلة، بالنظر إلى حجم الانتظارات وجسامة التحديات التي يجب على المغرب رفعها عن طريق خلق دينامية جديدة تمكنه من إرساء مسلسل التنمية الشاملة على أسس صلبة ومستدامة. ويستجيب لتحديات الإقليمية والدولية، ويضع في حسابته الوضعية الاقتصادية والمالية الدولية بعد هذه الأزمة، ووضعية الشركاء الاستراتيجيين للمغرب كالاتحاد الأوروبي. ومما يشير الى ذلك طلب اللجنة برئاسة شكيب بنموسى، تمديد الأجل تسليم التقرير النهائي. هذه المهلة الإضافية التي تفضل جلالة الملك بالموافقة عليها، تروم تمكين اللجنة من تعميق أشغالها حول التبعات المترتبة عن وباء كوفيد – 19، بالإضافة إلى الدروس التي يجب استخلاصها على المدين المتوسط والبعيد، في هذا الصدد، سواء على الصعيدين الوطني أو الدولي.
وسيسمح هذا التمديد للجنة، التي تأثرت منهجيتها التشاركية بفترة الحجر الصحي، باستعادة وتقوية مقاربتها القائمة على البناء المشترك للنموذج التنموي
 
 
 
 
قائمة المصادر والمراجع


الكتب
  1. احمد مداوس اليامي، تقنية تحليل التكلفة-العائد: اسلوب ناجح في تحليل السياسات والبرامج العامة، مجلة جامعة الملك عبد العزيز، الاقتصاد والادارة، العدد 02، 2005.
  2. أحمد مصطفى الحسين، مدخل الى تحليل السياسات العامة.
  3. جيمس أندرسون، صنع السياسات العامة، ترجمة عامر الكبيسي.ط. 1998.
  4. حامد عبد حمد الدليمي، " إدارة الأزمات في بيئة العولمة".
  5. حسن طارق مبادئ ومقاربات في تقييم السياسات العمومية وتموقعها من خال دستور 2011. «الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان».
  6.  دانيا توانا وندى زهدي، "دليل إعداد أوراق السياسات العامة". ط. مارس 2014.
  7.  زينات موسى مسك "واقع إدارة الأزمات في مستشفيات القطاع العام العاملة في الضفة الغربية واستراتيجيات التعامل معها من وجهة نظر العاملين" رسالة ماجستير، إشراف الدكتور راتب الجعبري.
  8. فهمي خليفة الفهداوي، السياسة العامة منظور كلي في البنية والتحليل، ط 1. عمان: (دار المسيرة للنشر والتوزيع، 2001).
  9. محمد قاسم القريوتي، رسم وتنفيذ وتقييم وتحليل السياسة العامة. الكويت: رادمكين. ط. 2006.
  10. محمد نصر مهنا، النظرية السياسية والسياسة المقارنة. الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة .ط. 2009.
  11. مقدمة في تحليل ورسم السياسات العامة. مؤلف جماعي مركز هي للسياسات العامة.
  12. مهنا نصر، إدارة الأزمات والكوارث. دار الفتح، الإسكندرية، ط. 2008.
  13.  مؤلف جماعي، الدولة والقانون في زمن جائحة كورونا، الطبعة الأولى 2020.
المجلات والمقالات:
  1. آيت عبـد المالـك ناديـة، النظام القانوني لحقوق الإنسان في حالات الطوارئ في ظل القانون الدولي الاتفاقي مجلة صوت القانون، العدد الأول: أبريل 2014.
  2. د. محمد رشدي الملهوف، د. عواد اعبدون. مجلة العلوم الاجتماعية العدد التاسع حزيران يونيو 2019 "تحليل السياسات العمومية: من العلوم السياسية إلى سيسيولوجيا الفعل".
  3. مجلة العدالة والتنمية -العدد الثاني. السبت 11 أبريل 2020.
  4. مجلة العدالة والتنمية العدد الثامن. السبت 23 ماي 2020.
  5. مجلة العلوم القانونية. عدد خاص بكورونا. ع 51 / ماي 2020.
  6. المغرب في مواجهة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية رهانات وتوجهات السياسات العمومية. مركز الدراسات ires.
  7.  كمال الهشومي، «هذه المرجعيات الدستورية والقانونية لإعلان حالة الطوارئ الصحية" د: أستاذ باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري.
  8. كريم بطاش، "الحقوق والحريات أثناء حالة الطوارئ الصحية حالة المغرب"، موقع ملتقى الباحثين الشباب العربي.
  9.  أنس سعدون، "رأي حول احترام مبدأ الشرعية الجنائية في زمن "الطوارئ الصحية"} العدد 8964، جريدة بيان اليوم.
  10. رفيق عبد السلام، "كورونا تعيد طرح الأسئلة الكبرى" العربي الجديد.
النصوص القانونية:
  1. مرسوم ملكي رقم 554.65 بتاريخ 17 ربيع الأول 1387 (26 يونيو 1967) بمثابة قانون يتعلق بوجوب التصريح ببعض الأمراض واتخاد تدابير وقائية للقضاء على هذه الأمراض، ج ر عدد 2853، ص 1484.
  2. منشور بالجريدة الرسمية عدد: 2853 بتاريخ: 05 / 07 / 1967 الصفحة: 1483 .
  3. منشور بالجريدة الرسمية عدد: 2855 بتاريخ: 19 / 07 / 1967 الصفحة: 1608.
  4. قانون المالي رقم 70.19 لسنة المالية 2020، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 6838 مكرر بتاريخ 17 ربيع الآخر 1441 / 14دسمبر 2019. ص 11087.
  5. قانون المالي رقم 70.19 لسنة المالية 2020، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 6838 مكرر بتاريخ 17 ربيع الآخر 1441 / 14دسمبر 2019.
  6.  منشور بالجريدة الرسمية عدد: 6865 مكرر بتاريخ: 17 / 03 / 2020 صفحة: 1540.
  7. المنشور الوزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة رقم 1 / 2020. الصادر بتاريخ 16 مارس 2020.
  8. منشور بالجريدة الرسمية عدد 6867 مكر بتاريخ 24 / 03 / 2020، ص 1782 .
  9. منشور بالجريدة الرسمية عدد 6867 مكرر بتاريخ 24 / 03 / 2020، ص 1783.
  10. مشروع مرسوم بقانون رقم 2.20.320 المتعلق بتجاوز سقف التمويل الخارجي، الذي أحيل على المجلس النواب يوم الاثنين 6 أبريل 2020، فثمت المصادقة عليه وأحيل على المجلس المستشارين يوم الثلاثاء 7 أبريل 2020.
مواقع الإلكترونية:
الامانة العامة للحكومة http://www.sgg.gov.ma/arabe/Accueil.aspx
وزارة الاقتصاد والمالية واصلاح الاداري https://www.finances.gov.ma/ar/Pages/index.aspx.
موقع العلوم القانونية والاقتصادية بالمغرب .www.law-eco.com.
المحكمة الدستورية. https://www.cour-constitutionnelle.ma/a
 
 
الفهرس
المقدمة 3
فصل الأول: السياسات العمومية 10
المبحث الأول: الإطار العام لسياسات العمومية 10
المطلب الأول: مفهوم السياسات العمومية والفرق المفاهمي. 11
1 مفهوم السياسات العمومية: 11
2 المفارقة المفاهمية من خلال دستور المغربي 2011. 14
المطلب الثاني: خصائص السياسة العمومية وصانعوها 18
المبحث الثاني: رسم وتحليل السياسات العمومية 23
المطلب الأول: رسم السياسات العمومية 23
الفصل الثاني: السياسات العمومية في ظل الازمات.. 31
المبحث الأول: مفهوم وتدبير الأزمات. 31
المطلب الأول: مفهوم الأزمات. 31
المطلب الثاني: تدبير الأزمات. 33
أ( الإجراءات على المستوى الصحي: 47
ب‌) الإجراءات على المستوى الاجتماعي: 48
قائمة المصادر والمراجع 59
 
 
الهوامش
 ([1]- عبد الفتاح ياغي وعرب برف، نظريات السياسة العامة والتحليل العلمي. ص 30.
(2 مقدمة في تحليل ورسم السياسات العامة. مركز هي للسياسات العامة. ص33.
(3 نقلا عن ذ.رضا الهمادي. رئيس المرصد المغربي للسياسات العمومية. https://alhoriyatmaroc.yoo7.com/t1967-topic.
[4]) د. حامد عبد حمد الدليمي. " إدارة الأزمات في بيئة العولمة". ص28. .
[5] ) نفس المصدر.
[6]) فهمي خليفة الفهداوي، السياسة العامة منظور كلي في البنية والتحليل، ط 1.عمان: دار المسيرة للنشر والتوزيع، 2001. ص 27.
[7]) محمد رشدي الملهوف وعواد اعبدون، "تحليل السياسات العمومية: من العلوم السياسية إلى سيسيولوجيا الفعل". مجلة-العلوم-الاجتماعية-العدد-التاسع-حزيران-يونيو-2019.
[8] ) الفهداوي، السياسة العامة، ص19
[9] ) مقدمة في تحليل ورسم السياسات العامة. مركز هي للسياسات العامة. ص33.
[10] ) محمد رشدي الملهوف وعواد اعبدون، "تحليل السياسات العمومية: من العلوم السياسية إلى سيسيولوجيا الفعل". مجلة-العلوم-الاجتماعية-العدد-التاسع-حزيران-يونيو-2019.
[11] ) محمد نصر مهنا، النظرية السياسية والسياسة المقارنة. الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة 2009. ص 100.
[12] ) جيمس أندرسون، صنع السياسات العامة، ترجمه عامر الكبيسي 1998.ص 15.
[13] ) حسن طارق، مبادئ ومقاربات في تقييم السياسات العمومية وتموقعها من خلال دستور 2011. «الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان» ص 11.
[14] ) نفس المصدر. ص 13.
[15] ) محمد رشدي الملهوف وعواد اعبدون، "تحليل السياسات العمومية: من العلوم السياسية إلى سيسيولوجيا الفعل". مجلة-العلوم-الاجتماعية-العدد-التاسع-حزيران-يونيو-2019.
[16]  ) حسن طارق مبادئ ومقاربات في تقييم السياسات العمومية وتموقعها من خلال دستور 2011. «الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان» ص 13-12.
[17] ) المحكمة الدستورية. https://www.cour-constitutionnelle.ma/ar
[18] ) المحكمة الدستورية. https://www.cour-constitutionnelle.ma/ar.
[19] ) محمد قاسم القريوتي، رسم وتنفيذ وتقييم وتحليل السياسة العامة. الكويت: رادمكين 2006.  ص. 51.
[20] ) مقدمة في تحليل ورسم السياسات العامة. مركز هي للسياسات العامة. ص42/44.
[21] ) مقدمة في تحليل ورسم السياسات العامة. مركز هي للسياسات العامة. ص42/44.
[22] ) الفهداوي، السياسة العامة منظور.
[23] ) مقدمة في تحليل ورسم السياسات العامة. مركز هي للسياسات العامة. ص42/44.
[24] ) دانيا -توانا وندى زهدي، ورقة بحثية "دليل إعداد أوراق السياسات العامة". -مارس 2014.
[25] ) نفس المصدر.
[26] ) دانيا توانا وندى زهدي، ورقة بحثية " دليل إعداد أوراق السياسات العامة". .مارس 2014.
[27]  ) حسن طارق مبادئ ومقاربات في تقييم السياسات العمومية وتموقعها من خال دستور 2011. «الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان» ص 11.
[28] ) نفس المصدر.
[29]  ) نفس المصدر.
[30]) محمد نصر مهنا، النظرية السياسية والسياسة المقارنة. الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة 2009.
[31] ) محمد قاسم القريوتي ، رسم و تنفيذ و تقييم و تحليل السياسة العامة. الكويت: رادمكن.
[32] ) حسن طارق، مبادئ ومقاربات في تقييم السياسات العمومية وتموقعها من خال دستور 2011. «الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان» ص 12-14.
[33] ) محمد رشدي الملهوف وعواد اعبدون، "تحليل السياسات العمومية: من العلوم السياسية إلى سيسيولوجيا الفعل". مجلة-العلوم-الاجتماعية-العدد-التاسع-حزيران-يونيو-2019.
[34] ) احمد مداوس اليامي، تقنية تحليل التكلفة-العائد: اسلوب ناجح في تحليل السياسات والبرامج العامة، مجلة جامعة الملك عبد العزيز، الاقتصاد والادارة، العدد 02، 2005.
[35] ) مهنا، نصر، إدارة الأزمات والكوارث. دار الفتح، الإسكندرية، 2008، ص 5.
[36] ) مهنا، نصر، إدارة الأزمات والكوارث. دار الفتح، الإسكندرية، 2008، ص 5.
[37] ) مهنا، نصر، إدارة الأزمات والكوارث. دار الفتح، الإسكندرية، 2008، ص 12.
[38] ) زينات موسى مسك "واقع إدارة الأزمات في مستشفيات القطاع العام العاملة في الضفة الغربية واستراتيجيات التعامل معها من وجهة نظر العاملين" رسالة ماجستير. إشراف الدكتور راتب الجعبري. ص 10.
[39] ) زينات موسى مسك "واقع إدارة الأزمات في مستشفيات القطاع العام العاملة في الضفة الغربية واستراتيجيات التعامل معها من وجهة نظر العاملين" رسالة ماجستير. إشراف الدكتور راتب الجعبري. ص 12.
[40] ) مهنا، نصر، إدارة الأزمات والكوارث. دار الفتح، الإسكندرية، 2008، ص 4.
[41] ) مجلة العدالة والتنمية -العدد الثاني.
[42] ) نفس المصدر.
[43] ) تعرف "حالة الطوارئ الصحية حسب اللوائح الصحية الدولية على أنها "حدث غير عادي يشكل خطرا على الصحة العامة بالنسبة للدول الأخرى من خلال الانتشار الدولي للمرض، وبما يتطلب استجابة دولية منسقة ".
[44] ) كريم بطاش، مقال: الحقوق والحريات أثناء حالة الطوارئ الصحية حالة المغرب. موقع ملتقى الباحثين الشباب العربي.
[45] ) منشور بالجريدة الرسمية عدد 6867 مكر بتاريخ 24 / 03 / 2020، ص 1782 .
 منشور بالجريدة الرسمية عدد 6867 مكرر بتاريخ 24 / 03 / 2020، ص 1783.
[46] ) منشور بالجريدة الرسمية عدد: 2853 بتاريخ: 05 / 07 / 1967 الصفحة: 1483 .
    منشور بالجريدة الرسمية عدد: 2855 بتاريخ: 19 / 07 / 1967 الصفحة: 1608.
[47] ) د. أنس سعدون، مقال {رأي حول احترام مبدأ الشرعية الجنائية في زمن "الطوارئ الصحية"} جريدة بيان اليوم. العدد 8964.
* دكتور في القانون وعضو نادي قضاة المغرب، وعضو المرصد الوطني لاستقلال السلطة القضائية.
[48] ) د. أنس سعدون، مقال {رأي حول احترام مبدأ الشرعية الجنائية في زمن "الطوارئ الصحية"} جريدة بيان اليوم. العدد 8964.
[49] ) نفس المصدر.
[50] ) د. أنس سعدون، مقال {رأي حول احترام مبدأ الشرعية الجنائية في زمن "الطوارئ الصحية"} جريدة بيان اليوم. العدد 8964.
[51] ) نفس المصدر.
[52] ) كمال الهشومي، «هذه المرجعيات الدستورية والقانونية لإعلان حالة الطوارئ الصحية" د: أستاذ باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري.
[53] ) آيت عبـد المالـك ناديـة، النظام القانوني لحقوق الإنسان في حالات الطوارئ في ظل القانون الدولي الاتفاقي مجلة صوت القانون، العدد الأول: أبريل 2014، ص 65.
[54] ) نفس المصدر.
[55] ) كريم بطاش، مقال: الحقوق والحريات أثناء حالة الطوارئ الصحية حالة المغرب. موقع ملتقى الباحثين الشباب العربي.
[56] ) نفس المصدر.
[57] ) آيت عبـد المالـك ناديـة، النظام القانوني لحقوق الإنسان في حالات الطوارئ في ظل القانون الدولي الاتفاقي مجلة صوت القانون، العدد الأول: أبريل 2014، ص 65.
[58] ) كمال الهشومي، «هذه المرجعيات الدستورية والقانونية لإعلان حالة الطوارئ الصحية" د: أستاذ باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري.
[59] ) مرسوم رقم: 2 -20 -269 الصادر بتاريخ: 16 / 03 / 2020. يحمل اسم "الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا "كوفيد-19. بعد المصادقة عليه من لدن مجلس استثنائي للحكومة بتاريخ 16 مارس 2020.
[60] ) مشروع مرسوم بقانون رقم 2.20.320 المتعلق بتجاوز سقف التمويل الخارجي، الذي أحيل على المجلس النواب يوم الاثنين 6 أبريل 2020، فثمت المصادقة عليه وأحيل على المجلس المستشارين يوم الثلاثاء 7 أبريل 2020.
[61] ) قانون المالي رقم 70.19 لسنة المالية 2020، الصادر بالجرادة الرسمية عدد 6838 مكرر بتاريخ 17 ربيع الآخر 1441 / 14دسمبر 2019. ص 11087.
[62] ) المنشور الوزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة رقم 1 / 2020. الصادر بتاريخ 16 مارس 2020.
[63] ) مجلة العدالة والتنمية -العدد الثاني.
[64] ) مجلة العدالة والتنمية -العدد الثاني.
[65] ) مجلة العدالة والتنمية -العدد الثاني.
[66] ) مجلة العدالة والتنمية، الالكترونية. العدد الثاني.
[67] ) رفيق عبد السلام، مقال: كورونا تعيد طرح الأسئلة الكبرى" العربي الجديد.
[68] ) قانون المالي رقم 70.19 لسنة المالية 2020، الصادر بالجرادة الرسمية عدد 6838 مكرر بتاريخ 17 ربيع الآخر 1441 / 14دسمبر 2019.
[69] ) وزارة الاقتصاد والمالية واصلاح الاداري. https://www.finances.gov.ma/ar/Pages/index.aspx.
[70] ) محمد زين الدين. مقال.
[71] ) نجيب أقصبي. ندوة نظمتها جمعية التنمية والمواطنة بمراكش حول موضوع "كوفيد-19. إصلاحات شجاعة للخروج من الأزمة".



الاربعاء 29 ماي 2024

تعليق جديد
Twitter