Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



النيـابـة العامّـة و السلطـة التنفيذيّـة


     


محفوظ أبي يعلا
مجاز في القانون الخاص
الكلية المتعددة التّخصصات
تطوان مارتيل



النيـابـة العامّـة و السلطـة التنفيذيّـة


 مقدمـّة:

    النيابـة العامـّة هــي تـلــك الهيـئة الّتـي تـدافع عـــن  الحـقّ العـام . و هــي هيئـة قضائيّـة , أي أنّهــا تتشكـل من قضـاة , و لـذلك , فهـي تسمّى أيضـاً بالقضـاء الواقـف , تميزاً عن قضـاة الأحكام , الّذين يندرجـون ضمـن القضـاء الجالـس .
  
   و أمّـا السلطـة التنفيذيّـة فهي تلك الجهـة المخولـة بتنفيذ سياسـات البلاد .  بمعنّـى أنـّها الحكومّـة الّتي تتشكـل من مجمـوعة من الوزراء  .
 
   و مـن النّاحيّـة التّـاريخيّـة فـإن مؤسسّـة النيابـة الـعامّـة ذات أصل فرنسي . فارهاصاتها الأولـى ظهرت في فرنسا و كانت علـى شـكل محاميـن متخصصيـن كانـوا يدافعـون عن مصالـح الملـك أمام المحاكم (1) .
 
   و قد تطورت هـذه المؤسسّـة لتصبـح على ما هي عليـه الآن , باعتبـارها هيئـة قضائيّـة لها دور مهـم في الدفـاع عن الحقّ العـام . كمـا أنّها أصبحت تمثـل السلطـة التنفيذيّـة أمام المحاكـم .
و هنا  يتجلّـى اشكـال كبير يتأسس على السّؤال التّالي : كيف نقول أن القضـاء هيئة مستقلـة و في ذات الوقت نجد أن قضـاة النيابة العامّـة يمثلون السلطة التنفيذيّـة؟
 
   إنه , و للإجابة على هـذا السّؤال حريٌ بنا أن نتـناول موضـوع الوضعيّـة القانونيّـة للنيابة العامّـة  ( المبحث الثانيّ )  و قبـل ذلك, لا بأس فـي أن نتطرق لما جاء في الدّستـور المغربـي حول استقلال القضاء ( المبحث الأوّل ) .
 
   المبحث الأول : استقلال القضاء في الدستور
 
   تناول الدستور المغربيّ في بابـه السابـع موضـوع السلطة القضائيّـة و ذلك من خـلال  الفصـل 107 إلى الفصـل 128 . و ركز في هذا الباب على مواضيع ثلاثـة أساسيّـة هي :
 
أ ـ استقلال القضـاء
ب ـ المجلس الأعلى للسلطة القضائيّة
ج ـ   حقوق المتقاضيـن و قـواعد سيـر العـدالة
 
   و حول الموضـوع الّذي يعنينا و هو استقـلال القضاء فإننا نجد أن الفصل 107 من الدّستـــــور ينص على الآتي : " السلطة القضائيّة مستقلة عن السلطة التّشريعيّة و عن السلطـة التنفيذيّـة "(2). 
   بيـد أننا في الفصـل 110 نلاحـظ أن المشرع ينـص علـى  التزام النيابة العامّـة بالتعليمات الكتابيــة القانونيّة الصادرة عن السلطة الّتـي يتبعون لها . و نجد الوثيقـة الدسـتورية  في الفصل 116 تنص على ما يلي  : " يراعي المجلس الأعلـى للسلطـة القضائيّـة , في القضـايا الّتي تهم قضـاة النيابـة العامّـة , تقاريـر التقييـم المقدمّـة من قبـل السلطـة الّتي يتبعون لهـا " (3) .
 
   ترتيـباً على ما تقـدم  نستنـتج  أن الوثيقـة الدّستورية تنص على استقلال القضـاء , ثم نجـد أن النيابـة العامّـة , رغم أنّها تتكون من قضـاة ,   تابـعة لسلطـة أخـرى . فهـل الأمر متعلـق بطبيعـة الوضعيّـة  القانونيّـة للنيـابـة العامّـة؟
 
   المبحث الثاني : الوضعيّة القانونيّـة للنيـابة العامّـة
 
   ان الوضعيّـة القانونيّـة للنيابـة العامّـة , كما يـرى الفقـهاء , تأتي من ميزتين .  الأولـى تتمثـل في كون النيابـة العامّـة تمثـل السلطـة التنفيّذيّـة . و  الثانيّـة تكمن في أن النيابـة العامّـة تعتبـر طرفـاً أصليـاً في الدعـوى الجنائيّـة . و ما يهمنـا هنا  هو الميزة الأولى . أي كون القضـاء الواقف يمثـل السلطـة التنفيذيّـة أمام المحاكـم .
 
   انـه من الجديـر بالذكر أن هـذه الميزة خلقت الكثيـر من النقـاش الفقهي . فهنـاك من الفقـهاء مـن ظـلّ يربــط مؤسسّـة النيابـة العامّـة بالسلطـة القضـائيّـة . و هنـاك من ربـــط بين النيابـة العامّـة و السلطـة التنفيذيّـة ربطاً مبـاشراً (4) .
 
   و القول أن جهـاز النيابـة العامّـة يمثـل السلطـة التنفيذيّـة يعنّي أن هـذا الجهاز يخضـع للسلـم الإداري أو لنقـل أنّه خاضـع للسلطـة الرئاسيّـة  , و أنّه موحد أي أنه بجميع أفراده  شخص واحد , و أنّـه مستقـل أيضاً . فكيـف ذلك؟ كيـف يكون مستقلاً مع أنـه خاضـع لسلطـة أخرى؟
 
   ان استقـلال النيـابة العامّـة يظهـر في علاقتـها مع قضـاة الحكـم و قضـاء التحـقيـق و مـع المتضـرر , و ليس مع السلطـة التنفيذيّـة . فالنيابـة العامّـة مادامت خاضعـة للسلطة التنفيذيـّة , و خاضعـة للسلـم الاداري فإنّ رئيســها الأعلـى يظـلّ هـو وزيـر العـدل  الّذي يمثـل السلطـة التنفيذيّـة , و يمثـل أعلـى سلم اداري داخـل وزارة العـدل .
 
خاتمـة  
 
    يتبين لنا , اذن ,  أن القضـاء في شقـه المتعلـق بالنيـابة العامّـة  ليـس مستقـلاً , بل تابعاً للسلطـة التنفيـذيّـة  .
 
   و لا يفوتنـي أن أسجـل في خاتمـة هذا الموضـوع  ملاحظتين جوهريتين :
 
    الأولى : ان التركيـز على طبيعيـة عمـل النيابـة العامّـة يجعلنـا نتفهـم عـدم استقلاليـتها عن السلطـة التنفيذيّـة  فالمصلحـة تقتضي خضـوع النيابة العامّـة لهـذه السلطـة  . ثمّ ان  هـذا الجهـاز لا يصـدر أحكامـاً . و بالتّالي , فإن عدم استقلاليتـه لن يؤثـر على السلطـة القضائيّـة .
 
   الثانيّـة : يبقى  الاشكـال , حسب رأيي , ليس في خضـوع النيابـة عامّـة لسلطـة أخرى , و انّـما خضوعـها لأشخاص ليسـوا بقضاة . اذ كيف يكون رئيس النيابة العامّـة  وزيراً مسيساً  ذا حمولـة اديولوجيّـة معينـة , و يمارس العمل السيـاسيّ بجميـع مشاحناتـه و توتراته , مع أن الدّستور ينص على منع القضاة من الانخراط في الأحزاب السياسيّة (5) , فكيف يمنع القضاة ,  و خصوصاً  قضاة النيابة العامّة , من التوجـه الحزبي ,  في حين أن رأيسهم منتمي حزبياً؟ (6)
 
   هوامش :
   1 ـ محمد عياط , دراسة في المسطرة الجنائيّة المغربيّة , الجزء الأول , ص : 66
   2 ـ الجريدة الرسميّة , السنة  المائة , عدد 5952
   3 ـ الجريدة الرسميّة , السنة المائة , عدد 5952  
   4 ـ محمد عياط , مرجع سابق , ص : 70 و 71  
   5 ـ الفصل 111  من الدّستور المغربيّ
   6 ـ حذفت وزارة العدل في بعض الدول الانجلوساكسونيّة . و أشرف في بعض الدول على شؤون القضاة رئيس محكمة النقض أو قاض سامي .

الجمعة 22 مارس 2013


عناوين أخرى
< >

الاحد 26 ماي 2019 - 14:10 القاضي الإداري يحكم ولا يدير


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter