Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




النفقة بين الشرع والقانون


     



من إنجاز ذ زلماط فؤاد
دكتور في الحقوق



النفقة بين الشرع والقانون
 
تجب نفقة الزوجة على الزوج وثبت الوجوب بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول : بالنسبة للقرآن الكريم :

 قوله تعالى : "وعلى المولود رزقهن وكسوتهن بالمعروف"

وجه الدلالة :

دلت الآية على وجوب النفقة للزوجة على الزوج بالمعروف وذلك بقدر استطاعته على النفقة.

 أما السنة :

– روي عن جابر بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في خطبته في حجة الوداع فقال : <<اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف>>.
– عن أبي هريرة  رضي الله عنه قال : أمر النبي صلى الله عليه وسلم  بالصدقة فقال : رجل يا رسول الله عندي دينار فقال : <<تصدق به على نفسك، قال : عندي آخر،   قال : تصدق به على ولدك، قال : عندي آخر، قال : تصدق به على زوجتك، قال : عندي آخر، قال : تصدق به على خادمك، قال : عندي آخر قال أنت أبصر>>.

ومن الإجماع :

أجمع الفقهاء على وجوب الفقه، والكسوة للزوجة على زوجها.
 أما فيما يخص المعقول :
أن الزوجة محبوسة للزوج بعقد النكاح، فيمنعها من التصرف والاكتساب، والنفقة تجب للاحتباس، فمن كان محبوسا بحق شخص وجبت النفقة عليه لعدم تفريغه لحاجة نفسه.
إذا فالمرأة إذا كانت زوجة تجب نفقتها على زوجها وتعتبر نفقتها في هذه الحالة موردا من موارد تملكها للمال.
  
ويشترط لوجوب نفقة الزوجة على زوجها ما يلي:

الزواج الصحيح : فالزواج الفاسد لا تجب فيه نفقة لأن العقد الفاسد يجب فسخه، ولا يجوز التمكين فيه حتى وإن سلمت نفسها فلا يصح، لسقوط سبب وجوب النفقة، بحبس الزوجة للزوج.
تسليم نفسها إلى زوجها وتمكينه منها تمكينا تاما بالتسليم الحقيقي : بأن تخلي بين نفسها وبين زوجها برفع المانع من وطئها أو الاستمتاع بها حقيقة.
وإذا طلبها الزوج للنقلة ورفضت بمسوغ شرعي، كعدم استيفائها معجل مهرها، فلها النفقة، لأنه لا يجب التسليم قبل استيفاء العاجل من مهرها، أو عدم وجود مسكن شرعي، كطلبه بانتقالها في دار مغصوبة فلا تسقط نفقتها.
أن تكون الزوجة صالحة للاستمتاع وتحتمل الوطء : وذلك بأن تكون كبيرة       أو صغيرة مشتهاة يمكن وطأها لأن الصغيرة التي يجامع مثلها فهي كالبالغ في النفقة.
فالنفقة هي المقدار الذي يلزم من المال من أجل مستحق لها لكي يعيش عيشة لائقة وهي تشمل الطعام والكسوة والسكن والتطبيب والتعليم.
وهذه النفقة إما نفقة زوجية، وإما نفقة معتدة، وإما نفقة قرابة. فيما يخص نفقة الزوجية فهي تنشأ نتيجة لعقد الزواج وهو ملقى أساسا على عاتق رب العائلة، وموضوع النفقة لا يطرح أثناء قيام الحياة الزوجية الهادئة المستمرة، لكنه يصبح واردا عند نشوب خلاف بين الزوجين والنفقة الزوجية تقدر بحسب حال الزوجين يسرا وعسرا
ويمكن تقدير النفقة وفقا للعناصر التالية :

1 – يسر الملزم بها، أي حالته المالية، عمله، ماله الظاهر والمستتر، عمله أو حرفته      أو تجارته إذا كان تاجرا، أعباؤه المالية من حيث الإنفاق، كأن ينفق على زوجة أخرى أو على والديه.
2 – حالة مستحقيها من حيث الغنى والفقر ودرجتهما.
3 – عادة أهل البلد، معرفة عادات وتقاليد أهل البلد، والوقوف على خصوصية المنطقة.
4 – حال الوقت والأسعار، أي الانتباه إلى تزايد الأسعار في كل ما يتعلق بمشمولات النفقة مع اعتبار المتوسط.

وحسب الفصل 189 من مدونة الأسرة فالنفقة تشمل :

1 – الغذاء.
2 – العلاج.
3 – الكسوة.
4 – ما يعتبر من الضروريات حسب ظروف المكان والزمان.
5 – التعليم للأولاد.

والظاهر أن هذه العناصر قد وردت على سبيل المثال لا الحصر، بدليل أن المشرع نفسه قد قرر أنه يمكن أن يضاف إليها ما يعتبر من الضروريات في عرف الناس وعاداتهم، مع العلم أن ما يعتبر من الضروريات من مسائل الواقع التي تستقل بتقديرها قضاة الموضوع.

وقد ورد في هذه المسألة( أي مشتملات النفقة) في كتاب نوازل الشيخ العلمي مايلي :

<<سئل الفقيه الأستاذ سيدي الحسن بن علي بن خجو عن امرأة أنفقت على يتيمين لها من مالها، كم مقدار النفقة ؟ وكيف قدرها أهل العلم ؟
فأجاب : إن الذي نحا أهل العلم في تقدير نفقات الزوجات أن المعتبر حال الزوجين وحال بلدهما، وحال زمانهما وسعرهما، والمعتبر من الزرع الصنف الذي يجري بينهما ببلدهما قمحا  أو شعيرا أو ذرة، ويفرض للمرضع ما يقوم بها في حال رضاعها، قال اللخمي : روى محمد أنه يفرض للمرضع في اليوم مد وثلث، وقيل : مد ونصف، وقيل : لا تقدير لأن أحوال الناس تختلف. وقد جرى العمل عند بعض أهل العلم بخمسة عشر صاعا في الشهر مع ما يحتاج إليه من الإدام والحطب واللحم، فيقوم ذلك أهل المعرفة على قدر غلاء السعر وضده، فإن كانت البنتان اليتيمتان يكفيهما خمسة عشر صاعا في الشهر أو أكثر أو أقل قوم ذلك ويزاد أجرة الصحن وغسل الثياب والحطب والعجن والخبز، ويزاد قيمة لباسهما في الشتاء والصيف وفرشهما وسائر المؤن يقدر ذلك أهل النظر العارفون بقيمة ذلك والله أعلم.

قلت : قال في المختصر : فيفرض الماء والزيت والحطب والماء واللحم المرة بعد المرة، وحصير وسرير احتيج له، وأجرة قابلة، وزينة تتضرر بتركها ككحل ودهن معتادين وحناء ومشط، وإخدام أهله وإن بكراء، وإلا فعليها الخدمة الباطنة كعجن وكنس وفرش بخلاف الغزل والنسج هـ ونحوه لابن الحاجب قال : قدر مالك المد في اليوم وقدر ابن القاسم ويبتين ونصفا في الشهر إلى ثلاثة لأن مالكا بالمدينة وابن القاسم بمصر. قال : وإن أكل الناس الشعير أكلته، ضيح : والمراد بالمد هنا الهاشمي، وهو منسوب إلى هشام بن عبد الملك، وفي الويبة اثنان وعشرون مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي المد الهاشمي مد وثلثان بمد النبي صلى الله عليه وسلم. ابن الحاجب : ولا يفوض مثل السمن والعسل والحلوى والفاكهة، ويفرض الخل وعدم فرض السمن مقيد ببلد ليس أكله عرفا، ثم قال ابن الحاجب : وأمر الكسوة كذلك. ضيح : أي فيعتبر في جنسها وقدرها حالها وحاله في النفقة ويعتبر أيضا الزمان والمكان مما يصلح للشتاء والصيف، من قميص وجبة وخمار وملحفة وإزار وشبهه مما لا غناء عنه، وغطاء ووطاء ووسادة وسرير إن احتيج إليه لعقاريب أو براغيث   أو فيران هـ قال في الطرر : وإذا فرض القاضي للمرأة النفقة زاد في الرخاء على ربعين، وينقص في الغلاء المفرط عن ربعين، وفي مفيد ابن هشام : والنفقة في الجودة والدناءة، والقلة والكثرة على قدر شأن الزوجين ويسرهما.

ابن سلمون : والحاكم مخير بين أن يأخذ الزوج بما يفرض عليه بعينه أو بثمنه وقال بعض المتأخرين : له أن يعطيها جميع لوازمها ثمنا إلا الطعام ففيه قولان، والقادر بالكسب كالقادر بالمال ولا يجبر على العمل هـ ونقلت من خط والدي رحمه الله – ناقلا من خط ابن عرضون نسخة جواب من عند فرضي فاس : جرى العمل بفاس أن نفقة البالغ الغني – ربعان من الدقيق، وربعان ونصف من الفحم، ورطلان ونصف لكل واحد من السمن والزيت والصابون، ونصف أوقية للضروريات، ويجعل ذلك دراهم>>.

هذا وينبغي التنويه أن التمدرس وإن كان من مشتملات النفقة فلا ينبغي المغالاة في مصاريفه بقصد الإضرار بالأب وذلك بتسجيل الأبناء بمدارس ذات المشاهرات الباهضة التكاليف دون رضاه.
وهذا ما أكدته محكمة النقض حين ذهبت إلى مايلي :

<<... حيث صح ما عابه الطاعن على القرار المطعون فيه ذلك أنه طبقا لمقتضيات المادة 189 من مدونة الأسرة فإن النفقة تشمل الغذاء والكسوة والعلاج وما يعتبر من الضروريات والتعليم للأولاد، والثابت من أوراق الملف وخاصة محضر البحث الذي أجرته المحكمة بتاريخ 27/04/2006 أن أجر الطاعن هو 7000 درهم شهريا يؤدي نفقة المحضون بحساب 700 درهم شهريا وأن المطلوبة تعمل مهندسة إعلامية بثانوية ديكارت وتتقاضى 900 أورو شهريا وأنها هي التي قامت بعد طلاقها من الطاعن بتسجيل محضونتها بمدرسة ديكارت بمشاهرة قدرها 3000 درهم بقرار منفرد وبدون موافقة الطاعن والمحكمة لما قضت على الطاعن بأدائه مصاريف غير ملزم بها ولم يوافق عليها تكون قد حرقت مقتضيات المادة 189 من مدونة الأسرة التي تجعل مصاريف التمدرس ضمن مشتملات النفقة وبنت قرارها على غير أساس، مما يعرض قرارها للنقض>>.
 
وتعتبر مسألة تقدير النفقة من المشاكل التي يواجهها القضاء نظرا لتعلقها بالوضع المعيش للزوجين، إذ يجب على الزوج أن يمكن المنفق عليها من نفقة كافية تضمن لها العيش بدون أن يحرم الطرف المنفق من مصدر عيشه، ونظرا لارتباط النفقة بالواقع الاجتماعي والواقع الاقتصادي وبحكم هذا الواقع في تغير مستمر فإن المشرع لم يحدد معيارا معينا للنفقة، وإنما ترك ذلك للسلطة التقديرية للقاضي كلما توفرت لهذا الأخير العناصر الكفيلة لتقدير النفقة.

هذا وللمحكمة أن تستعين في تقدير النفقة بالخبرة وذاك حسب ما تقضي به المادة 190 من مدونة الأسرة والتي تنص على مايلي : <<تعتمد المحكمة في تقدير النفقة على تصريحات الطرفين وحججهما... ولها أن تستعين بالخبراء في ذلك>>.

غير أن استعانة المحكمة بالخبراء في تقدير النفقة يبقى محل نظر وفي ذلك يقول الأستاذ عبد المجيد غميجة : <<أعتقد أن ما خوله الفصل 106 من المدونة بعد تعديله بشأن الاستعانة بالخبرة عند تقدير النفقة، لا يعني أنه يتعين اللجوء إلى الخبرة في كل قضية تتعلق بالنفقة، لأن توفر محكمة الموضوع على المسوغات التي تخولها الوقوف على الحالة المادية للزوج و الحالة الاجتماعية للزوجة كاف لتأسيس تقديرها للنفقة. وأن تقرير الاستعانة بالخبير لا يسلب القاضي سلطته التقديرية في الموضوع لأن المبادئ العامة في الخبرة هو أن القاضي خبير الخبراء، و لا تعني عبارة "ويسند تقديرها لمن يعينه القاضي" الواردة في الفصل 119 من المدونة الملغاة أن القاضي لم يبق له دور بشأن تقدير النفقة، وعلى ذلك لا يلجأ للخبرة إلا في حالات يتعذر معه الوقوف على حقيقة وضع الزوجين كحالة الادعاء تملك الزوج لأموال أو عقارات ثم تغييبها عن نظر المحكمة. ولقد أظهرت أيام التطبيق القصيرة لتعديل الفصل 119 المذكور أن المحاكم لا تلجأ مباشرة إلى الخبرة للقضاء بالنفقة. وإلا لتراكمت الملفات المتعلقة بهذا الموضوع أمام القضاء وتعذر الفصل فيها، خاصة وأن نفس الفصل المذكور ينص على أنه : "يفصل فيها بشكل استعجالي" وهو ما لا يتحقق عند الأمر بإجراءات الخبرة عموما>>.

ولأن النفقة طابعا معيشا، فقد أوجب المشرع المغربي من خلال الفصل 179 مكرر من قانون المسطرة المدنية الفصل فيها بشكل استعجالي، غير أن إعمال مبادئ العقل والمنطق القانوني السليم، إن الأمر لا يتعلق بالاستعجال في مفهومه الفني وإنما بالحكم في الدعوى بسرعة، مادام أن القاضي ملزم بالحسم في النفقة المستحقة للزوجة والأولاد بسرعة.

وبالنسبة لخدمة الزوجة، فإن الزوج إذا كان موسرا، وزوجته ممن يخدمون تجب عليه أجرة خادم لها، لأنه يكون من نفقتها، إذ الخادم لازم لها في هذه الحال، وهو قادر على أجرته، لاسيما إذا كان للزوجة أولاد، ولا يجب على الزوج الموسر أكثر من خادم واحد في رأي أبي حنيفة ومحمد، لأن الخادم الواحد فيه الكفاية.

إن مبلغ النفقة كدين في ذمة الزوج لصالح الزوجة لا يسقط أبدا بالتقادم وهذا الحكم أجمع عليه المالكية والشافعية والحنابلة حيث إن النفقة عندهم لا تسقط إلا بالأداء أو بالإيراد   أو بوفاة الزوج وهذا ما نصت عليه المادة 195 من مدونة الأسرة عندما نصت على أنه : <<يحكم للزوجة بالنفقة من تاريخ إمساك الزوج عن الإنفاق الواجب عليه ولا تسقط بمضي المدة>> أي أن النفقة كدين عالق بذمة الزوج لا يطالبه التقادم المسقط أبدا، وتعتبر النفقة دينا ممتازا وتظهر أهمية هذا الامتياز عندما يتزاحم دين النفقة مع ديون أخرى مترتبة في ذمة الزوج بعد وفاته أو في حالة تصفية أمواله.

وفي حال قيام النزاع بين الزوجين حول الإنفاق فقول قول الزوجة بيمينها في إدعائها عدم الإنفاق إذ لم تكن ببيت الزوجية، والقول قول الزوج في ادعائه الإنفاق إذا كانت الزوجة في حوزه.
وهذا ما أكدته محكمة النقض في أحد قراراتها:

<<... حيث صح ما نعته الوسيلة، ذلك أنه، طبقا لما هو مقرر فقها إذا كان النزاع يتعلق بالنفقة بين الزوجين ولا دليل لأحدهما فإن القول قول الزوجة بيمينها في ادعائها عدم الإنفاق إذا لم تكن بيت الزوجية والقول قول الزوج في ادعائه الإنفاق إذا كانت الزوجة في حوزه والمحكمة لما قضت بيمين الطالبة عن الفترة السابقة على الطلاق دون أن تبرز في قرارها العناصر الواقعية المتمثلة في وجود الزوجة أو عدم وجودها بيت الزوجية بما تقتضيه القاعدة المذكورة تكون قد جعلت قضائها منعدم التعليل ومعرضا للنقض>>.
 

الثلاثاء 11 سبتمبر 2012
7660 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter