Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



الملكية بالمغرب بين ثقل الماضي وتحديات الحاضر


     



د. محمد لكموش
باحث في العلوم السياسية



الملكية بالمغرب بين ثقل الماضي وتحديات  الحاضر
مقدمة

إن المتتبع للمسار السياسي المغربي، مند نشأة الحركة الوطنية وإلى حدود مشارف الألفية الثالثة لابد أن تستوقفه محطات تجعله يقف عندها مليا للتعمق ولاستجلاء مظاهر النجاح ومكامن الضعف والإخفاء، وأحيانا لطرح أكثر من استفهام وسؤال.
لكن هذه المحطات التي تحدثت عنها قد تختلف من وجهة نظر كل باحث إلا أننا قد لا نختلف في أبرزها، أو التي شكلت منعطفا حاسما. ومن هنا فإنني سأقف بالتحليل لبعض الظواهر التي لن أبالغ بأنها أدخلتنا فيما يسمى بالعودة إلى الصفر، أشبه ما يسمى بالفعل التكراري للحدث، الراجع إلى فشل المشروع المجتمعي التحديثي الذي كان ملقا على عاتق النخبة السياسية وكذا الطبقة "البورجوازية". هذا ما جعل -عبد السلام حيمر- يطرح سؤالا : ألا يمكن أن يوجد من زاوية التحليل البعيد الأمد، أي تأثير لحركات الإسلام السياسي في الإسراع بوتيرة التحديث وفق منطق مكر التاريخ حسب فكرة هيغل .
وفي عمق هذه التحولات كلها تبرز المؤسسة الملكية التي تلعب دور التوازن بين كل التيارات والاتجاهات، إنها في موقع مركزي تجعلها أحيانا توزع الأدوار وأحيانا تلعب دور التحكيم في حالة التأزم بين الأطراف الفاعلة في المجتمع السياسي. هكذا استطاعت أن تضمن لنفسها الاستمرارية في التاريخ لتعدد المرجعيات التي تشتغل بها، وكذا دورها الريادي في حمل مشروع الإصلاح.

أولا : بداية بناء الدولة الوطنية : من كونية المفهوم إلى خصوصية النموذج

مما لاشك فيه أن الدولة الحالية هي محصلة تطورات تاريخية تعود إلى صدمة الحداثة الأوروبية في القرن الماضي، نتيجة تراكم مكونات المخزن القديم ومكونات موروثة من المرحلة الكولونيالية، هذا في سيرورة علاقة الدولة بالمجتمع وتطور بعد ذلك إلى علاقة المخزن بالحركة الوطنية التي كانت تحمل مشروعا مجتمعيا، هذا المجتمع الذي بدأ يؤطر تنظيمات سياسية متقدمة تعبر عن مظاهر عصرنة المجتمع، متجاوزا المؤسسات التقليدية للقرن 19 من زوايا وقبائل والتي كانت البادية هي الفضاء البارز لهذه التشكيلات السياسية، وإن كانت هذه المؤسسات مازالت حاضرة في الوعي المجتمعي ولم يتجاوزها، لكونها في نظره تشكل له امتداد وتكاملا معه، بل وأحيانا غير قادر على الارتماء الكامل في حداثة غربية بمنظومتها الشمولية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.
إلا أن مفهوم الدولة الأمة هذا الذي تجدر منذ غادر الاستعمار العالم الإسلامي، إلا وأصبح هذا المفهوم يتدعم هنا وهناك، منها اتفاقيات لرسم الحدود، تنظيم احتكار الحقل السياسي، إصدار القوانين. بل وسواء كانت محاولة بناء الدولة الحديثة تقليدا اختياريا من الداخل، أم فرضا أجنبيا من الخارج فهي مقطوعة الصلة بالإرث التاريخي الاجتماعي والثقافي لمجتمعنا، لأنها لا يمكن أن تفضي في ظل استمرارية التبعية للنظام الرأسمالي العالمي، إلا إلى هيكل تسلطي مشوه في مجتمع غير مستقر سياسيا واجتماعيا ، وإذا كان المغرب لا يشكل استثناءا من دول العالم العربي الإسلامي الذي خضع للاستعمار الأجنبي، إلا أنه استطاع بفضل التحام الحركة الوطنية بالسلطان تحقيق مطلب الاستقلال مع حفظ ماء وجه الاستعمار في مفاوضات لاسل سان كلود في 6 نوفمبر 1955، وفيه أعلن السلطان قبوله لقرارات مجلس الوزراء الفرنسي الصادرة في يوم 5 نوفمبر وهي تشمل المبادئ التالية :
1. منح مجلس الوصاية السلطة الكاملة لإدارة شؤون الإمبراطورية الشريفية.
2. تأليف مجلس وزراء يمثل جميع الاتجاهات السياسية في مراكش، وكان مقصود فرنسا بهذه العبارة هو إشراك الإقطاعيين والقواد الذين يسيرون في ركابها في مجلس الوزراء.
3. استئناف المفاوضات مع فرنسا لتحديد وضع مراكش كدولة مستقلة مرتبطة بفرنسا برباط دائم من التعاون المتبادل L’indépendance dans l’interdépendance وذلك دون تدخل من طرف ثالث.
4. النص على إقامة ملكية دستورية، طبقا لرغبة الملك .
ومع تحقيق مطلب الاستقلال، كان على الدولة أن تعيد بناء الحياة السياسية بإقرار تعددية سياسية، وكذا على مستوى المجال الاقتصادي، خاصة توزيع الأراضي الفلاحية من جراء خروج المعمرين وكذا ظهور مشكل نقص الأطر الوطنية في كافة المجالات سواء )القضاء، التعليم، الإدارة، الجيش( إلا أنه رغم كل ذلك فقد خاض في بناء المجال الاقتصادي لما له من انعكاس على كافة القطاعات.

ثانيا : من الدولة المتدخلة إلى الدولة الحارسة

لقد تحملت الدولة على عاتقها إبان الاستقلال مسؤولية التنمية الاقتصادية، باعتبارها الراعي وهذا ما يعبر عنه ادريس بنعلي من خلال محاولة المخزن أن يتملك صفة الضامن الدنيوي للمجتمع بإلحاقه البنية الاقتصادية به، معتبرا إياها كإشكالية إجتماعية جديدة ومشروعة، من هنا تبدو الدولة العنصر الوحيد القادر على بلورة أهداف شمولية.
ولقد تم ذلك نظرا للمشكلة التي واجهها المغرب من جراء هروب رؤوس الأموال الأجنبية، بسبب توترات سياسية، خوفا من سياسة التأميم، وأمام ضعف البورجوازية الوطنية اضطرت الدولة للحلول محل البورجوازية الفرنسية في أهم القطاعات الاقتصادية، خاصة الحيوية منها )المكتب الوطني للسكك الحديدية، مكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية، البنك الوطني الليبرالي الاقتصادي(. ولابد من الإشارة إلى أن هذا الإجراء لا يشكل تناقضا مع الاختيار اللييبرالي للدولة في دستورها، لأنه كان أمرا مألوفا حتى بالنسبة للدول الرأسمالية العريقة مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا . إن الأمر يتعلق بالسيادة التي كانت هاجس الدولة لأجل حصولها على الولاء الحصري للأفراد والجماعات الخاضعة لها وأولويته على كل أشكال الولاءات الأخرى سواء الدينية أو القبلية أو العائلية أو الخارجية.
تصف معظم الدراسات القطاع العمومي، بأنه يلعب دور القائد للتنمية الاقتصادية وذلك لغياب عنصر إجتماعي قادر على أن يلعب هذا الدور، ومن جهة ثانية نظرا لتطور قوى الإنتاج الناتجة عن تأخر تكنولوجي وعن التبعية الإقتصادية في ذات الآن.
وهناك من يرجع هذا إلى غياب مطول للبورجوازية الوطنية، وبعبارة أخرى يبدو القطاع العمومي أساسا كوسيلة للانتظام الاجتماعي، تحاول الدولة عبره أن تحقق انتظام السياسة والتراضي والنزاع الاجتماعي، كيف ذلك؟ بإعطاء مهمتين للمقاولات العمومية : الأولى معلنة ومدعمة من طرف المجتمع ككل، وتقضي بإنعاش دينامية تنموية، والثانية ضمنية لا تظهر إلا عند مستوى ثاني ويوظفها المخزن لغايته الخاصة استغلال هدا التواجد الإنتاجي لتوسيع مجال مراقبته الاجتماعية بهذه الطريقة تمنح المقاولات العمومية للمخزن الإمكانية المزدوجة التالية : البقاء على حاله )أي تفادي التغيير(، وفي نفس الوقت الاستجابة لروح العصر التي تجعل المجال الاقتصادي جوهر كل حداثة .
فإذا كان هذا على مستوى أهداف الدولة، فإنه على مستوى مسارات النخب السياسية، فإننا نجد اكتساح الفاسيين على مستوى العائلات عبر ثلاثة أقسام :
1. العائلات المخزنية : بن سليمان، غرنيط، اعبابو، الجامعي، بركاش، المسفيوي، والمريني... كانت تزود المخزن بالوزراء والموظفين الإداريين والعمال.
2. العائلات الشريفة : العلمي، والعراقي والوزاني.
3. العائلات المتاجرة : كأمثال بنجلون والتازي والأزرق، لحلو... الشرايبي، العراقي )سيطرتهم على الاتحاد المغربي لأرباب التجارة والصناعة والصناعة التقليدية(.
لكن ستظهر بعد 1963 إلى حدود 1973، نخبة جديدة تجمع بين التجارة والزراعة العصرية والوظائف الحكومية، لذا لاحظ واتربوري أن الانتماءات السياسية تتوحد عبر صيرورة تشكيل واستغلال ثروة عقارية.
وبدا مع مرور الوقت أن الأراضي تستعمل لتطويع الفلاحين، والمناصب الإدارية للتلاعب بالنخبة السياسية، وطفا على السطح طبقة الوسطاء، هؤلاء هم الذين استفادوا من تجربة الجماعات المحلية لأنهم أعادوا ربط العلاقات بين المرشحين والمخزن، مما جعل حسن اللحية يطرح أسئلة : هل كانت التجربة الجماعية تراكما ديمقراطيا أم إعادة لهيكلة النخب؟، وهل جاءت الغرفة الثانية لرغبة ملحة اجتماعيا أم لتوازن يفرغ مجلس النواب من مضمونه ؟
وما إن دخلت فترة الثمانينات إلا وظهرت إلى السطح مؤشرات جد بليغة قلبت موازين الأمور بالنسبة للقطاع العمومي : ظهور سوء التدبير، المحسوبية والبيروقراطية والإحداث اللاعقلاني لفروع المقاولات العمومية مع الاستعمال التقليدي لوسائل التسيير، وعدم إدخال الأدوات المستجدة في الميدان التكنولوجي، هذا ما جعل الحسن الثاني في خطابه بتاريخ 8-4-1988 يدق ناقوس الخطر حيث تساءل "أليس من العار ومن الجهالة أن نكون في حاجة إلى السيولة وإلى المال للرفع من مستوى شعبنا ونحن نسدد سنويا إما للعجز وإما للتسيير 400 مليار سنتيم؟، زيادة على اتساع نشاط الدولة وتعقد وظائفها .
هذا ما دفع المغرب للشروع سنة 1983 في تطبيق سياسة التقويم الهيكلي للاقتصاد الوطني )تحرير الأسعار، تقليص النفقات الاجتماعية، تجميد الاستثمارات(، وفي سنة 1987 حصل المغرب على قرض من البنك الدولي يقدر ب 240 مليون دولار في إطار إعادة هيكلة القطاع العمومي وهو ما يسمى بخطط P.E.R.L وهكذا اتخذت إجراءات تسمى وظائف الدولة.
على الصعيد الاقتصادي : فتح الحدود من خلال رفع الحماية الجمركية.
على الصعيد الاجتماعي : جرت تغيرات في الدور الذي تلعبه الدولة في مجال الصحة العمومية، التعليم، التشغيل .

ثالثا : الصراع السياسي بين العنف والهدوء

ما كان لانسحاب الدولة من المجال الاقتصادي والتردي الاجتماعي الذي تمخض عن ذلك في ميدان الشغل والصحة والتعليم، إلا أن يزيد من احتقانات اجتماعية، ومن غضب الأحزاب الديمقراطية والنقابات التابعة لها، من خلال ضرب كل مكاسبها التي ظنت أنها احتفظت بها إبان الاستقلال، وقد وضح المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية فاعتبر النخبة مخزنة جديدة، والإنعاش الوطني ترقيعا، كما أن حزب الاستقلال رأى أن سياسة المغربة لم نكن تعبيرا وطنيا في نظر علال الفاسي لكونها لم تقع إلا في قطاع خاص من التجارة ، وما الأحداث السياسية ل 1965-1970-1972. إلا دلائل تعبر عن تأزم الوضع في الحياة السياسية، أو لم يكن يوضع النظام المغربي طوال السبعينات في خانة الأنظمة الأكثر اضطرابا وعرضة لعدم الاستقرار في المغرب العربي. هذا ما سيدفعنا للوقوف على حالة الصراع بالمغرب، وقبل ذلك وجب الوقوف عند المؤسسة الملكية باعتبارها جوهر النظام المغربي ومن خلالها تتحرك كل فعاليات السياسة.
أ – تاريخية النظام الملكي وعصرنته :
أمام تعدد المناهج التي قد تتناول موضوع النظام السياسي بالمغرب، إلا أنه قد يظل المنهج السوسيوسياسي هو الأقرب إلى تناول النسق السياسي المغربي عن قرب وقادر على أن يغوص في خصوصياته الثقافية التي قد لا تلامسها المناهج الأخرى.
وقد قال المغفور له الحسن الثاني في خطاب 3 مارس 1963 : "لقد أعددنا بدقة مشروع الدستور الذي استلهمت مبادئه وأهدافه وأسسه من الدين الذي نعتنقه، والتقاليد المقدسة التي نتشبث بها والواقع الذي نعيشه وكذلك متطلبات عصرنا".
إذن هناك ثلاثة اعتبارات تحدد في الواقع النسق السياسي المغربي المعاصر :
- اعتبار الدين.
- اعتبار التقاليد المغربية.
- اعتبار متطلبات العصر.
كما أنه في إطار النسق السياسي المغربي المعاصر لا يوجد دستور واحد فقط، بل هناك ثلاثة دساتير :
- الدستور المكتوب.
- الدستور العرفي.
- الدستور التاريخي.
وكل اعتبار يوازي مستوى / حقلا محددا ويضبطه دستور محدد :
- فاعتبار الدين يوازي مستوى / حقل إمارة المؤمنين ويحكمه الدستور "التاريخي".
- واعتبار التقاليد المغربية يوازي مستوى / حقل إمارة التحكيم ويحكمه الدستور "العرفي".
- وأخيرا اعتبار متطلبات العصر يوازي / حقل الدولة الحديثة ويحكمه الدستور "المكتوب".
وفي نفس السياق يذهب محمد طوزي في كون سبب نجاح النظام السياسي يرجع إلى تأقلمه بطريقته مع التحولات التي عرفها المغرب منذ بداية القرن، وكذا انسجامه مع الحداثة وهناك ثلاث قضايا تؤكد هدا النجاح : الوطنية مع المطالبة بالاستقلال، ثم اندلاع مسألة الصحراء، التعددية السياسية واقتصاد السوق.
وبغض النظر عن استعمال العناصر التقليدية، نجد الملكية تعمل على تدبير المؤسسات والممارسات الحديثة مثل الجيش، المحاكم العصرية، القانون الجنائي الوضعي، وممارسات تقنيات الاتصالات الحديثة، الأغنية الوطنية، اللباس، أذواق التمايز المعاصر.
وحتى لا تسقط هذه المرجعية الدينية في الترهل، فإنها تقوم بتجديد نفسها عبر تجديد النخبة وممارسة التعددية، كما أن النظام السياسي المغربي يعيد إنتاج التقليد بشكل فعال في حالات البيعة، والأصل الشريف للدولة العلوية.
إننا أمام حالة سياسية ناجحة بتوظيف اللغة، والرموز، والمؤسسات والممارسات السياسية التقليدية بشكل فعال.
أما الخلاصات التي توصل إليها محمد ضريف في دراسته للنسق السياسي المغربي المعاصر فهي كالتالي :
- الملاحظة الأولى : استطاع النسق السياسي المغربي المعاصر أن يشحن أدوات التحديث السياسي بحمولات تقليدية وذلك قصد احتواء رموز الحداثة.
- الملاحظة الثانية: قدرة هدا النظام على احتواء المشروعيات المضادة.
- الملاحظة الثالثة : ترجع ديناميكية هدا النسق إلى عدة أسباب :
أ – قدرة هذا النسق على تحييد رموز العنف المشروع، حيث استطاع أن يجعل الجيش خارج اللعبة السياسية.
ب - قدرة الملك على إيجاد تعايش بين حقول النسق السياسي المغربي المعاصر دون أن يسمح باختلاطها أو تمازجها، أما الملك وحفاظا على سير النسق، نجده حاضرا في جميع المستويات :
ففي إطار حقل الدولة الحديثة مثلا، نجد "الملك" يتصرف أحيانا كرئيس دولة، ومرة أخرى كأمير المؤمنين، ومرة ثالثة كحكم.
ج - هيكلة النسق السياسي المغربي المعاصر طبقا للأنماط الثلاثة للثقافة السياسية السائدة في المجتمع، مع وجود أولوية من حيث السيادة لثقافة الإجماع توازيها أولوية حقل إمارة المؤمنين على حقلي التحكيم والدولة الحديثة ) = الملكية الدستورية( .
لكن هذا الطرح المبني على المنهج السوسيوسياسي، لا يساير طرح د. عبد الله ساعف، حيث الدولة في نظره ليست سوى امتداد للتملك المطلق للمخزن الترابي عبر استخدام القوة. فالدولة هي عبارة عن تمفصل لمختلف مستويات إضفاء المشروعية الذاتية (العائلة، القبيلة، السلطان، الإمبراطورية العربية، الإسلام).
حيث يرد على من يقول : بأن الإسلام يؤدي وظائف إلى حد ما مهمة لإضفاء المشروعية في لحظات الأزمة أو في مرحلة السير العادي للدولة، غير مقنع وفضفاض وقليل المنفعة، إن السؤال حول النصيب المحدد بدقة للإسلام في اشتغال الدولة التاريخية لم يلغي الجواب الواضح والقاطع، حيث يتساءل، هل اشتغال دولة ما لا يتم كما هو الشأن بالنسبة للدولة التي يوجد بها الدين، بل كجميع الدول التي تخضع للقوانين الصارمة للسياسة الكونية؟.
إن الأسلمة لا تحصن الدولة الإسلامية من قوانين القلز الضرورية والكونية لانتشار الأشياء السياسية، إن الدولة الإسلامية، نسخة تكاد معدلة للدولة الكونية، يظهر أنها قد شرعت في التشكيل ثانية مع العملية الاستعمارية.
بل أن خالد عليوة دهب في تحليله لتحولات الصراع السياسي في المغرب، بأن الميزة البارزة في الحركية السياسية المغربية هي بطء في حركة التجديد السياسي، بسبب ما تمارس عليه وتيرة التجديد الاقتصادي والاجتماعي من ضغط قوي وهذا ما يكشف عن حالة من "اللاحكومة" الناجمة عن حالة إشباع في النظام السياسي.
إن هذا الإشباع يفسر بالإطناب والحشو في النشاط السياسي، هذا ما يولد إدارة المجتمع بواسطة أجهزة لا استقلالية لها عن حركة القرار، فالمؤسسات يوكل إليها أداة وظيفية أدواتية، نشاطها إجرائي أساسا غير استراتيجي ومنحصر في قطاع معين، فلا البرلمان ولا الحكومة يتوفران على سلطة القرار، فضلا عن أن قرارات الدولة تقحم في إطار التهليل والهتاف.
فالأحزاب السياسية والمؤسسات التمثيلية والجهاز الحكومي تحرك هذا النظام دون أن تقوى أبدا على تغييره إد تعمل منفصلة ومنقطعة عن بعضها البعض كهيئات صغرى تشكل دعامة للولاءات الصغرى، لكنها خاضعة لسيطرة ولاء أكبر يحددها تحديدا تظافريا، عبر البيعة.
ب – جدلية الصراع بين الأحزاب السياسية والمؤسسة الملكية
إن أغلب المتتبعين للمسار السياسي للمغرب، يرون أن الطفرات الأكثر بروزا في هذا المشهد تنقسم إلى ثلاث مستويات أو المراحل :
- المرحلة الأولى : من الاستقلال إلى 1965 وتسمى بفترة اختبار القوى، ولأجل احتكار السلطة الفعلية حيث كان هناك إطار علائقي بين القصر والحركة الوطنية في إطار الكفاح لاسترجاع السيادة، وفيها برزت عوامل انشقاق Dissençus، كانت التجربة التشريعية 63- 65 واضحة بسبب الخلاف على طرق مراقبة سير نشاط الدولة، إذ كان النظام السياسي يتعرض لضغط قوي في وقت لم لم يكن فيه مطوع على إدارة الشقاق.
- المرحلة الثانية : 1965- 1971 إلى بداية السنوات 70، فالمحاولات الإنقلابية لسنتي 71-72 تشكل هزات لها ما يكفي من الدلالات لتسجيل نهاية حقبة. إذ تميزت هذه الفترة بتعبئة جميع إمكانيات السلطة ومواردها لبناء الدولة المخزنية المغربية، وتدعيم ركائزها الاجتماعية.
- المرحلة الثالثة : تؤرخ ابتداء من 1972 هده الفترة يطبعها جهد يسعى إلى إعادة ترتيب السياسة والحرص على المؤسساتية والانفتاح والليبرالية النسبية للأخلاق، كما تميزت بإرادة يشغلها التوازن الاجتماعي.
وقد عرفت تغيرات ذات وتيرة مسندة (1974 "البحث عن الإجماع الوطني"، 76 الوحدة الوطنية والليبرالية السياسية، 1977 ديمقراطية النظام : عمليات انتخابية وتعديلات في مؤسسات السلطة، 1981 قطيعة سياسية، إنهيارات وأزمة اقتصاديتين).
إن هذه المراحل الكبرى تفصلها عن بعضها البعض فترات انتقالية، وتركيز الجهود قبل الشروع في العمليات الجديدة المرتقبة (هكذا الأمر بالنسبة في السنوات 63-65 بين المرحلة الأولى والثانية، سنوات 71-74 بين الثانية والثالثة).
لقد اتسمت مختلف هذه المراحل بأشكال متنوعة من الاستمرارية والانقطاع (تقوية /دعم/تقويض/تخفيف/تعديل/ولوج الأزمة/تسويات مؤقتة).
وهذا ما يعبر عنه بكون الحياة السياسية لعملية ابتلاع الأزمات في دورة تكرار لحظات الأزمات السياسية (63-65-70-72-81)، هذا ما جعل المجال العمومي قابلا للحكم بدون أداة حكومية وظيفية تماما، نظرا للجوء المكثف للسلطة الملكية.
ومهما قيل في هذا الباب، فإن الصراع كان يتراوح بين التشديد والتليين حتى لا يسقط الطرفين في قطيعة يصعب معها العودة إلى فتح باب التفاوض حول طرق الاندماج في الحياة السياسية، فمن الصراع حول الاختصاصات الواسعة للمؤسسة الملكية ومحاولة تضييقها، وإلى المقترحات الملكية الداعية إلى المشاركة (65-72-75-84) التي كانت تنطلق من فكرة التمثيلية لا من منطلق التعيين).
وفي خطاب المغفور له الحسن الثاني بتاريخ 18 نونبر 1962 قال : "إن الدستور يجعل منا حكما، أنا موقن بأن الكثير يهولون : آه، إن سلطات الملك كثيرة ! لكن ليعلم هؤلاء بكل بساطة أن الملك لم يأخذ إلا ما يكفيه للتدخل إذا ساءت الأحوال، أو للعمل على أن تسير على أحسن ما يرام، أقول لهم أخيرا، ولنأخذ مثلا بسيطا : تصوروا فريقين لكرة القدم في ملعب، انزعوا عن الحكم سلطة الصفير وطرد اللاعبين والعبوا أيها السادة".
ولقد وجد الملك في قضية الصحراء 74-75 رافعة قوية نحو تأكيد نزعة أحادية وظيفية تتكثف في السلطة الملكية لأجل الانبعاث من جديد وكذا الحد من التناقضات والنزاعات، ووصولا إلى مرحلة التسعينات ومع المناخ الدولي المساعد عبر الأحادية القطبية، واستهلاك شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان بشكل مكثف، دفع النظام لإعادة ترتيب أوراقه حيث وجد نفسه متأخرا في مجال الديمقراطية والتعددية السياسية رغم أنه كان سباقا لإعلان ملكية دستورية ديمقراطية، فكان التناوب التوافقي الموروث في إطار دستور 1996.
4 – علاقة الدولة بالمجتمع المدني :
إن كان مصطلح –المجتمع المدني- ليس متبلورا بشكل واضح، لكن الدفاع عنه كان متزامنا مع تطور الأفكار حول الفردية وحقوق الأفراد في الحرية والملكية، خاصة في أوروبا القرن 13، وإن كانت جذوره تعود قبل ذلك إلى الصراع الذي كان محتدما بين الدين/الكنيسة والسياسة، ونظرا للقهر الذي كان ممارسا على الأشخاص من قبل الكنيسة وكذا من قبل السلطة الدنيوية، دفع هذا الوضع بالأشخاص إلى تنظيم أنفسهم في منأى عن السلطات الدينية والسياسية. هكذا ظهرت الدولة كبنية للعلاقات الاجتماعية، كرمز للمجتمع بتياراته المختلفة.
أما في العالم الثالث فقد حاولت الأنظمة إنشاء الدول قبل تنظيم المجتمع فإذا أدركنا الفرق الموجود بين الدولة الذي مجاله هو العقلنة والمشروعية، بينما مجال المجتمع المدني هو نداء الحرية والحقوق والرغبات وما استصحبه من تحولات على الصعيد الدولي في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، فإننا نجد الدولة عمدت على طول مسارها التاريخي إلى ضبط هذا المجتمع، باعتبارها المحافظ على ممتلكات الجماعة. ونظرا لتواجدها في كل مكان، وتدخلها في كل شيء، وفي توضيحه لدور الدولة يقول د. إدريس البصري : "المطروح إذن في مرحلة النمو هذه التي يشهدها المغرب، التوفيق بين ضرورتين ملحتين بنفس الدرجة : ترقية الفرد والحفاظ على مصالح الدولة، بهذه الغاية تنشط إدارة التراب بترقية الفرد وتبعث فيها الدينامية، فهي تسهر في ذات الوقت على المصالح العليا للجماعة الوطنية وعلى ضمان احترام القوانين". إن الغاية من المجتمع المدني هو إبقاءه في استقلال ذاتي نسبي.
وتعد تجربة القطاع العمومي تمثيلا جد مكثف لضبط هذا المجتمع، وبواسطته تحاول الدولة أن تحقق انتظام السياسة والتراضي والنزاعات الاجتماعية. والخلاصة من دراسة الدولة من خلال نموذج القطاع العمومي، أن المخزن يدير الاقتصاد وفق منطق ارثي جديد، بمعنى الغاية هنا لا تتمثل فحسب في تنمية الرأسمال بل في نقل الأملاك وبالتالي يجب إبجاد دعائم الزبونية، توزيع امتيازات مراعاة مصالح معينة، إنشاء وضعيات ريعية تولد التفكك واللاتوازن. في هذا الإطار ينظر للقطاع العمومي كوسيلة قابلة للتعبئة بهدف هيكلة وإعادة اقتصاد البلاد وفق التناقضات الظرفية والضغوطات الاقتصادية الخارجية، وتتكلف المقاولات العمومية بإقامة علاقات جديدة مطابقة للتنظيم الحديث للنشاط الاقتصادي وتطبع هذه العلاقات بإدماج طبقات جديدة في طور التكوين (التكنوقراطية مثلا).
تتكلف المقاولات العمومية مند نشأتها بإنعاش هده الفئة الاجتماعية الجديدة وإدماجها واضعة رهن إشارتها امتيازات مادية بحيث ستصبح أغلبيتها بسرعة في صف المخزن فبالإضافة للوسائل المادية (أجور عالية، سكن، سيارات، خدم...) فإنها تتوفر على السلطة الإدارية كما تخضع المقاولات العمومية لعدة ابتزازات من طرف التكنوقراطيين، إذ تأتي عدة ريعات من :
- اختلاس الأموال (الحصول على عمولات خلال مفاوضات الصفقات مع المقاولات الخاصة الوطنية أو الأجنبية).
- رواتب وتحويلات تتجاوز المعدل.
- السلطة التي تتمتع بها هذه المقاولات تبلغ إلى حد تشكل دولة ضمن الدولة.
- اقتطاع مجاملة على الإنتاج.
بفضل كل هذا إنهم يشكلون "إقطاعات" حقيقية فهم يتحكمون فعلا في رأسمال الدولة عبر تعيينهم على رأس المقاولات، ورغم كل ما تتمتع به فإنها لا تبلغ انسجام مجموعة اجتماعية قادرة على الاستقلال عن المخزن، حيث إن تعييناتهم تتم على أساس الولاءات بعيدا عن منطق الكفاءات، وبسماحه لهم إقامة وضعيات ريعية وتوسيع الرشوة وسهولة الربح فإن المخزن يضبطهم، هكذا تمكن المخزن بفضل هذا المنطق بإدماج طبقات جديدة في طور التكوين.
فاذا كانت مراقبة الدولة للمجتمع المدني بالنسبة للقطاع العمومي يتم على هذا الشكل، فإنه يأخذ أشكالا متشابهة أيضا على مستوى إغراء الأفراد والجماعات وإن لم يبلغ إلى نفس مستوى الأول، فإنها تقوم بتقديم (المكافئات، رخص الترقية الإدارية، الإيفاد للحج، والبعثات المختلفة...) واستعمال العلاقات الشخصية، الاستقطاب أو التوريط أو المزايدة.
وإذا كان هذا المجتمع يتميز بالتنوع من تنظيمات مهنية (هيئات الأطباء، المحامين...) وكذا ذات الطابع العرقي (جمعيات الشرفاء المختلفة، وكذا الثقافية والفنية والرياضية، والأحزاب السياسية والنقابات المختلفة، وبالتالي تختلف مجالات الصراع من : الاقتصاد، السياسة، والثقافة، فإذا كانت الدولة تحاول ضبط المجال الثقافي عن طريق التحكم في المؤسسة التعليمية وتوجيه برامجها من الروض إلى التعليم العالي، وكذا عن طريق وسائل الإعلام السمعية البصرية، أو القيام بمهرجانات تحت إشرافها حول الأغنية والمسرح أو بتقديم جوائز الدولة... إلخ.
بينما يبدي الحقل الثقافي مقاومة تتجلى في التمسك باستقلاله التنظيمي والمالي والفكري والمثال البارز هو اتحاد كتاب المغرب كمنظمة مستقلة عن أجهزة وسياسة الدولة.
والحقل الديني نفسه يعيش نفس الصراع، حيث اضطرت الدولة إلى مراقبة المساجد وتنظيمها وتعيين الخطيب الرسمي، والإشراف على خطبة الجمعة وذلك تطويق أشكال الاحتجاج والتسيس التي تشهدها المساجد في فترة من الفترات.
حتى الرياضة لا تفلت من المراقبة والتوجيه والتأطير، وكذا الصراع الذي بلغت ذروته في المجال السياسي، سواء ذي العلاقة مع العمل النقابي من خلال تحييد دورها أو خلق نقابات موازية أو المتعلق بأحزاب الحركة الوطنية عبر خلق أحزاب موالية للإدارة، وكذا عزل الطبقة السياسية عن قاعدتها الجماهيرية برفع أجور النواب البرلمانين وتخصيص ميزانية لتمويل الأحزاب والصحف الحزبية.
فالعلاقة التي قد تستجلى بين الدولة والمجتمع المدني، تتراوح بين الصراع اللطيف والعنف، صراع بين الهيمنة والحرية.
5 – تحديث أم حداثة؟ (نموذج الحركات الإسلامية بالمغرب)
ربما لا أحد قد يجادل بأننا نعيش في حداثة فوضوية والتي يسميها أركون "بالحداثة الفوضوية المتوحشة التي دخلت إلى المجتمعات الإسلامية بعد الاستقلال، فالأنظمة السياسية التي حكمت هذه الدول بعد الخمسينات هي التي أدخلتها وكانت مدعومة من قبل هيئات تكنوقراطية لا تملك أي مشروع سياسي، وكذلك من قبل طبقات تجارية لا تملك أي مشروع اقتصادي للتنمية الفعلية" ، هذا ما يجعلنا نفتقر إلى حداثة عربية نابعة من التراث الإسلامي، وأن ما نعيشه هي مجرد مظاهر من العصرنة والتحديث من خلال استيراد كل شيء من المفاهيم وطرق التفكير واللباس إلى التقنية ووسائل التكنولوجيا، إنها بكل بساطة عولمة القيم العربية الليبرالية نظرا للفقر الشديد الذي نعيشه على مستوى العلوم، هذا ما جعل الخطاب الإسلامي المعاصر يلحق بذاته القيم والمواقف الخاصة بالحداثة إنه يدعي امتلاكها عن طريق القول أنها إسلامية الأصل منها حقوق الإنسان والديمقراطية والمساواة، كما يذهب إلى ذلك محمد أركون.
فإذا كان هذا نابع من اجتهادات علماء الإسلام من مسايرتهم للتحولات العالمية التي لم تعد تعترف بمفهوم الانكفاء على الذات، فإن هذا الوضع الغير السليم ساعد على ظهور تيارات اجتماعية، اختلفت في تعاملها مع الإسلام، فمنهم "الفصلويون" الذين يرون أن جذور الأزمة –أزمة التنمية- تعود إلى العقيدة الدينية وهكذا ترى أنه من أجل التوصل إلى التطور يجب وضع هذه التعاليم جانبا، أي الفصل بين الدين والدولة.
أما التيار الثاني فهم "المجددون" "فيرون أن الإسلام لا يشوبه نقص وأن الإشكالات يجب تحريها في داخل التفاسير التي قدمت للإسلام، هذه التفاسير التي امتزجت بها العديد من الشوائب التاريخية والاجتماعية التي صورت الإسلام بشكل غير لائق. هكذا فهم يرون أن التخلف ناتج عن ابتعاد المسلمين عن التعاليم الصادقة للإسلام.
أما التيار الثالث الذي نضج وانتشر كثيرا في العقود الأخيرة فهو "الأصولية" فهم يوجهون الحربة إلى العالم الجديد والحل عندهم هو العودة إلى العالم الديني أي العالم القديم .
هذه الأصولية التي لم تنج منها أغلب الأقطار العربية الإسلامية ومنها المغرب والتي يفضل البعض على تسميتها بحركات الإسلام السياسي، هذه الظاهرة التي طفت إلى السطح من جراء هزيمة 1967، وكذا الاحباط الذي اعترى الشعور القومي العربي، وكذا الطفرة البترولية التي كرست ثقافة تقليدية محافظة، وكذا لنجاح الثورة الإيرانية، وبعد التوقيع على اتفاقيات سلام غير متوازنة مع إسرائيل .
فإذا كان هذا على مستوى المناخ العام العربي إلا أنه في المغرب فقد كان بروزه يكاد ينحصر في العداء لليسار وللعلمانية، إلا أنها استطاعت أن تستثمر التفاعلات السياسية لمرحلة السبعينات والثمانينات خاصة مع ظاهرة الانشقاقات الحزبية، وكذا انكماش نفوذ الحركة الوطنية بصورة خاصة يسار الوسط هذا ما ساعد موازين القوى تميل بصورة سريعة لصالح القوى المحافظة عموما .
لكن ألا يمكن أن يوجد من زاوية التحليل البعيد الأمد –أي تأثير لحركات الإسلام السياسي في الإسراع بوتيرة التحديث وفق منطق مكر التاريخ، حسب فكرة هيغل؟
يذهب –محمد طوزي- في دراسته للحركات الإسلامية، بأن المعارضة "الحديثة" المغربية انطلقت من الحداثة وسعت إلى أن تتأقلم مع المرجعيات الدينية، إلا أنه لا يعتبرها حركات تقليدية بالأساس، ولا يعتبر ظهورها محصورا في أزمة الهوية المرتبطة بالخروج عن الاستعمار في المجال الثقافي. فهو يرى أن المعارضين الدينيين يوجدون في قلب الحداثة بالرغم من أنهم يعتبرونها في نفس الوقت عدوهم الأول، إن حركتهم تسعى لخلق إعادة تأويل التقليد حتى تتحكم في الحداثة وتشكل هجوم جيل من الأطر ضد احتكار سلطة ظلت محصورة في يد جيل الاستقلال .
إن انبعاث المقدس في عبارات دينية مبلورة لا يمكن أن تنعت بالتقليدوية أو مجرد رد فعل مدعور من جراء المسلسل التحديثي الذي لا رجعة فيه، إنها ناجمة عن مرافقة لأزمة الدولة التي أخلت بواجبها في ترتيب الموارد أو تنظيم المصالح المتنافس عليها. وما تضاعف عدد حركات التعبير الديني نتيجة جزئية لهذه الوضعية.
إن هذا الحضور القوي والفعال لهذه الحركات، يطالب بإعادة تحديد معالم حقل سياسي حديث سيكون بمقدوره أن يتكفل ويمنح المعنى لاستراتيجيات حفظ وجود المجموعات الاجتماعية الجديدة والتي تكون في الغالب الأعم مفصولة عن ارتباطاتها الجماعية، ومدفوعة بمطالب من أجل الحركية الاجتماعية والمجالية الاقتصادية. ليست الحداثة إذن نعتا يطلق على عالم يغيب فيه المقدس، ولكنها موضوع لاستراتيجية تكيفية تسير في مسالك نبوية مفتوحة على سبيل الذكر لا الحصر من طرف الإسلاميين .
غير أن البعض الآخر اعتبر ظهور هذه الحركات هو تمرد بشكل من الأشكال على التقنوقراطيين الجدد المتشبعين بالحداثة الذين احتكروا المناصب السياسية والإدارية المهمة، وذلك لإعادة الاعتبار للثقافة الإسلامية العربية باعتبارها المنهل الوحيد للشرعية.
وتوضح الوضعية السوسيو-مهنية مدى ارتباط الحركة الإسلامية بالمشاكل الاجتماعية، مما يعني أن الأمر يتعلق بصراع بين مختلف فئات ومكونات المجتمع، يلجأ فيه الأقل حظا والأكثر تهميشا إلى الرأسمال الديني من أجل كسب شرعية النضال .
إلا أن هذا يحيلنا إلى طريقة تعامل المخزن أو مركز القرار السياسي مع الجماعات التأصيلية.
فعلى مستوى النظام، فقد اتبعت منذ الثمانينات عددا من الإجراءات منها تنشيط دور الملك بوصفه أميرا للمؤمنين كما عمل على إعادة هيكلة وتنظيم مؤسسات دينية رسمية تكون أداة تنفيذ هذه السياسة على الأرض. وتم التأكيد على الانتماء الحصري للمذهب المالكي. ثم تبنى بعض الإجراءات الاحترازية كإقفال المساجد خارج أوقات الصلاة، وفرض رقابة لصيقة على الأنشطة المالية والاجتماعية والثقافية لهذه الجماعات. وكذا الاستفادة من المناخ الدولي منها تنشيط المجتمع المدني في بعض المجالات منها : قضايا المرأة، حقوق الإنسان، والمسألة الثقافية الأمازيغية، وكذا إسقاط طابع القداسة على مدونة الأحوال الشخصية بإخضاعها للتعديل.
أما على مستوى الجماعات التأصيلية فهي تنقسم إلى :
* جماعة العدل والإحسان التي تنتمي إلى الحقل التقليدي –أي الزاوية التي تستلهم منها العلاقة بين الشيخ ومريديه- وتتميز بهيكلتها الصارمة وبالتنوع النسبي لمكونات قاعدتها وبالاستقلال المادي عن الدولة (فأغلبية أعضائها خارج أسلاك الوظيفة العمومية)، إن هذه الخصائص تساعدها على تأطير المجتمع والمشاركة في القرار السياسي، إذا ما حازت على الاعتراف الرسمي، وهذا ما يفسر إقناع أصحاب القرار عن إدماجها في المشهد السياسي.
* جماعة الإصلاح والتوحيد المنتمية إلى الحقل السياسي الحديث ورديفها حزب العدالة والتنمية التي استفادت من الاعتراف الرسمي، ومن حق المشاركة السياسية والإدماج وقاعدتها تنحصر في الشرائح الصغرى والمتوسطة شأنها في ذلك شأن الأحزاب الوطنية الديمقراطية. هذا ما يجعل تأثيرها قابلا للضبط بأنها تخضع لمعاملة تفضيلية/امتيازية مقابل أصولوية خاضعة لوضعية استثنائية .
وأمام وضعية الأزمة هاته، فإن التكتل والتعاون والحوار وتبادل الرأي هو الحل، لكون الأمر يتعلق بمستقبل الدولة ولهذا وجب تجاوز جميع الحسابات الضيقة والنظر لمستقبل الأمة وللأجيال القادمة، حتى لا يتم إقصاء طرف على حساب طرف آخر، إنه سيكون بمثابة مشروع مجتمعي تتفق عليه كل الأطراف الفاعلة في المجتمع (أحزاب، تيارات، نخبة، جامعيون، أصوليون...) .

ملحق شخصي

إن المتتبع لحركية النظام السياسي المغربي، سيجده مازال نظاما مغلقا غير قادر على التجديد، يدير الأحداث بآليات قديمة توحي بأنه فاقد للمبادرة، يزيده ضعف أداء الفاعلين الآخرين –أحزاب سياسية هشة، مجتمع مدني يدور في فلك السلطة، فاعلين اقتصاديين مثخنون بالريع، وإعلاميين منهكون في معارك الاستقلالية- من عدم القدرة على تخطي واقع مأزوم (ثانيا)، الشيء الذي يعطي الانطباع بأن المؤسسة الملكية قلقة من دينامية المجتمع ذات طموح جامح نحو التغيير، متوترة من انفتاح قد يفقدها السيطرة على التحكم، مترددة من الانفتاح (أولا).

أولا : المؤسسة الملكية : كثير من الجمود وقليل من التغيير :

بالنظر إلى دور مركزية المؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي، وقدرتها على توزيع الأدوار على باقي الفاعلين من خلال احتكار الملكية المشروعية الدينية والدستورية، جعلتها دائما صاحبة المبادرة في كل المجالات والاتجاهات سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية والعلاقات الدولية، الشيء الذي يضعف الرؤية المستقبلية للدولة على حساب ظرفية المرحلة المحكومة بالمتغيرات، مما يحكم عليها أحيانا بالإخفاقات والتي تستدرك بإصلاح الإصلاح ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال :

1 – تعثرات الانتقال الديمقراطي :

إن تعثر تجربة الانتقال الديمقراطي التي ابتدأت مع تجربة التناوب على رئاسة الحكومة بقيادة الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي سنة 1998 غير أن مسلسل التجربة لم يستمر مع الانتخابات التشريعية لسنة 2002 من خلال تعيين التقنوقراطي ادريس جطو وزيرا أولا، رغما عن نتائج الانتخابات التي أعطت المرتبة الأولى لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الشيء الذي أدخل الحياة السياسية في الالتباس، حيث طرحت الأحزاب الديمقراطية شعار " نحو إعادة بناء الانتقال الديمقراطي"، من منطق "عدم الخروج على المنهجية الديمقراطية" في تعيين الوزير الأول.
ورغم تعيين التكنوقراطي ادريس جطو وزيرا أولا لم يعد حزب الاتحاد الاشتراكي إلى صفوف المعارضة، لكونه يعلم أن عودته إليها سيضعف موقعه الذي راهن على تقويته داخل دواليب الدولة والإدارة في عهد الحسن الثاني، الذي بدوره عمل جاهدا وطيلة فترة التسعينيات أن يفك عقدة التناوب الذي طالما نادى به سنتي 1993 و 1994.
لكن ما الذي جعل الملك محمد السادس، غير معني بالمسلسل الديمقراطي وبسابقة تجربة التناوب لسنة 1998؟
إن ما وقع أشبه بالذي لا يريد أن يجعل مشروعه السياسي يدخل مقاس جلباب أبيه، وبالتالي فالملك محمد السادس أراد أن يعيد المقاس بتفصيله مرة ثانية حسب أجندته وتصوره للإصلاح ولأولوياته، فلو أجندة أبيه فسيكون رهين مرحلة وتجربة بكل ما لها وما عليها، الشيء الذي قد يقيد من تصوراته ومبادراته في الحكم، وبالتالي فقد نأى بنفسه عن توافقات الماضي التي كانت تجمع الملك الحسن الثاني مع أحزاب الكتلة المكونة لقطب التحالف الحكومي لسنة 1998.
هذا الوضع هو الذي دفع الأحزاب الديمقراطية على أن تجد مداخل أخرى للتوافق مع العهد الجديد، من هنا كان ترديدها وراء الملك لشعار بناء، المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي التنموي.

2 – المشروع المجتمعي : من الديمقراطي الحداثي إلى التنموي :

مند تولي الملك محمد السادس مقاليد الحكم، حاول إبراز ملامح مشروعه المجتمعي الديمقراطي الحداثي والتنموي.
أ – على المستوى الديمقراطي : أكد على تعزيز الحريات العامة عبر فصل السلط وتوطيد المؤسسات التمثيلية واللامركزية والجهوية، زيادة على إصلاح إداري يعتمد على تبسيط المساطر المحفزة على الاستثمار من خلال إصلاح القضاء.
ب – على المستوى التنموي : من خلال تركيز الجهود على التشغيل المنتج والتعليم النافع.
غير أنه بعد مرور عشرية كاملة نلاحظ بأن لا الانتقال الديمقراطي تحقق والمشروع التنموي اكتمل، الشيء الذي يعطي الانطباع بأن الأمر تجاوز الإرادة في الرغبة في ترتيب البيت الداخلي للمؤسسة الملكية من خلال خلق مؤسسات موازية لعمل الحكومة حتى تجعلها متحكمة في أهم مفاصل تسيير شؤون الحكم مثال دلك :
- إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة لطي صفحة سنوات الرصاص.
- تأسيس ديوان المظالم كهيئة تستقبل تظلمات المواطنين والتي على أساسها يتم تحديد أهم الوزارات والإدارات التي تعرف مشاكل بيروقراطية في حل مشاكل المواطنين.
- المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كآلية تشتغل على محاربة الفقر وتنمية المناطق الأشد فقرا بإشراف وزارة الداخلية.
- إنشاء هيئة تنمية المناطق الشمالية والجنوبية كآلية لإنشاء المشاريع الاستشارية في كلتا المنطقتين وتحسين مستوى معيشتها.
- تقرير الخمسينية الذي أنجز من قبل نخبة كانت في مراكز القرار، وعليه تم تحديد أهم معضلات تنمية المغرب على كافة المجالات التعليمية والاجتماعية والاقتصادية..إلخ.

ثانيا : هشاشة الحقل السياسي :

يعيش الحقل السياسي بالمغرب، تحت إكراه موت المشروعية التاريخية للأحزاب المسماة ديمقراطية، والموت السريري للأحزاب الإدارية وعدم قدرتها على إيجاد خطاب يقبل به المواطنون. هذا إلى جانب مرض غياب الديمقراطية الداخلية عند الأحزاب السياسية والاعتماد على الانشقاقات لتجديد دورة النخب، هذا وغيره يبرز ما يتهدد الحقل الحزبي من عدم القدرة على التجديد وعلى الفعل، فلا خطابها ولا برنامجها عاد مقبولا من طرف مجتمع عرف تحولات سوسيولوجية عميقة لم تعد تهضم مقولات : الشرعية التاريخية، والتعاقد بين الملكية والحركة الوطنية، الانتقال الديمقراطي، التناوب التوافقي، الإصلاح الدستوري، إذ أصبح الهم الأكبر هو البحث عن شغل وسكن والعيش بكرامة.
إن عدم القدرة على التجديد وخلق قطيعة مع الماضي تجعل الأحزاب تبحث عن مظاهر قوتها في الماضي.
إن هذا الضعف تتحمل مسؤولية جميع الأطراف الفاعلة في الحقل السياسي، فالنظام السياسي مسؤوليته ثابتة في بلقنة الحقل الحزبي وجعله يعيش على الانشقاقات، وعلى ظاهرة بروز الحزب الأغلبي عند كل محطة انتخابية. هذا إلى جانب التلاعب بإرادة الناخبين، والأحزاب مسؤوليتها ثابتة في غياب خطاب الواقعية في برامجها وعدم قدرتها على حل مشاكل المواطنين، إذ لم تستطع أن تتخلص من خطابها الزئبقي الذي يدعي حل كل المشاكل الشيء الذي خلق انفصاما عميقا بين المواطن والأحزاب السياسية، هذا زيادة على عدم قدرتها على تصريف الخلافات الداخلية التي تنتهي بالانشقاقات علاوة على خلود الزعامات القيادية في ترأس الأحزاب.

ثالثا : دستور فاتح يوليوز 2011 وعدم الوضوح

صادق الشعب المغربي عبر استفتاء شعبي على دستور جاء تحت ضغط الحراك الإقليمي العربي والمحلي ، وذلك لامتصاص مطالب أضحت ملحة على النظام في الاستجابة لها ، وبالرغم من مجموعة من المستجدات التي جاء بها والتي يمكن أن تساعد في إصلاح مشهد معطوب، غير أنه بالمقابل طرح مجموعة من الإشكالات منها على الخصوص :
- لم تحدد بدقة وضعية الاتفاقيات الدولية المصادق عليها بالنسبة إلى القوانين الداخلية والوطنية.
- لم يحدد الدستور في تراتبية القوانين مكانة الظهير بالنسبة الى الدستور والقانون.
- لم ينص على دورية انعقاد المجلس الوزاري.
- الحكومة مرتهنة في عملها بالمجلس الوزاري خاصة في ما يتعلق بالسياسة المالية والتعيينات في المناصب السامية وكذا مشاريع العفو العام.
- الوثيقة بها عبارات غامضة ومبهمة تحتمل تاويلات عدة وفقرات طويلة ، توحي ظاهريا بانها لامست كل ما يمكن ان يجده أي باحث اكاديمي، لكنه في الجوهرحكمته تقييدات إذ أن كل مكتسب يحتاج لاجراءات مثال ذلك قوانين تنظيمية التي تنظم مجموعة من المؤسسات مثال اللغة الامازيغية أو تاسيس الاحزاب السياسية والتي بلغ عددها 20 قانونا تنظيميا.
- إن ضغط الشارع في مطالبه للاصلاح الدستوري تجاوز سقف مذكرات الاحزاب السياسية، هذا ينبئ بأننا دخلنا سيرورة :المرحلة تجاوزت الاحزاب وان الملكية انظبطت لسقف محدود في الاصلاح المتمثل في الانظباط للتعاقد التاريخي بين الملكية والحركة الوطنية .
- إذا أحسنا النوايا فإن هذا الدستورهو انتقالي الى ملكية برلمانية ، لكن الاشكال هل الملكية مستعدة للقطع مع إرث المخزن ، ولتجاوز المشروعية الدينية في الحكم للانتقال الى مشروعية تعاقدية القائمة على إرادة الشعب ،وببروز طبقات اجتماعية قادرة على حمل مشروع اجتماعي واضح المعالم، ونوعية الثقافة السياسية السائدة ، وضرورة ظهوراحزاب سياسية قوية من خلال أقطاب ، وكذا ظهور اقتصاد ليبرالي تنافسي حقيقي بعيدا عن اقتصاد الريع كما يجب استحضار النظريات التي تفيد بأن البلدان الاكثر نموا اقتصاديا هي التي تتمتع بالديمقراطيات التعددية ومن هنا ظهرت العبارة الشهيرة "أن الحداثة تولد الاستقرار ،لكن التحديث يولد عدم الاستقرار".
- لقد حاول الدستور أن يأسس لعملية الانتقال من الديمقراطية التمثيلية إلى الديمقراطية التشاركية ، من خلال تحليل طبيعة العلاقة بين المركز والمحيط داخل الدولة وهو ما يختزل في مشروع الجهوية الموسعة.
إن المقاربة المعيارية للاصلاح التي تقوم على اصلاح الهيكل- الاطار- القانوني من خلال الوثيقة الدستورية غير كافية ، إذ لا بد من الانتقال إلى إصلاح النظام السياسي من خلال المقاربة السوسيولوجية المعتمدة على إنجاز تنمية سياسية تقوم على بناء وعي لدى المواطنين لمباشرة ديمقراطية تمثيلية أصيلة والاستناد على مبدأ الشرعية الدستورية التي تظبط الحاكمين بالمحكومين ،زيادة على ضرورة ترسيخ ثقافة المشاركة السياسية عبر ضرورة لعب الاحزاب السياسية لدورها في عملية التحديث والتنمية السياسية.

سيتم إدراج النسخة الحاملة للهوامش بعد قليل


الثلاثاء 9 أكتوبر 2012


تعليق جديد
Twitter