Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



المقاربة القانونية والقضائية للعنف الرياضي في كرة القدم


     

رشيد حمداوي دكتور في الحقوق، عضو عصبة الشرق لكرة القدم



المقاربة القانونية والقضائية للعنف الرياضي في كرة القدم

مقدمة:

تعد كرة القدم من الأنشطة الإنسانية التي ظهرت قديما, حيث يعود تاريخ اللعبة إلى أزيد من 2500 سنة قبيل الميلاد , ومارستها معظم الحضارات
القديمة مثل الصينيون, الإغريق, المصريون في عهد الفراعنة والأمازيغ[1]، حيث كانوا يستمتعون بها في احتفالاتهم وأعيادهم، فتقام مباريات كرة القدم للتعبير عن الاحتفالات والانتصارات العسكرية في الحروب والغزوات[2]. ويتم اختيار أقوى الجنود والمحاربين للتباري، ولم تكن هناك قيود للعبة وقوانين معينة، إذ يترامى اللاعبون على الكرة باستعمال أبدانهم وأجسادهم كاملة دون اعتراض أو توزيع المهام، فكل اللاعبين مدافعين وكلهم مهاجمين، ومباح استعمال الأيدي والأرجل والرأس والتدافع...، فالقوة والحماس هما سيدا الميدان[3] ، من هنا تأسس الارتباط الوثيق بين كرة القدم والحروب، إذ أن أغلب المعلقين في مباريات كرة القدم يستعملون عبارات عسكرية من قبيل هجوم الفريق، الدفاع، الخصم، الترسانة، ضربة قدم صاروخية، قذيفة،...
ظهرت ممارسة رياضة كرة القدم في المغرب بطريقة منظمة منذ بداية الحماية حيث تأسست أولى الأندية مع بداية سنة 1913 مثل الاتحاد الرياضي المغربي بمدينة الدارالبيضاء، وجمعية المغرب الأقصى سنة 1923 وكانت البطولة تقام تحت إشراف الجامعة الفرنسية لكرة القدم[4] ...
 أفرزت المنافسة والحماس والأجواء العامة المصاحبة لإقامتها مباريات كرة القدم ظهور احتكاكات بين الجمهور واللاعبين والحكام وجميع المتدخلين في اللعبة... والذي تنتج عنها عدد من الجرائم معاقب عليها قانونيا... فقد تصدى المشرع المغربي للجرائم الرياضية وأقر مختلف القوانين الزجرية والتأديبية من خلال عدة وسائل وأجهزة لردع الجرائم الرياضية بصفة عامة والجرائم الناتجة عن كرة القدم بصفة خاصة، حيث نجد القانون الجنائي وقانون التربية البدنية والقوانين المؤطرة للمؤسسات المنظمة لكرة القدم مثل الجامعة الملكية والعصب الجهوية تعاقب عن الجرائم الرياضية والعنف الناتج عن مباريات كرة القدم.
كما يتدخل القضاء بمناسبة عرض مختلف الجرائم والمخالفات المرتبطة بمقابلات كرة القدم على المحاكم.
فما هي إذن أهم مظاهر المقاربة القانونية والقضائية لمواجهة العنف الرياضي الناتج عن مختلف المقابلات الرياضية في كرة القدم؟
لأجل شرح هذه الإشكالية ومحاولة الإجابة عنها سأقسم هذا الموضوع إلى مبحثين على الشكل التالي:

المبحث الأول: المقاربة القانونية للعنف الرياضي في كرة القدم.
المبحث الثاني:المقاربة القضائية للعنف الرياضي في كرة القدم. 
 
  • المبحث الأول: المقاربة القانونية للعنف الرياضي في كرة القدم.
كانت الرياضة في المغرب وخصوصا كرة القدم إلى عهد قريب غير مقننة بما فيه الكفاية لكن مع ولوج عالم الاحتراف وتبني سياسة عمومية جديدة للنهوض بالممارسة الكروية ببلادنا عرف التشريع الرياضي زخما مهما تمثل في سن مجموعة من القوانين المهيكلة والمتمثلة على سبيل المثال في قانون مكافحة العنف بالملاعب الرياضية[5] وقانون التربية البدنية والرياضات[6] ومختلف القوانين التي تعتمدها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لضبط المنافسة الرياضية وسن تدابير وقائية للحيلولة دون وقوع الجريمة الرياضية[7] .
وإذا كان من الصعب سد كل الثغرات التي يعاني منها قطاع الرياضة ببلادنا، فإن التصدي لبعض المشاكل يتطلب الحزم في التعامل معها، خاصة وأنها أصبحت تكتسي طابع استعجالي، فالشعور بالإحباط وخيبة الأمل الذي تولد عن الإخفاقات المتتالية للفرق الوطنية، لا يمكن أن يبرر ما تشهده الفضاءات والميادين الرياضية أحيانا من استفحال عدد من المظاهر المشينة المرفوضة أخلاقيا وقانونيا وأعمال العنف والاعتداء على الممتلكات العمومية الخاصة[8]، فما هي مظاهر العنف الرياضي الملازمة لمباريات كرة القدم (المطلب الأول)، وكيف قارب القانون الجنائي والقانون التأديبي للجامعة
الملكية المغربي لكرة القدم مختلف الجرائم الرياضية(المطلب الثاني).
 
  • المطلب الأول: مظاهر العنف الرياضي في كرة القدم.
تتعرض المجتمعات الرياضية في الآونة الأخيرة للعديد من الجرائم المختلفة والمتنوعة تبعا لنوعية مرتكبي الجرائم سواء كانوا من اللاعبين أو المدربين أو الإداريين أو المسؤولين عن الرياضة من الجماهير والمشجعين، وقد اختلفت هذه الجرائم بين الشغب والعنف والرشوة والتلاعب بالنتائج...[9]
للإحاطة ببعض مظاهر وتجليات الجرائم الرياضية سأقسم هذا المطلب إلى فقرتين، أتطرق في الأولى إلى ظاهرة الألتراس بالمغرب(الفقرة الأولى) ثم أتناول في (الفقرة الثانية) شغب الملاعب.
 
  • الفقرة الأولى: ظاهرة الألتراس بالمغرب.
ظهرت في السنوات الأخيرة عدة مظاهر احتفالية في مباريات كرة القدم تتخذ طابعا جماعيا منظما تحت مظلة رابطة المشجعين أو ما يسمى "بالألتراس" لتستحوذ على أنظار المشاهدين والمتتبعين لمباريات كرة القدم، وتحت تأثير موجة بروز رابطة المشجعين بأوروبا وأمريكا الجنوبية توالت ميلاد مجموعات من رابطة المشجعين بالمغرب والتي تناصر فرق وأندية البطولة الاحترافية، حيث عرفت سنة 2015 البوادر الأولى لظهور "الألتراس"[10] ويتعلق الأمر بألتراس "كرين بويز" التي تناصر فريق الرجاء البيضاوي، وألتراس عسكري التي تناصر الجيش الملكي، وألتراس "لوس ماطادوريس" التي تناصر المغرب التطواني، وءألتراس إمازيغن التي تناصر حسنية أغادير... وتناسلت مجموعة من الألتراس حيث يكاد يكون لكل فريق من البطولة الاحترافية وأقسام الهواة والعصب ألتراس مرادفا للفريق.
ظهرت مجموعة من الألتراس في المجتمع المغربي وأصبحت تحتل المشهد الرياضي واستقطبت عدد هائل من الجماهير الرياضية خاصة من الشباب، وهذه المجموعات ذات بنية تنظيمية تختلف عن الهيئات المنظمة بمقتضى قوانين كالجمعيات والأحزاب السياسية والنقابات...، فقد فرضت رابطة المشجعين أو الألتراس  نفسها على أرض الواقع و تتواجد بأعداد كبيرة  أثناء المقابلات، ويؤكدون من خلال ذلك أنهم مجموعة متماسكة ومتضامنة وينشدون الأغاني والشعارات المتنوعة للمطالبة  بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية[11] إلى أن سلوكيات ظاهرت الألتراس تجاوزت الضوابط العامة وأصبحت في بعض الأحيان عبئا على السلطات العمومية بفعل أحداث الشغب والفوضى التي تصاحب مباريات كرة القدم والتي تساهم فيها بعض عناصر الألتراس.

لذلك لابد من البحث في مقاربة العنف والشغب المرتبط بكرة القدم و المناسبات الرياضية وإيجاد الحلول القانونية والواقعية لمعالجتها
  • الفقرة الثانية: شغب الملاعب.
أصبحت ظاهرة العنف والشغب ظاهرة واسعة الانتشار في الملاعب الرياضية، وهذه الظاهرة ليست حديثة في المجال الرياضي وإنما هي ظاهرة قديمة قدم الرياضة التنافسية، ولكن الجديد هنا هو تعدد مظاهر العنف والشغب وتغير طبيعته،حيث أصبحت هذه الظاهرة تتعدى حدود الملاعب الرياضية. 
فالكثير من الجماهير الرياضية أخذوا يحتفلون بعد الفوز بطرية غير حضارية عن طريق الاعتداء على الآخرين وإلحاق الأذى بهم أو بممتلكاتهم.
كانت حالات العنف إلى حدود التسعينات عفوية وتلقائية بدون أن تتحول إلى متتالية لتثير الاهتمام، بل فقط حالات شاذة مرتبطة بمباراة بعينها في موسم كروي ما، لكن مع بداية بروز بعض حالات العنف خصوصا في مباريات الدوري البيضاوي، بدأت جامعة كرة القدم في "تفريق" بعض العقوبات من قبيل توقيف ملعب لمباراة أو التزام بعض الفرق بخوض مبارياتها بمدن أخرى، خصوصا بعد مقتل شخص وإصابة 24 آخرين بجروح متفاوتة خلال مباراة الرجاء والوداد شهر أكتوبر من سنة 2009، ووقوع خسائر بملايين الدراهم نتيجة تكسير الحافلات وكراسي الملعب وتجهيزاته الحيوية، إلى الحد الذي دفع إجراء الديربي البيضاوي، الذي ظل حبيسة مدينة الدارالبيضاء منذ سنة 1956، بمدينة الرباط.
واتخذت الجامعة المغربية لكرة القدم بالتعاون مع السلطات المحلية تدابير اعتبرت مؤقتة لاحتوائ ظاهرة العنف في الملاعب من بينها منع الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 16 عاما من دخول الملاعب دون مرافقة أولياء أمورهم و "فتح ملف خاص" لكل من يثبت تورطه في أعمال العنف وتعليق صوره في دوائر الأمن والصحف، لكن هذه الإجراءات غابت عنها الفعالية نظرا لغياب مساطر وإجراءات قانونية واضحة.
وفي السنوات الأخيرة شهدت الملاعب المغربية اجتياح مظاهر العنف وأعمال الشغب كان أبطالها شباب في مقتبل العمر، مظاهر لم تنجح الترتيبات الأمنية ولا قانون الشغب الحد منها.
فالمشجع في الأصل هو ذلك الشخص المنتمي إلى الأحياء الشعبية بعضها يعيش على إيقاع الفقر المدقع، أحيانا قد لا تتوفر على وسطاء اجتماعيين كدور الشباب ومرافق اجتماعية وملاعب رياضية، وهو ما ينضاف على عاملي الأمية والبطالة، هذه المعطيات تساعد على شحن ذلك المشجع المحروم من عدة ضروريات، كل ذلك وسط بيئة تفرض انصياعا معينا للضوابط القانونية والاجتماعية.
إذن الملعب باعتباره المكان الفسيح في المدينة، يعد الفضاء المناسب لذلك المشجع من أجل تفريغ مكبوتات أسبوع كامل، سواء أكان ذلك نتيجة ضغط العمل الروتيني أو العطالة القاتلة، فبالملعب يمكن التفريغ عبر الصراخ والقيام بالحركات المختلفة  بدون أن يحول أحد بينك وبين ذلك، بل بالإمكان أن تسب من تريد من اللاعبين والحكم والمدرب ورئيس الفريق والجامعة إلى إبداء مواقف سياسية على بساطتها أحيانا بدون أن يمنعك أحد، وليس في الأمر توجها نحو تبرير أعمال العنف، وبقدر ما هي محاولة لبسط العوامل المولدة للإحباط والرغبة في الانتفاضة ضد القيم المجتمعية، إلى الحد الذي يضعنا أمام مشجع بشخصيتين، شخصية محبطة إلى حد ما طيلة الأسبوع ، وشخصية متمردة يوم المباراة ما تلبث أن تعود إلى وضعها السابق في اليوم الموالي. 
داخل الملعب هناك مؤثرات قد تؤجج الرغبة في الاحتجاج لدى المشجع، فإلى جانب المشاكل التي رافقت حضور المشجع من المنزل إلى الملعب (ركوب الحافلة بدون أداء التذاكر، تسول ثمن الغذاء وتذكرة للعب، أو تسلق جدار الملعب من اجل الدخول...) فإن قرارا طائشا للحكم أو احتجاجا بطريقة مثيرة من اللاعب أو المدرب قد يؤلب الجمهور بأكمله، كما أن غياب المرافق الضرورية داخل الملعب وسوء المعاملة أثناء ولوج الملعب رغم التوفر على التذكرة وغياب مقاعد الجلوس ومدة انتظار انطلاق المباراة، بما أن بعض أفراد الجمهور يحضرون ساعات للملعب من أجل حجز أماكن الجلوس، كلها عوامل تزرع بذور الرغبة في الاحتجاج وخلق أجواء الاضطراب علما أن ما يذكي ذلك في بعض الحالات هو تناول المخدرات التي جعلت الملعب أحيانا كثيرة فضاء لاستعمالها أكثر من فضاء لمتابعة المباريات.
فالميادين الرياضية أصبحت ميدانا خصبا لتحليل التوترات الاجتماعية والسياسية والنفسية، وتصبح بذلك المنافسة الرياضية خصوصا في الألعاب الجماعية مسرحا لتصرف الهواجس والممنوعات وفضاء للتعبير الحر، تتراشق فيه الجماعات المشجعة بشتى ألوان الاتهامات في إطار عنف رمزي يراد من خلاله القضاء على الخصم بجميع الأسلحة الممكنة وتحويل الهزيمة إلى موقف بطولي بتذكير الخصم بالانتصارات  السابقة وانتظار الثأر لاحقا بمعنى أن المواجهة لم تنته بعد.
من جهة أخرى ووفق دراسة الباحث عبد الرحيم غريب، فإن بعض المتفرجين لا تهمهم المباراة ونتيجتها في شيء بما بأنهم يحضرون للملعب إما من أجل تناول المخدرات أو الاندماج في حالة من هستيريا التشجيع، وبالتالي نحن أمام جمهور قد يمارس عملية التخريب بغض النظر عن نتيجة المباراة، بدليل أن مشجعي الكوكب المراكشي قاموا بأعمال عنف في مراكش رغم فوز فريقهم على اتحاد أيت ملول ب 6 أهداف للاشيء في إطار دوري الدرجة الثانية شهر نونبر من سنة 2011، إذ تمت مهاجمة ثلاث حافلات للنقل الحضري بشارع محمد الخامس وتهشيم زجاج حافلتين بالحجارة ما أدى إلى إصابة أربع نساء بجروح خفيفة، وبالتالي نحن أمام حالة شغب تتجاوز منطق الربح والخسارة، فإذا كانت الخسارة في السابق هي المحدد الرئيسي لأعمال العنف فإن الفوز والخسارة الآن سيان بما أن حضور الجمهور إلى الملعب بدأ في التحول تدريجيا من الحضور من أجل الفرجة إلى الحضور
من أجل العنف.
 
  • المطلب الثاني: المقاربة القانونية لظاهرة العنف المرتبطة بكرة القدم.
بما أن المنافسات الرياضية وخاصة كرة القدم تتميز بالتنافس المحتد والصراع من أجل الفوز بالمقابلة فغالبا ما يصاحبها انفعالات واحتكاكات بين اللاعبين والطاقم المرافق للاعبين والحكام... ومختلف المتدخلين في اللعبة لذلك لابد من سن تشريعات منظمة وقواعد قانونية تفرض الانضباط والاحترام وتأطير السلوكيات المنحرفة الناتجة عن مباريات كرة القدم، فقد تدخل المشرع المغربي لرسم سياسة واضحة في التجريم والعقاب في مجال العنف المرتبط بالمناسبات الرياضية من خلال القانون رقم 09.09[12]. والقوانين الرياضية المختلفة المرتبطة بالمؤسسات الوطنية المؤطرة لكرة القدم في بلادنا. وعليه سنتطرق في هذا المطلب إلى تدخل المشرع من خلال القانون الجنائي لضبط الجرائم الناجمة عن ممارسة لعبة كرة القدم (الفقرة الأولى) ثم سنتناول في (الفقرة الثانية) مختلف القوانين التأديبية الرياضية للمؤسسات الوطنية ذات العلاقة بكرة القدم وما مدى فاعليتها... الحد من العنف الناتج عن مباريات كرة القدم.
 
  • الفقرة الأولى: القانون الجنائي لكرة القدم.
أصبح العنف والشغب ظاهرة واسعة الانتشار في الملاعب الرياضية والتنافسية...، وأصبحت تتعدى حدود الملاعب الرياضية، فالكثير من الجماهير الرياضية أخذوا يحتفلون بعد الفوز بطريقة عنيفة وغير حضارية عن طريق الاعتداء على الأخرين وممتلكات الغير والأملاك العامة...،[13]  لذلك تدخل المشرع المغربي بإصدار القانون رقم 09.09 المعدل والمتمم للقانون الجنائي[14]، لتعزيز المقتضيات القانونية الرادعة لمحاربة العنف الرياضي، وقد عمل هذا القانون عنوان "في العنف المرتكب أثناء المباريات أو التظاهرات الرياضية وبمناسبتها" ويتكون هذل القانون من مادتين، تتكون المادة الأولى من 19 فصلا، وتتكون المادة الثانية من فصل فريد،[15] يتضمن هذا الأخير مقتضيات الدخول حيز التنفيذ والنشر بالجريدة الرسمية[16].
جاء تدخل المشرع لتتميم لمقتضيات القانون الجنائي بموجب القانون رقم 09.09 كعقوبة مشددة، إذ أن جميع مقتضيات هذا التتميم الواردة في المادة 308 من القانون الجنائي جاءت بدايتها على الشكل التالي " دون الإخلال بالمقتضيات الأشد..." في جميع فصول القانون رقم 09.09 ، وذلك رغبة من المشرع لوضع حد للعنف والشغب المتنامي في الملاعب الرياضية والتظاهرات الرياضية المرتبطة بكرة القدم.
فإذا كان القانون الجنائي العام يعاقب على الجرائم دون تمييز بين الجرائم الرياضية والجرائم الأخرى، فإن مع دخول القانون 09.09 حيز التنفيذ أصبح المشرع يهتم بالجرائم الرياضية والأفعال الناجمة عنها لأنها أصبحت تشكل ظواهر خطيرة على حياة الناس والممتلكات الخاصة والعامة وتزعزع الأمن العام، وخص لها عقوبات أشد بموجب فصول المادة 308 من القانون الجنائي الصادر بموجبها القانون رقم 09.09 المذكور.
وإضافة إلى مقتضيات القانون الجنائي الؤطرة لظاهرة العنف الرياضي نجد أم المشرع أفرد نصوصا خاصة أخرى خارج منظومة القانون الجنائي لأجل محاربة ظاهرة العنف الرياضي من خلال القوانين التأديبية للمؤسسات الرياضية الوطنية.
 
  • الفقرة الثانية: القوانين التأديبية الرياضية المرتبطة بكرة القدم.
نضم المشرع المغربي لعبة كرة القدم بإصدار لمجموعة من النصوص القانونية[17]  وأخذت مؤسسات رياضية تهتم بالشأن الكروي والرياضي مثل الجامعة الملكية لكرة القدم، والعصب الجهوية لكرة القدم[18]، وقامت هذه المؤسسات بإصدار العديد من القوانين التأديبية لتأطير اللعبة ومحاربة الجرائم الرياضية والعنف الرياضي[19]، فالقانون التأديبي للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم يعاقب على الأحداث  الخطيرة الواقعة أثناء المباريات من طرف المسيرين أو الحكام أو رسميي المباريات، كما حمل القانون التأديبي مسؤولية إتلاف أو تخريب التجهيزات أو الممتلكات داخل محيط الملعب وعاقب على الأفعال الماسة بالكرامة والشرف.
 
 
  • المبحث الثاني: المقاربة القضائية والتأديبية للعنف الرياضي في كرة القدم.                                                                  
بمجرد حدوث أعمال العنف وجرائم معاقب عليها بموجب نصوص القانون الجنائي وعرضها على القضاء في إطار الدعوى العمومية، تتحرك النيابة العامة في إطار الاختصاصات المخولة لها بموجب نصوص قانون المسطرة المدنية، وتقوم بتحريك الدعوى العمومية اتجاه مرتكبي الجرائم أثناء المقابلات الرياضية أو بمناسبتها، ويتدخل القضاء العادي للبث في مختلف القضايا والنزاعات المرتبطة بكرة القدم وإصدار أحكام وقرارات في شأنها، إلا أن تدخل القضاء الجنائي والهيئات التأديبية التابعة لمؤسسات كرة القدم الوطنية تتضمن قواعد وإجراءات مسطرية منصوص عليها قانونا. سنتطرق في هذا المبحث لإجراءات البحث التمهيدي وحالات التلبس المرتبطة بكرة القدم كمظهر من مظاهر تدخل القضاء الجنائي (المطلب الأول)، ثم نتطرق في (المطلب الثاني) للمسطرة التأديبية في الجرائم الرياضية التي تسلكها الهيئات التأديبية للبث في المخالفات المرتكبة بمناسبة مباريات كرة القدم.
  • المطلب الأول: المسطرة القضائية في الجرائم المرتبطة بكرة القدم
تعتبر إجراءات المتابعة التي تقوم بها الضابطة القضائية تحت إشراف النيابة العامة إجراءات أساسية لضبط الجرائم الناتجة عن مباريات كرة القدم في إطار قانون المسطرة الجنائية والقانون التأديبي للجامعة الملكية لكرة القدم، ويمكن التمييز في الجريمة الرياضية بين إجراءات البحث التمهيدي (الفقرة الأولى)، وكذا حالات التلبس في ارتكاب جريمة بمناسبة مباراة كرة القدم (الفقرة الثانية).
  • الفقرة الأولى: إجراءات البحث التمهيدي في الجرائم المرتبطة بكرة القدم.
تتم إجراءات البحث التمهيدي في الجرائم الرياضية العادية التي لا تندرج في حالات التلبس، حيث تقوم الضابطة القضائية عندما ترد على شكاية أو وشاية عن وقوع جريمة بالأبحاث اللازمة والمعاينات الضرورية للتحقق في الجريمة، حيث يمكن لها الاستماع إلى الأطراف المعنية والشهود وإجراءات الحجز والتفتيش إذا اقتضى الحال، والوضع تحت الحراسة النظرية لكل شخص مفيد الاستماع إليه تحت إشراف النيابة العامة. ويخول القانون للضابطة القضائية تحرير محضر يضمن فيه كل ما تلقاه ضابط الشرطة القضائية من تصريحات أو عاينه أثناء مقابلة كرة القدم من عنف أو أعمال شغب في إطار اختصاصاته المؤطرة بموجب المادة 24 من قانون المسطرة الجنائية ، كما يتعين أن تكون هذه المحاضر مضبوطة وفق مقتضيات المادة 289 من قانون المسطرة الجنائية. وقد أعطى القانون للمحاضر المحررة من طرف الضابطة القضائية قوة ثبوتية حيث نصت المادة 290 من قانون المسطرة الجنائية على أن المحاضر والتقارير التي يحررها ضباط الشرطة القضائية في شأن التثبيت من الجنح والمخالفات يوثق بمضمونها إلى أن يثبت العكس بأي وسيلة من وسائل الإثبات ، وأن أي محضر أخر أو تقرير مثل تقرير مندوب المقابلة أو الحكام فلا يعتبر حسب مقتضيات قانون المسطرة الجنائية مجرد  معلومات[20].
 
  • الفقرة الثانية: التلبس في جرائم كرة القدم.
تتحقق حالات التلبس حسب المادة 56 من قانون المسطرة الجنائية في الحالات التالية:
*إذا ضبط الفاعل أثاء ارتكابه الجريمة أو على إثر ارتكابها.
*إذا كان الفاعل مازال مطاردا بصياح الجمهور على إثر ارتكابها.
*إذا كان الفاعل بعد مرور وقت قصير غل ارتكاب الفعل حاملا أسلحة أو أشياء يستدل معها أنه شارك في الفعل الإجرامي أو وجد عليه أثر أو علامات تثبت هذه المشاركة،
وعلى ضوء الحالات المذكورة أعلاه يمكن تصور الجريمة الرياضية والأفعال المجرمة قانونا مثل الضرب أو كسر ممتلكات الغير.. في حالة تلبس الفاعل.
حيث يترتب على حالة التلبس، تطبيق مسطرة البحث التلبسي واتخاذ تدابير في مواجهة الأشخاص المتلبسين وكذا تدابير تخص الأشياء التي تكون في حوزة الفاعل أو في مسرح الجريمة.
 
  • المطلب الثاني: المسطرة التأديبية في الجرائم المرتبطة بكرة القدم.
أثناء مباراة كرة القدم ترتكب عدة مخالفات يرصدها ويسجلها حكم المباراة ويتخذ بشأنها عقوبات فورية تتمثل في توجيه الإنذارات أو الطرد أو توقيف المباراة بالنظر إلى جسامة المخالفات المرتكبة ، كما يخول القانون التأديبي للجامعة الملكية لكرة القدم والقانون التنظيمي للمنافسات الرياضية حق الاعتراض على لقرار الحكام. فما هي إجراءات تسجيل المخالفات من طرف حكام المباريات (الفقرة الأولى)، وكيف يمكن الاعتراض على قرارات الحكام (الفقرة الثانية).  
  • الفقرة الأولى: تسجيل المخالفات من طرف الحكام.
تعتبر ورقة المباراة وقرار حكم المقابلة و المندوب من الوسائل الأساسية التي بواسطتها يتم تسجيل المخالفة التي تمت معاينتها أثناء المباراة[21].
وتحرر ورقة المباراة في أربع نسخ يوجه الأصل إلى الجامعة الملكية لكرة القدم أو العصبة داخل أجل 24 ساعة التي تلي المباراة،...، كما أوجب القانون التنظيمي للمنافسات الرياضية على حكم المباراة أو المندوب إعداد تقرير يشار فيه إلى نتيجة المباراة والأحداث البارزة فيها حسب مقتضيات المادة 27 من القانون التنظيمي للمنافسات الرياضية.
وتحضى ورقة المباراة والتقارير المعدة من طرف الحكام بحماية خاصة سواء من القانون التأديبي للجامعة الملكية لكرة القدم أو في إطار القانون الجنائي[22].
ومنح القانون التأديبي حماية وحصانة خاصة برسمي المباراة من حكام ومندوبين من خلال المواد 56، 57 و52 من القانون التنظيمي للمنافسات الرياضية وذلك لتفادي العنف ضد رسميي المباراة والعنف الذي قد يتعرض له الحكم من طرف اللاعبين أو المسيرين أو الجمهور، كما خول القانون التنظيمي للمنافسة الرياضية للمتضرر سلوك حق الاعتراضات ضد قرارات الحكام أو اعتراض على أهلية اللاعبين أو الاعتراضات التقنية.
  • الفقرة ال
  • ثانية: الاعتراضات والطعون على قرارات المباريات.
يمكن للأندية المتضررة من خرق قانون لعبة كرة القدم [23]، إما بإشراك لاعب غير مؤهل أو اعتراض على قرارات الحكم المؤثرة على المباراة التعرض على ذلك بموجب شكليات معينة لتوجيه المطالب إلى الجامعة الملكية أو العصبة[24]وتعرض هذه المطالبات على عميد الفريق الخصم والحكم الرئيسي الذي يصادق معه عليها، ويتعين أن تكون هذه الاعتراضات كتابية توجه إلى الجامعة أو العصبة داخل مدة 24 ساعة من تاريخ إنهاء المقابلة مقابل إشهاد يثبت التوصل، كما يجب أن يكون الاعتراض مؤدى عنه في حساب الجامعة الملكية لكرة القدم أو العصبة الجهوية لكرة القدم .
كما يمكن اللجوء إلى القضاء الإداري للطعن في قرارات المؤسسات الرياضية الوطنية باعتبارها قرارات أدارية قابلة للطعن بالإلغاء  لأجل تجاوز السلطة، فقد اعتبرت محكمة النقض في عدة قراراتها أن الجامعة الملكية جمعية خاصة وأن قراراتها التأديبية قابلة للطعن بالإلغاء للشطط في استعمال السلطة لكونها تدخل في إطار امتيازات السلطة العامة[25]


الخاتمة:

من خلال ما سبق يتبين أن دراسة العنف المرتبط بالرياضة ومباريات كرة القدم، له أبعاد متعددة تجاوزت نطاق اللعبة وأرضية الميدان ودخلت في نطاق مسميات حديثة مثل رابطة المحبين "الألتراس"، وشغب الملاعب، لذلك وجد المشرع نفسه مضطرا لإيجاد آليات تشريعية وتنظيمية للحد من تداعيات أعمال العنف المرتكب من طرف جمهور كرة القدم، وأصدر القانون رقم 09.09 المتمم للقانون الجنائي قصد إعمال مبدأ تشديد العقوبة المرتبطة بالجرائم المرتكبة أثناء المباريات أو بمناسبتها، إلا أن هذا التشدد أبان عن محدوديته في الحد من العنف الرياضي لأن أغلب مرتكبيه من الشبان والقاصرين الذين يتصرفون بعفوية وحماس بدون قصد جنائي في الغالب ، بل أنهم غير مدركين بوجود مقتضيات قانونية رادعة في هذا الشأن.
لذا لابد من إعادة النظر في المقاربة القانونية والقضائية  لحالات العنف الرياضي المتزايد، وإيجاد حلول واقعية تتمثل في الاهتمام بالتربية الرياضية وانخراط المؤسسات الوطنية المرتبطة بالرياضة وكرة القدم مثل الجامعة الملكية المغربية للكرة القدم، والعصب الجهوية لكرة القدم، في التعبئة الشاملة بالروح الرياضية والثقافية الكروية السليمة عبر فتح ورشات للتواصل وندوات علمية وأكاديمية تدور محاورها حول محاربة العنف الرياضي وشفافية الممارسة الرياضية ببلادنا.     
   


الهوامش
[1]  يعتبر الأمازيغ من الشعوب الأوائل في ممارسة كرة القدم بأشكال مختلفة شبيهة إلى حد ما باللعبة في الوقت الحاضر, حيث أطلقوا عليها اسم  "تاشورت" و "تاكورت"، المزيد من التفاصيل راجع : منصف اليازغي " مخزنة الرياضة في المغرب" كرة القدم نموذجا، مطبعة النجاح الجديدة، الدارالبيضاء، الطبعة الأولى لسنة 2006، ص: 4.
[2]  منصف اليازغي، م.س، ص : 14.
[3] حفصة المومني " الجريمة الرياضية من القانون الجنائي والقانون التأديبي للجامعة الملكية لكرة القدم " دار النشر المعرفة، طبعة 2014، ص: 21.
[4]  الموقع الإلكتروني www.FRME.ma  تاريخ الإطلاع: 16/03/2017 .
[5]  ظهير شريف رقم 1.11.38 الصادر في يونيو 2011 بتنفيذ القانون رقم 09.09 المتعلق بزجر بعض أشكال العنف أثناء المباريات والتظاهرات الرياضية أو بمناسبتها، منشور الجريدة الرسمية عدد 595 بتاريخ 30 يونيو 2011 ص: 3061.
[6]  ظهير شريف رقم 1.10.15 بتاريخ 10.08.24 بتنفيذ القانون رقم 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضات ، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5885 بتاريخ 05/10/2010. 
[7]  للمزيد من التفاصيل حول مختلف القوانين والمراسيم المتعلقة بقانون الرياضة راجع منصف اليازغي، "قانون الرياضة" مطبعة النجاح الجديدة، الدارالبيضاء، الطبعة الأولى 2012.
[8]  مقتطف من رسالة جلالة الملك محمد السادس الموجهة إلى مناظرة الصخيرات حول الرياضة بتاريخ 24/10/2008 .
[9]  حفصة المومني،"الجريمة الرياضيية بين القانون الجنائي والقانون التأديبي للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم " منشورات المعارف،الرباط، طبعة 2014،ص: 41.
[10]  فهي بوشعيب "ظاهرة الألتراس بالمغرب" ، مطبعة الأمنية، الرباط، طبعة 2016 ، ص:16 وما بعدها.
[11]  على سبيل المثال شعار ألتراس  الرجاء البيضاوي الذي أصبح عالميا بفضل العدد الكبير من الجمهور الذي يردده على الصعيد العالمي حيث بمجرد فتح مواقع التواصل الاجتماعي للبحث عن أغاني الألتراس تجد في مقدمتهم أغنية "في بلادي ظلموني"  
[12]  راجع الفرع الثاني من مجموعة القانون الجنائي التي تممت بموجب القانون 09.09 الصادر بتنفيذ الظهير الشريف رقم 1.11.38 والمتعلق بالعنف والشغب أثناء المباريات أو التظاهرات الرياضية أو بمناسبتها..."
[13]  للمزيد من التفاصيل راجع أحمد السقا "شغب الملاعب...سلوك عدواني لإلحاق الأذى الجسدي والنفسي" مقال منشور في مجلة كتب في الرياضة "شغب الملاعب"، مطبعة ألوان الريف، سلا، طبعة 2013، ص: 41 ومابعدها.
[14]   ظهير شريف رقم 1.11.38 بتاريخ 2 يونيو 2011 المتعلق بتنفيذ القانون رقم 09.09 بتتميم مجموعة القانون الجنائي الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5956 بتاريخ 30 يونيو2011  ص: 3081.  متعلاال
[15]  للمزيد من التفاصيل راجع منصف اليازغي "شغب الملاعب" م.س،.ص: 61.
[16]  تنص المادة الثانية من القانون 09.09 المتعلق بتتميم مجموعة القانون الجنائي على أن :" يدخل هذا القانون حيز التنفيذ بعد ثلاث أشهر من نشره في الجريدة الرسمية".
[17]  للإطلاع على مختلف القوانين المنظمة للرياضة راجع:
*منصف اليازغي"قانون الرياضة" مجلة كتب في الرياضة، مطبعة النجاح الجديدة ، الدارالبيضاء.
*عصام ناجح أبوشهاب،  محمود حسين الأطرش " قانون كرة القدم" دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2016
[18]  تصدر العصب قرارات تأديبية تجاه الأندية أو رسميي المقابلة المخالفين للقوانين والأنظمة والقرارات الجاري بها العمل في قانون كرة القدم، وتعقد اجتماعات دورية للاطلاع على العمل اللجنة الجهوية للتأديب والروح الرياضية دون التدخل في قراراتها التي تتخذها بالاستقلالية تامة، ويمكن للمتضرر الاستئناف امام اللجنة الجهوية للاستئناف. راجع في هذا الصدد :
*جمال الكعواشي ،عبد الوهاب بولغالغ ، الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم "عصبة الشرق"، الجمع العام العادي، الموسمين الرياضيين ". 2019 .2018­ و 2019. 2020 . غير منشور.   
[19]   للمزيد من التفاصيل راجع :
*منصف اليازغي قانون الرياضة م.س
*حفصة المومني ، الجريمة الرياضية، م.س.
[20]  تنص المادة 291 من قانون المسطرة الجنائية على مايلي: "لا يعتبر ماعدا ذلك من المحاضر أو التقارير إلا مجرد معلومات..."
[21]  حفصة المومني، م.س، ص: 100 وما بعدها.
[22]  تنص المادة 29 من القانون الرياضي التنظيمي للمنافسات الرياضية على أنه " كل تزوير لنسخة من ورقة المباراة يعاقب عليها طبقا للقانون التأديبي بغض النظر عن المتابعات الجنائية المحتملة التي يمكن أن تسلكها الجامعة أو العصبة تجاه الفاعلين المفترضين".
[23]  المادة الثالثة من القانون التأديبي للجامعة الملكية لكرة القدم .
[24]  المادة 71 من القانون التأديبي للجامعة الملكية لكرة القدم.
[25]  Micle rousset le service  public au maroc, édition la porte , Rabat , 1994, p :98 

الجمعة 22 ماي 2020


عناوين أخرى
< >

تعليق جديد
Twitter