Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



المؤسسة البرلمانية بالمغرب: توصيفات التردي ورهانات الإصلاح الدستوري الجديد لسنة 2011


     

ذ لزعر عبد المنعم

باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري
جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق أكدال الرباط



المؤسسة البرلمانية بالمغرب: توصيفات التردي ورهانات الإصلاح الدستوري الجديد لسنة 2011
   احتلت المؤسسة البرلمانية مكانة متميزة في الجدال الذي احتدم لسنوات طويلة حول   سؤال الإصلاح الدستوري والسياسي، جدال امتزجت داخله العديد من الرؤى التحليلية و النقدية التي توحدت لكشف أعطاب الممارسة البرلمانية ومظاهر التردي الذي شهدته على أكثر من مستوى.

وفي هذا السياق برز للمتتبعين قاموس دال يعبر عن خيبة الأمل في قدرة المؤسسة المذكورة على النهوض بمهامها التمثيلية والتشريعية والرقابية، بعدما أصبحت رهينة سياجات  اشتغلت كمتصدي لحركيتها وفعاليتها، على امتداد الزمنية التي تفصل بين التجربة البرلمانية الأولى سنة 1963 والتجربة البرلمانية الأخيرة من عمر الدستور الخامس للمملكة.

 وكتعبير عن هذا الواقع الذي أصبح أكثر بروزا مع احتجاجات حركة 20 فبراير، بدأ الجميع يتلمس طريق الخروج من دائرة الجمود التي أصابت النظام السياسي المغربي إلى آفاق النموذج الديمقراطي التنموي المتميز، حيث جرى الإعلان عن تشكيل لجنة للصياغة دستور جديد، كان من بين مهامها إعادة النظر في بنية ومحتوى ووظائف المؤسسة البرلمانية.

      من هنا نتساءل: عن أية هوية يعبر البناء الدستوري الجديد للمؤسسة البرلمانية؟ وأي فلسفة تمثيلية سيقوم عليها؟ هل هي مؤسسة بفلسفة جديدة؟ و بسياق مجتمعي جديد؟ أم هي مجرد صورة أخرى من الصور التي تتخفى وراءها تقليدانية التمثيل الوفية لروح العقلنة البرلمانية؟ ثم هل سيمكن الدستور الجديد من نقل البرلمان من واقع الوهم إلى تجليات التمثيل الفعلية؟ ومن باحة لتسجيل الحضور إلى ميدان للفعل والتفاعل؟ وهل سيخلص الإصلاح الدستوري الجديد الفعل البرلماني من قاموس التردي، ليضفي عليه صبغة الرهان الإستراتيجي الذي يحمل على عاتقه عبء بناء مسلسل الانتقال الديمقراطي، وتحصين مسار التنمية البشرية المنشودة؟
.
إن مسايرة هذه الأسئلة وغيرها، يجعلنا نفترض أن هوية المؤسسة البرلمانية التي ستنبثق بعد تبيئة نصوص دستور 2011 لن تنسلخ عن أهم مبادئ العقلنة
البرلمانية، وإن كانت الصورة التي سيقدمها هذا الدستور لهذه المؤسسة وما ستوحي به من دلالات بعد التحامها مع محيطها الاجتماعي والسوسيوثقافي، سيفرز لا محالة قاموسا مختلفا سيحتفظ ببعض توصيفاته المألوفة، وستنضاف إليها توصيفات أخرى ستتجلى معالمها وطبيعتها وجدواها مع دخول هذه المؤسسة مرحلة التجريب
.
وهكذا، سيكون اختبارنا لمدى جدية هذه الفرضية، عبر المحاور التالية
:
أولا: برلمان الوهم و التردي أية توصيفات

 تزخر الكثير من الدراسات التحليلية، ومقالات الرأي، وتصريحات الفاعلين والمهتمين بقياس فعالية المؤسسة البرلمانية وتقييم حصيلتها التمثيلية والتشريعية والرقابية، بالعديد من التوصيفات التي تعبر عن حالة التردي الذي عرفها البرلمان على امتداد التجارب البرلمانية المتعاقبة، وهكذا يمكن التمييز بين التوصيفات التالية
:  
 -1 -  مسرح مثير بأدوار رمزية

      يستمد هذا التوصيف شرعيته من أطروحة علم الاجتماع ج. بلاندين G.Balancher حول "السلطة على الخشبة" التي تقوم على فكرة أساسية، وهي أن السلطة أينما كانت لا تنتج نفسها إلا عن طريق الفرجة، ومن هنا نظر ألان كليس إلى البرلمان المغربي كمكان للتمثيل ليس بمعناه النيابي ولكن بمعنى العرض المسرحي، حيث لا يتم النقاش السياسي داخل البرلمان وإنما يتم في مكان آخر، ورغم أن هذه المؤسسة تشتغل في حدود التمثيل الرمزي، فإن الجميع مع ذلك يشارك في عملية صنع الفرجة، وقد ظل هذا التوصيف لصيقا بالمؤسسة البرلمانية حتى في ظل دستور 1996 الذي أسس لحركة تغيير واسعة في بعض مراكز القوى و بعض قواعد اللعبة السياسية، إذ واصل البرلمان ابتعاده عن مستويات ممارسة السلطة، بشكل أزم وضعيته وشوه صورته وحط من قيمته أمام الرأي العام، وذلك بسبب هيمنة التدبير التوافقي للملفات الكبرى، وتفضيل النظام السياسي لمنظور المناظراتي في التعاطي مع العديد من المواضيع، من خلال الاعتماد على الخبرات التقنوقراطية للجان والهيئات الخاصة على حساب الهيئات الحكومية و البرلمانية، كل هذا التجاوز زكى المسكوت عنه في اللعبة البرلمانية، والمتمثل في كون المؤسسة البرلمانية ليست مجالا لممارسة السلطة بقدر ما هي مجال للتمثيل الرمزي وفضاء للتعبير عن وهم الحراك والتغيير الاجتماعي ليس إلا.
 
    هذه الفكرة رغم أنها وجدت من يعارضها من بعض فقهاء القانون الدستوري، الذين نظروا إلى البرلمان على أنه لحظة من حياة النظام السياسي قبل أن يكون مسرحا، وهو موضوع للصراعات الاجتماعية والتاريخية قبل أن يكون مؤسسة للاندماج الرمزي، فإن هذه الفكرة مع ذلك، استطاعت أن تنفذ إلى عمق الخطاب الاجتماعي بالمغرب، وما الحضور القوي لشعار "يا مغربي يا مغربية البرلمان عليك وعليا مسرحية" في خطاب مجموعات الأطر المعطلة و حركة 20 فبراير، إلا تعبير على جاذبية هذا التوصيف.
  • 2- برلمان معقلن داخليا ومراقب خارجيا
     منذ البدء وجد النظام المغربي نفسه موصوفا بالنظام البرلماني المعقلن، الذي أصبح يتحرك على أساس قاعدة صلبة مفادها: "أن الحكومة تتوقع وتوجه، والبرلمان يراقب"، وبموجب هذه القاعدة عملت الدساتير المتعاقبة في جل الأنظمة البرلمانية بالاعتراف للحكومة بالتحكم في سير عمل البرلمان، حيث كان لدستور الجمهورية الفرنسية الخامسة الفضل في التأسيس لعقلنة برلمانية محكمة، قبل أن يتم استنساخ آلياتها بشكل كلي من طرف مهندسي الوثيقة الدستورية لسنة 1962 وغيرها من الوثائق التي تلتها، ومن بين هذه الآليات نذكر:

 الصلاحيات القوية والواسعة التي أسندت للمؤسسة الملكية بموجب الفصل 19، إسناد سلطة حل البرلمان للملك، تحديد مجال القانون، تقييد السلطة المالية للبرلمان، هيمنة الحكومة على جدول أعمال البرلمان، وعلى سريان مسطرة اختيار ومناقشة النصوص القانونية داخل المؤسسة البرلمانية، التقنين الدقيق للممارسة البرلمان لملتمس الرقابة و إخضاعه لشروط تجعل من الصعب ممارسته، تخصيص جلسة أسبوعية واحدة للأسئلة الشفوية، وضبط الإطار الذي تمارس فيه هذه الرقابة، وغيرها من الآليات التي لا يتسع حيز هذه الدراسة لذكرها.

      في ظل هذه الهندسة الدستورية المعقلنة، أصبح البرلمان موصوف بأنه لا يقوم بأدواره كاملة، سواء في مجال التشريع حيث تحول إلى غرفة لتسجيل الإعداد المتتالي للنصوص التي يعدها التكنوقراطي في الإدارة لفائدة الحكومة، وفي مجال المراقبة عرف نشاطه انحصارا بينا بسبب غياب الفعالية والتأثير، ويزداد الأمر تعقيدا إذا ما استحضرنا المراقبة المفروضة عليه خارجيا والتي تجعله غير مستقل في أداء أدواره التمثيلية والتشريعية والرقابية، كل هذا يفسر خيبات الأمل التي طبعت نظرة قطاعات واسعة من المجتمع إلى المؤسسة البرلمانية، والى نشاطها بشكل عام، ومن إمكانية تأثيره في الحقل السياسي المغربي.
  • 3- غرفة ثانية أضعفت البرلمان والحكومة معا
        أفرزت تجربة الثنائية البرلمانية التي يعتبر عمرها بعمر دستور 1996 الكثير من الإشكالات والعديد من المآخذ التي سجلها فقهاء القانون الدستوري والفاعلين السياسيين والحقوقيين، خاصة على شكل ومضمون مجلس المستشارين، والذي نظر إليه ومن زوايا مختلفة، باعتباره " نسخة مطابقة لمجلس النواب"، لا يقوم بأي دور سوى" تقزيم مجال اشتغال الغرفة الأولى"، وتعطيل "العمل التشريعي وعمل المراقبة"، وحتى "عمل الحكومة "، وغيرها من التوصيفات التي تأكد المأزق الذي وجدت فيه هذه المؤسسة. 

     فإذا كان الجميع يتفق على أن الغرفة الثانية قد وفقت في مهمتها بنجاح في تأمين التناوب السياسي، والتحكم في مراقبته، فإن مساهمتها مع ذلك في المجال التمثيلي والتشريعي والرقابي ظلت محدودة، بل أكثر من ذلك كانت سببا في بروز إنتاج تشريعي ورقابي يفتقد إلى التكامل والتمايز ويسقط في الروتين والعبث مع تكرار نفس العمل سواء كان تشريعيا أو رقابيا بين المجلسين، مما دفع العديد من الباحثين و المتتبعين إلى المطالبة بإلغاء مجلس المستشارين أو على الأقل إعادة النظر في تركيبته وصلاحياته.
  • 4 - مراقبة ضعيفة غير مؤذية
  •  
      تحتل الوظيفة الرقابية مكانة خاصة بالعمل البرلماني، نظرا لما تمثله من تعبير عن فكرة الرقابة الشعبية على الحكومات، ورغم أن هذه الوظيفة أصبحت هي جوهر البرلمانات المعقلنة بعدما رجحت كفة صنع السياسيات العمومية لصالح الحكومات، فإن الواقع العملي يبين أن البرلمان المغربي من خلال هياكله وأعضائه يجدون صعوبة في إثبات دورهم في ممارسة الرقابة.

    تحدث دستور1996 والنظامين الداخليين لمجلسي البرلمان على منظومة متكاملة من الوسائل الرقابية التي يستطيع أعضاء البرلمان فرادى أو عبر مجموعات ممارستها على أعضاء الحكومة، منظومة تظم وسائل رقابية مختلفة ومتنوعة ومتفاوتة من حيث درجة الأذى الذي تلحقه بالحكومة، كالأسئلة البرلمانية، وملتمس الرقابة، وملتمس توجيه تنبيه، ولجان تقصي الحقائق، وآليتي الاستماع و الاستطلاع، بالإضافة إلى الدور الرقابي الذي توفره اللجان البرلمانية أثناء مباشرة مسطرة التشريع.

   ورغم ما يمكن أن تثيره هذه الوسائل من قدرة على دفع الحكومة إلى تحسين أدائها، و إظهار مكامن القوة أو الضعف في السياسات العامة للبلاد، وكذا تسليط الضوء على الاختلالات أو المشاكل التي قد تطبع تنفيذ بعض السياسات العامة أو القطاعية، فإن الحصيلة العامة لهذه الآليات مع ذلك لم ترقى إلى المستوى المأمول، حيث ظلت مسطرة تقديم ملتمس الرقابة بدون استعمال ولو على سبيل التحذير أو التهديد، أما لجان تقصي الحقائق والتي تم استعمالها بشكل ضئيل، فإنها لم تقدم أي قيمة مضافة في مجال المراقبة، نظرا لبعض المشاكل البنيوية المرتبطة أساسا بمحدودية الإطار القانوني المنظم لها والظروف العامة المتعلقة بسريان أشغالها، والتي ساهمت في إفراغ قرارات هذه اللجان من أي سلطة تقريرية، في حين تبقى الجلسة العمومية الخاصة بالأسئلة الشفوية التي شهدت تهافتا كبيرا من طرف البرلمانيين على استعمالها بعيدة عن ممارسة الرقابة الفعلية وتنحى إلى ممارسة مراقبة وهمية غير مؤذية، تزكي الطابع الرمزي والمسرحي للبرلمان المغربي.

     إن ضعف الأداء الرقابي للمؤسسة البرلمانية أدى بشهادة جميع الباحثين والمتخصصين في العمل البرلماني إلى زيادة حالة عدم الرضا الشعبي على سياسات المؤسسة البرلمانية، التي أصبح ينظر إليها كفضاء خال من أي رهان حقيقي، وذلك بفعل محدودية الأفق وغياب الرؤية الإستراتيجية والاستشرافية لدى النخبة البرلمانية المغربية.
 
 
-5- نخبة تحتكر مجال الانتداب على حساب جوهر التمثيل

     الحديث هنا على ظاهرة بات البرلمان المغربي مسرحا لها وهي ظاهرة مراكمة النخبة البرلمانية لأكثر من انتداب انتخابي ساري المفعول بصفة متزامنة، هذه الظاهرة التي ارتبطت بأول تجربة برلمانية عرفها المغرب بداية الاستقلال، وتطورت ونمت في ظل غياب سياسة  تحد من انتشارها، إلى أن أصبح حضورها قويا خلال التجارب البرلمانية الأخيرة، حيث تشير الإحصائيات إلى أن غالبية أعضاء مجلس النواب الذي تمخض عن الانتخابات التشريعية لسنة 2007 يحترفون ظاهرة الجمع بين الانتدابات بنسبة  74.76%، في حين تتراوح نسبة الجمع داخل الفرق النيابية بين92.85% كأعلى معدل مسجل في صفوف نواب فريق الأصالة والمعاصرة، ونسبة 50% كأدنى معدل مسجل في صفوف الفريق الاشتراكي.

     أما على مستوى الجمع بين التمثيلية النيابية والمسؤوليات التنفيذية المحلية، فإن الوضع لا يختلف كثيرا إذ تشير ذات الإحصائيات إلى أن 35.69 % من أعضاء مجلس النواب هم في نفس الوقت رؤساء جماعات محلية، و9.23% منهم هم في نفس الوقت أعضاء في مكاتب مسيرة و 10.15 % منهم هم في نفس الوقت أعضاء في المجالس التداولية، بمعنى أن أزيد 55 % من النواب يضطلعون بمهام تنفيذية على الصعيد المحلي بجانب التمثيلية النيابية على الصعيد الوطني، سواء تعلق الأمر بنواب الأغلبية أو نواب المعارضة، دون الأخذ بعين الاعتبار العضوية في مكاتب مجالس العمالات والأقاليم، والعضوية في مكاتب المجالس الجهوية، والعضوية في مكاتب مجالس الغرف المهنية.

     إن سياسة الاحتكار هذه التي نهجتها النخبة البرلمانية، كانت لها الكثير من التأثيرات البنيوية والتجليات الخطيرة على مسار وصورة المؤسسة البرلمانية بالمغرب، وجوهر التمثيلية البرلمانية، وحصيلة المؤسسة في المجال التشريعي والرقابي. الأمر الذي دفع الكثير من الباحثين إلى المطالبة بإعادة ضبط هذه الظاهرة، التي أثبت الواقع محدودية نشاط الأشخاص المعنيين بها، لأن قدرة هؤلاء على تتبع الملفات، تبقى محدودة و دون المستوى المطلوب، وهو ما ينعكس مصالح الساكنة وتنميتها، الأمر الذي يستلزم وضع سلسلة من التدابير والإجراءات، لتكريس المنع النهائي لأي جمع بين المهام.

     في ضوء هذه التوصيفات، هل استطاع دستور 2011 بناء دعائم قوية للانتقال، من برلمان الرمز إلى برلمان السلطة، و من واقع التردي إلى ميدان والفعل والتفاعل؟.            

ثانيا: برلمان دستور 2011 بأي رهانات؟

      أثار دستور 2011 التي جرى التصويت عليه بأغلبية فاقة 98% الكثير من القراءات، وذلك بحسب مواقع الفاعلين ومواقفهم السياسية، فهناك من اعتبره تقدما ملحوظا من حيث البناء المؤسساتي للبلاد، وهناك من اعتبره دستورا ديمقراطي يمكن أن يضع حدا فاصلا بين مرحلة الاستبداد ومرحلة الدخول إلى الديمقراطية، وبالمقابل نظر إليه البعض الآخر على أنه تكريس لنفس الثوابت الدستورية السابقة.

    غير أن ما يهمنا من هذا النقاش هو هوية المنظومة الدستورية التي قدمها المشرع الدستوري للانتقال من برلمان الرمز إلى برلمان السلطة، و طبيعة التوصيفات الممكنة لقراءة واقع المؤسسة البرلمانية في إطار زمن وسياق مختلف عن سياق الأزمنة التي شهدت على ولادة النماذج البرلمانية المختلفة التي عرفها التاريخ البرلماني المغربي.
  • 1- تغيير في ظل الاستمرارية
     من بين ابرز القراءات الراهنة لدستور 2011 انه دستور يجسد في مبناه ومعناه فلسفة دستورية تروم إلى التغيير في ظل الاستمرارية، أو الإصلاح في إطار الاستمرارية، يبرر البعض هذا التوجه بطبيعة الجغرافيا السياسية والاجتماعية التي يعرفها المغرب، حيث أن واقع النخبة السياسية، ودرجة الوعي الديمقراطي، والثقافة السياسية الناظمة للمؤسسات كلها متغيرات تجعل التغيير ضمن الاستمرارية الخيار الأمثل والأنسب لمسار التطور السياسي بالمغرب.

      يتضح جليا من خلال قراءة فصول الدستور الجديد أن الكتلة النصية التي تتأسس عليها بنية ووظيفة و مجال تحرك المؤسسة البرلمانية تعكس بشكل جلي هذا التوجه، وهو ما يعني أن هذا الدستور لم يؤسس لفكرة القطيعة الكلية مع بعض قواعد وآليات النظام البرلماني الكلاسيكي التي كانت ترهن تطور الممارسة البرلمانية بالمغرب، حيث يلاحظ المتتبع اسمرار ارث العقلنة البرلمانة في إنتاج نفسه والكشف عن هويته عبر أكثر من مقتضى وإجراء دستوري.

    يكاد يكون هناك إجماع على أن الدستور الجديد عمل على توسيع مجال القانون من تسعة مجالا بموجب الفصل 46 من دستور 1996 إلى ثلاثين مجالا بموجب الفصل 71 من دستور 2011، وهو ما اعتبر مؤشرا على إعادة الاعتبار للمؤسسة التشريعية فيما يتعلق بدورها في مجال إعداد السياسات العمومية ومراقبتها وتقييمها، لكن القراءة الدقيقة للنصوص توحي -عكس الانطباع الأول- أن مجمل هذه الاختصاصات تم نقلها من دستور 1996 ولكن هذه المرة بشكل من التدقيق و التفصيل المضلل، مع إضافة مجالات جديدة تتعلق أساسا بالعفو العام ومعايير التقطيع الانتخابي والاتفاقيات الدولية، وهو ما يزكي فرضية الاستمرارية، والتي يتأسس عليها القول أن الدستور الجديد بقي وفيا لفكرة تحديد مجال القانون على سبيل الحصر، ولروح فلسفة العقلنة البرلمانية، من خلال الاحتفاظ بغالبية القواعد والآليات الدستورية المرتبطة باستقرار العمل المؤسسساتي.

     هذه القواعد المحتفظ بها، كان ينظر إليها في مجملها على أنها السبب الرئيسي في تبخيس دور البرلمان التشريعي والرقابي، حيث تشير أرقام الحصيلة الدورية أو السنوية لهذه المؤسسة بمجلسيها، إلى تفوق القوانين ذات المصدر الحكومي على مقترحات القوانين ذات المصدر البرلماني، حيث لا تتجاوز نسبة هذه الأخيرة في أفضل الأحوال 10% من مجموع الإنتاج التشريعي الصادر بموجب الفصل 46 من دستور 1996 والذي يقابله الفصل 71 من الدستور الجديد، وفي ضوء هذا المعطى تبقى المبادرة التشريعية رهينة سلطة الحكومة ومدى تجاوبها، حيث يبقى تجاوبها من عدمه خاضعا لحسابات سياسية بين الأغلبية البرلمانية والحكومة من جهة، وبين الأغلبية والمعارضة من جهة أخرى، وذلك حسب مصدر هذه المقترحات والجهة التي تقدمت بها، وكأن السلطة التشريعية تحولت إلى مشرع استثنائي مقابل المشرع الأصلي التي أصبحت تمثله المؤسسة التنفيذية.

      وعليه، ومهما حاولت بعض القراءات تفسير هذا الأفول بأسباب خارجة عن النص الدستوري، فإن المشرع الدستوري مع ذلك كان عليه أن يتدخل بشجاعة للحد من بعض القيود التي تفرضها العقلنة البرلمانية على فعالية البرلمان.

      ملاحظتنا هذه لا تنكر الجرعات القوية التي قدمها دستور2011 للمنظومة البرلمانية، من خلال اعتماده بعد القواعد والآليات الجديدة لتطوير عمل البرلمان والرفع من قدرته، خاصة بعد الاعتراف له بممارسة السلطة.
  • 2- عودة السلطة إلى البرلمان في انتظار الفعالية
      كثيرة هي المآخذ التي كانت تسجل على المؤسسة البرلمانية والتي جعلت منه فضاء للتسجيل وليس مجالا لممارسة السلطة، ولتجاوز هذا التوصيف الذي كانت له انعكاسات خطيرة على صورة البرلمان ومصداقيته، اتجه المشرع الدستور إلى الاعتراف لأول مرة بالبرلمان كمؤسسة تمارس السلطة، حيث نصت الفقرة الأولى من الفصل 70 من الدستور 2011 على ما يلي: "يمارس البرلمان السلطة التشريعية"، ويعتبر هذا المقتضى إضافة نوعية وضرورية لتعزيز روافد الشرعية التمثيلية للمؤسسة البرلمانية التي كانت تفتقد إليها، ذلك أن برلمان دون شرعية لا يعد برلمان، ونفس الشيء يقال على برلمان شرعي يعاني من نقص القدرة على اتخاذ القرارات،ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن الاعتراف للبرلمان بالسلطة سيكون له تأثير ايجابي على صورته وعلى أداء وظيفة السلطة التشريعية المنوطة به، وذلك متى توفر على المتطلبات الضرورية لتدبير هذه السلطة، والمرتبطة أساسا بنخبة برلمانية مؤهلة، وإمكانيات مادية وبشرية كافية، وفضاء سياسي محفز.

     وبالعودة إلى مستجدات النص الدستوري، أصبحت المؤسسة البرلمانية تملك العديد من الآليات الدستورية للاضطلاع بالسلطة التشريعية، بدءا بآلية التصويت، التي لا تتم إلا بعد المناقشة والتداول في القضايا و الأمور المعروضة أمام اللجان البرلمانية التي تعتبر الميدان الحقيقي لممارسة السلطة التشريعية، حيث تكون الفرصة مواتية لمختلف الفرق البرلمانية للتعبير عن مواقفها بخصوص مضمونها، ومن خلال هذه المناقشة يمكن للبرلمانيين القيام بتقييم السياسات العمومية كآلية أخرى لممارسة السلطة التشريعية  المنصوص عليها في الفقرة الثانية من الفصل 70 من دستور2011، بجانب الإمكانية المتاحة للبرلمانيين بموجب الفقرة الثانية من الفصل 101 من الدستور الجديد، والذي سيمكن البرلمانيين إذ ما وفرت لهم الإمكانيات الضرورية، من تثمير إمكانياتهم في مجال النقاش والتداول داخل البرلمان، هذا بالإضافة إلى آلية مراقبة عمل الحكومة التي جرى تقويتها وتنظيمها وتخفيف بعض القيود المفروضة عليها.

     إن تفعيل مجموع هذه الآليات رفقة المنظومة الإجرائية المتقدمة التي أصبحت تتأسس عليها يمكن أن يساعد خاصة بعد الاعتراف الفعلي بحقوق المعارضة وتمكينها من الوسائل اللازمة للنهوض بمهامها على الوجه الأكمل في العمل البرلماني والحياة السياسية، في انبثاق ثقافة برلمانية جديدة، وفي بناء فضاء عمومي مستقل، فضاء له رهاناته الخاصة به، وقراراته التي تعبر عن إرادة الأمة التي يمثلها، وذلك بعيدا عن تأثيرات ثقافة الهيمنة و التغول التي تؤسس لهما العقلنة البرلمانية والممارسة الحكومية.

    وتجدر الإشارة في الأخير، انه وبالرغم من القيمة الرمزية لمفهوم السلطة التشريعية، فإن تجسيد مضامين هذا المفهوم على أرض الواقع، حتى في ضل وجود نصوص دستورية صريحة، فإنها سيبقى قاصرا ما لم تصاحبه إرادة فاعلة لتحرير النصوص من شراك تطبيقات النص الضمني، وتأويلات الفاعل السياسي غير المنضبطة لروح الوثيقة الدستورية
.
3-  تخليق الممارسة البرلمانية

     كثيرة هي الظواهر والسلوكات التي كانت ومازالت تشوش على مصداقية البرلمان وتسيء إلى سمعته وصورته لدى الرأي العام، والتي تحولت بسبب تواترها والتسامح غير المبرر تجاهها إلى ثقافة تستوطن مختلف مفاصل العمل البرلماني بالمغرب، من قبيل التعسف في استعمال الحصانة البرلمانية، والترحال السياسي، والغياب البرلماني.

     إذا كان تفعيل مضامين المادة الخامسة من قانون الأحزاب السياسية الذي سبق وان منع الترحال البرلماني قد اصطدم مع مقتضيات الفصل 36 من دستور 1996 التي كانت تنص على أن النواب يستمدون نيابتهم من الأمة، فإن الدستور الجديد قطع الشك باليقين وارتقى بمضمون المادة الخامسة السابقة الذكر إلى مرتبة المقتضى الدستوري، عندما نص  في الفقرة الأولى من الفصل 61 على أنه: "يجرد من صفة عضو في أحد المجلسين، كل من تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه في الانتخابات، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها"، وهو ما سيؤدي إلى تخليق و تطبيع الممارسة البرلمانية الداخلية، و إضفاء طابع الاستقرار المؤسساتي عليها.

        وفي إطار تعزيز مسلسل تخليق الممارسة البرلمانية، خطى المشرع الدستوري خطوة أكثر جرأة عندما ألغى الحصانة الجنائية التي كانت تشكل درعا لحماية فساد بعض أعضاء البرلمان، واكتفى بالحصانة ضد المسؤولية التي تكفل للعضو البرلماني حرية الرأي وحرية المناقشة والتعبير وحرية التصويت بالموافقة أو المعارضة، دون أن يتعرض للمتابعة أو الاعتقال أو المحاكمة مع مراعاة الاستثناءات المقررة في الفصل 64 من الدستور، ومعنى هذا أن النائب البرلماني أصبح مواطنا عاديا ينطبق عليه ما ينطبق على باقي المواطنين، يحتفظ له القانون فقط بالحصانة اللازمة لتأمين أداء دوره النيابي داخل المجلس لا خارجه.
    كما ألزم المشرع الدستوري البرلمان بمناسبة صياغة النظام الداخلي لمجلسيه بالتنصيص على الجزاءات المطبقة على النواب البرلمانيين الذين لا يلتزمون بالحضور إلى جلسات وأشغال البرلمان، ويعتبر هذا الإعلان توجيها ملزما يكمل ما كان معمولا به في النظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 2004 والذي كان قد نص على العديد من الجزاءات المقررة في حق المتغيبين، رغم أنها بقيت بدون فعالية بسبب رفض البرلمانيين الاستجابة لمقتضياتها، بل أكثر من ذلك اعتبرت من طرف الكثيرين مسا بحريتهم الشخصية ومواقفهم السياسية، واحتقارا لحصانتهم البرلمانية، وهو ما يفرض على الجميع تحمل مسؤوليته، والانخراط بجدية في حملة التصدي لهذه الظاهرة، في انتظار تقرير إجراءات أكثر صرامة، يكون الغياب المتكرر للبرلمانيين بدون عذر مقبول سببا موجبا لتجريد النائب البرلماني من عضويته.

     وسيرا على نفس المنوال، أكدت مقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 26 و63 من الدستور الجديد على ضرورة تضمن القانون التنظيمي لكل من مجلسي البرلمان قواعد تحد من الجمع بين الانتدابات الانتخابية، وهو ما يشكل اعترافا صريحا بخطورة هذه الظاهرة، التي كانت تقتضي أكثر من توجيه بوضع قواعد شبه دستورية للحد منها، مادام أن التحديد الجزئي لن تكون له إلا نتائج محدودة، كما تعلمنا خلاصات العديد من التجربة الفرنسية في هذا الإطار.

    وعلى العموم يمكن القول أن مجموع الإجراءات الدستورية التي تضمنتها وثيقة دستور 2011، والرهانات التي رفعتها يمكنها أن تكسب المؤسسة البرلمانية هوية خاصة تميزها عن المؤسسات البرلمانية السابقة، ويمكن أن تساعد كذلك على إعادة قدر من الاحترام لها وحيز من القيمة لوظائفها التمثيلية والتشريعية والرقابية، وتساهم في نزع تلك النعوت والتوصيفات المشار إليها، و التي ساهمت في تقهقر صورتها لدى شرائح واسعة من المجتمع.

للإطلاع على هوامش المقال أو نسخه يرجى التحميل أسفله


السبت 24 ديسمبر 2011


تعليق جديد
Twitter